ما يلزم أخذ الورد | يلزمُ الآخِذ لهذا الوردِ الشريف المحافظة بغايةِ جهْدِه على إقامة أركان الصلاة المكتوبة


يلزمُ الآخِذ لهذا الوردِ الشريف المحافظة بغايةِ جهْدِه على إقامة أركان الصلاة المكتوبة

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى: 

(كذا الصَّلاةُ بِشرُوطِـها الَّتـي

 

قَد قُرأَت في كتْبِ أهْلِ السُّنةِ

إيّاك إياكَ ونَقـر الدِّيـكِ لا

 

تَفعَـلْ لِكونـه الصَّلاةَ  مُبـطِـلاً

وصلِّ معْ جماعـة سُنيَّـةِ

 

إيّـاك إيّاكَ مَـع البِرعيَّـةِ

فَـلا تُصلِّ قالَ خَـلْـفَ مُـنـكِـر

 

إنْكاره أعظِمْ بهِ مِـنْ مُنكـر)

( الصلاة)، و ( الشروطُ)، ( أهل السنة)، و ( نقر الديك)، و ( الجماعةالسنية و البدعية)، ( المنكر).

 

يقول: وكذا يلزمُ الآخِذ لهذا الوردِ الشريف المتقيِّد بهذا العهْدِ المحمدي المنيف المحافظة بغايةِ جهْدِه على إقامة أركان الصلاة المكتوبة بتكميل هيئتها الشرعية المعروفة، واستيفاء شروطها التي هي في كتب الفقهاء محدودة وموصوفة، ومن تكميل هيئتها وإقامة أركانها إتمام ا لطمأنينة في الركوع والسجود، وإتمام الاعتدال كذلك في القيام بين يدي الملك المعبود، فلا ينقرُها نقرَ الديكة للحَبِّ، فإن ذلك مبطِلٌ لها ومبْعِد لفاعله عن حضرة القرب.

ومن تكميل هيئتها أيضاً أداؤها في الجماعة مع الإمكان، لكن بشرطِ كونِ الإمام مستوفياً من أوصاف الإمامة لجميع الأركان، غيرَ متَّسم ببدعة أو ضلال أو فسوف أو عصيان، كأن يكون ممن ينكِرُ الولاية أو الكرامة، لأن ذلك فسقٌ وأيّ فسق يتوجَّه لصاحبه الذمُّ والملامة لخروجه به عن مناهج أهل الاستقامة، وقد قالَ جمعٌ من أهل السنة والجماعة: أعدلُ المذاهبِ أن لا يتقدَّم فاسقٌ للإمامة والشفاعة.

وخصَّت المحافظةُ على إقامة الصلاة بالذكر مع دخولها في اشتراط المحافظة على الأوامر الشرعية لمزيد الاعتناء بها، لكونها أهمَّ ما يحافظ عليه من أمور الدين، وقد قال :«الصَّلاةُ عِمادُ الدِّين فَمَنْ تَرَكَ الصَّلاة فَقَدْ كَفَر» ومن وصية لمولانا عمر الفاروق : فإن أهمَّ أمورِكم عندي الصلاة، فمن حَفِظَها وحافَظَ عليها فهو لما سواها أحفظُ، ومن ضيَّعها فهو لما سواها أضيعُ اهـ.

وقد نصَّ المحققون على أن سائر العبادات وسائل إلى تحقيق سرِّ الصلاة اهـ. فالمحافظة عليها آكدُ وأهم، والواقع من الناس خلافُه، جَبر الله حالنا جميعاً وقديماً. قال مولانا عمر بن الخطّاب وهو على المنبر: إنَّ الرجل ليشيبُ عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاةً، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا يتمُّ خشوعَها وتواضُعَها وإقبالَه على الله فيها اهـ ذكره في «العوارف». ونقل بعضهم عن القاضي أبي بكر بن العربي أنه قال: ولقد رأيتُ ممن لا يحافظ عليها من لا أحْصيه، فأما من يحفظها فلا أعد منهم خمسة اهـ.

