ما يلزم أخذ الورد | ما تجب منه التوبةُ


ما تجب منه التوبةُ فقط كلَّما وقع فيه المريدُ ولا يوجبُ انقطاعاً عن الشيخ

ولما أنهى الكلامَ فيما يجبُ منه تجديد الإذن في الورد لكَوْنِ من نبذه كُلاً أو بعضاً استهزاءً وتهاوناً ينسلخُ عن عُهدةِ أهل الطريق أردَفَه بما تجب منه التوبةُ فقط كلَّما وقع فيه المريدُ ولا يوجبُ انقطاعاً عن الشيخ، ولا سدّاً لأبواب المريد فقال: 

(كَذاكَ فِعلَ ما به الهَادي أمـرْ

 

وتَركَ ما عَنـهُ نَـهانَا وزَجـرْ

تَحذيرُه كانَ مِن القَلبيَّه

 

للنّـَاس أكـثـرَ مِـنَ الجَليَّـه

لكَونها مِنْ فِعلهمْ خَفيَّه

 

مَع زَجْرِه عَن كُلِّ ما مَعصيّهْ

وشُرِّد التَّحذيرَ في الَّذي انتَقل

 

عَن النَّبي كونُه يُحبِطُ العَمَلْ

وكانَ يُعْري بِفروض العينِ

 

لِكَونها هِي أساسُ الدّينِ

مع كونه يُعْري بكلِّ أمرِ

 

أتى عنِ النبيِّ أو فـي الذكـرِ

وبالمُكفِّراتِ للـذُّنـوبِ

 

وبالمُطـهِّـراتِ للقُلـوبِ

ومَن عَليهِ كَتَبَ المَجِيـدُ

 

فلَيْس لازِماً له التَّجديد)

( كذاك)، ( الهادي)، ( تحذيره)، و( القلبية) و ( الجلية)، ( انتقل)( فروض العين)، و( الذكر)، و( المكفرات للذنوب)، و( كتب) و( المجيد)، ( التجديد). 

يقول رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وكما يلزمُ الأخذ للورد لجميع ما تقدَّم، فكذلك يلزمُه أيضاً الأخذ بما أتانا الرسولُ الهادي الأكرم، والترك لما نهانا عنه ]وَمَآءَاتَٰـكُمُ اُلرَّسُولُ فَخُذُوهُ[ [الحَشر: الآية 7] الآية، والمرادُ تركُ المخالفة فعلاً وتركاً للأوامر الشرعية بالمحافظة في السر والعلانية على الوقوف عند حدودِها المرعيَّة لكثرة تحذير الشيخ في بساط الدلالة والتربية من وخامة مرْتَعِ المعصية الظاهرة منها والخفية.

وتحذيرُه كان من الباطنة أكثرَ من تحذيره من الظاهرة الجلية، فقط كان يكثر التحذير من المعاصي بأسرها ويبالغُ في القلبية منها أكثرَ من غيرها، وكذلك كانَ يشدِّد الزجرَ والتنفير، ويبالغ في التخويف والتحذير من فعل ما وَرَد عن سيد الأرسال أن فعله يحبطُ الأعمال، وكذلك أيضاً كان يرغِّبُ أتمَّ ترغيب في كلِّ وقت وحين في المحافظة على المفروضات العينية التي هي أساسُ الدين، مع كونه يرغِّب دائماً على سبيل الإطلاق، والتعميم في كلِّ أمر أتى به الذكر الحكيم، أو وَرَد في سنة نبيّنا المصطفى الكريم، عليه وعلى آله أفضلُ الصَّلاة وأزكى التسليم وكذلك يرغبُ أيضاً مع ذلك كله في الإتيان بالخصال التي وردتْ عن بيننا أنها تكفِّر الذنوب، وتطهِّر القلوبَ من الرَّان وسائر أدران العيوب(1).

وهذا ومن قُدِّر عليه ذنب في الأزل، فليس عليه بعد الوقوع والنزول إلا المبادرة للتوبة والإقبال على صالح العمل، وليس عليه تجديدُ التلقين للوِرْد ولا إعادة التقيد بالعهد.     

