وصايا و رسائل الشيخ أحمد التجاني | وصايا في رسائل أخرى

وصايا و رسائل الشيخ

 

وصايا في رسائل أخرى:

اتباع السنة في كل قاصية ودانية:                

                   إجازة لشيخ الإسلام ابراهيم الرياحي
 

الحث على ترك المحرمات المالية شرعا، أكلا، ولباسا، ومسكنا:

                   رسالة إلى بعض الطلبة
 

الحث على محافظة قواعد الشرع وأصوله في معاملة الأسواق:

                   رسالة إلى كافة تلامذته
 

بداية جميع الأمور ونهايتها هو تعلق القلب بالله تعالى و عدم تعود النفس بالجزع من أمر الله: 
 

                   رسالة إلى بعض الطلبة
 

                   رسالة إلى العلامة سيدي عبد القادر السلاوي
 

الحذر من مخالفة أمر الله، وإن وقعت مخالفة فالمبادرة بالتوبة والرجوع إلى الله:   

                   رسالة إلى فقراء فاس والمغرب
 

الحث على تقوى الله تعالى وارتقاب المؤاخذة منه في الذنوب في الدنيا و في الآخرة إلا أن يدفعها وارد إلهي بصدقة لمسكين، أو صلة رحم بمال، أو تنفيس عن مديان بقضاء الدين عنه، أو بعفوه عنه:   

                   رسالة إلى فقراء فاس والمغرب
 

الترغيب في تصفية القلب من مخالفة أمر الله و في التعويل على الله، والرضا بحكمه في جميع الأمور، والصبر لمجاري مقاديره في كل الأحوال، و الإستعانة على جميع ذلك بالإكثار من ذكر الله و بالأخص الصلاة على رسول الله:    

                   رسالة إلى بعض الطلبة
 

الدين النصيحة و أول ذلك تقوى الله و الفزع واللجوء إليه من ضغط كل لاحق من الأمور، وتعلق القلب به، والحياء منه سبحانه وتعالى:  

                   رسالة إلى كافة أصحابه


ثم التقرب إلى الله بمحق العلائق، وقطع العوائق، وترك الملابسات و المساكنات والملاحظات لا لغرض بل قياما بحق عظمته وجلاله وحبا لذاته:  

                   رسالة إلى كافة أصحابه

ثم الوقوف مع الله بلزوم الذل و المسكنة:

                   رسالة إلى كافة أصحابه

وليكن شديد الاهتمام من حقوق إخوانه في طريقته:

                   رسالة إلى كافة أصحابه

ثم ليتحين في خلواته مع الله الأوقات الفاضلة:

                   رسالة إلى كافة أصحابه

وليحذر كل الحذر من المجالس ومآخذ العلم التي تؤدي إلى الدخول في مداخل العامة أو الأحوال المخزنية:                  

                   رسالة إلى كافة أصحابه

التأكيد على ترك التعرض للرياسة وأسبابها:                

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

 

الإحتراز من لباس حلة الأمان من مكر الله في مقارفة الذنوب، باعتقاد العبد أنه آمن من مؤاخذة الله له في ذلك:                

                   رسالة إلى فقراء فاس والمغرب

 

الحث على الإكثار من مكفرات الذنوب، و آكد ذلك صلاة الفاتح، وكصلاة التسبيح، وكذلك وظيفة اليوم والليل، وكذلك دعاء السيفي، وكذلك دعاء: "يا من أظهر الجميل...''، وكذلك دعاء الاستغفار (مذكور في الرسالة)، و من ذلك  المسبعات العشر:               

                   رسالة إلى فقراء فاس والمغرب

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

 

الحث على مداومة الصلوات المفروضة في الجماعات:               

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

الحث على المحافظة على الصدقات في كل يوم وليلة:              

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

الحث على صلة الأرحام، و تجنب معاداتهم وعقوق الوالدين، و ترك المقاطعة مع جميع الخلق وكل ما يوجب الضغينة في قلوب الإخوان و الحسد و البغض بينهم:             

                   رسالة إلى فقراء فاس والمغرب

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

                   رسالة إلى المقدم الحاج الطيب القباب وجماعة من فقراء فاس

 

إياكم ثم إياكم أن يهمل أحدكم حقوق إخوانه مما هو جلب مودة، أو دفع مضرة، أو إعانة على كُربة و ليكن ذلك في غير حرج ولا ثقل ولا كلفة، بل بما تيسر وأمكن في الوقت:            

                   رسالة إلى كافة الفقراء

 

الحث على إصلاح ذات البين محبة ومودة، وإقالة العثرات، والعفو عن زلل الإخوان:          

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس

 

الإحتراز من البحث عن عورات المسلمين:         

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

 

الحث على الإكثار من العفو عن الزلل، والصفح عن الخلل لكل مؤمن، فإن شر الإخوان عند الله من لا يقبل عذرا:             

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

الترغيب في الغفلة عن شر الناس و الصفح والتجاوز عنهم، فإن مناقشة الناس عما يبدو منهم وعدم العفو عنهم يوجب للعبد عند الله البوار في الدنيا والآخرة:            

                   رسالة إلى كافة تلامذته

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

الحذر الحذر لمن تحرك عليه شر الناس أن يبادر إليه بالتحرك بالشر لمقتضى حرارة طبعه، وظلمة جهله، وعزة نفسه:           

                   رسالة إلى كافة تلامذته

 

ولعدم اعتبار الناس لما ذكر، ترى الناس أبدا في عذاب عظيم من مكابدة شرور بعضهم بعضا:           

                   رسالة إلى كافة تلامذته 

الحث على عدم الاعتراض على الناس فيما أقامهم الله فيه مما ليس بمحمود شرعا ولا طبعا:          

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

 

مناصحة الإخوان في الطريقة برفق ولين وسياسة، من غير ضغينة ولا حقد، و الحث على طاعة المقدم مهما أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو سعى في إصلاح ذات بين:        

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

على من كان مقدما على إعطاء الورد أن يعفو للإخوان عن الزلل وأن يجتنب ما يوجب في قلوبهم ضغينة وأن يسعى في إصلاح ذات بينهم، وعليه أن يتباعد عن تغريم دنياهم، وأن لا يلتفت لما في أيديهم:         

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

صون القلب من بغض أو إذاية أحد فعل حقا أو هدم باطلا يخالف هواكم، وكذا من محبة أو الثناء عمن فعل باطلا، أو هدم حقا يطابق هواكم، فإن ذلك معدود من الشرك عند الله تعالى:       

                   رسالة إلى كافة الفقراء

 

الحث على التسليم للعامة وولاة الأمر ما أقامهم الله فيه من غير تعرض لمنافرة أو تبغيض أو تنكير:          

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

 

الترهيب من الانهماك في مطالب الدنيا حتى تتعدى حدود الله:          

                   رسالة إلى العلامة سيدي عبد القادر السلاوي

 

سبب العوارض الحائلة بين المرء و ما يقصد من عمل الآخرة:         

                   رسالة إلى الخليفة سيدي الحاج علي حرازم

 

من ابتلي بمصيبة فليصبر بانتظار الفرج من الله ولا يجزع:         

                   رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

 

سيأتي على الناس زمان تتراكم فيه بحور المحن والفتن و الأمر المنجي كثرة الاستغفار، والصلاة على النبي وذكر لا إله إلا الله مجردة، وذكر [لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ](الأنبياء: الآية 87)، وقول [حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ] ( آل عمران: الآية 173)و كثرة التضرع والابتهال لمن له كمال العز والجلال، وليكن للمرء بباب الله لمَّات:

                   رسالة إلى كافة الإخوان أينما كانوا

 

لسهام مصائب الزمان، ومن كبا به جواده عن تحمل ثقلها، فعليه بملازمة ''يا لطيف'' ألفا خلف كل صلاة و مائة صلاة على النبي (ص) بالفاتح لما أغلق... إلخ، ويهدي ثوابها للنبي(ص):  

                   رسالة إلى كافة الفقراء

 

"ثلاث منجيات وثلاث مهلكات:                               

                    رسالة إلى كافة تلامذته

 

شكر النعم الواردة من الله تعالى بسبب أو بلا سبب:

                   رسالة إلى كافة تلامذته 

الإحتراز من التفريط في الورد ولو مرة في الدهر:                   

                    رسالة إلى فقراء فاس والمغرب

 

كل من أخذ الورد يبعث من الآمنين هو ووالداه وأزواجه وذريته بشرط الاعتقاد، وعدم نكث المحبة، وعدم الأمن من مكر الله:                    

                    رسالة إلى فقراء فاس والمغرب

المشي إلى الزاوية وقت الوظيفة يكون إن تيسر و إلا فليذكر ورده ووظيفته في أي مكان:                     

                    رسالة إلى المقدم الحاج الطيب القباب وجماعة من فقراء فاس

 

هدية 12 من جوهرة الكمال لرسول الله تعدل زيارة روضته الشريفة و زيارة أولياء الله الصالحين من هجرته إلى حين الذكر:                       

                    إجازة لشيخ الإسلام ابراهيم الرياحي

 

 

 

****

إجازة لشيخ الإسلام ابراهيم الرياحي

بعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على النبي ، إلى حبيبنا الفقيه الأنبل النبيه الأفضل أبي إسحاق سيدي ابراهيم الرياحي بتونس.