وقد كان شيخنا يشترطُ المحافظةَ عليها على المزيد عند الأخذ عنه قبل كلِّ شيء، وكذلك جميعُ نوَّابه أجمعين. ومن طالَعَ إجازتهم على كثرتهم علم ذلك عِلْمَ يقينٍ لا يمتارُ فيه، وطالع رسائل الشيخ tونصائحه تقفْ من ذلك على ما يقضي بتقديم ذكر هذا اللاَّزم على كل لازم من لوازم الطريق، ويكفي ما في «النصيحة الشافية» من قوله فيها بعد أن صرَّح : بأن آكد ما يحافظ عليه من أمر الله تعالى الصلواتُ الخمس، وأن الواجبَ لها تكميل شروطها وتنقيل هيئتها في الركوع والسجود على الحد الذي حدَّه في خبر المسيء في صلاته الذي قال له: «ارجعْ فصَلِّ فإنَّكَ لم تُصَلِّ»(1) الحديث الثابت في الصحيح ما نصّه: فالحذرَ الحذرَ من وقوع الخلل في الصلاة، فإن الصلاة في الإيمان، وأعمالُ الإيمان بمنزلة الروح في الجسد، إذا وجدت الروحُ وجدتْ حياة الجسدِ، وإن فقدت الروح منه فقدت الحياة اهـ، إلى غير ذلك من كلامه الدائر على أن الصلاة أعني المحافظة عليها على الوجه الأكمل شرعاً هي الشرط الآكَدُ والأهمُّ في طريقه، فهو أجدرُ أن يقدم في الذكر على كلِّ شرط.  

وقد أدركنا من أدركناه من خاصَّة أصحاب سيدنا الذين كانوا يلقِّنون أورادَه إذا أتاهم من يأخذُ عنهم اشترطوا عليه هذا الشرط قبل كل شيء، وأمروا غيره من التلاميذ أهل الصدق في الإرادة أن يعلمه الطهارة قبل كلِّ شيء، بأن يرشدوه إلى آداب قضاء الحاجة ويعلِّموه كيفية الاستبراء والاستنجاء على ما ينبغي شرعاً، ثم كيفية الوضوء كذلك، بعد أن يعرفوه الفروض والسنن والمندوبات في ذلك، ثم كيفية الغسل من الجنابة كذلك ومفروضاته ومسنوناته، ثم كيفية الصلاة أيضاً على الوجه الأكمل من إتمام أركانه وتحسين هيئتها على الحدِّ المحدود في ذلك، ولا يزالون يتعاهدون المريدين بالمذاكرة في ذلك والحضِّ عليها بغاية الجهد، كما لا يزالون يمدحون المعتني بذلك ويثنون عليه ويحسِّنون فعله، ليقَعَ التنافسُ في الخير ويبرؤوا من عُهدة النصيحة الواجبة في ذلك، فجزاهم الله خيراً، وقدَّس أسرارَهم، وأبقى في الأتباع بركاتهم وأنوارَهم آمين.    

وبالجملة فمن تتبَّع كلامَ شيخنا في هذا الشرط، وتأمَّل أحواله المنقولة عنه في العمل به، وكذلك أحوال الخاصة من أصحابه، الثابتين على قَدَمه، علمَ عِلْمَ يقينٍ أن معظم مدار التربية في طريقته على هذا الشرط، ورحم الله الشيخ الإمام العارف بالله تعالى أبا عبد الله سيدي محمد بن الصغير التشيتي مؤلف «الجيش الكبير» فقد ذَكَر عنه أخوه المحقِّق المتفنِّن المدقق سيدي عبيدة في كتابه «ميزاب الرحمة الربانية» أنه كان إذا سأله عن مدار التربية في هذه الطريق على ماذا؟ يقول له: هو في الصلاة، ولم يعرفْ ذلك حتى فتح الله عليه في موضع مؤلفه المذكور، فكُشِف له الحجابُ عما كان منهمّاً عنه من ذلك السرِّ المستور، فوضع الطريقة الثانية في هذا اللازم الأهمِّ، وعرفنا لما اتُّخِذت السلاليم في هذا السفر الأعظم.