والأصلُ فيما عقَدَه الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في البيت الأول من هذه الأبيات ما هو مذكور في غير ما رسالة من رسائل سيدنا ، وخصوصاً في الرسالة الأولى من الرسائل المشتمل عليها «جواهر المعاني»، فإن لفظ الشيخ فيها صريحٌ في اشتراط المحافظة على الأوامر الشرعية في الورد، ونصّه فيها: وشرطُ الوردِ المحافظةُ على الصلاة والأوامر الشرعية، إلخ، يريدُ بقدرِ الاستطاعة، كما شرَحَه في الرسالة التي تلي هذه بقوله [في] صدرها: وبعد، فأوصِيكم بما أوصاكم الله به وأمَرَكم به من حِفْظ الحدود ومراعاةِ أمرِ الله، على حسب جهدِكم واستطاعتكم، فإنَّ هذا زمانٌ انهدمتْ فيه قواعدُ الأمر الإلَهي جملةً وتفصيلاً وانهمكَ النَّاسُ فيما يضرَّهم دنيا وأخرى، بحيث لا رجوع ولا يقظة لما يصرفُ القلوب إلى الله والوقوف عند حدوده أمراً ونهياً، ولا طاقة لأحدٍ بتوفية أمر الله في هذا الوقت، إلا لمن ليس حلة المعرفة أو قارَبَها، ولكن حيث كان الأمرُ كما ذكر ولم يجد العبدُ مَصْرفاً عما أقامه الله فيه، فالأبقع(2) خيرٌ الأسود كله، فاتركُوا مخالفة الله ما استطعتم، وقوموا بأمرِه على حسب الطاقة اهـ.

إلا أن الناظم عبَّر عن الشرط هنا باللازم وقد تقدَّم بيان الوجهِ في صنيعه رَحِمَهُ اللهُ تعالى، والأصلُ فيما عقَدَه في قوله: «تحذيره» إلخ ما هو مذكور في فصول سيرة سيدنا ودلالته على الله تعالى من «جواهر المعاني» والأصلُ فيما عَقَده في قوله: (وشدد النكير في الذي انتقل)(3) إلخ مذكور في بعض أجوبة الشيخ عن بعض الآي القرآنية من الكتاب المذكور، والأصلُ فيما عقده في قوله: (وكان يغري بفروض العين) إلخ مذكورٌ في الشافية وفي غيرها من الرسائل، وكذا فيما عقدَه في قوله: (وبالمكفرات للذنوب) إلخ مذكور في جلِّ رسائله كالشافية وغيرها، وأما قوله: (ومن عليه كتب المجيد) إلخ فالأصل فيه ما ثبتَ متواتراً عن الشيخ من أنه كان لا يأمرُ بالتجديد من الوقوع في شيء من المخالفة كائنةَ ما كانت، أي تجديد الإذن، وإنما كان يأمرُ من بَلَغه عنه شيءٌ من ذلك أو شَكَا إليه شيئاً صدَرَ منه بالتوبة بشروطها وترك الإصرار، وعدم الأمن من مَكْر الله تعالى لا غير. 

وجميع ما اشتملتْ عليه الأبيات السبعة بعد البيت الأول هو من تفصيلات ما دلَّ عليه ومتعلِّقاته، وإنَّما خصَّت المعاصي القلبية بالذكر في بساط السلوك عندنا والتربية، لأن كلَّها أو جُلَّها من الأسباب القاطعة للمريد عما هو بصدده من الوصول إلى حضرة الربِّ المجيد. وقد كان سيدنا الشيخ يبالغ في التنفير عن العُجْبِ والكبر ويقول: إن صاحبهما، والعياذُ بالله تعالى، ممقوتٌ وإنهما من أعظمِ الذنوب القاطعة عن الله تعالى، ويستشهد لذلك بقصَّة سيدنا آدم عليه السلام حين أمرَ اللعين بالسجودِ له فأبى واستَكْبر، فطُرِد عن رحمة الله وكتبتْ عليه اللعنة إلى يوم الدين، انظر «جواهر المعاني»(4)