سلام الله وتحيته ورحمته وبركاته وإبراره، ورضوانه وإحسانه، وإكرامه وإنعامه وإعظامه عليك، وعلى آلك ومن لاذ بجنابك من الأهل والجيران، ما تعاقبت الأعصار والأزمان، وإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد،

فقد وصلنا كتابك الكريم، وخطابك السليم، فقد أجزتك وأذنتك في ذكر الورد الكريم المبارك العظيم، فشد حيازمك فيما أنت بصدده، وأيقظ نفسك من غفلتها، ولا تطعها طوعا في بطالتها، فإن الأمر جد لا هزل، وقف على ساق الجد والكد، فإن الفقير الناقض لميثاقه عقوباته شديدة، وحسراته عديدة، وكن على يقين من أمرك، ولا تهمل ما كفيت، ولا تعاط ما استكفيت، فإن طريقتنا هذه المحمدية قد خصت من الله عز وجل بخصوصية على سائر السبل يكل اللسان عن تبيين حقيقتها، ولا ينتظم فيها ولا يأوي إليها إلا المقبول فضلا من الله عز وجل. ولو كشف الغطاء عنها لصبا إليها أعيان الأقطاب كما يصبو رعاة السنين إلى الغمام، ولولا ما نهيت أصحابي عن التصريح لأحد بالأخذ لها لكان الواجب في حق كل من نصح الأمة جبر الناس عليها والإتيان إليها، ولكن لا مندوحة عن الوقوف عندما حد، فتنبه وتبصر ولا تغتر، إذ الطرق كلها آخذة بحجزتها، لأنها أصل كلية الطرق منذ نشأة العالم إلى النفخ في الصور بوعد صادق من سيد الوجود .

ثم أذنت لك إذنا كليا كافيا متماديا من الآن إلى الأبد، بلا تبديل ولا تحويل، بشرط قطع زيارة الصالحين بحذافرهم، إلا النبي وأصحابه رضوان الله عليهم لا غير. وقد من الله علينا بجوهرة الكمال أن كل من ذكرها اثني عشرة مرة على طهارة كاملة وقال: هذه هدية لك يا رسول الله، فكأنما زاره في روضته الشريفة، وكأنما زار أولياء الله الصالحين من هجرته إلى حين الذكر، فتنبه رحمك الله إلى هذه المنح العظيمة، واليواقيت النفيسة، التي من الله الكريم بها علينا من دون سائر الطوائف. وطريقتنا مكتومة إلا عن سيد الوجود ، فإنه عالم بها وبحالها. جعلنا الله وإياكم ممن تمسك بها، وانخرط في سلكها في الحياة الدنيا وفي الممات، في سلامة وعافية وأمانة إلى الاستقرار في أعلى عليين بجوار سيد المرسلين.

وإياك ثم إياك العجز والكسل والحرج والتواني فيما أمرت به، والجلوس في موضع الريب والضلال.

وأوصيك بتقوى الله في السر والعلانية، واتباع السنة في كل قاصية ودانية، وشاذة وفاذة في الأقوال والأفعال، والرضى عن الله في الإقلال والإكثار، والإقبال على الله ومراقبته في جميع الأحوال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، وتحكيم السنة على جميع الخطرات، وعليكم بالاستقامة في جميع الحركات والسكنات.

وأوصيكم بالصبر ومصاحبة الذكر، والجثوم إلى الله بكليتكم، بشرط ترك الفضول. والصبرُ على الأذى أقرب للسلامة وأحمد في العاقبة.

وأسأله سبحانه وتعالى أن يرزقكم تسديده وتوفيقه وتأييده، وأن يسعدكم، وأن يتولى أمركم بما تولى به خواص عباده المحبوبين لديه وأهل الصديقية العظمى والولاية الكبرى، بجاه المصطفى ، وأن يجعلكم في كفالته وكفايته، وكلاءته وولايته، ووقايته وهدايته، وحراسته وحياطته، وخفارته وصيانته، وعزته ومنعته، إنه المستعان وعليه التكلان، وأن يجعلكم من أوليائه الذين ذكروه خوفا وطمعا وتعظيما لجلاله، وأن يكسوكم حللا من نسج مودته، وأن يلبسكم النور الساطع من مسرته، وأن يوقفكم على باب النظر من قربه، وأن يطهر أبدانكم بمراقبته، وأن يطيبكم بطيب أهل معاملته، وأن يضع على رؤوسكم تيجان مسرته، وأن يرفع لكم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأن يجلسكم على كراسي أهل معرفته، وأن يشفي كللكم كلها بحكمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. اهـ  ×

رسالة إلى بعض الطلبة

 
 

بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله :

وبعد، فالذي أعظك به وأوصيك به: عليك بالله عز وجل في سرك وعلانيتك بتصفية قلبك من مخالفة أمره، والتعويل على الله بقلبك، والرضا بحكمه في جميع أمورك، والصبر لمجاري مقاديره في كل أحوالك. واستعن على جميع ذلك بالإكثار من ذكر الله على قدر الاستطاعة بحضور قلبك، فهو معين لك على جميع ما أوصيتك به. وأكبر ذكر الله فائدة، وأعظمه جدوى وعائدة، هي الصلاة على رسول الله مع حضور قلب، فإنها متكلفة بجميع مطالب الدنيا والآخرة دفعا وجلبا في كل شيء، وإن من أكثر استعمالها كان من أكبر أصفياء الله.

والأمر الثاني مما أوصيك به: ترك المحرمات المالية شرعا، أكلا، ولباسا، ومسكنا. فإن الحلال هو القطب الذي تدور عليه أفلاك سائر العبادات، ومن ضيعه ضيع فائدة العبادة. وإياك أن تقول أين تجده، فإنه كثير الوجود في كل أرض وفي كل زمان. لكن يوجد بالبحث عن توفية أمر الله ظاهرا أو باطنا ومراعاة ضرورة الوقت، إن لم يوجد الحلال الصريح، وهذا المحل يحتاج إلى فقه دقيق، واتساع معرفة بالأحكام الشرعية، ومن كان هكذا لم يصعب عليه وجود الحلال.

والأمر الذي لا بد منه بعد هذا، وهو بداية جميع الأمور ونهايتها؛ هو تعلق القلب بالله تعالى، بالإنحياش إليه والرجوع إليه، وترك كل ما سواه عموما وخصوصا. فإن قدر العبد على ارتحال القلب إلى الله بكل وجه وعلى كل حال بحركة القلب حسا فهو الغاية، وإن لم يقدر فيلازم بعد كل صلاة هذا الدعاء ثلاثا أو سبعا، ثم يمر به على قلبه في غير الصلوات، ويحمل نفسه عليه يصير له ذلك حالا، والدعاء هو هذا:

"اللهم عليك معولي، وبك ملاذي، وإليك التجاني، وعليك توكلي، وبك ثقتي، وعلى حولك وقوتك اعتمادي، وبجميع مجاري أحكامك رضائي، وبإقراري بسريان قيوميتك في كل شيء، وعدم احتمال خروج شيء دق أو جل عن علمك وقهرك حتى لحظة سكوني". اهـ

فإذا داوم عليه كلما رأى من أحوال النفس ما لا يطابق هذا الدعاء؛ ذكر نفسه بمعاني هذا الدعاء، وصبر على حمل نفسه سهل عليه تعلق القلب بالله تعالى برفض كل ما سواه. وهذا باب كبير من العلم يعلمه من ذاق أدنى شيء من علوم الرجال ويعلم قدره، فلا تهمله.

وعليك بإصلاح نفسك قدر الاستطاعة، فإن العمر قصير، والسفر طويل، والعقبة كنود، والحمل ثقيل، والحساب بين يدي الله شديد، والعمل بأمر الله هو المنجي من جميع هذه الأمور.

قال الشيخ الصالح والصدر المبرز العارف بالله سيدي محمد السماك رضي الله عنه: «من أقبل على الله بقلبه أقبل الله عليه برحمته وصرف وجوه الناس إليه، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله يرحمه وقتا ما».

والحاصل، عليك بالله برفض ما سواه.

وإذا ابتليت بمعاملة الناس ومخالطتهم فخالطهم وعاملهم لله، فإن الله يحب الإحسان إلى خلقه.

وأكبر ما أحضك عليه هو كثرة الصلاة بحضور القلب على رسول الله ، فهو الكنز الأعظم والذخر الأفخم.

والسلام.

  ×

رسالة إلى كافة تلامذته

 
 

بعد البسملة والحمد لله والصلاة على النبي :

أما بعد، فالذي أوصيكم به وإياي المحافظة على قوله : "ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فهي تقوى الله في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر؛ وأما المهلكات فشح مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء برأيه".

وعلى قوله : "ما تحت قبة السماء إله يعبد من دون الله أعظم من هوى متبع". وعلى قوله : "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه". وعلى قوله : "لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا..." الحديث. وهذا وإن ورد في ميادين الجهاد في قتال الكفار فهو منقلب في هذه الأزمنة في الصفح عن شر الناس. فمن تمنى بقلبه أو أراد تحريك الشر منه على الناس سلطهم الله عليه من وجه لا يقدر على دفعهم.

وعلى العبد أن يسأل الله العافية من تحريك شر الناس وفتنتهم. فإن تحرك عليه من غير سبب منه فالوجه الأعلى الذي تقتضيه رسوم العلم، مقابلتهم بالإحسان في إساءتهم. فإن لم يقدر فبالصفح والعفو عنهم إطفاء لنيران الفتنة، فإن لم يقدر فبالصبر لثبوت مجاري الأقدار، ولا يتحرك في شيء من إذايتهم لإساءتهم. فإن اشتعلت عليه نيران شرهم فليدافع بالتي هي أحسن بلين ورفق، فإن لم يُفِدْ ذلك فعليه بالهرب إن قدر، والخروج عن مكانه. فإن عوقت العوائق عن الارتحال، ولم يجد قدرة، فليدافع بالأقل فالأقل من الإذاية، فليفعل ذلك ظاهرا، ويكثر التضرع إلى الله، والابتهال سرا في دفع شرهم عنه، مُداوماً على ذلك حتى يفرج الله عليه. فإن هذه الوجوه التي ذكرناها هي التي تقتضيها رسوم العلم.