وفي كلام أئمة الطريق وفحولها ما يشيرُ إلى أن إقامة هذا الشرط في طريق السلوك والتربية من أعظم أصولها. قال التاج ابن عطاء الله في حكمه : ليكنْ همُّك إقامة الصَّلاة لا وجودَ الصلاة، فما كلُّ مصلٍّ مقيم، الصلاةُ طهارةٌ للقلوب واستفتاحُ أبواب الغيوب، الصلاة محلُّ المناجاة، ومعدن المصافاة، تتَّسع فيها ميادينُ الأسرار، وتُشرِقُ فيها شوارِقُ الأنوار اهـ وقال الشيخ محيي الدين : إنه ليس في العبادات ما يلحقُ العبدَ بمقامات المقرَّبين من ملكٍ ورسولٍ ونبيٍّ وولي ومؤمن إلا الصلاة، قال تعالى: ]وَاُسْجُدْ وَاُقْتَرِبْ [[العَلَق: الآية19] فإن الله تعالى في هذه الحالة يباهي به المقربين من ملائكته، ويقولُ لهم: يا ملائكتي أنا قرَّبتكم ابتداءًَ، وجعلتُكم من خواصِّ ملائكتي، وهذا عبدي جعلتُ بينه وبين مقام القربة حُجباً كثيرةً وموانعَ عظيمة، من أغراض نفسية وشهوات حسية، وتدبير أهلٍ ومال وولد وخدمٍ وصحب وأهوال عظام، فقَطَع كل ذلك وجاهَد حتى سَجَد واقتربَ وكان من المقرَّبين، فانظروا ما خصَّصتم به يا ملائكتي من شرف المقام حيث لم أبتلِكُم بهذه الموانع ولا كلَّفتكم مشاقَّها، فاعرفوا قدر هذا العبد وراعوا له الحقَّ ما قاساه في طريقه من أجلي اهـ الغرض منه.

وللأستاذ السهروردي في عوارفه كلام نفيس في المعنى خلَّل به الكلام في أبواب الصلاة من كتابه المذكور، فليراجعه من أرادَه، ولعلنا ننقل بعضه في غير هذا إن شاء الله تعالى. وقولُ الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى: «وصلِّ مع جماعة سنية» إلى آخر البيت: أرادَ بالجماعة الإمامَ، لأن الجماعة لما كانت في هذا المقام لا تسمى جماعةً إلا بوجودِ إمامٍ، كأن الإمام كأنه هو الجماعةُ كلُّها، فصحَّ إطلاقُ اسم الجماعة عليه من هذه الحيثية، وانظر الأصل الذي عَقَده رَحِمَهُ اللهُ في هذا البيت، فإنا لم نقفْ عليه في شيء من كلام الشيخ الثابت رواية، ولا سمعناه من أحدٍ ممَّن نعتدُّ به من أصحابه، ولعلَّ الناظم وقَفَ على ذلك أو سمِعَه ممن يعتدُّ بالسماع منه إذ لا يظنُّ به الإقدام على تقوُّل مثلِ هذا في الطريق، ووجْهُه إن صحَّ عن الشيخ أنه مبني القول بمَنْع إمامة الفاسق بالاعتقاد، والمسألةُ معروفة. وهي إن كانت خلافيةً فمعلوم أن أهلَ الطريق يأخذون بالاحتياط في الدين بغاية الجهد، فيجتنبون المكروه حتى كأنه حرامٌ، ويؤكِّدون العملَ بالمندوب حتى كأنه واجبٌ، فلا بدعَ إذاً أن يأمر الشيخ tبترك الصلاة خلفَ الفاسق بالاعتقاد، أخذاً بالاحتياط في العمل على القول بذلك، والله تعالى أعلم.     