وإنَّما خصتْ أيضاً محبطاتُ الأعمال، لما عليه كثيرٌ من الناس في شأنها من الإهمال والإغفال، مع كونها من أكبر الدواهي المعضلات، التي يجب التحرُّز منها في عموم الأحوال وسائر الأوقات، وهي متعدِّدة، وعدُّوا منها قذفَ المحصناتِ لحديث مسلم: «مَنْ قَذَف َمُحْصَنةً مُؤْمِنةً أَحْبَطَ الله لَهُ عَمَلَهُ مائة سَنة» وعدُّوا منها أيضاً تركَ صلاة العصر حتى تغربَ الشمسُ من غير عذرٍ من نسيان أو نوم لحديث: «مَنْ تَرَكَ صلاة العَصْرِ فقدْ حُبِطَ عَمَلُه»(5). وفي رواية:«كأنَّما أوْتَرَ مالهُ وأهْلَه ووَلَدَه» وهي صحيح البخاري، وعدوا منها ظلم الأجير بعدم إعطائه أجرته لحديث:«مَنْ ظَلَمَ أَجيراً أُجْرَته أحْبَطَ الله عَمَلَه وحَرَّمَ عليه رِيحَ الجنَّة وريحُها يُوجَدُ من خمسمائةِ عام» وهو من أحاديث خطبة الوداعِ، وعدُّوا منها سبَّ الصَّحابة الأكرمين لما في الحديث: «مَنْ سَبَّ أصحابي فَعَليْهِ لعْنَةُ الله والملائِكَةِ والنَّاسِ أجمَعين ولا يُقْبلُ منهُ صِرْفٌ ولا عدلٌ» اهـ إلى غير ذلك. ونسأل الله تعالى الحفظ من سائر المهلكات بجاه أحبِّ الخلقِ إليه، نبينا المعلوم .

وخُصَّت المفروضاتُ العينية بالذكر أيضاً لكونها أساس الديانات التي لا تبنى إلا عليها قوائمها، ولا يستند إلا عليها دعائمها ولكونها كثيرةً، فمن ينتسب لطريق أهل الخير ممن لا يعثر على من يأخذ بيدِه يعتني بغيرها من الفضائل والرغائب أكثر مما يعتني بها، وتزين له نفسُه وهواه ذلك، ويتخيَّل أنه على الجادَّةِ، نسألُ الله العافية والسلامة من كل آفة وبلية.

وخصَّتْ مكفِّراتُ الذنوب من الشيخ بمزيد الترغيب فيها، والتأكيد في الحضِّ عليها، لشدَّة الاحتياج إليها في الوقت، وكثرة مناسبتها لأحكامه وأحوال أهله حسبما يشير إليه سياقُ كلامه في الترغيب فيها والحضِّ على العمل بها في رسائله ونصائحه كقوله في «الشافية» بعد إخباره بهَيَجان بحر الذنوبِ في هذا الزمان وعظم أمواجه وتراكم ظلماته وعَجْز الناس عن الخروج من الذنوب إلا صديقٌ أو من قارَبَ مقامَه ما نصّه: فحيث كانَ الأمرُ هكذا فليشتغل العاقلُ بعد تصحيح صلاةِ فرْضِه بمكفِّراتِ الذنوب، إلى آخر كلامه فيها . وكذلك في غيرها من الرسائل، فإنه يشيرُ إلى ما ذكرناه من شدة احتياج الناس إليها عموماً، وخصوصاً المريدين الصادقين لمناسبة العمل عليها لحكم الزمان وأحوال أهلِه كما لا يخفى.

وحاصلُ ما أشارَ إليه كلامُ الناظم في هذه الأبيات الإخبارُ بأن من اللازم للداخل في هذه الطريقة الأحمدية الشريفة المحافظة على الأوامر الشرعية، والمحافظةُ عليها تكون بامتثال جميع ما أمَرَ به الشرعُ ولو على جهة الندْبِ، ويتأكَّد الأمرُ في الواجبات العينية لتحتُّم الأمر بها، ولكونها هي أساس المعاملات الدينية، وتكون أيضاً باجتناب جميع ما نهى عنه الشرعُ ولو على جهة الكراهة، ويتأكّد الأمرُ في المحرمات منها جسديةً كانت أو قلبية، ثم يتأكَّد الأمرُ في القلبية من أجلِ كونها خفيةً قد لا يعبأ بها والأخرى جلية، مع كون القلبية أيضاً مفسدةً للقلب، وإذا فسد فسدَ الجسدُ كلّه كما في الحديث عنه : «إنَّ في الجَسَدِ مُضْغةً» الحديث(6)، وهذا هو حقيقةٌ التقوى، ولا شك أن التقوى في السرِّ والعلانية أصلُ منهاجِ الوصول إلى الحضرة العرفانية.

