التعريف بالشيخ | وصوله لتلمسان و عودته لفاس

وصوله إلى الحضرة التلمسانية
و زمن عوده لحضرة فاس


ثم أشار النَّاظم إلى زمن وصوله إلى الحضرة التلمسانية و رجوعه من الحرمين الشريفين محفوفاً بالعناية الربانية، و زمن عوده لحضرة فاس، بقصد زيارة مولانا إدريس العاطر الأنفاس فقال
:

و تِلمسان أتى في القابِل

 

مِن حجِّهِ و زَورِ خيرِ كامِل

فحلَّ فِيهَا مُدَّةً و زَارَا

 

بفاس إدريسَ الرّضي مِرَارا

في عامِ واحدٍ و تِسعينَ و في

 

هذا الْتقى مَعْ خِلِّه الخِلِّ الوَفي

تِلميذِه صاحِبه حَرازِمِ

 

صاحِبِ سِرِّه الإمامِ الحازِمِ

و لمْ تَكنْ مَعرِفةٌ مِنْ قبلِ

 

ذَاكَ لهُ بشَيخِنا ذِي الفضلِ

حتَّى تعرَّف لهُ فكاشَفهْ

 

يَوماً برُؤْيا سلفتْ مَكاشَفه

دلَّتْ على صُحبته و ذَكَّرهْ

 

و قذ نسِي و بالمعاني بشَّرَهْ


أراد بـ (القابل) العام الذي بعد عام حجه، و هو عام ثمانية وثمانين (
1188 هـ)، لأن حجّه كان عام سبعة وثمانين حسبما تقدَّم.
و (زور) أراد به الزيارة وقد تقدَّمت
.
و (خير كامل)
النبي .
و (المزار) يكون مصدراً و موضع الزيارة، و المراد هنا الأول
.
وباقي ألفاظ الأبيات ظاهر
.
يقول: إن سيدنا بعد ما ودَّعه شيخه الكردي حين اجتاز به قافلاً من رحلته المشرقية و وجهته، انتهى إلى الحضرة التلمسانية، و وصل إليها في العام الذي يلي عام حجته، و هو كما قدمناه عام ثمانية و ثمانين بعد المائة والألف (
1188) من هجرة سيد المرسلين ، و على آله و صحبه أجمعين، فاتخذ الحضرة المذكورة في ذلك الوقت داراً و تخيَّرها في تلك المدة متبوأً و قراراً. و في هذا العام، أي عام قفوله من حجه للحضرة التلمسانية أعادها الله دار إسلام، حَظِي باللقى معه صاحبه و خازن أسراره الفقيه العلاَّمة الإمام القدوة المبجل الهمام أبو عبد الله سيدي محمد بن محمد المشري الحسني السائحي البساعي التكرتي الدار، و هي أي "تكرت" بلدة معروفة من عمل قسمطينة، رَحِمَهُ اللهُ تعالى و رضي عنه. فخصَّ منه إذ ذاك بتلقينه إياه الطريقة الخلوتية و تلقى منه أسراراً و أذكاراً أخر حسبما أخبر بذلك عن نفسه، رَحِمَهُ اللهُ ونفعنا به. و بقي في صحبته من ذلك الوقت إلى أن توفي رَحِمَهُ اللهُ سنة أربع و عشرين و مائتين و ألف (1224 هـ)، و هو الذي ألف كتاب "الجامع لما افترق من العلوم"، و كتاب "نصرة الشرفاء في الردّ على أهل الجفاء".
و كان سيّدنا اتخذه إماماً يؤمّ به في الصَّلوات، لأنه كان في ذلك الوقت لا يحب أن يصلي إماماً إلا إذا كان داخل داره فيؤم أهلَ داره و عياله
. و في عام ثمانية و مائتين و ألف (1208 هـ) تصدى للإمامة بنفسه لموجبٍ قام به في ذلك الوقت. قاله في "الجواهر" و بلغنا من طريق الثقات من أصحابه أنه فعل ذلك بإذن من النبي ، و كان يقول: "أمرني من لا تسعني مخالفته أن لا أصلي خلفَ أحد ما عدا الجمعة". و لهذا كان إذا كان فرضه التيمُّم و حضرت الصلاة و هو مع أصحابه صلى بهم، و الحال أنهم متوضؤون، لكن بعد أن يقول لهم: "إن فرضي التيمم، فإن شئتم أن تجتمعوا على إمام فافعلوا". فلا ينكر على من اجتمع على غيره، و من صلى معه أقرّه على فعله بناءً على قول ابن العربي و ابن الماجشون في ذلك كما هو معروف في المذهب، مع اطّلاعه على ما هو في نفس الأمر من الفضيلة في الصلاة خلف أمثاله. و لعلَّنا نتعرَّض لما في الصلاة خلف العارفين بالله فيما سيأتي لنا إن شاء الله. و وجْهُ بيانه الخوف من أن يكون هناك من لا يريد أن يعمل إلا على المقابل لقول الشيخين المذكورين، فهو جارٍ في ذلك على قاعدة الورع في نظائر المسألة ظاهراً، و الله أعلم.
و كان من وظيف النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ أن لا يغفل عن التنبيه على أن هذا الزمن هو زمن اجتماع هذا السيد الجليل القدر ب
سيدنا . و قلت فيما يشير إلى ذلك لمن أراد أن يلحقه بهذا المحل ما نصّه:
و جاءَه إذْ ذاكَ سامي القَدْرِ

 

فَرْدُ  السِّنا سيدنا ابن المشري
ففازَ مِنْه ثمّ بالتلقينِ

 

عن شيخِه الكردي الرضي الأمينِ
فحل فيها... إلخ.