وأما قوله رَحِمَهُ اللهُ في البيت قبل: (إياك إياك ونقر الديك)، فالأصلُ فيه ما في الشافية مع ما نقل متواتراً عن الشيخ من تشديد النهي عن تخفيف الركوع والسجود وعدم الإتيان بالطمأنينة على الوجه الأكمل فيهما، وكذا بالاعتدال مع الاطمئنان في الرفع منهما، قال: قال : وحقيقة الطمأنينة في الشرع أنَّ الراكعَ والساجد إذا بلَغَ حدَّ الركوع والسجود يتراخى فيهما قدرَ ما يسبِّح الله تعالى ثلاث تسبيحاتٍ، وفي الحديث: «وذلكَ أدْنىٰ الرُّكوعِ والسُّجود» وفي «عوارف المعارف» أن هذا القدرَ هو أدنى الكمال، والكمالُ أن يمكثَ قدرَ ما يسبِّح الله تعالى عشراً اهـ بمعناه. وليس هذا من التحديد المصادم لمذهب إمامنا مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى بل تمثيل للقدرِ الذي تحصلُ منه الطمأنينة بحقيتها الشرعية، وقد أسار في «تحقيق المباني» إلى نحو هذا، واستدلَّ بالحديث المشار إليه سابقاً فانظره إن شئت، وراجعْ ما أجابَ به في «الجيش» عن مقال المشنِّعين علينا في هذه المسألة لما بتُلوا به من الاعتساف(2) والانحراف عن مَحَجَّةِ(3) الإنصاف، فقد شفى فيه وكفى، رَحِمَهُ اللهُ تعالى ورضي عنه، ونفعنا ببركاته آمين.
( تنبيه)
( لطيفة)  

 

   

 

 

***



(1) خبر هذا الرجل والحديث، أن رسول اللهrدخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي rفقال: «ارجع فصلِّ فإنك لمتصلِّ».

فرجع فصلى كما صلَّى، ثم جاء فسلم على النبي rفقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» ثلاثاً.

فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلِّمني.

فقال:  «إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها». روى الحديث البخاري في (الإيمان: 15)، والترمذي في (الصلاة: 110)، وفي (الاستئذان: 4)، والنسائي في (الاستفتاح: 7)، وفي (التطبيق: 15)، وفي (السهو: 67)، وابن ماجه في (الإقامة: 72).


(2)
الاعتساف: الظلم، واعتسف الطريق وعن الطريق: سار فيه غير هدى، مثل «عَسَفَ».

(3) المَحَجَّة: الطريق المستقيم، جمعه: مَحاجّ.

الصلاة


 

(الصلاة) اختلف في اشتقاقها، فقيل: من الصِّلةِ، لأنّها صلةٌ بين العبد وربِّه، وقيل: من قولهم: صلَّيْتُ العود بالنّار، بالتشديد إذا ليّنته وقوَّمته، لأنها تلينُ القلب وتقوِّمه كما يليَّن العودُ وتقوَّم بعرضه على النار، واقتصر في «عوارف المعارف» عليه وبيَّن وجهه، وهو أن العبدَ اعوجاجٌ لوجود نفسه الأمارة بالسوء، فإذا قامَ إلى الصَّلاة وأقامَها على الوجه المشروع واجهه من وهْجِ السطوة الإلَهية والعظمة الربانية ما يزولُ به اعوجاجه، بل يتحقَّق به معراجه اهـ بمعناه وبعض لفظه.


 

×

الشروطُ


 

(الشروطُ) جمع شرط، ويقال أيضاً: شريطة، وهي بمعناه وتجمعُ على شَرائِط، وقد شرَطَ عليه كذا يشرُطُه ويشرِطه بكسر الراء وضمها لغتان. والشرطُ ما يلزمُ من عدمه العدم ولا يلزمُ من وجودِه وجودٌ ولا عدم لذاته.

وتنقسمشروطُ الصلاة من حيث الجملة إلى ثلاثة أقسام: شرط وجوب فقط، شرط صحة فقط، شرطُهما معاً. وأراد الناظمُ هنا شروطَ الصحة، بل ما يشملُ جميعَ الأركان الفعلية والقولية بل ما يشملُ جميعَ ما يحصلُ به تحسين هيئتها على الوجه الأكمل في الشرع.