ومراتبُ التقوى ثلاثةٌ: أولاها: تقوى الشِّرْك، وعليها قوله تعالى: ]وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اُلتَّقْوَىٰ [ [الفَتْح: الآية 26] أي الشهادتين، كما فُسِّر به. ثانيتها: تركُ ما يؤثر من فعلٍ، وترك حتى الصغائر عند قوم وعلى هذه المرتبة قوله تعالى: ]وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ[ [الأعرَاف: الآية 96] الآية. ثالثتها: تنزُّه سرِّه عما يشغلُه عن الحق، وعليه قوله تعالى: ]يَٰأيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اُللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ[[آل عِمرَان: الآية 102] والواجبُ منها في هذا البساط بذلُ الوسعِ في الامتثال والاجتناب وعليه قوله تعالى: ]فَاتَّقُواْ اُللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ[ [التَّغَابُن: الآية 16] قال المفسرون: إنها مخصَّصة للتي قبلَها أو ناسخةٌ لها، والله أعلم.

ثم إن المحافظة على الأوامر الشرعية لا تتأتَّى إلا بالمبادرة إلى التوبة من كلِّ مخالفةٍ تصدرُ من المريد، وبترْكِ الإصرار على الذنوب، بأن يحدث لكل ذنبٍ صدَرَ منه توبةً، فإن أصرَّ فليحدِث لإصراره توبة، ولو تكرَّر الفعلُ منه مراراً، إذ ليس لنا داء لا دواء له، وفي الحديث: «ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ولو عادَ في اليومِ سَبْعينَ مرَّةً»(7) وقد قيل للحسن(8): الرجلُ يذنِبُ ثم يتوبُ ثم يذنب ثم يتوب إلى متى؟ قال: ما أرى هذا إلا من أخْلاقِ المؤمنين.

وقال حجةُ الإسلام رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وكما اتخذت العودَ إلى الذنبِ حرفةً فاتخِذ العَوْدَ إلى التوبةِ حرفةً، فإنَّك تكفِّر بالتوبة ذنبَكَ الماضي، ولعلَّك أن تموتَ وأنتَ تائبٌ اهـ الغرض منه هنا. 

فتحصَّل أن هذا اللاَّزم هو الامتثال والاجتناب في السر والعلانية، والمراد بذلُ الوسع والطاقة في ذلك على ما عليه قوله تعالى: ]فَاتَّقُواْ اُللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ[[التّغَابُن: الآية 16] وهذا القدرُ من المحافظة على الامتثال والاجتناب لا يتأتَّى إلا بالمحافظة على التوبة من كل ذنبٍ يحدث من العبد، ولو جَرَى عليه القدرُ النافذ بالعود إليه في اليوم أو الليلة مراراً، فلا يؤمر المريدُ إلا بتجديد التوبة من الذنب، أو من الإصرارٍ عليه إن صَدَر منه، لأنه ذنبٌ تجبُ منه التوبةُ لا غير، ولا يؤمَرُ بتجديد التقيُّد بالعَهْدِ لأنه لا تنفسخ عقدةُ عهدِه بارتكاب الذنب كما قد يتوهَّم، وهذه طريقةُ الكُمَّل من العارفين، فقد رأيت في النزهة للشيخ أبي العباس التستاوي رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن بعض إخوانه عهِدَ إليه مرَّةً عند إرادته الوفادة على شيخه الشيخ ابن ناصر أن يبلِّغَه سلامه، وأن يذكُرَ له عنه أنه يقَعُ في الذنب الفلاني، قال: وهو مما يقتلُ فاعله ثم يتوب ثم يعود، وقد تعذَّر عليه أمرُ التوبة منه، يعني بحيث لا يعودُ إليه أصلاً. قال: فأجابني الشيخ بأن قال لي: قلْ له ليس عليه إلا أن يجدد التوبة منه كلما جَرى عليه القدرُ به، والحبل متَّصلٌ بيني وبينه، انتهى بمعناه مع طولِ عهدٍ به. 

