التعريف بالشيخ | زيارته للمدينة المنورة

ذِكْر بعض ما يتعلَّق بزيارته لقبر خير الأنام
مع ما اتفق له بالمدينة المنورة


ثم أتبع النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ ذكر بعض ما يتعلَّق بحج الشيخ لبيت الله الحرام، بذِكْر بعض ما يتعلَّق بزيارته لقبر خير الأنام، عليه من الله أفضل الصَّلاة و أزكى السلام، مع ما اتفق له بالمدينة المنورة من لقي قطب الزمان و حامل أهل العرفان الشيخ سيدي محمد بن عبد الكريم السمان، فقال
:

و بعْدَ فعْلِ حَجِّه المبرورِ

 

و سَعيهِ هُنالك المَشكورِ

رحلَ للمَدينةِ المُنيفهْ

 

لكيْ يزورَ الرَّوضةَ الشَّرِيفَه

فزارَ خيرَ مَن لهُ المرَاحلُ

 

جِيبتْ و ذُلِّلتْ له الرَّواحلُ

ثمَّ التقى معَ الرّضي السَّمَّانِ

 

قطبِ الزَّمانِ الكاملِ العِرفانِ

فأخبرَ الشيخَ بكُنهِ حالِه

 

و مَا يَكونُ مِنهُ في مآلِه

و قالَ للشيخ أتمْ لتُصْبغا

 

فاعْتذرَ الشَّيخُ وَ مَا لهُ صَغا

و أذِنَ القطبُ لهُ فِيمَا طَلبْ

 

مِن عِندِه و كلّ ما فيهِ رغبْ


(الحج) تقدَّم،
و (المدينة) عَلَم بالغلبة لمدينة الرسول ، فلا يستعمل معرفاً إلا فيها
. و النكرة: اسمٌ لكل مدينة، من مَدَنَ بالمكان أقامَ به، أو من دَانَ بمعنى أطاعَ إذ يُطاع السلطان فيها، وهي أبيات كثيرة تجاوز حدّ القُرى و لا تبلغ حد الأمصار. و نسبوا للكل: «مديني»، و للمدينة المشرفة: «مَدَني»، للفرق.
و (المنيفة) من أناف على غيره ارتفع عليه، وَصَفها به لإنافتها به على جميع البلاد حتى مكَّة عندنا
.
و (الروضة الشريفة)، هي ما بين القبر و المنبر
. و خصّها لأنها محلُّ ركوع الداخل للمسجد النبوي ركعتي التحية. و قد يراد بها القبر الشريف و ما حواله، والله أعلم.
و (المراحل) جمع مرحلة
: و هي المسافة التي يقطعها المسافر في نحو يوم.
و (جيبت) قُطِعَتْ، من جاب الأرضَ بجوبها جَوْباً
: قَطَعها.
و (الرواحل) جمع
«راحلة»: و هي الناقة التي تصلحُ أن ترحل أو المركب من الإبل مطلقاً.
و (كنه) الشيء
: حقيقته.
و باقي الألفاظ ظاهر
.
يقول
: و بعد قضاء نسْكِه و تكميل حجِّه المبرور و فوزه بنتيجة سعيه المشكور، و وفاة شيخه سيدي أحمد بن عبد الله الهندي المذكور، أزمع عنه الإرتحال لزيارة خير من تحطُّ ببابه الرحال، فتوجَّه تلقاء مدين المآرب مكرراً بلسان حاله: «وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ »[القَصَص: الآية 22] و أقوم المذاهب. و سار و الأشواق تفري(1) به نحو تلك المشاهد العاطرة النواسم، ما لا تفريه أيدي الأينُقِ العتاق النجيبات الرواسم(2)، منشداً في تلك الحال كلَّما جدَّ به نحو الحبيب الترحال:

يا مأرَباً لَيْسَ لي فِي غيره أرَب

 

إِلَيْكَ آلَ التَّفصِّي و انْتهى الطَّلبُ


و لسان هواتف الحقائق يناديه في ذلك كله و يجيب، ما ضاع من زار
الحبيب:
أَيضِيعُ مَنْ زَارَ الحَبِيبَ و قد دَرَىٰ

 

أنَّ المُرورَ ببالِه زُوّارُه؟

و قد حظِيَ بالوصول إلى مدينة خير نبيٍّ و رسول و شرف و كرم و مجد و عظم
. لم يلبثْ أن تقدمَّ من حينه لزيارة القبر الشريف تحفه ألطافُ البر و التعريف و تجذبه العناية إلى ما أودع فيه من السر المنيف. فقام بوظيف الزيارة أتمَّ قيام، و وفى بالفروض و النفل من آداب المقام، و ما زاغ بصره و ما طغى حتى أدرك غاية المبتغى. ثم بعد ذلك مال لملاقاة القطب السمان صدر الصدور و عين الأعيان. فلقيَ منه الرحبَ و السهل، و المنال الجزل. و أخبره من طريق الكشف بما انطوى عليه باطنُ حاله، و أنبأه بما تصير إليه نهايته في مآله.
ثم طلب من سيدنا في الإقامة لديه ليدخله الخلوة ثلاثة أيام فيصبغه صبغةً تامَّة بما يفاضُ من الفتح عليه
. فتعلَّل سيدنا بعدم إمكان المقام لعذرٍ قام به في ذلك المقام. ثم طلبَ منه الإذن العام فأسعفه بالمرام وبشَّره بما قرَّت به منه العين، و أخبره عن نفسه بأنه هو القطبُ الجامع بلا مَيْن(3). و قال له: "اطلبْ ما شئت"، فطلب سيدنا أموراً، فساعده على جميع ما طلبه منه رَحِمَهُ اللهُ تعالى و رضي عنه. و الشيخ السمان هذا أخذ عن مولانا مصطفى البكري الصديقي رضي الله عنهما و عن أولياء الله أجمعين. و لم يتعرَّضْ صاحب "الجواهر" لتاريخ وفاته، فمن عرف ذلك فليلحقه بهذا المحل من هذا التقييد، والله ولي التوفيق و التسديد.

 

*****


(1) فَرَى الأرض فَرْياً: اجتازها . وفرى به: أخذه وأسرع به.  
(2)
نجائب الإبل: خيارها. والرواسم: جمع  «الرَّوْسَم» وهو الداهية.

(3)المَيْن: الكذب.