 


 

×

أهل السنة


 

و(أهل السنة) المرادُ بهم هنا علماء الشريعة المطهرة.


 


 

×

نقر الديك


و(نقر الديك) كنايةٌ عن الإسراع المفرِط في الصلاة المفضي إلى ترك الطمأنينة الواجبة في الصلاة جميعها.
 


 

×

الجماعةالسنية و البدعية


و(الجماعةالسنية) المراد بها: السالمة العقائد من الزيغ والضلال، ويقابلها (البدعية) والمرادُ بها: أهل الأهوال كالقدرية وغيرهم من الفرق الفاسدة العقائد.
 


 

×

المنكر


و(المنكر) المراد به: والله أعلم، منكرُ الولاية أو منكر الكرامات، فهو تخصيصٌ من التعميم في هذه البِدَع قبله.
 


 

×

تنبيه


 قد كان سيدنا إذا حضَّ على إيقاع الصلاة في الجماعة يرغب فيها غايةَ الترغيب ويؤكِّد الأمرَ فيها أشدَّ التأكيد، لكن لا بد أن يقيدَ كلامه بقوله: إذا كان الإمام يستكملُ الركوع والسجود وإلا فلا تحلُّ الصلاةُ خلفَه، وهذا لفظه بعينه في «الشافية»، وذلك لأن الإخلالَ بالطمأنينة مبطِلٌ لصلاة الإمام، فيسري البطلان لصلاة المأمومِ، ولو قدَّرنا أنه يأتي هو بالطمأنينة، لأن صلاته مرتبطة بصلاته كما هو معروف في كتب الفروع، وقول سيدنا : «وإلا فلا تحلُّ الصلاة» إلخ إنَّما عدل عن نفي الصحَّة إلى نفي الحلية، لأن نفي الصحة في المسألة من البين الذي لا يكاد يتوهَّم، بخلاف الحلية، فإن كثيراً من الناس ربما قال: أصلِّي خلفه لأحضرَ الجماعة، ثم أعيدُ وحدي مثلاً، والإقدامُ على ذلك بعد العلم به ولا سيما مع المداومة على ذلك تلاعُبٌ في الدين، والإقدام على التلاعُب في الدين لا يحلُّ لأنه من اتخاذ الدين هزواً ولعباً، فافهمْ ذلك وتنبَّه له، ولا يحملنَّكَ على التساهُلِ في هذا ما في الحديث من قوله: «يُصَلُّونَ لَكُم فإنْ أصابوا فلَكُم ولهم وإنْ أخْطَأوافلَكُم وعَلَيْهِم»(1) الحديث المروي في الصحيح، وذلك بأن تتوهَّم أن الخطأ المذكورُ هو عدمُ الإتيان بالطمأنينة أو ارتكاب ما تبطلُ به الصلاة، بل المراد بالخطأ الذي يكون على الإمام دون المأموم هو أن تخرجَ الصلاة كلها بلا حضور مثلاً أو يكون الإمام ملاحظاً للعطاء على الإمامة غير مخلص عمله لله تعالى أو غير ذلك مما حمل شراح الحديث الخطأ المضرَّ بالإمام دون المأموم، وفي ذلك أن يدعو لنفسِه ولا يدعو للمأمومين فافهم، والله تعالى أعلم وأحكم.