وحدَّثني بعضُ الخاصة من أصحاب سيدنا أن بعض أصحابه وَقَع في كبيرة، ثم أتى سيدنا خائفاً مذعوراً، فذكر ذلك له فقال له: ليس عليك إلا أن تتوبَ إلى الله تعالى وأنت مني وأنا منك اهـ. والتوبةُ: الندم، أي توجع القلب وتحزُّنه على ما صدَرَ منه إعظاماً لمخالفة الله تعالى، وحَذَراً من عقوبته وسخطه، مع العزم على أن لا يعود عزماً قوياً جازماً، لكن لا ينتهي فيه إلى أن يعطي الله عهداً أن لا يعصيه أبداً، فقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في طبقاته أن رجلاً قال لبعض الشيوخ: أرأيتَ إن أعطيتُ الله تعالى عهداً أو ميثاقاً أن أعصيه أبداً، فقال له: فمن حينئذٍ أعظمُ منك جرماً؟ وأنت تتألَّى على الله تعالى أن لا ينفِّذَ فيكَ أمرَه اهـ. ويجب الاستحلالُ من حقوق العباد وردُّ ما أمكن من مظالمهم، لا بدَّ من ذلك مع الإمكان، والمسألة شهيرةٌ مقررة في كتب الفقهاء.
( فائدة)
 
( فائدة)
( تنبيه)  
( مسألة:)
( مسألة أخرى:)
( فائدة:)
( تكميل:)

واعلم أن هذه المكفِّرات متفاوتةٌ في الفضل وعظم الفائدة: فمنها: ما وَرَد النصُّ فيه بأنه يكفِّر الكبائر والصغائر، ومنها: ما وَرَد أنه ما تقدَّم وما تأخَّر، ومنها:  ما وَرَد أنه يكفِّر ذنوبَ العبدِ على الإطلاق، ولم يذكُر كبيرةً ولا صغيرةً ولا ما تقدَّم ولا ما تأخر، وعلى هذا فيتأكَّد العملُ بما صرَّح فيه بغفران الكبائر والصغائر، ثم بما صرَّح فيه بما تقدم وما تأخر، وكذا بما جيءَ فيه بالإطلاق ثم بما صرَّح فيه بما تقدم فقط، فما صرَّح فيه بتكفير الصغائر والكبائر صلاة التسبيح، لقوله لعمِّه العباس(9) حين علمه إياها: «يا عمَّاه ألاَ أُعْطيكَ ألا أمْنَحُكَ ألا أحْبوكَ ألا أفعلُ بِكَ عَشْرَ خِصال؟ إذا أتت فعَلْتَ ذلكَ غَفَرَ الله لكَ ذَنْبَكَ أوَّله وآخِرَه، قدِيمَهُ وحدِيثَه، خطأَه وعَمْدَه، صَغِيرَه وكبيرَه، سرَّه وعلانيته»(10) الحديث، خرّجه جماعة منهم أبو داود وابن حبان والحاكم في المستدرك، انظر «الحِصن» وشرحه، وزاد بعض من ألَّف فيها والترمذي وابن ماجة والنسائي، ونقل عن ابن الصلاح أنه قال في حديث صلاة التسبيح: إنه حسنٌ معتمد معمول به لا سيما في العبادة والفضائل، والمنكِرُ لها غيرُ مصيب، وقد رغَّب فيها سيدنا الشيخ في رسائله غاية الترغيب، وكنتُ حين تلقيتها بالإذنِ عن بعض خاصة أصحابه وخزائن أسراره قال لي بعد أن بالَغَ في الحضِّ عليها: لو وجدت لألزمت ُكلّ واحدٍ من الأصحاب أن يصليها في كلِّ يوم، فعلمتُ أنها من مُهمَّات الأمور المعمول بها في طريقنا. قال بعضُ من ألَّف في هذه الخصال المكفرة للذنوب: وقد استمرَّ على فعلها يعني صلاة التسبيح عمل القديم والحديث من الصالحين كعبد الله بن المبارك، فإنه كان يواظبُ عليها وهلم جراً، ثم قال: قال السبطي: فمن سمع ما وَرَد فيها ثم تغافَلَ عنها فهو متهاوِنٌ في الدين، غيرُ مكترثٍ بأعمال الصالحين، لا ينبغي أن يعدَّ من أهل الخير في شيء. 

