ما يلزم أخذ الورد | إذا تحمَّل والتزمَ وترَكَ غيرَه من الأوراد


إذا تحمَّل والتزمَ وترَكَ غيرَه من الأوراد

   

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

 

(وتَرْك غَيرِه مِنَ الأورادِ

 

وعَدمُ التَّركِ إلى المَعادِ)

 

( غيره)، ( الأوراد)، ( وعدم الترك)، ( المعاد).

يقول:ويُعطى هذا الوردُ ويلقَّن أيضاً لمن رغِبَ فيه من العباد إذا تحمَّل والتزمَ وترَكَ غيرَه من الأوراد، بأن ينسلِخَ عنها إن كان وجده الحال متقيّداً بها، ويلتزم عدم أخذها بعدُ عن مشايخها وأربابها، وكذلك يُعطى ويلقَّن أيضاً لمن رغبَ فيه من الأنام إذا تحمل والتزم أن لا يتركه إلى أن ينزل به محتومُ الحِمام(1).

وعقد في الشطر الأول ما صرَّح به في «جواهر المعاني» من أن هذا الوردَ العظيم لا يلقن لمن كان له وردٌ من أورادِ المشايخ ، إلا إذا تَركه وانسلخَ عنه والتزم عدمَ العَوْد إليه وأخذ عليه العهدَ بذلك من له الإذنُ الخاصُّ من الشيخ ، وإن لم ينسلخْ عنه فلا يلقِّنه إياه ولا شيء عليه، لأن أورادَ المشايخ كلّها على هدىً وبيِّنةٍ من الله، وكلّها مسلكة وموصلةٌ إلى الله تعالى، فإن خالفَ المقدم لإعطاءِ الورد ولفَّنه قبل أن يلتزمَ عدمَ التشريك له مع وردٍ آخر سابقاً كان أو لاحقاً الوردَ يرتفعُ عنه هو في نفسه فلا ينفعُه ولا من لقَّنه إياه، فليحكم هذا الشرط وليعمل عليه اهـ. راجع «جواهر المعاني».  

وعقد في الشطر الثاني ما هو مصرَّح به في كثير من الإجازات، وهو مستفادٌ من كلام صاحب «الجواهر» أيضاَ من أنه لا يلقَّن إلا لمن التزم المداومة عليه إلى الممات، فإن فاته لعُذْرٍ فليتدارَكْه على ممرِّ الدهر، وما أشارَ إليه في الشطر الأول قد تقدَّم ما يشهد له في النصوص التي جلبناها في الأبيات قبله. وقال الشيخ محيي الدين بن عربي في الباب الحادي والثمانين والمائة في «معرفة مقام احترام المشايخ» من فتوحاته المكية: واعلمْ كما أنه لم يكنْ وجودُ العالم بين إلَهين، ولا المكلّف بين رسولين مختلفَيْ الشريعة ولا امرأة بين زوجين، كذلك لا يكونُ المريدُ بين شيخين إذا كان مريد تربية، فإن كان صحبتُه بلا تربية فلا يبالِ بصحبة الشيوخ كلِّهم، لأنه ليس تحتَ حكمِهم، وهذه تسمَّى صحبة البركةِ، غير أنه لا يجيءُ منها رجلٌ في طريق أهل الله، والحرمة أصلٌ في الفلاح اهـ بنقل الشعراني .   

وقال ابن حجر: من يريدُ التبرُّكَ يجوزُ له الأخذُ عن مشايخ متعدِّدين،ومن يريد السلوكَ والتربية يحرمُ عليه الخروجُ عن شيخه اهـ المراد من كلامه بنقل صاحب «الجيش الكبير» وكأنه مأخوذٌ من قول الشيخ محيي الدِّين السابق آنفاً. 

قلت: وليس في طريقنا إلا صحبةُ السلوك والتربية، لما تقدَّم لنا في المقدمة من أن أهل هذه الطريقة كلهم مرادون لحمْلِ سرِّ الشيخ ، وإذا كان المحبُّ للشيخِ دونَ أخذ ذكر عنه لا يموتُ إلا وليّاً، فما بالك بأخْذِ الوردِ عنه ]وَاللَّهُ ذُو اٌلْفَضْلِ اُلْعَظِيمِ[[البَقَرة: الآية 105].

