ما يلزم أخذ الورد | من اللوازم أيضاً لآخذ هذا الوِرْد الشريف أن لا يجالس أحداً من المنتقدين


من اللوازم أيضاً لآخذ هذا الوِرْد الشريف أن لا يجالس أحداً من المنتقدين

ثم قال الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى:  

(ومَنْ يُجالِس مُبغِضَ الشّـَيـخِ هَلكْ

 

وضَلَّ فـي مَـهامـهٍ وفـي حَـلَكْ

وشَرَّدَ النَّهْي لنَا الرَّسُولُ

 

في ذَاكَ فلْتعـمَلْ بِمَا يَقـولُ

اخْتر لنَفسِك الَّذي أطـاعا

 

إنَّ الطِّباعَ تَسْـرِقَ الطِّـبـاع

والشَّيخُ قالَ هُو سُـمٌّ يَسـري

 

يُحِلُّ مَن فَعلهُ في خُسر

وهْو عِندَ الصَّادتينَ قَد وَضَعْ

 

نَعـمْ وقـَد جُـرب ذلك فَـصحَّ

فالهَربَ الهَـربَ عـمَّا قُلتُ لَكْ

 

نَصيحــةً ولـوْ  يَكـونُ وَلدكْ)

 

 

 

 

           

( المجالسة)؛ ( المبغض)؛ ( الحلك)؛ ( السم)؛ ( الخسر).

يقول:ومن اللوازم أيضاً لآخذ هذا الوِرْد الشريف؛ المتقيد بهذا العهد المنيف. أن لا يجالس أحداً من المنتقدين؛ ولا يركنُ إليه في أمر من أمور الدنيا ولا من أمور الدين وقد شدَّد النهي لنا في ذلك سيد المرسلين، فيما تلقَّاه عنه أستاذنا المعظم الأمين، فلتعمل بما يلقيه إليك هذا الإمامُ عن حضرة سيد الوجود عليه الصلاة والسلام، وقديماً قيل: اختر لصُحْبتِكَ مَنْ أطاعَ، فإن الطباعَ تسرِقُ الطباع(1)، وثبتَ عن سيدنا فيما روي عنه من صحيح الأقوال أن الجلوس مع المنتقدين سمٌّ يسري لجليسهم، والعياذ بالله تعالى من هذا الداء العضال، وقد شُوهد ذلك في كثير ممن ابتُلي بذلك، فالهرَبَ الهربَ ممن قامَ به ذلك الوصفُ ولو كان من أخصِّ قرابتك وعيالك.

وعقد الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الأبيات ما في «الجامع» ونصّه: ومن الشروط المؤكَّدة مجانيةُ المنتقدين على الشيخ ، فإن سيدنا كان يحذِّر كثيراً من مخالطة المبغضين ومحبَّتهم، وأكْلِ طعامهم والجلوس معهم، ويقول: إن بغضَهم يسري في قلب من جالَسَهم كالسمِّ، وقد شاهدناه في بعض الأصحاب إلى آخر كلامه، أعاذنا الله من بلائه بمنِّه ورضاه.

وقد تلقينا مثل ما في «الجامع» عن بعض الخاصة مشافهةً، وفيه التصريحُ بأن ذلك يقطع المادة من الشيخ على المريد، وهو الذي عبَّر عنه الناظمُ بالهلاك والضلال والخسران.

وفي الحلية لأبي نعيم عن بعضهم أنه قال في قوله تعالى: ]وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى اُلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ اْلنَّارُ[[هُود: الآية 113] إن النار في الآية نارُ القطيعة اهـ بمعناه، وهذا على طريق أهل الإشارات والله أعلم، وقد تقدَّم لنا في المقدمة الكلام في آداب الصحبة وأن الصحبة يتوقَّع فيها الفساد كم يتوقَّع فيها الصلاح، وقد قيل: ما فسد من فسد إلا بصحبة من فسد، وقيل: اصحَبْ من شئتَ فأنت على دينه، ورحِمَ الله الأليبري حيث يقول في المعنى.