والحذر الحذر لمن تحرك عليه شر الناس منكم أن يبادر إليه بالتحرك بالشر لمقتضى حرارة طبعه، وظلمة جهله، وعزة نفسه، فإن المبادر للشر بهذا - وإن كان مظلوما - فاضت عليه بحور الشر من الخلق حتى يستحق الهلاك به في الدنيا والآخرة. وتلك عقوبة لإعراضه عن جناب الله أولا. فإنه لو فزع إلى الله بالتضرع والشكاية، واعترف بعجزه وضعفه، لرفع الله عنه ضرر الخلق بلا سبب أو بسبب لا تعب عليه فيه، أو يشغلهم الله بشاغل يعجزون عنه. فإما أن يفعل الله له هذا، وإما أن ينزل عليه اللطف العظيم والصبر الجميل، فيكابد غصص تلك الشرور بما هو فيه من اللطف والصبر، حتى يرد عليه الفرج من الله تعالى، فيكون مثابا دنيا وأخرى.

أما ثواب الدنيا فبحمد العاقبة وظهور نصره في الخلق على قدر رتبته. وأما ثواب الآخرة فبالفوز بما لا غاية له من ثواب الصابرين الذي وعده الله تعالى. قال سبحانه وتعالى: ]وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ اُلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ ۖ[(الأعراف: الآية 137) . وقال سبحانه وتعالى: ]إِنَّ اُللَّهَ مَعَ اُلصَّابِرِين[َ(البقرة: الآية 153) ، وقال تعالى حاكيا عن نبيه يوسف عليه السلام: ]إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اُللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اُلْمُحْسِنِينَ[ (يوسف: الآية 90) وقال تعالى: ]وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ [(النحل: الآية 126) إلى غير ذلك من الآيات.

ولعدم اعتبار الناس لما ذكرنا، ترى الناس أبدا في عذاب عظيم من مكابدة شرور بعضهم بعضا، ووقعوا بذلك في المهالك العظام في الدنيا والآخرة، إلا من حفته عناية عظيمة إلهية. فإن العامة لا يرون في تحريك الشر عليهم إلا صورة الشخص الذي حركه عليهم لغيبتهم عن الله سبحانه وتعالى، وعن غالب حكمه، فنهضوا في مقابلة الشرور بحولهم واحتيالهم، وصولة سلطان نفوسهم، فطالت عليهم مكابدة الشرور، وحبسوا في سجن العذاب على تعاقب الدهور، فإن الكيس العاقل إذا انصب عليه الشر من الناس، أو تحركوا له به، رآه تجليا إلهيا لا قدرة لأحد على مقاومته إلا بتأييد إلهي، فكان مقتضى ما دله عليه علمه وعقله الرجوع إلى الله بالهرب والالتجاء إليه، وتتابع التضرع والابتهال لديه، والاعتراف بعجزه وضعفه، فنهض معتصما بالله في مقابلة خلقه. فلا شك أن هذا يدفع عنه الشرور بلا تعب منه، ولو التهبت عليه نيران الشر من الخلق لعجزوا عن الوصول إليه لاعتصامه بالله تعالى. فإن من تعلق بالله لا يقوى له شيء. قال سبحانه وتعالى: ]وَمَنْ يَتَّقِ اُللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا... [إلى ]فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ[  (الطلاق: الآية 2).

وهذا الباب الذي ذكرناه كل الخلق محتاجون إليه في هذا الوقت. فمن أدام السير على هذا المنهاج سعد في الدنيا والآخرة، ومن فارقه وكله الله إلى نفسه فنهض إلى مقابلة الشرور بحوله واحتياله فهلك كل الهلاك في عاجله وآجله. وفيما ذكرناه كفاية.

وعليكم بشكر النعم الواردة من الله تعالى بسبب أو بلا سبب. والشكر يكون في مقابلتها بطاعة الله تعالى، إن قدر على أن تكون كلية، وإلا فالأبقع خير من الأسود.

وأقل ذلك شكر اللسان. فلا أعجز ممن عجز عن شكر اللسان. وليكن ذلك بالوجوه الجامعة للشكر. فأعلى ذلك في شكر اللسان تلاوة الفاتحة في مقابلة ما أنعم الله عليه شكرا، ولْيَنْو عند تلاوتها أن يستغرق شكر جميع ما أحاط به علم الله من نعمه عليه الظاهرة والباطنة، والحسية والمعنوية، والمعلومة عند العبد والمجهولة لديه والعاجلة والآجلة، والمتقدمة والمتأخرة، والدائمة والمنقطعة. ويتلو بهذه النية ما قدر عليه من الفاتحة من مرة إلى مائة. فمن فعل ذلك كتبه الله شاكرا وكان ثوابه المزيد من نعمه على قدر رتبته بحسب وعده الصادق.

أما وجوه المحامد الجامعة فهي طويلة لا نطول بذكرها، مثل قوله : "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، ومنها: "إلهي لك الحمد ولك الشكر مثل جميع ما أحاط به علمك من صفاتك وأسمائك، وجميع محامدك التي حمدت بها نفسك بكلامك، والتي حمدك بها كل فرد من خلقك، بأي لفظ ذكروك به، كل حمد من ذلك منك ومن جميع خلقك عدد ما أحاط به علمك، على جميع ما أحاط به علمك من نعمك علي". فهو حمد جامع لأنواع المحامد، مستغرق للشكر على جميع النعم.

وأحذركم لكل من خوله الله نعمة أن يمد يده بها فيما لا يرضى الله مثل شراء الخمر، والوقوع في الزنا،ومد اليد بها في المعاملة في الربا، أو صرفها في وجوه طلب الرياسة والسلطنة، أو في طلب إذاية المسلمين، من سفك دمائهم، ونهب أموالهم، أو هتك حريمهم، أو بإذايته ولو بأقل قليل. فإن الفاعل لهذه الأمور بما أنعم الله عليه مستحق لسلب النعمة من الله، مع ما يعرض له من مقت الله وغضبه. فإن فعل هذه الأمور أو بعضها بما أنعم الله به عليه، ولم ير من الله سلب نعمه، فليعلم في نفسه أنه ممن يحل عليه غضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة. والسعيد من إذا وقع في شيء من هذه الأمور يرى عن قريب تعجيل العقوبة، ويرى التنبيه في قلبه من الله أن هذه المصيبة وقعت على تلك الفعلة.

وأوصيكم في معاملة الأسواق على محافظة قواعد الشرع وأصوله على حسب ما يعطيه الوقت. وتجنبوا جميع وجوه الغش والتدليس والكذب في تقويم الأثمان، واقتحام ما حرم الله من ذلك بنصوص الشرع. فإن المنهمك في ذلك يهلك كل الهلاك.

ثم إذا ألجأت الضرورة، واشتدت الحاجة، ولم يجد العبد ملجأ إلا أن يأخذ قوته مما حرم شرعا في الأسواق فليأخذ قدر ما يتقوت به، وليكن جاريا في ذلك على حكم المضطر في أكل الميتة، فإنه إنما يأكلها بلاغا وسدا للفاقة، لا كسبا وتمولا.

وأحذركم أن تتهافتوا في المعاملات المحرمات شرعا تهافت الجهلة من العامة محتجين بعدم وجود الحلال المعين. يريدون أن يسقطوا عنهم الأحكام الشرعية في المعاملات، فقد صاروا في ذلك كأنهم لا تكليف عليهم، وهو كذب على الله وزور. فقد قال سبحانه وتعالى: ]يَآ أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي اُلْأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ اُلشَّيْطَانِ ۚ[ (البقرة: الآية 168)؛ فهذه الآية وإن نزلت في مطلب خاص فهي مشتملة على كل ما تحتمله من القضايا، إما تضمنا وإما تلويحا. والعالم يأخذ حكمه من كل آية في كل ما تحتمله وإن لم تنزل لأجله. والواقع منه من الآية في قضيتنا هذه، أن الذي في الأرض هو ما أمكن وجوده من حلال أصلي أو عارض على حسب عوارض الوقت، وهي الأمثل فالأمثل، على حسب ما فصلنا في جواب المعاملة. وخطوات الشيطان التي نهى الله عنها هي المعاملات المحرمات شرعا، حيث يجد العبد عنها معدلا، فإن لم يجد عنها معدلا وألجأته عوارض الأقدار بحكم القهر والتحتم إلا أن يأخذ قوته من المحرم شرعا، وإن لم يأخذ منه مات في الوقت، أو مات بعض عياله جوعا لضيق الوقت وفقد السبيل لغيره فهو الواقع في قوله تعالى: ]فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ[(البقرة: الآية 173) .

ولا تلتفتوا لما نقل عن السيد الحسن بن رحال في قوله: "كل عقدة لا يوجد فيها إلا من يعامل بالحرام فهي حلال"، فهو قول باطل لكونه تغافل عن ضبط القاعدة الشرعية، والتحقيق فيها هو ما ذكرناه قبلها آنفا. يشهد له قوله : "دع ما يريبك إلى مالا يريبك"، وقوله : "إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا" وقوله سبحانه وتعالى: ]فَاتَّقُواْ اُللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ وَاُسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ[(الثغابن: الآية 16) . وقول الشاعر:

إذا لــم تستـطــع شــيـئا فـدعــه
وجـــاوزه إلـــى مــا تستـطــيـع

وفي هذا مع في الرسائل الأوّل كفاية. والسلام.

  ×

رسالة إلى العلامة سيدي عبد القادر السلاوي

 بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله وبعد الثناء على الله بما هو أهله، قال : وبعد، 

فقد وصلنا كتابكم وقرأناه، وفهمنا ما تضمنه خطابكم، وسألت فيه عن أحوالنا وأحوال أصحابنا.

فاعلم أننا والحمد لله بخير وعلى خير، فله الحمد وله الشكر حتى يرضى بما يرضى. وقد عمنا وعم أصحابنا ما عم عامة المسلمين، فالحمد لله على كل حال.