وبالجملة فمن المقرَّر عند أئمَّة الطريق وأركانها أن من شرْطِ أخذ العهد على المريد انسلاخُه عن جميع العلائق. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري حسبما سبق قريباً: وما لم يتجرَّد المريدُ عن كل علاقة فلا يجوزُ لشيخه أن يلقِّنه شيئاً من الأذكار اهـ. وقد علمت مما قدمناه عن الأئمة أن من أعظم العوائق علامةُ التعلُّق بغير الشيخ، بل والالتفات إليه بالسرِّ فقط. وقد اتفق لبعض الفقهاء من أهل مكناسة الزيتون أن صَدَر منه التفاتٌ بعد التقيُّدِ بعهد سيدنا فأحسَّ بانكسافِ أحواله الظاهرة والباطنة فقصَدَ الشيخ بفاس، فطلَبَ منه تجديدَ الإذْنِ في وِرْدِهِ فلم يجبه لذلك حتى أقام مدةً بفاس يلازم في كلِّ يوم منها باب دارِه واستعطفَ خاطره بمديح أنشأه هنالك، وكانت له قدرةٌ على ذلك فلم يجبْه لمراده، ثم لما طالَ به الأمرُ طلب من بعض من كان يتوسَّط له الكلام مع الشيخ أن ينهى إليه أنَّ هذا الرجلَ له بناتٌ صغار بمكناسة، وليس لهنَّ من ينوبُ عنه، فإن أنت يا سيدي أقبلتَ عليه وجدَّدتَ له الإذنَ رجَع إليهنَّ وإلا فيتركهنَّ للضياع. وهذا قبرُه ببابِ دارك. فلما بلغَ ذلك سيدنا دعا به، فلمَّا أُدخِلَ عليه جعلَ يتحدَّث على عادته ، فقال بعض المشايخ أتاهُ رجلٌ يأخذُ عنه فقال له: حتى تخرج عن جميع ما تملك ففعل، فقال له: حتى تفارقَ زوجتَكَ ففارقَها، فلما انسلخَ عن المال والزوجة وكلِّ شيء يملكُه قال له: لا شيءَ لك عندنا اذهَبْ وانظر حاجَتك عند غيرِنا، فساح في طلبِ من يأخذ عنه فلم يتيسَّر له أحدٌ يأخذُ بيدِه حتى قصَّ أمرَه على بعضِ من لقِيَه في سياحته، فقال له: ارجعْ إلى ذلك الشيخ الأول الذي أمرَكَ أن تخرج عن جميع  متعلِّقاتِك ولا تظنّ أن أحداً ينفعُك غيره، فعند ذلك رجَع إليه، فقال له: فطعناك عن سائر العلاقات فانقطعت، وبقيت فيك علاقةُ التعلُّق بالغيرِ فتركناكَ حتى انقطعت عنها، ثم أقبلَ عليه ولقَّنه، فأكَّد سيدنا بذِكْر هذه الحكاية ما فعَلَه من التربية مع هذا الفقيه حتى لا يبقى عندَه خاطر شبهة في الأمر، وجدَّد له الإذنَ ، وهذه كانت عادتُه مع من صَدَرَ منه إخلالٌ بهذا الشرط، إذ أتاه طالباً لتجديد الإذْنِ لا يجدِّد له حتى يأنسَ منه الصدقَ التام في الجزم بعدم العَوْد إلى ذلك. ومن الناس من طلب ذلك فلم يجبْهُ إليه بعدُ أبداً، ولا تظنَّ أن للمشايخ في ذلك هوى نفسانياً أو حظّاً شهوانياً فتخسرَ ضفقتُك في حسن الظن بهم .

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

 

(ومنْ لبعض ما تقدَّم نَبذْ

 

يَحْسَر في الدَّارينِ إن كانَ أخـذْ

وذا الوَعيدُ خَيرُ الـورَى

 

لِشَيْخِـنا يَقظَـةْ بِـلا مـِرا

ومنْ يتبْ مِن فِعلهِ وينـدَمِ

 

ثُمْ يُجرِّدُ الطَّريـقَ يَسْلَمِ)

 

    (ما تقدم) هو ترك الزيارة، أي قصدُ الأولياء للانتفاع بهم والاستمداد منهم، وترك ما عداه من الأوراد الموجبِ أخذُها للدخول في طرق المشايخ، والمداومة على الوِرْد إلى الممات، بأن لا يتركَه تركاً كليّاً على جهة الطَّرْح له بالمرَّة لتهاوُنِ أو استهزاء أو نحو ذلك، وإن لم يأخذْ غيره. وألفاظ الأبياتِ كلُّها واضحة. 

يقول: وإذا وقَع من المريد الآخذ لهذا الورد نَبْذ لبعض ما تقدَّم وأحرى إذا نبذ الجميع بعدَ التقيد بالعَهْد، فإنه يخسرُ في الدارَيْن، وتحلُّ به العقوبة فيهما بلا شك ولا مين، وذلك بنصِّ من سيد الوجود عليه الصلاة والسلام لشيخنا مشافهةً في حال اليقظةِ لا حالَ المنامِ، إلا أن تدرِكَه عنايةٌ إلَهية بسبْقِ مشيئة ربانية فيتوب من فِعله ويستأنف التقيد بالعهد على يد مَنْ عنده الإذنُ الصحيح من أرباب هذا الشأن وأهله. ولفظه في هذا الوعيد المشار إليه مذكورٌ في «جواهر المعاني» لمن أراد أن يقفَ عليه، وقد سبق آنفاً ما يستفاد منه توجيهُ ذلك، ويظهر به السبب فيما هنالك.

اللهمَّ إنا نسألك الثبات في الأمر، ونعوذُ بك من لباسِ حلَّة الأمان من المكْرِ بفضلك وكرمك يا أرحمَ الراحمين آمين.     

 

 

***



(1) الحمام: الموت.



غيره


 

الضمير في (غيره) لوِرْد سيدنا رضي الله عنه


 

×

الأوراد


 

والمرادُ بـ (الأوراد) هنا: أورادُ المشايخ اللازمة لمن دخلَ طريقهم


 

×

وعدم الترك


 

وفي قوله: (وعدم الترك)حذفُ الصلة: أي وعدم الترك له، يعني هذا الورد الشريف


 


 

×

المعاد


وأراد بـ (المعاد) الممات
 


 

×