من حادَ عن نَهْجِ الهُدَىٰ

 

فـأضَلَّ قصْدَ سَبيلِهِ

فَتَوَقَّ خلَّتَه فـدِيــ

 

نُ المرْءِ دِيـنُ خَليلِه(2)

وقال بعضهم: خيرُ المجالس من تهديك كلماته وترشدك إشاراته، وتنهضك حالاته وذلك أستاذك أو أخوك من أستاذك اهـ. وقيل: لا تجالسْ من لا تجانس، وفي ذلك قيل:

من لم تجانِسْه فاحذرْ أن تجالِسَـه

 

فالشمعُ آفتُه من صُحْبَةِ القطْنِ

وفي الحكم: لا تصحبْ من لا ينهضك حالُه، ولا يدلُّك على الله مقالُه. وبالجملة فالكلام في التحرُّز في الصحبة كثيرٌ، وتوقُّع الصلاح والفساد فيها شهير، والله يعصمنا من الزَّلل، ويوفِّقنا بمنِّه لصالح القول والعمل، آمين.

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

(والحـذَرَ الحَـذرَ(3) أنْ تـُؤذِيَ مَـنْ

 

كانَ أخَاكَ في الطَّريقةِ احْذَرْنْ

لأنَّها عَنْ شَيخِـنا التِّجانـي

 

إذايةٌ للمصطفـى العَـدْنانِ

وسيِّدُ الوُجُودِ فـي ذَا شَـرَّدا

 

مُصرّحــاً بنَهـينا مُؤكِّـدا

وقالَ إنَّ مَـنْ يَكونُ يَفعلـهْ

 

صَارَ هَباءْ فـي هـواءٍ عَملـُهْ

وذَا لِحبّ سَيِّد الوُجـودِ

 

حَـبِيبُ حِبّـِه الكثـيرِ الجُـودِ

أعــوذُ بـالمُـصوِّرِ العَـلَـيِّ

 

ممَّا غَـدا إذاعةَ النَّبـيِّ)

هذا الذي تضمَّنته هذه الأبيات من لوازم الطريق أيضاً، وقد تقدَّم شرحُ ذلك في ذكر فضائل أهل هذه الطريقة عند قول الناظم: «يسوءه ما ساءهم» وبيَّن وجْه ذلك هنالك بما يكفي، فراجعه هنالك، والله الموفق.

ثم أتى الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى بما هو كالتحصيل لما تضمنته هذه الأبيات والأبيات قبلها التي أولها: «ومن يجالس مبغض الشيخ» إلخ فقال: 

(حاصلـه باغِضٌ وحابـِبٌ فِيـهِ

 

ودَعْ مَقــالَ النّـَاعِـق السَّفيـهِ

وزُرْه واستَمِدَّ مِنْه واتَّبِـعْ

 

جَمـِيـعَ مـا صحَّحـتَ عنْـهُ وسُمِـعْ

لأنهُ حِـبٌّ وقَفْوٌ للنَّبي

 

وصَحبِه يا فَوزَ مَنْ بِهِ حُبي

ولتنسُبنْ إليه رغْمَ منـكِـرهْ

 

في وَجهِ مَنْ أحَبَّه وَمن كَـرِهْ)

( باغض)، ( حاببْ فيه ( الناعق السفيه)، و ( زره واستمد منه)، ( حب)، ( قفو للنبي وصحبه و يا فوزُ من به حُبي )، ( ولتنسبن إليه ).  