ونسأل الله عز وجل أن يحفنا وإياكم بلطفه في الدنيا والآخرة، وأن يغمرنا وإياكم بسوابغ فضله وكرمه، حالا ومآلا أبدا سرمدا، وأن يكون لنا ولكم وليا وناصرا، ومعينا ومؤيدا في جميع أحوال الرخاء والشدة، وأن يتحفنا وإياكم بكمال العافية، ودوام العافية، وعز العافية، والاستتار من جميع نواحينا بالعافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والذي أوصيك به ويكون عليه سيرك وعملك هو أن تعلق قلبك بالله ما استطعت، ووطن قلبك على الثبوت لمجاري الأقدار الإلهية، ولا تعود نفسك بالجزع من أمر الله، فإن ذلك مهلك للعبد دنيا وأخرى.

وإن اشتد بك الكرب، وضاق بك الأمر، فالجأ إلى الله تعالى، وقف موقفك في باب لطفه، واسأله من كمال لطفه تفريج ما ضاق، وزوال ما اشتد كربه، وأكثر الضراعة والابتهال إلى الله تعالى في ذلك.

وليكن ذلك منك على حالة منفرد القلب بالله، متفردا عن الشواغل، مثل حالة المرأة الكبيرة السن التي ليس لها إلا ولد واحد أخذ من بين يديها ليقطع رأسه، فهي تتوسل بالله وبالناس في كشف ما نزل بها، فإنها في هذا الحال ليس لها هم غير ولدها، ولا يلتفت قلبها لأمر من أمور الدنيا والآخرة.

فإن من كان على هذه الحالة وفزع إلى الله تعالى في نزول الكرب والشدائد على هذا الحد، وناداه باسمه اللطيف ما استطاع، أسرع إليه الفرج في أقرب وقت، وإن لم يكن على هذه الحالة أبطأ به الأمر.

وإياك والانهماك في مطالب دنياك حتى تتعدى حدود الله التي حدها في شرعه فتهلك نفسك، ومالك ملجأ من الله.

وانظر إلى قوله في الصحيح: "ألا وإن روح القدس نفث في روعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شيء أن تطلبوه بمعصية الله فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته".

وهذا البحر هو الذي ترى فيه جميع الخلق غرقى وهلكى، إلا من عصمه الله بفضله.

ثم الحذر الحذر من تكرر الفزع إلى الله تعالى في كل كرب، فإنك بذلك يصير لك الجزع من أمر الله عادة ولا تنتفع بحياتك. بل يكون الأمر مرة ومرة، مرة تثبت لأمر الله ولا تجزع ولا تطلب التفريج، ومرة تسأل من الله التفريج.

فمن صار إلى الله على هذا المنوال، فتحت له أبواب السعادة الأخروية، وتمكن في حياته من الحياة الطيبة الواقعة في قوله سبحانه وتعالى: ]مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ[  (النحل: الآية 97).

وفيما ذكرناه كفاية، والسلام عليكم ورحمة الله.×

رسالة إلى فقراء فاس والمغرب

 

بعد حمد الله جل جلاله، وعز كبرياؤه، وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى كافة من بفاس وبالمغرب من الإخوان والفقراء.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته يتراكم بدوام ملك الله، من العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني.

وبعد، نسأل الله جلت قدرته وتعالت عظمته، أن ينظر في جميعكم بعين المحبة والرضى والعناية، وإفاضة الفضل والاصطفاء والاجتباء حتى لا يدع لكم خيراً من خيرات الدين والدنيا والآخرة إلا آتاكم منه أكبر حظ ونصيب، ولا يترك شرا من شرور الدين والدنيا والآخرة إلا أبعدكم منه ووقاكم منه، وحتى لا يترك ذنبا كبيرا ولا صغيرا إلا أغرقه في بحر عفوه وكرمه، وحتى لا يترك لكم مطالبة بالذنوب إلا صفح عنها وعفا، وحتى لا يترك لكم حاجة ولا مطلبا في غير معصية الله إلا أسرع لكم بإعطائه وأمدكم فيه بالمعونة والتأييد في إمضائه إن طابق سابق الحكم، فإن لم يطابق سابق الحكم فنسأل الله أن يعوض لكم في جميع ذلك ما هو خير منه وأعلى منه، وحتى لا يترك لكم شرا من الشرور الواردة على أيدي الخلق إلا جعل بينكم وبينها جُندا من سطوته وسلطانه إن لم تكن محتمة في سابق الحكم، فإن كانت محتمة في سابق الحكم فنسأل الله أن يمدكم فيها بكمال اللطف والمعونة والتيسير والتسهيل، حتى تنفصل عنكم وأنتم منها في عافية.

وأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى وارتقاب المؤاخذة منه في الذنوب. فإن لكل ذنب مصيبتين لا يخلو العبد عنهما. والمصيبة واحدة في الدنيا وواحدة في الآخرة. فمصيبة الآخرة واقعة قطعا إلا أن تقابل بالعفو منه سبحانه وتعالى، ومصيبة الدنيا واقعة بكل من اقترف ذنبا إلا أن يدفعها وارد إلهي بصدقة لمسكين، أو صلة رحم بمال، أو تنفيس عن مديان بقضاء الدين عنه، أو بعفوه عنه إن كان له وإلا فهي واقعة.

فالحذر الحذر من مخالفة أمر الله، وإن وقعت مخالفة - والعبد غير معصوم - فالمبادرة بالتوبة والرجوع إلى الله، وإن لم يكن ذلك عاجلا فليعلم العبد أنه ساقط من عين الحق متعرض لغضبه، إلا أن يمن عليه بعفوه. ويستديم في قلبه أنه مستوجب لهذا من الله، فيستديم بذلك انكسار قلبه، وانحطاط رتبته في نفسه دون تعذر، فما دام العبد على هذا فهو على سبيل خير.

وإياكم - والعياذ بالله - من لباس حلة الأمان من مكر الله في مقارفة الذنوب، باعتقاد العبد أنه آمن من مؤاخذة الله له في ذلك، فإن من وقف هذا الموقف بين يدي الحق تعالى ودام عليه، فهو دليل على أنه يموت كافرا والعياذ بالله تعالى.

وما سمعتم من الخاصية التي في الورد، فهي واقعة لا محالة. وإياكم والتفريط في الورد ولو مرة في الدهر.

وشرط الورد المحافظة على الصلوات في الجماعات والأمور الشرعية.

وإياكم ولباس حلة الأمان من مكر الله في الذنوب، فإنها عين الهلاك.

وترك المقاطعة مع جميع الخلق، وآكد ذلك بينكم وبين الإخوان. وزوروا في الله، وواصلوا في الله، وأطعموا في الله ما استطعتم في غير تعسير ولا كد.

وعليكم بالصبر في أمر الله فيما وقع من البلايا والمحن، فإن الدنيا دار الفتن، وبلاياها كأمواج البحر، وما أنزل الله بني آدم فيها إلا لمصادمة فتنتها وبلاياها. فلا مطمع لأحد من بني آدم في الخروج عن هذا مادام في الدنيا، والصبر بحسب أحواله كل على قدر طاقته ووسعه.

واعملوا في نفوسكم سلوة إذا نزلت البلايا والمحن بأحدكم، فليعلم أن لهذا خُلقتْ الدنيا ولهذا بُنيتْ وما نزلها الآدمى إلا لهذا الأمر، وكل الناس راكضون في هذا الميدان فليعلم أنه كأحدهم مساو لهم.

واعلموا أن الذنوب في هذا الزمان لا قدرة لأحد على الانفصال عنها، فإنها تنْصبُّ على الناس كالمطر الغزير، لكن أكثروا من مكفرات الذنوب، وآكد ذلك صلاة الفاتح لما أغلق الخ، لا تترك من الذنوب شاذة ولا فاذة، وكصلاة التسبيح، ومما هو في هذا المعنى يلازمه الإنسان كل يوم ثلاث مرات "اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي".

وكذلك وظيفة اليوم والليل "لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

وكذلك دعاء السيفي لمن يقدر على حفظه.

وكذلك هذا الاستغفار: "اللهم إني أستغفرك لما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك لما وعدتك من نفسي ثم أخلفتك فيه، وأستغفرك لما أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك، وأستغفرك للنعم التي أنعمت بها علي فتقويت بها على معاصيك، وأستغفرك الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم، لكل ذنب أذنبته، ولكل معصية ارتكبتها، ولكل ذنب أتيت به أحاط علم الله به".

وكذلك دعاء: "يا من أظهر الجميل وستر القبيح" الخ.

ثم قال : أبشروا، إن كل من كان في محبتنا إلى أن مات عليها يبعث من الآمنين على أي حالة كان ما لم يلبس حلة الأمان من مكر الله. وكذلك كل من أخذ وردنا يبعث من الآمنين، ويدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، هو ووالداه وأزواجه وذريته المنفصلة عنه لا الحفدة، بشرط الاعتقاد، وعدم نكث المحبة، وعدم الأمن من مكر الله كما قدمنا. ويكون في جوار النبي في أعلى عليين، ويكون من الآمنين من موته إلى دخول الجنة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 ×

رسالة إلى كافة أصحابه

 

بعد البسملة والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله :

وصية لكل من أراد نصيحة نفسه ونصيحة ربه الجارية على حد قوله : "الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولعامة المؤمنين وخاصتهم".

فأول ذلك تقوى الله الذي لا إله إلا هو الواقعة في وصية علي لأولاده وهو أنه قال: «يا بَني أوصيكم بتقوى الله العظيم في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والعدل على الصديق والعدو، والقصد في الغنى والفقر».