ومما عُدَّ من هذا الباب الحجُّ لبيت الله الحرام، فقد نصُّوا على أنه مكفِّرٌ للصغائر اتفاقاً، وللكبائر على الصحيح حتى التبعات عند بعضهم، ثم إن ما وَرَد بالإطلاق أو بما تقدَّم وما تأخَّر حيث لم ينصَّ فيها على إدخال الكبائر ولا إخراجها مختلَفٌ فيه بين العلماء، فقيل: يحمَلُ على التعميم للكبائر والصغائر، وقيل: لا يحملُ إلا على الصغائر. وأما الكبائر فلا تكفَّر إلا بالتوبة، أو بفضل الله ورحمته حملاً لمطلقِ الأخبار على ما قيدها، وهو قوله في الصَّلاة: «ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ»(11) واحتجَّ القائل بالتعميم بآية: [إِنَّ اُلْحَسَنَٰـتِ يُذْهِبْنَ اُلسَّيِّئَاتِۚ] هُود: الآية114 وغيرها من الآيات والأحاديث الظاهرة في ذلك، ولأن الله غفرَ لأهل عرفات وضمِنَ لهم التبعات، وهو حديث صحيح، ولحديث الترمذي وغيره: «مَنْ قالَ اسْتَغْفِرُ الله الذي لا إلَهَ إلاَّ هُو الحيُّ القيُّومُ وأتوبُ إلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وإن كانَ فرَّ مِنَ الزَّحْفِ»(12) إلى غير ذلك مما احتجَّ به لهذا القول، وعلى القول بالتخصيص بالصغائر إذا لم يصاف العمل صغيرةً ولا كبيرة كتبت به حسناتٌ ورُفعت درجات قاله النووي، ثم قال: وإن صادفَ كبيرة أو كبائر ولم يصادِفْ صغائر رجونا أن يخفّف عنه من الكبائر اهـ، ولعلَّنا نبسط القول في هذه المكفرات في غير هذا إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

 

 

***



   (1) الرَّان: الغطاء والحجاب الكثير، وهو كذلك ما غطَّى القلب وركبه من القسوة للذنب بعد الذنب. والدَّرن: من الفعل «دَرِن يدرنُ دَرَناً»: وسخ وتلطَّخ، والدَّرَن: من أمراض الرئتين.
(2) الأبقع: ما خالط لونَه لون آخر.
(3) الذي ورد في الأبيات «وشدَّد التحذير... إلخ».
(4) وفي القرآن الكريم: [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلئِكَةِ اُسْجُدُواْلآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اُلْكَفِرِينَ] [البقرة: 34].
(5) رواه البخاري في (المواقيت: 15)، والنسائي في (الصلاة: 15).
(6) انظر الحديث في رواية البخاري في (الإيمان: 39)، ومسلم في (المسافاة: 107) وابن ماجة في (الفتن: 14)، والدارمي في (البيوع: 1).
(7) رواه أبو داود في (الوتر: 26)، والترمذي في (الدعوات: 106):
(8) المراد«الحسن البصري»، وقد تقدمت ترجمته.
   (9) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الفضل، من أكابر  قريش في الجاهلية والإسلام، وجد الخلفاء العباسيين، وهو عم النبي ، وكان محسناً لقومه، سديد الرأي، واسع العقل، مولعاً بإعتاق  العبيد، كارهاً للرق، اشترى 70 عبداً وأعتقهم، وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام. أسلم قبل الهجرة، وكتم إسلامه. مات سنة (32 هـ). انظر صفة الصفوة: 1/203، وابن عساكر: 7/226، والمحبر: 63، وأسد الغابة، والإصابة.
(10) رواه أبو داود في (التطوع: 14)، والترمذي في (الوتر: 19)، وابن ماجة في (الإقامة: 190).
(11) انظر الحديث الوارد عند مسلم في (الطهارة: 16)، والترمذي في (الدعوات: 126).
(12) رواه الترمذي في (الدعوات؛ 117)، وأبو داود في (الوتر: 26).





كذاك


 

الإشارة بذا من قوله: (كذاك) إلى ما تضمنته الترجمة: أي ما يلزمُ من أراد الوِرْدَ إلخ.