واعلم أرشدني الله وإياك إلى سلوك مناهج التحقيق، وهدانا جميعاً بفضله وكرمه لأقْوَمِ طريق، أن الناظم جدَّد الله عليه سحائبَ رحماته، وأعاد علينا من عميم بركاته، قد أتى في هذا المحلِّ بأبيات خمسة(2) عقدَ فيها مسألَتَيْن أجنبيتين مما ترجَم له: المسألةالأولى مسألة تورُّع سيدنا الشيخ إنما هو لما كان عليه من التحقُّق بمقام الورع، وما سمع منهنه فيه من الذمِّ خارجٌ مخرجَ الزجر والتغليظ لمن كان يراودُه على التساهل فيه بعد  الخروج عنه لله تعالى، وغيرُ خافٍ أن هذه حالُ من رسخت قدمُه في مقام الورع، وإذا كان لا ينكر على الشيوخ الكاملين والعلماء العاملين تورُّعهم عن المباح البين الذي لا شبهة تطرق إليه بحال فكيف ينكر على سيدنا تورُّعه عما كثر فيه في ذلك الوقت بين عامة الناس وخاصَّتهم القِيل والقال.  

وقد ذكر في «العوارف» عن الإمام أحمد بن حنبل أنه تركَ أكْلَ البطيخ لأنه لم تبلُغْه الكيفية التي عليها كان أكَله له. وأما السكر فقد وَقَع فيه بين علماءِ ذلك الوقت نزاعٌ كبيرٌ إلى أن ألف كلٌّ بما ظهر له، وكاد الخلاف بينهم فيه أن يكون كالخلاف في الجبن الرومي قبل هذه الأزمنة، وبسبب ذلك تورَّع عنه الشيخ ، هذا الذي عندنا في هذه المسألة. وأما المسألة الثانية فهي أن الشيخ كان في مرضِ موته يتكلم مع أصحابه ويذكِّرهم على عادته عظمة أمرِ الله تعالى وأمر رسوله، فجرى ذِكْر الرقيق، فقال : من يملك أمةً من غير أن يتسرَّى بها(3) أو يزوِّجها من غيره أو يبيعها على هذين الشرطين فليطرَحْ سبحتي من يده اهـ. ولا شك عندنا أن هذا خروجٌ منه مخرجَ الزجر والتغليظ لما بلغه تساهلُ الناس في ذلك مع ما فيه من تضييع الحق الشرعي ومصادمة الوارد في قوله: «لا ضَرَرَ ولا ضِرار»(4) والمسألة داخلةٌ في اللازم المتقدِّم في قول الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

كذلك فِعْلُ ما بهِ الهادي أمَرْ

 

وتَرْكُ ما عَنْه نَهانَا وزَجَرْ

كما لا يخفى، إلا أن بعضَ من حَضَر المقالة فهم منها غيرَ المقصودِ كما فهم مثل ذلك من ذمِّ الشيخ للسكر، فصار يشترطُ ذلك في الطريق ويدخله في جملة ما ينقطع به المريد عن الشيخ، ولعلَّ ذلك هو الذي اعتمدَه الناظم رَحِمَهُ اللهُ هنا، ولو تفطن لما ذكرته لما تعرض لهذين المسألتين في هذا المجال، ولكلِّ مقامٍ مقال.


 



(1) رواه البخاري: في (الأذان: 55)، وأحمد: 2/355.
(2) لم تأت هذه الأبيات في الأصل، فلعل الشارح حذفها لما ذكره، فتأمل.
(3) تسرَّى بها: تزوَّجها لكثرة ماله وقلة مالها.
(4) رواه ابن ماجة في (الأحكام: 17)، ومالك في (الأقضية: 31)، وأحمد: 5/327.
 

×

لطيفة


سمعت بعض خاصة أصحاب سيدنا وأفاضلهم يقول في مسألة الأمة هذه: إن سيدنا ذكر ذلك في مرض موته حسبما سبق قريباً، فهو نعْيٌ نعَىٰ به نفسه لأصحابه ، أخْذاً من الوارد عنه، من أنه كان آخرُ ما أوصى به «الصَّلاة ومامَلَكتْ أيمانُكُم» وللوارث قسطٌ مما لموروثه؛ ولله دَرُّ هذا السيد فيما فهمه في هذه المسألة، ولا محالة أنه عثر على السرِّ فيها بلا ريب عند من أنصف وعقل ]وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّاُلْعَٰـلِمُونَ[[العَنكبوت: الآية 43].
 


 

×