ثم بعد ذلك الفزع إلى الله واللجوء إليه من ضغط كل لاحق من الأمور، وتعلق القلب به سبحانه وتعالى على قدر مرتبة صاحبه، والحياء منه سبحانه وتعالى الجاري على حد قوله : "استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا تستحي والحمد لله، قال: ليس ذلك كذلك، ولكن الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء". وهذا الحياء الذي خاطب به رسول الله   خطاب العامة. أما الحياء في حق الصديقين، فهو إطراق الروح من هيبة الجلال كما يقول بعض العارفين:

أشـتـاقـه فـإذا بــدا أطـرقت من إجلالـه
لا خـيفـة بـل هيـبـة وصـيـانـة لجـمـالــه
وأصـدُّ عنـه تجـلـدا وأروم طيـف خيالـه
فـالـمـوت فـي إدبـاره
والعيـش فـي إقبالـه

 

وكما قال بعض العارفين :

سبحان مـن لو سجـدنا بالعيـون لـه

                             على شفا الشوك والمحمـي مـن الإبــر

لم نبلـغ العشر مـن معاشر نعمتــه

                              ولا العشير ولا عشـر مــن العشــر

ثم أنشد بعدها أبياتا وغاب في وسط الخلق وكان في موقف عرفة، فسألت عنه فقيل لي، هو أبو عبيدة الخواص، وله منذ أربعين سنة ما رفع رأسه إلى السماء حياء من الله، وهذا هو حياء العارفين.

ثم التقرب إلى الله بمحق العلائق، وقطع العوائق، وترك الملابسات والمساكنات والملاحظات، لا لغرض ولا لتختل على الله، بل قياما بحق عظمته وجلاله وحبا لذاته.

لكن كل شخص في هذا على قدر مقامه ورتبته، ومن ابتلي بشي من مخالفة هذا الأمر؛ فليرجع إلى الله تعالى بالضراعة والابتهال، والاستغفار والانكسار، والتذلل والاحتقار، معترفا بين يدي الله تعالى بعجزه وضعفه.

ثم الوقوف مع الله  بلزوم الذل والمسكنة، في مركز الافتقار والاضطرار، وخوف القلب من مزعجات سطوته، وفرقاً من خفي مكره، ولزوم الرضا والتسليم له سبحانه وتعالى لكل واقع في الوجود بلا انزعاج ولا اضطراب، ولا طلب لزواله إلا ما كان من أفعال نفسه، فليبادر إلى التوبة فيما وقع من خروج أفعاله عن الشرع، فإنه لا يحل البقاء في ملابسته شرعا، وأن يعلم أنه من حكم الله فلا عذر له في ترك التوبة. وليعمل بعضا من أوقاته، فيما يجري على يديه من النفع لعباد الله لا عموما، بل خصوصا، الأقرب فالأقرب، من غير إفراط ولا تفريط.

وليكن شديد الاهتمام من حقوق إخوانه في طريقته، التي لا يمكن التأخر عنها، لكن ملازمة الواجب منها فقط، من غير أن يجعلها هجيراه. فإن لكل عاقل أوقاتا يخلو فيها بربه، لا يمكنه التأخر عنها والاشتغال عنها، وأوقاتا يجالس فيها إخوانه في الطريقة لله لتذكير أو تعليم أو استفادة مما لم يكن عنده من العلم من غير إفراط ولا تفريط.

ثم ليتحين في خلواته مع الله الأوقات الفاضلة، كوسط الليل بعد نوم الناس إلى طلوع الفجر، وبعد صلاة الصبح إلى وقت الضحى، وبعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء، عاملا في ذلك بالتسديد والتقريب في معرفة ما يقدر عليه ولا يوجب للنفس كسلا ولا ضجرا، جاريا على حد قوله : "إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وبشيء من الدلجة".

وقوله : "إن هذا الدين متين فتوغل فيه برفق، ولا تبغِضَ لنفسك عبادة الله، فإن المُنْبَتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" الحديث. وقوله : "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمَلّ حتى تملوا".

وليحذر كل الحذر من المجالس ومآخذ العلم التي تؤدي إلى الدخول في مداخل العامة أو الأحوال المخزنية. فإن من تبع ذلك لا يفلح لا في الدنيا ولا في الآخرة. وليكن اهتمامه بالأخذ في خاصة نفسه، ولا يجعل لإخوانه في منافعهم إن أهِّل لذلك إلا ما فضل عن أوقاته. قال مالك ، وقد سئل عن طلب العلم فقال: «حسن، ولكن اعرف ما يلزم من صباحك غلى مسائك فالزمه»، فإنه آكد على لوازم الشخص في خاصة نفسه من الأمور التي يطالبه الله بها ولا يسامحه في تركها. ومن أعرض عن ذلك متعللا بطلب العلم، فقد خسر الدنيا والآخرة. والقول الحق في ذلك: فليس لك إلا الله سبحانه وتعالى، فلا تشتغل عنه بغيره، ولا تجعل لنفسك إلى سواه منتجعا، ولا إلى الإعراض عن بابه تعللا، ولا عن الانحياش إليه في الشدائد والمضائق والكروب ملجأ، ولا في الرخاء وتواتر النعم عن مراعاة شكره مصرفا.

وليكن الأمر في ذلك جاريا على قول أبي العباس المرسي: «أوقات العبد أربعة لا خامس لها وهي: إما أن تكون في وقت نعمة، فمقتضى الحق منك وجود الشكر، أو تكون في وقت شدة، فمقتضى الحق منك وجود الصبر، أو تكون في وقت معصية، فمقتضى الحق منك وجود التوبة، أو تكون في وقت الطاعة، فمقتضى الحق منك شهود المنة».

وهذه الحدود التي ذكرها، فيها استغراق أوقات العبد كلها، وهي المذكورة في قوله : "من أعطي فشكر، وابتلي فصبر، وظلم فاستغفر، وظلم فغفر". ثم سكت حتى قال بعض الجالسين: ماذا له يا رسول الله؟ قال: ]أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ[ (الأنعام: الآية 82) أراد بقوله: لهم الأمن، يعني لهم الأمن من عذاب الله في الآخرة وهم مهتدون في الدنيا.

وليكن في جميع ما ذكرناه: أن يكون خالصا لله لا يخالطه شيء من غير الله تعالى. وهذه الوصية لأصحاب الحجاب.

وأما من صفت له المعارف حتى رسخت قدمه فيها فهو مع ما يعطيه وقته وحاله ومقامه وتجليه، ليس له عن نفسه إخبار، ولا مع غير الله قرار. والسلام، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.


 

 ×

رسالة إلى فقراء مدينة فاس وما بإزائها

 

بعد حمد الله جل ثناؤه، وتقدست صفاته وأسماؤه، يصل الكتاب إلى كافة إخواننا فقراء فاس وما بإزائها، حفظ الله جميعكم من جميع المحن ومن معضلات الفتن آمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تعمكم وتعم أحوالكم، من محبكم أحمد بن مَحمد التجاني، وبعد،

أوصيكم ونفسي بما أوصاكم الله به وأمركم به من حفظ الحدود، ومراعاة الأمر الإلهي على حسب جهدكم واستطاعتكم، فإن هذا زمان انهدمت فيه قواعد الأمر الإلهي جملة وتفصيلا، وانهمك الناس فيما يضرهم دنيا وأخرى، بحيث أن لا رجوع ولا يقظة لما يرد القلوب إلى الله والوقوف عند حدود الله أمرا ونهيا، ولا طاقة لأحد بتوفية أمر الله من كل وجه في هذا الوقت إلا من لبس حلة المعرفة بالله تعالى أو قاربها.

ولكن حيث كان الأمر كما ذكر، ولم يجد العبد مصرفا عما أقامه الله فيه، فالأبقع خير من الأسود كله. فاتركوا مخالفة أمر الله ما استطعتم، وقوموا بأمره على حسب الطاقة.

واجعلوا لأنفسكم عدة من مكفرات الذنوب في كل يوم وليلةة، وهي أمور كثيرة، كتبنا لكم منها في الوصية الأولى نبذة كافية، وأيضا من ذلك الحزب السيفي لمن اتخذه وردا صباحا ومساء، أقل ذلك مرة وأكثره لا حد له. ومن ذلك المسبعات العشر لمن اتخذها وردا صباحا ومساء. ومن ذلك صلاة الفاتح لما أغلق، وأقلها مائة في الصباح والمساء، فلا يلحقها في هذا الميدان عمل من أي عامل، ولا ينتهي إلى غايتها أمل من أي آمل..

وأديموا الصلوات المفروضة في الجماعات بالمحافظة، فإنها متكفلة بالعصمة من جميع المهلكات، إلا في نبذ قليلة توجب العقوبات. وإنَّ لله سبحانه وتعالى للمداوم عليها عناية عظيمة، فكم يجبر له من كسرة، وكم يستر له من عورة، وكم يعفو له عن زلة، وكم يأخذ له بيده في كل كبوة.

وعليكم بالمحافظة على ذكر الله والصلاة على نبيه ليلا ونهارا، على حسب الاستطاعة، وعلى قدر ما يعطيه الوقت والطاقة، من غير إفراط ولا تفريط. واقصدوا بذلك التعظيم والإجلال لله سبحانه وتعالى ولرسوله ، والتحلي في ذلك بالوقوف في باب الله طلبا لمرضاته لا لطلب حظ. فإن للعامل بذلك عناية من الله عظيمة، يجد بركتها في العاجل والآجل، ويجد حلاوة لذتها فيما هو له آمل، وهي في الخواص والأسرار كالمحافظة على الصلوات في الجماعات سواء بسواء.

وعليكم بالمحافظة على الصدقات في كل يوم وليلة إن استطعتم ولو بفلس نحاس أو لقمة واحدة بعد المحافظة على أداء المفروضات المالية، فإن عناية الله تعالى بالعامل في ذلك قريب من محافظة المفروضات في الجماعات.

وليكن من جملة أورادكم التي تحافظون عليها بعد الورد الذي هو لازم الطريقة: الحزب السيفي، وصلاة الفاتح لما أغلق. فإنهما يغنيان عن جميع الأوراد، ويبلغان بفضل الله غاية المراد، ولا يفي بقدرهما عمل.