 

×

الهادي


 

و(الهادي) من أسمائه، والمناسبة في الإتيان به هنا دونَ غيرِه من أسمائه ظاهرة


 

×

تحذيره


 

والضميرُ في (تحذيره) راجع للشيخ رضي الله عنهبقرينة المقام ويدلُّ عليه أيضاً الأصلُ المعقود من كلام صاحب «جواهر المعاني»، وهو في فصل الدلالة منه.


 


 

×

القلبية و الجلية


و(القلبية) صفة لمحذوف تقديره: المعاصي، كما يدلُّ عليه السياق، وكذا قوله: (الجلية) أيضاً


 

×

انتقل


و(انتقل) المراد به هنا روى أو ثبتَ أو صحَّ، اعتباراً بمراتب الأخبار الواردة في ذلك صحةً أو حسناً أو ضعفاً وانتقل يعمُّ جميعَها، ولذلك عبَّر به، والله أعلم.


 

×

فروض العين


 

و(فروض العين) الواجبات العينية، كالصلاة والصوم والزكاة وسائر المفروضات العينية


 

×

الذكر


 

و(الذكر) القرآن العظيم

 


 

×

المكفرات للذنوب


 

و(المكفرات للذنوب) المراد بها: الخصالُ التي وَرَد الخبرُ بأنها تكفِّر الذنوب، وهي معلومة

 


 

×

كتب والمجيد


 

و(كتب) معناه هنا قُدِّر، وهو فعلٌ ماضٍ فاعلُه (المجيد)، وهو اسمٌ من أسمائه تبارك وتعالى، ومفعول كتب محذوف للعلم به تقديره ذنباً، أي مخالفة للشرع.

 

 


 

×

التجديد


 

(التجديد) المراد به هنا: تجديد الإذن في الوِرْد من الآذِنِ لا تجديد التوبة، فإنَّ التمادي على الإصرار يفضي بصاحبه إلى البوار (1)

 

 


 



(1) البوار: الهلاك.
× ×

فائدة


 

ذكر الشيخ أبو الفيض سيدي زروق عن بعض العلماء أن من استغفر لمظلومه دُبُر كلّ صلاة خمساً وفَّى حقَّه. قال: وأظنه في العرض، والله تعالى أعلم اهـ. قلت: وقد صرَّح الشيخ الشعراني في «الأنوار القدسية» بما إذا كان الحق مالياً أيضاً. ونصّه: تنبيه: ينبغي لمن يعلم من نفْسِه أن عليه للناس حقوقاً في المال والعرض وتعذَّر رضاهُم أن يقرأ مع حضور قلبٍ سورة الإخلاص اثنتي عشرة مرةً، والمعوِّذتين كل ليلة ويهدي ثوابهنَّ في صحائف أربابِ الحقوقِ، ويقول بعد القراءة: اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على نبيِّك وحبيبك سيدنا محمّد وعلى آلهوأثِبْني على ما قرأتُه واجعلُه في صحائف من له علي تِبعةٌ من عبادكَ في مالٍ أو عرض اهـ.

ونقل عن الزواوي رَحِمَهُ اللهُ تعالى ما هو قريبٌ من هذا، وقد علمت أن هذا كله مع تعذُّر الإمكان، أي إمكان الاستحلال وردِّ المظالم، وفضل الله واسعٌ ومع خروجه عن صحبة قْرناء السوء الذين كان إلفُهم على المعاصي والمخالفات وإضرارهم بالتائب مشاهد، عافانا الله من شرِّ كل شرٍّ بمنِّه.

 

 

 


 

×

فائدة


 

ذكر الشيخ زروق أن من كان له قرناءُ سوءٍ خرَجَ عنهم وأرادَ أن لا يرجعَ إليهم فليشخصْهم وليصلِّ عليهم صلاة الجنازة أخذاً من تكبيره أربعاً على قوم لم يغزوا معه اهـ ومع الاستغفار باللسان منن الذنب حين التوبة فقد عدُّوه من شروطها أيضاً، وكثيراً ما وَرَد إطلاقُه عليها كما في الحديث السابق: «ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ» الحديث رواه الترمذي من حديث أبي بكر .