يقول: وحاصلُ ما ذكرته لك في الأبيات قبلَه أيها المريد الصادق والمحب الوامق(4)، أن تبغض مبغِضَ الشيخ كلَّ البغض بقلبك، وتختصَّ مُحِبَّه بإمحاضِ ودِّك وخالص حبِّك، ولا تعبأنَّ في ذلك بقيلٍ ولا قال، كلُّ ناعقٍ أو منتقد سفيهٌ بطال، وأدِمْ زيارته والاستمداد منه والاتباع له في جميع ما صحَّحته من أقواله، لأنه حبيبُ النبيِّ ، ومن شأن الحبيبِ كمالُ المتابعة لمحبوبه في جميع أفعاله، وانسب إليه جميع ما ثبتَ لديك من المناقب والمآثر والمفاخر من غير أن تكترثَ في ذلك بأحد، فسواءٌ عليك الصديق والمصدِّق والمنكر المكابر.
هذا، ومن تأمل ما تضمنته هذه الأبيات عَلِمَ أنها نتيجةُ سَوْرة الحال
(5)، ونفثةِ مصدورٍ حملته الغيرةُ الإيمانية على أن قال ما قال، وإلا فلا بدَّ فيما أشار إليه من المباغضةوالمواددة من إقامة ميزان العدْلِ؛ وسلوك سنن الرشد والحلم والسداد وغير ذلك من شِيَم الفضل، مع الملاحظة لنحو قوله تعالى: ]إِنَّ اُللَّهَ يَأْمُرُ بِاُلْعَدْلِ وَاُلإحْسَانِ[ [النّحل:الآية90] الآية، وقوله جلَّ وعلا:]خُذِ اُلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِاُلْعُرْفِ[[الأعرَاف:الآية199] الآية، وقوله:]لاَ يُحِبُّ اُللَّهُ اُلْجَهْرَ بِاُلسُّوءِ مِنَ اُلْقَوْلِ[[النِّساء: الآية 148] الآية، وقوله عزَّ وجل:]يَا أَيُّهَا اُلَّذِينَ آمَنُواْ اُتَّقُواْ اْللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا(70)[[الأحزَاب: الآية 70] الآية، وقوله سبحانه وتعالى:] اُدْفَعْ بِاُلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اُلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ[[فُصَلَت: الآية 34] الآية؛ وبالجملة فإن العامل على ما أشار إليه الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى يحتاج إلى ميزانٍ قويم وقسطاسٍ مستقيم، والتعرُّض الآن لبعض ما في ذلك من الأنفال، لا يسَعُه الوقت والحال، وقصدنا بهذا الذي ذكرناه التنبيه على التشبث في الأمر، والأخذ بما لا تأنيبَ فيه ولا وزر، ومن كان ذا حالٍ فليسلم له حاله، ولا كلام لنا معه ولا مع أمثاله، لاستغنائه عن كلِّ أحدٍ بتأييد مولاه، حيث نهضَ فيما نهض إليه لله وبالله، ومن تتبَّع كلام سيدنا في رسائله وأجوبته عثر على شرح ما أشرنا إليه وحصل على الميزان الأقوم الذي يكون سيرُه وعمله عليه، والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

   

 

 

***



(1) معنى هذا القول أن على الإنسان أن يحسن اختيار صحبته حتى لا يختلف طبعه بطبع صاحبه بالتأثر والتأثير، وكما ورد في الحديث «الرجل على دين خليله».


(2)
هذا إشارة إلى حديث النبي r: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». رواه الترمذي في (الزهد: 45).

(3) قوله «الحذَر الحذرَ» صيغة تفيد التحذير، وهو من المكرر، وهما منصوبان بفعل محذوف تقديره «الزم».
(4) المحبُّ الوامق: المحب المخلص بغير ريبة.

(5) سورة الشيء: حدَّته.

المجالسة


 

(المجالسة) اتِّخاذ الغير جليساً

 


 

×

المبغض


 

و(المبغض) المنتقِد


 

×

الحلك


 

و(الحلك) الظلام


 


 

×

السم


 

و(السم) مثلث السين
 


 

×

الخسر


 

و(الخسر) الخسران، ؛ والمراد به هنا: القطيعة والعياذ بالله تعالى.
 


 

×

باغض


(باغض) من المباغضة، والمراد: قابلْ مبغضَه بالبغض
 


 

×

حاببْ فيه


 

و(حاببْ فيه) أي قابلْ مُحِبَّه بالمحبة ولا تقصرْ في حقِّه بكل ما تستجلب به مودَّته


 

 

×

الناعق السفيه


و(الناعق السفيه) المنكِرُ للطريق المنتقد على أهلها محبتهم لبعضهم بعضاً وتألفهم
 


 

×

زره واستمد منه


و(زره)أمرٌ من الزيارة، والمراد بها هنا. القصْدُ للانتفاع بقرينة عطفِه عليه قوله: (واستمد منه).
 


 

×

حب


وقوله: (حب) معناه حبيب؛ وتقدَّم الكلام فيه، وقول النبيّ صلى الله عليه و سلم: أنت حبيبي وكل من أحبَّك حبيبي
 


 

×

قفو للنبي وصحبه


وقوله: (قفو للنبي وصحبه): أي تابع للنبيوصحبـه في الأقـوال والأفعال، ومعلومٌ شدةُ متابعة سيدنا رضي الله عنهللنبيصلى الله عليه و سلم؛ وعضُّه على سنَّته بالنواجذِ، وأمره بذلك، وأيضاً إن تربيته رضي الله عنه كانت على يده صلى الله عليه و سلمحسبما تقدَّم شرح ذلك، فلذلك قال الناظم رحمه الله: (يا فوزُ من به حُبي)


 

×

ولتنسبن إليه


وقوله: (ولتنسبن إليه) أي انسب إليه جميع ما تقدَّم من المآثر والمناقب والمفاخر على رغم المنتقد، وبمحْضَرٍ من المبغض والمعتقد.


 

×