وعليكم بصلة الأرحام من كل ما يطيب القلب، ويوجب المحبة، ولو بتفقد الحال، وإلقاء السلام. وتجنبوا معاداة الأرحام، وعقوق الوالدين، وكل ما يوجب الضغينة في قلوب الإخوان.

وتجنبوا البحث عن عورات المسلمين، فإن من تتبع ذلك فضح الله عورته وهتك عورة بنيه من بعده. وأكثروا العفو عن الزلل، والصفح عن الخلل لكل مؤمن، وآكد ذلك لمن واخاكم في الطريقة، فإن من عفا عن زلة عفا الله له عن زلات كثيرة.

ومن وقع فيكم بزلة ثم جاءكم معتذرا فاقبلوا عذره وسامحوه لكي يقبل الله أعذاركم ويسامحكم في زلاتكم. فإن شر الإخوان عند الله من لا يقبل عذرا، ولا يقيل عثرة، وتأملوا قوله تعالى: ]سَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ... [إلى قوله:  ]وَاُللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[(آل عمران: الآية 133) .    

وعليكم بالغفلة عن شر الناس وعدم المبالاة بما يجري منهم من الشرور. وعليكم بالصفح والتجاوز عنهم. فإن مناقشة الناس عما يبدو منهم وعدم العفو عنهم يوجب للعبد عند الله البوار في الدنيا والآخرة، وكلما دنوت بمقابلة شر بمثله تزايدت الشرور، وتنكسر بالعبد قوائمه في جميع الأمور. فلا مقابلة للشر إلا الغفلة والعفو والمسامحة.

وعليكم بعدم الاعتراض على الناس فيما أقامهم الله فيه مما ليس بمحمود شرعا ولا طبعا، فإن أمورهم تجري على المشيئة الإلهية، فهم مقبوضون في قبضة الله لا محيد لهم عن حكمه، وجميع أمورهم تصدر عن قضائه وقدره إلا ما أوجب الشرع القيام به عليهم أمرا وزجرا، بحسب العوارض والنائبات في بعض الأزمان، لا كل الأزمان. وقفوا عند قوله : "مروأ بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك" وقوله : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

وعليكم بمناصحة إخوانكم في الطريقة برفق ولين وسياسة، من غير ضغينة ولا حقد.

ويجعل كل واحد منكم وقتا يذكر الله تعالى فيه في خلوة، أقل ذلك عدد الورد الذي هو لازم للطريقة، فإن العامل بذلك يجد بركته في جميع مآربه وتصرفاته.

وعليكم بطاعة المقدم بإعطاء الورد مهما أمركم بمعروف أو نهاكم عن منكر، أو سعى في إصلاح ذات بينكم.

وعليكم بملازمة الوظيفة المعلومة لمن استطاع صباحا ومساء، وإلا مرة واحدة في الصباح أو المساء فإنها تكفي. وخففوا من وردها إن ثقل عليكم واجعلوها خمسين من صلاة الفاتح لما أغلق إلخ، والاستغفار إن شئتم اذكروا: "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم" ثلاثين مرة، تكفي عن الاستغفار مائة مرة في الوظيفة.

وأوصي من كان مقدما على إعطاء الورد أن يعفو للإخوان عن الزلل، وأن يبسط رداء عفوه على كل خلل، وأن يجتنب ما يوجب في قلوبهم ضغينة أو شيئا أو حقدا، وأن يسعى في إصلاح ذات بينهم، وفي كل ما يوجب جمع قلوب بعضهم على بعض، وإن اشتعلت نار بينهم سارع في إطفائها. وليكن سعيه في ذلك في مرضاة الله تعالى لا لحظ زائد على ذلك. وأن ينهى من رآه يسعى في النميمة بينهم، وأن يزجره برفق وكلام لين.

وعليه أن يعاملهم بالرفق والتيسير، والبعد عن التنفير والتعسير، في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه حقوق الله وحقوق الإخوان، ويراعي في ذلك قوله : "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا".

وعليه أن يتباعد عن تغريم دنياهم، وأن لا يلتفت لما في أيديهم، معتقدا أن الله تعالى هو المعطي والمانع والخافض الرافع.

وليجعل همته في تحرير دنياهم فيما في أيديهم من التشتيت والتبذير، وأن لا يطلبهم بإعطاء شيء لا من القليل ولا من الكثير إلا ما سمحت نفوسهم ببذله من غير طلب، فإن عقول الناس حول هذا المطاف تدور، وعلى هذا المقدار تجري بهم جميع الأمور.

وسلموا للعامة وولاة الأمر ما أقامهم الله فيه من غير تعرض لمنافرة أو تبغيض أو تنكير، فإن الله هو الذي أقام خلقه فيما أراد، ولا قدرة لأحد أن يخرج الخلق عما أقامهم الله فيه.

واتركوا التعرض للرياسة وأسبابها، فإنها كعبة تطوف بها جميع الشرور، وهي مقر الهلاك في الدنيا والآخرة.

ومن ابتلي منكم بمصيبة أو نزلت به من الشرور نائبة فليصبر بانتظار الفرج من الله، فإن كل شدة لا بد لها من غاية، وكل كرب لا بد له من فرج، وإن ضاق به الحال فعليه بالتضرع والابتهال حتى يبلغ بالفرج من الله غاية الآمال.

ولا تجزعوا من المصائب والبليات، فإن الله سبحانه وتعالى ما أنزل العباد في دار الدنيا إلا لتصاريف الأحكام الإلهية، والأقدار الربانية، مما تضيق به النفوس، من أجل البلاء والبوس، ولم يجد العباد مصرفا عن هذا، ولا إمكان للعبد من التمكن من دوام الراحة من كل بلاء في الدنيا، بل على العاقل أن يعلم أن أحوال الدنيا أبدا متعاقبة بين ساعة انقباض وانبساط، وخيرات وشرور، وأفراح وأحزان، لا يخرج أحد ممن سكن الدنيا عن هذا المقدار.

فإن نزلت مصيبة أو ضاقت نائبة، فليعلم أن لها وقتا تنتهي إليه، ثم يعقبها الفرح والسرور؛ فإن من عقل هذا عن الله في تصاريف دنياه تلقى كل مصيبة بالصبر والرضا بالقضاء، والشكر التام على النعماء.

والسلام عليكم ورحمة الله. اهـ

 ×

رسالة إلى المقدم الحاج الطيب القباب وجماعة من فقراء فاس

بعد حمد الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، وعز كرمه ومجده، يصل الكتاب إلى أحبابنا ومن أعز الناس لدينا، ذي الشيبة الطاهرة والأحوال الزاهرة، محبنا صدقا وصفينا حقا، سيدي الحاج الطيب القباب، ومحبنا ولده أبي عبد الله محمد وأولاده، والحرة الجليلة الكريمة السيدة المقدمة فاطمة. وحِّبنا الأعز الحبيب المنيف، الشريف العفيف، الكهل التاجر الأبر الأريب الأحب الأنجب، سيدنا مولانا هاشم بن معزوز وأهله وأولاده ومن تعلق به. ومحبنا الأديب ذي المحاسن الطيبة والشيم والهمم الصائبة، أبي الحسن محبنا سيدي الحاج علي آملاس وأولاده محمد وأحمد ومحمد وعبد السلام وعبد الرحمن، وأمه الحرة الجليلة فارحة وأولادها. وحبيبنا الأكرم الأطيب عبد الوهاب الأشهب، وحبيبنا عبد القادر الجرندي، وحبيبنا علال بن موسى، وحبيبنا الشاب الأمجد محمد الأشهب، وكافة الأحباب،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من محبكم أحمد بن مَحمد التجاني.

وبعد، فالحمد لله وله المنة الذي(1) أنتم على خير وعافية، نسأل الله أن يرزقكم الرضى والتسليم لما جرت به المقادير، وأن يقابلكم بفضل الله ورضاه في الدنيا والآخرة، وأن يأخذ بيدكم في كل عثرة، وأن يتوجكم بتاج أهل المحبة والخصوصية والكرامة، وأن يكتبكم في حزب أهل عليين في جوار النيئين، آمين والحمد لله رب العالمين.

وليكن في كريم علمكم أننا كتبنا لكم وصية مع حامله محبنا العربي الأشهب، فيها ما ليس في اللتين قبلها من أمور، فيها الاستعانة على الدنيا والآخرة، فتلقوها بالقبول، وَعُوا ما احتوت عليه من طرائف ولطائف، واعملوا بما فيها تستريحوا من تعب ما تعانون من مكابدة هموم الدنيا وأحزانها. وسلموا الأمور لمدبرها يفعل فيها ما يشاء ويختار. وتراحموا ]وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اُلْبِرِّ وَاُلتَّقْوَىٰ ۖ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى اُلإِثْمِ وَاُلْعُدْوَانِ ۚ[ ((المائدة: الآية 2) .

وأيقنوا أنكم راحلون، وأهليكم وأموالكم عرايا وودائع، ولا بد من يوم ترد فيه الودائع، فلا تحاسدوا، ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا. ومن أحب أخاه لله من كونه مؤمنا فليشد يده، فإنها من التجارة الرابحة والدرجة العالية، والخطة الرضية والخصلة الزكية. وإياكم أن يدب العدو إلى فسادها. فمن كان بطلا فليقاتله ويطرده ولا يطعه، فإن البطل من خالف هواه، وقهر في هذا الميدان عداه.