وروى الإمام أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «وَيْلٌ للمُصرِّينَ الذين يُصِرُّونَ على ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُون»(1) قال القسطلاني رَحِمَهُ اللهُ: أي يعلمون أنَّ من تابَ تابَ الله عليه ثم لا يستغفرون، قال: قاله مجاهد وغيره اهـ. ولا يترك الاستغفار لعدمِ مواطأة القلب للسان فيه، لأن اللسانَ إذا ألِفَ ذِكْراً أو شك أن يألَفه القلبُ فيواطئه، وبالجملة فالمضرُّ بالمريد هو الإصرارُ، لأن من الذنوب ما يقطعُ الإصرارُ عليها المَدَد من حضرة الشيوخ حسبما نصُّوا على ذلك، عياذاً بالله تعالى.

 


 



(1) رواه أحمد: 2/165، 219.
×

تنبيه


حدَّ بعضُهم زمنَ الإصرار بأن لا يدخلَ عليه وقتُ صلاةٍ أخرى، وهو لم يتبْ، وقيل في حدِّه غير ذلك. ووَرَد: «إنَّ الملائِكَة أعني الكِرام الكاتبين ينتظِرُونَ العاصي ساعةً» قال الشيخ محيي الدين بن عربي في «الفتوحات المكية» وما عرفنا مقدارَ هذه الساعة هل هي الفلكية أو غيرها اهـ. ونقل عن السمرقندي أن الملكَ ينتظرُ ستَّ ساعاتٍ أو سبع ساعات، فإن استغفرَ الله فيها لم يكتبْ عليه شيئاً وإلا كُتِب عليه سيئةٌ واحدة اهـ. وانظر هذه السوائغَ في كلام السمرقندي أيضاً، هل المرادُ الفلكية أو غيرها؟ والأقربُ أنها الفلكية لأن الذي يظهرُ أنه بيانٌ لقدر الساعة التي ينتظر فيها الملك، وإلا كان مناقضاً للحديث إن لم يثبتْ روايةً، والله تعالى أعلم.×

مسألة:


اختُلِف في قبولِ التوبة، هل هو قطعيٌّ أو ظنِّي؟والمشهورُ الأول. واختلف أيضاً على المشهور، هل يعودُ ذنبُه إذا عادَ للذنب أم لا؟ والصحيح الثاني، فتجبُ التوبةُ بشروطها من عَوْدِه للذنب، وكذا من عزْمِه على العود قولاً واحداً. واختلف أيضاً هل تصحُّ من ذنبٍ دون ذنب أم لا؟ والصحيحُ الأول، ولو كانَ صغيراً مع الإصرار على غيره، ولو كثيراً.×

مسألة أخرى:


اختُلِف هل تجب التوبةُ بتذكُّر الذنبِ مطلقاً، أو لا تجبُ بل تندب إلا مع الفرح به والرضا بوقوعه؟ والظاهرُ ترجيح الثاني، لقول الشيخ زروق في النصيحة: وذكر الذنبِ لا يوجبُ التوبة منه بل ندبُها على الصحيح إن لم يكنْ فرحاً بذكرِه، فتجب التوبةُ من فَرَحه به روضاه بوقوعه اهـ.×

فائدة:


من عَسُرَتْ عليه التوبةُ فليكثرْ من قراءة:[ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اُللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ][النّصر: الآية:(1)] ومن عَسُرَ عليه قيادُ نفسِه فليكثْر من قوله: [حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ] [آل عِمرَان: الآية173:] ذكره الشيخ زروق رَحِمَهُ اللهُ تعالى ورضي عنه.×

تكميل


قد ذكر الناظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى مكفِّراتِ الذنوب، وقد ذكرنا حضَّ الشيخ عليها وترغيبه فيها وسوقَه الكلام في ذلك مَساق المبالغة في النصيحةِ والإرشاد التام، وهي - أعني الخصالَ المكفرة للذنوب - كثيرةٌ وردتْ بها أحاديث شهيرة، وقد ذكر سيدنا عدةً منها في نصائحه ورسائله وأفردَ أحاديثها بالتأليف غيرُ واحدٍ من الحفاظ والفقهاء كالحافظ ابن حجر والإمام الخطاب شارح مختصر الشيخ خليل وغيرهما كالحافظ المنذري والجلال السيوطي، وجزاهُم خيراً آمين.×