والسلام عليكم من الفقير إلى ربه، أخيكم كاتب الحروف محمد بن المشري عن إذن سيدنا

وأزيدكم من عندي: وإياكم أن يهولكم أمر أو خبر في جانب سيدنا ، فإنه يعامل كل واحد على قدر عقله، وينزله حيث منزله. وكل واحد منكم يسأل قلبه عن أستاذه فإنه معك كما هو في قلبك، وهذه مشاهدة في سيدنا ووسيلتنا إلى الله ولا يزحزحه كلام المبغضين، فضلا عما يقع من التخليط من المحبين. والإشارة تغني عن العبارة، والتلويح يكفي عن التصريح. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وأما المشي إلى الزاوية وقت الوظيفة، فمن تيسر له الذهاب إليها فليذهب، ومن لم يتيسر له فليذكر ورده ووظيفته في أي مكان حل فيه ولا حرج عليه، فإن الأرض كلها مسجد وطهور، ولم يكن الذكر محجرا في موضع دون موضع أو وقت دون وقت، بل هو مطلق والحمد لله، لا وقت له ولا مكان له. وإنما الاجتماع جُعل لأمور مستحسنة، فمن تمكن له، فله أجره، ومن لم يتمكن له فلا حرج عليه. والسلام وصلى الله على سيدنا محمد وآله. وكتب ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر الله ربيع الثاني عام 1206 هجرية هـ.

 
(1) كذا في الأصل، ولعله: الذي بفضله أنتم على خير وعافية.

 ×

رسالة إلى كافة الفقراء

بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله : بعد حمد الله جل ثناؤه، يصل الكتاب إلى كافة أحبابنا الفقراء كل واحد باسمه وعينه عموما من غير تخصيص.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، من أحمد بن محمد التجاني. وبعد، نسأل الله لكافتكم وخاصتكم أن يفيض عليكم بحور العناية والمحبة منه، والرضى منه سبحانه وتعالى على طبق ما منح من ذلك أكابر العارفين من عباده وأهل الخصوصية، حتى تكون عنده جميع مساويكم ممحوة غير مؤاخذين بها، وجميع ذنوبكم وآثار سهوكم مقابلة بالصفح والتجاوز منه غير مقابلين بها.

ونسأله سبحانه وتعالى أن يكتبكم جميعا في ديوان أهل السعادة الذي ما كتب فيه إلا أكابر أوليائه وأهل خصوصيته بوجه لا يمكن فيه المحو ولا التبديل، وأن يكحل بصائركم بنوره الذي رشه على الأرواح في الأزل، وأن يواجهكم بفضله في الدنيا والآخرة،وأن ينظر فيكم بعين رحمته التي من نظر إليه بها صرف عنه جميع مكاره الدنيا والآخرة.

هذا وليكن في علمكم أن جميع العباد في هذه الدار، أغراض لسهام مصائب الزمان، إما بمصيبة تنزل، أو بنعمة تزول، أو بحبيب يفجع بموته، أو هلاك، أو غير ذلك مما لا حد لجمله وتفصيله.

فمن نزل به منكم مثل ذلك فالصبر الصبر لتجرع مرارتها، فإنه لذلك نزل العباد في هذه الدار. ومن كبا به منكم جواده عن تحمل ثقلها، ومقاومة ما يطرأ عليه من أعبائها، فعليه بملازمة أحد الأمرين أو هما معا، وهو أكمل.

الأول: ملازمة يا لطيف ألفا خلف كل صلاة إن قدر، وإلا ألفا في الصباح وألفا في المساء، فإنه بذلك يسرع خلاصة من مصيبته.

والثاني: مائة صلاة على النبي بالفاتح لما أغلق... إلخ، ويهدي ثوابها للنبي ، إن قدر مائة خلف كل صلاة، وإلا مائة صباحا ومائة في الليل.

وينوي بهما - أعني باللطيف والصلاة على النبي التي يهدي ثوابها له - أن ينقذه الله تعالى من جميع وحلته، ويعجل خلاصه من كُربته، فإنه تسرع له الإغاثة في أسرع وقت.

وكذا من كثرت عليه الديون وعجز عن أدائها، أو كثر عياله واشتد فقره وانغلقت عليه أبواب أسباب المعاش، فليفعل ما ذكرنا من أحد الأمرين أو هما معا، فإنه يرى الفرج من الله عن قريب.

ومن دهاه خوف هلاك متوقع نزوله به، من خوف ظالم ولا يقدر على مقاومته، أو خوف من صاحب ديْن لا يجد منه عذرا ولا إمهالا، ولا يجد من المال ما يؤديه له، أو كلا الأمرين، ومن كل مخوف، فليلازم ما ذكرنا من أحد الأمرين أو هما معا فإنه ينقشع عنه عن قريب.

وإن أسرع مع ذلك بصدقة قلت أو كثرت بنية دفع ما يتوقعه من المخوف، أو بنية تعجيل الخلاص من ألمه وكربه؛ كانت أجدر في إسراع الخلاص والفرج.

وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. وإياكم ثم إياكم أن يهمل أحدكم حقوق إخوانه مما هو جلب مودة، أو دفع مضرة، أو إعانة على كُربة، فإن من ابتلي بتضييع حقوق الإخوان ابتلي بتضييع الحقوق الإلهية. "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

وصونوا قلوبكم إذا رأيتم أحدا فعل حقا يخالف هواكم، أو هدم باطلا يخالف هواكم، أن تبغضوه أو تؤذوه، فإن ذلك معدود من الشرك عند الله تعالى، فقد قال : "الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا، وأقل ذلك أن تحب على باطل، أو تبغض على حق". أو كما قال مما معناه هذا.

وكذا صونوا قلوبكم عمن فعل باطلا، أو هدم حقا يطابق هواكم أن تحبوه أو تثنوا عليه، فإنه أيضا معدود من الشرك عند الله تعالى، فإن المؤمن يحب الحق ويحب أهله، ويحب أن يقام الحق ويُعمل به، ويبغض الباطل ويبغض أهله، ويبغض أن يقام الباطل ويعمل به والسلام.

استدراك: ما ذكرنا من مراعاة حقوق الإخوان فليكن ذلك في غير حرج ولا ثقل ولا كلفة، بل بما تيسر وأمكن في الوقت، إلا أن يكون في بعض العوارض يخاف من أخيه العداوة والقطيعة، أو فساد القلب، فليسرع لإصلاح قلبه. فإن ذلك يستجلب الرضى من الله تعالى.

وأما ما ذكرنا من بعض أهل الباطل، فليكن ذلك محله القلب فقط، وإن خرج إلى جارحة من الجوارح أدى إلى منكر أعظم منه، فترك إخراجه من القلب إلى الجوارح أولى والسلام.

 

 ×

رسالة إلى الخليفة سيدي الحاج علي حرازم

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وعليكم السلام.

أما ما ذكرت من العوارض الحائلة بينك وبين ما تقصد من عمل الآخرة، فاعلم أن سببه ما تمكن من نفسك من الميل إلى الراحات، واقتحام ما تقدر عليه من الشهوات؛ فإنها سمعت أن مقام المعرفة بالله حاصل لها بلا تعب، فمالت إلى ما يقتضيه هواها من الراحات، فلو أنها علمت أن مقصودها من المعرفة بالله لا يحصل لها إلا إذا جدت في ما هو من أمر الطريق معروف، وفارقت كل مألوف، لأجابت إلى ما يراد منها من المجاهدة، لأنها تريد الظفر بمطلوبها، فلما سمعت أنه يحصل لها بلا تعب لم تجب إلى ما يراد منها من المجاهدة ومفارقة الحظوظ. فكل عارض لا بد له من ظهور حكمه؛ فمن ظن أن قيام العارض بالقلب على حاله يمكن معه نقيض حكمه فقد جهل أمر الله عز وجل ولم يحصل له من ظنه إلا التعب لا غير.

ومثل العارض كالسحاب في السماء، ومثل ما وراءه من المجاهدة كالشمس، فإذا صحا السماء من السحاب طلعت الشمس، وإذا وقع السحاب دونها حال بيننا وبينها. فلا يمكن وقوع السحاب في السماء وطلوع الشمس صاحية من ورائه، وتعقل هذا وتأمله تستفد منه علما عظيما.

وحيث قامت العوارض بالقلب من الميل إلى الراحات، واقتحام ما تقدر عليه من الشهوات، امتلأ  القلب بصور الأكوان والميل إليها، وحيث وقع ذلك تمكن تخليط القلب في أمر الهوى، والبعد عن حضرة القدس وعن جميع مقتضياتها.

فلا تزول منه هذه الأمور إلا بوارد الفتح الأكبر الذي يفيض معه بحر المعرفة بالله، وإلا فلا تطمع أن يخلو قلبك من الظلام والكدر ما دامت في قلبك هذه العوارض، وحضرة الحق جارية على النسب لا تخرج عن نسبها.

واعلم أن مراد الله منك في هذا الوقت ما أنت فيه، فوقوفك بعبوديتك فيما أقامك الله فيه في وقتك هو أولى بك وأمكن من رمي فكرك إلى مطلب قطعتك دونه العوارض ولم تحصل منه على طائل، فسلم الأمر إلى الله.

واعلم أن ما تطلبه له أجل ومقدار، إذا جاء وقته جاء ولا يتعجل بطلب تعجيلك. وإن رمت الخروج عما أنت فيه إلى تنوير القلب وصفائه فاذهب وانقطع عما سوى الله في مكان لا ترى فيه أحدا، وألزم نفسك إخراج مرادك من كل ما سوى الله، واستغرق أوقاتك في الذكر المفرد ترى العجب من تمكين الصفاء. فإن لم تساعفك نفسك على هذا، فاعلم أن مراد الله منك ما ذكرنا، واترك عنك ما يتغلغل في قلبك من خواطر السوء المفضية إلى سوء الأدب مع الله ومعنا بطلبك أمورا لا نسبة لها فيك، بل ليس فيك إلا نسبة نقائضها.

لقد رمت الحصاد بغير حرث

يغوص  البحر من طب اللألي

وهذا القدر كاف إن فهمت.

وأما ضمان المعرفة بالله من مقام محي الدين، فإني أضمنه لك إلا قطبانيته فلا أعلم فيها أمرا ولا غيره ولا أضمنها، وهي موكولة إلى مشيئة الله وعلمه. وأما محبتك لنا فأنا أضمنها لك أن تموت عليها إن فارقك ما تخوَّفتُه عليك، وإني تخوفت عليك من طلبك الأغراض منا أن تنقطع عنا، وليس ذلك من جهتى وإنما هو من جهة إكثارك منها. فإذا طال أمرك ولم تر شيئا من أغراضك قال لك الوسواس:

"ليس ثم شيء يرجى، ولا فائدة تجتنى"، فانهدم قصر اقتصارك علينا برغبتك في غيرنا، فتنقطع المحبة من أصلها، وتقع فيما لا قدرة لك على حمله من الضرر، ولا أذكره لك لعدم إمكانه، وإن انقطعت عنا رأيته ولو بعد حين، فتندم حيث لا ينفع الندم. بل اذهب والزم والتزم ما قلنا لك من الأوراد، مسلما قيادك لله في الرضى بما أقامك فيه حتى يأذن الله لنا ولك بالفتح فقط، ودع عنك ما عدا هذا.

وأما ما طلبت من الضمان في المعرفة بالله من كونها صافية من اللبس، ممزوجة حقيقتها بالشريعة، فإن أمرها لا يكون إلا كذلك لا غير، فلا تحتاج إلى ضمانة.

وأنا ضامن لك أن لا تسلب ما دمت في محبتنا، وكل ما دونه من دخول الجنة بلا حساب إلى ما وراءه وما قبله، وسامحتك فيما لا تعلمه مما مقتضاه  سوء الأدب...

انتهى الغرض منها.×

رسالة إلى كافة الإخوان أينما كانوا

بعد البسملة والصلاة على رسول الله وبعد،

فأوصيكم بما أوصى الله به، قال سبحانه وتعالى: ]وَلَقَدْ وَصَّيْنَا اُلَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ ۚ [ (النساء: الآية 131) وقال سبحانه وتعالى: ]شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اُلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا...إلى قوله تعالى كَبُرَ عَلَى اُلْمُشْرِكِينَ[ (الشورى: الآية 13) وقال سبحانه وتعالى: ]وَاُعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اُللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ۚ[ (آل عمران: الآية 103)وقال سبحانه وتعالى: ]وَمَنْ يَتَّقِ اُللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا... إلى قوله قَدْرًا[ (الطلاق: الآية 2-3) وقال سبحانه وتعالى: ]وَمَنْ يَتَّقِ اُللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا... إلى قوله وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا[(الطلاق: الآية 4-5) .   

واعلموا أن التقوى قد صعب مرامها، وتناءت بُعدا عن أن تمد بيد أحد خطامها واحتكامها، وكلت الهمم دونها، فلا يصل بيد أحد أساسها واحتكامها إلا الفرد الشاذ الناذر، لما طبعت عليه القلوب النفوس من الإدبار عن الله وعن أمره بكل وجه واعتبار، ووحلها في رتع أحوال البشر وَحَلاً لا مطمع لها في الانفكاك عنه، وهذا حال أهل العصر في كل بلد من كل ما على الأرض إلا الشاذ الناذر الذي عصمه الله تعالى. وبسبب ما ذكرنا هاج بحر الأهوال والفتن، وطما بحر المصائب والمحن، وغرق الناس فيه كل الغرق، وصار العبد كلما سأل النجاة من مصيبة وعُصم منها اكتنفته مصائب، وفي هذا قيل: سيأتي على الناس زمان تتراكم فيه بحور المحن والفتن. فلا ينفع فيها إلا دعاء كدعاء الغريق.

وليكن ملازمتكم الأمر المنجي لما ذكرنا أو مطفئ لأكثر نيرانه وهو كثرة الاستغفار، والصلاة على النبي وذكر لا إله إلا الله مجردة، وذكر ]لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ُ[(الأنبياء: الآية 87) ،  وقول ]حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ[(آل عمران: الآية 173) . فإنه بقدر الإكثار من الأذكار تتناءى على العبد كثرة المصائب وشرور الأوزار. وبقدر تقليله منها يقل بعده عن المصائب والشرور. وليكن لكل واحد منكم قدر من هذه الأذكار على قدر الطاقة.

وعليكم بكثرة التضرع والابتهال، لمن له كمال العز والجلال، فإن الله رحيم بعباده ودود، فإنه أكرم وأعظم فضلا من أن يتضرع إليه متضرع أحاطت به المصائب والأحزان، ومد إليه يده مستعطفا نواله، راجيا كرمه وإفضاله، أن يرده خائبا، أو يعرض عنه برحمته، والعاجز من عجز حتى عن التضرع والابتهال، ومن ضيع نفسه من الله فلا جابر له.

وليكن لكم بباب الله لمَّات، على مرور الساعات وكرور الأوقات. فإن من اعتاد ذلك في كرور أوقاته؛ غشيه من رحمة الله ونفحاته، ما يكون ماحقا لمصائبه وكُدوراته، ومسهلا لثقل أعباء ما ثقل عليه من مُلمَّاته. فإنه سبحانه وتعالى غني كريم، يستحيي لكرمه إذا رأى عبدا قد تعود الوقوف في بابه ولو في أقل الأوقات، أن يسلمه للمصائب التي لا مخرج له منها، أو يَكْدحَه بهَلكَةٍ يعزُّ عليه الخلاص منها. احفظوا هذا العهد، واركدوا في هذا الميدان، ولو في أقل قليل من مرور اليوم والليلة، تجدوا التيسير في جميع الأمور، والخلاص من كثير من الشرور. وإن قدر الواحد على أن يكون تضرعه في كل ليلة بهذا الدعاء وهو:

"إلهنا أنت المحرك والمسكن لكل ما وقع في الوجود من الخيرات والشرور، وفي حكمك الحل والعقد لجميع الأمور، وبيدك وعن مشيئتك تصاريف الأقدار والقضاء المقدور، وأنت أعلم بعجزنا وضعفنا، وذهاب حولنا وقوتنا عن تباعدنا مما يَحِلُّ بنا من الشرور، وعن اتصالنا بما نريد الوقوع فيه من الخيرات أو ما يلائم أغراضنا في جميع الأمور، وقد وقفنا ببابك، والتجأنا بجنابك، ووقفنا على أعتابك، مستغيثين بك في صرف ما يحل بنا من الشرور، وما ينزل بنا من الهلاك مما يجري به تعاقب الدهور، مما لا قدرة لنا على تحمله، ولا قوة بنا على طلِّهِ فضلا عن وبْله، وأنت العفو الكريم والمجيد الرحيم، الذي ما استغاث بك مستغيث إلا أغثته، ولا توجه إليك مكروب يشكو كربه إلا فرجته، ولا ناداك ضرير من أليم بلائه إلا عافيته ورحمته، وهذا مقام المستغيث بك والملتجئ إليك، فارحم ذلي وتضرعي بين يديك، وكن لي عونا وناصرا ودافعا لكل ما يَحِلُّ بي من المصائب والأحزان، ولا تجعل عظائم ذنوبي حاجبة لما ينزل إلينا من فضلك، ولا مانعة لما تتحفنا به من طولك، وعاملنا في جميع ذنوبنا بعفوك وغفرانك، وفي جميع زلاتنا وعثراتنا برحمتك وإحسانك. فإنا لفضلك راجون وعلى كرمك معولون، ولنوالك سائلون، ولكمال عزك وجلالك متضرعون، فلا تجعل حظنا منك الخيبة والحرمان، ولا تنلنا من فضلك الطردُ والخذلان، فإنك أكرم من وقف ببابه السائلون، وأوسع مجدا من كل من طمع فيه الطامعون، فإنه لك المن الأعظم، والجناب الأكرم، وأنت أعظم كرما، وأعلى مجدا، من أن يستغيث بك مستغيث فترده خائبا، أو يستعطف أحد نوالك متضرعا إليك فيكون حظه منك الحرمان. لا إله إلا أنت يا علي يا عظيم، يا مجيد يا كريم، يا واسع الجود يا بر يا رحيم "عشرين مرة تذكر هذه الأسماء من قولك لا إله إلا أنت إلخ... ثم صلاة الفاتح لما أغلق... إلخ عشرا في أوله وعشرا في آخره. فإن المداومة لهذا الدعاء في كل ليلة سبعا أو خمسا أو ثلاثا تدفع عنه كثيرا من الصائب والأحزان، وإن تحتم نزولها نزل به لطف عظيم فيها.
 
×

رسالة إلى فقراء مدينة فاس

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، بعد حمد الله جل جلاله وعز كبرياؤه، وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى أيدي أحبابنا ورفعاء المكانة من قلوبنا: سيدي الحاج الطيب وسيدي هاشم بن معزوز وأخيه سيدي الكبير وابنه سيدي موسى، وسيدي الحاج على أملاس، وسيدي أبو طالب، وكافة أحبابنا بفاس ممن سميناهم وممن لم نسمهم كل باسمه وعينه.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى كافة أهليكم وأولادكم، من كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني.

وبعد، نسأل الله جلت عظمته، وتقدست صفاته وأسماؤه، أن يفيض عليكم في الدنيا والآخرة بحور فضله ورضاه عنكم، وعنايته بكم، وأن يعاملكم في الدنيا والآخرة بمعاملته لأكابر أوليائه من خواص حضرته، وأن يسلك بكم في كل طريق مسلك أكابر أهل السعادة، وأن ينظر فيكم في الدنيا والآخرة بعين محبته لكم، ورضاه عنكم، وعنايته بكم، حتى تكون جميع أعمالكم جارية على المنوال، فلا يصدر منكم ذنب إلا مُحي في أسرع من طرفة عين، مع كمال رفع المؤاخذة به دنيا وأخرى، ولا تصدر منكم حسنة إلا بسط عليها رداء القبول مع الجزاء عنها دنيا وأخرى.

ومن آكد ما أوصيكم به إصلاح ذات بينكم محبة ومودة، وإقالة العثرات بينكم، والعفو عن زلل الإخوان. والسلام وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.×