 

 


و لنرجع إلى سبك النظم فنقول
: قال: فحلَّ فيها، أي في الحضرة التلمسانية، مدَّةً هي من الأعوام نحو الثمانية. و في أثناء هذه المدة تاقت همَّته السنية إلى الوصول للحضرة الفاسية، فتوجَّه نحوها بقصد زيارة قطب دائرة أفلاك السيادة، و ينبوع كلِّ فخار و مجادة، مطلع أنوار المعارف و سمت محيا كل ناسك و عارف، سبط الرسول و نخبة سلالة بضعته الزّهراء البتول مولانا إدريس الذي بفاس نجل التاجر مولانا إدريس الذي تعطرت من مغربنا هذا بأرج فتوحاته الأنفاس، نجل مولانا عبد الله الكامل جامع شتات الفضائل و الفواضل، نجل مولانا الحسن المثنى الحائز من جميع المفاخر المفرد و المجموع و المثنى، نجل السبط مولانا أبي محمد الحسن الآخذ من سائر الكمالات الذاتية و الصفاتية بأوثق رصن، نجل فحل الفحول و ليث الكتائب، ابن عم نبيّنا و أخيه و صهره مولانا علي بن أبي طالب، و ابن بنت المصطفى و خلاصة الصفا و كعبة أرواح أهل الوفا، شمس سماء المعالي التي لا يلحقها أفولٌ، و ريحانة روضِ الرتب العوالي التي لا يعتريها ذبول، ينبوع الإمداد لقلوب العارفين الواصلين، و منهل الورَّاد من سائر الأبدال و الأوتاد و الأفراد و الأقطاب الكاملين، بضعةُ الرسولِ مولاتنا فاطمة الزهراء البتول(1)، صلى الله و سلم على والدها الرَّسول المصطفى و على إخوانه من الرُّسل و الأنبياء، و عليها و على ذريتها و جميع الآل و الأصحاب الكرام الأصفياء، و التَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين من العلماء و الصلحاء و المؤمنين البررة الأتقياء:
أسامياً لم تَزِدْهُ معرِفةً

 

و إنَّما لذَّةٌ ذَكَرْنَاها

فلما توجَّه للحضرة المذكورة بقصد الزيارة المسطورة، و ذلك في عام واحد و تسعين من المائة (
1191) قبله، لقي بمدينة وجده، و الخير لا يزال يرصد إبانه و أهله، حبيبه الأخص و مطمح بصره و خله الصديق الأكبر و الخليفة الأشهر أبا الحسن سيدنا علي حرازم الفاسي الأطهر، و هو جامع كتاب "جواهر المعاني" و المخصوص من سيدنا بأخص مراتب القرب و التداني. و لما لقيه هنالك، و لم يكن له قبلها بسيدنا تقدم معرفة تعرف له سيدنا ، و ذكر له رؤيا سلفت له تدلُّ على صحبته إياه، و قد كان أُنْسِيها حتى ذكَّره سيدنا إياها من طريق المكاشفة. فلما تذكَّرها و تحقق أن سيدنا أخبره صدقاً، عَلِمَ يقيناً أن "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" [يُوسف: الآية 100]. فعند ذلك قال له سيدنا : "أما تخافُ من الله، تتعبني من مكاني إليك، فلا حاجة لي إلى ملاقاتك، فاحمد الله على ذلك". قال: "فحمدت الله و شكرته، و علمت أن الله تعالى تفضَّل علي، و أنه هو الكفيل لي و المتولي جميع أموري بتصريح منه بذلك إلي":
و إذا سَخَّرَ الإلَهُ أُناساً

 

لسعيدٍ فإنَّهم سُعَداءُ

فتوجَّه معه إلى
الحضرة الفاسية. فلما وصَلَها أقام بها مدَّةً لقضاء وطرِه من زيارة الروضة الإدريسيّة. ثم لقَّنه الطريق الخلوتية، و ألقى إليه ما قَسَمه الله له على يده من العلوم و الأسرار السنية.
و حين عزم على الرجوع إلى حضرة تلمسان أخبره بأن حاله لم يستقم بها، و أنه لا بد له من الإنتقال إلى غيرها مما يختاره الله له من البلدان
. و حين التشييع(2) و الموادعة قال له: "الزمْ العهدَ و المحبّة حتى يـأتي الفتحُ إن شاء الله تعالى".

 

*****


(1) هي فاطمة بنت رسول الله أمها خديجة بنت خويلد، تزوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الثامنة عشرة من عمرها، وولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، عاشت بعد أبيها ستة أشهر، وهي أول من جعل له النعش في الإسلام، وذلك سنة (11هـ).

انظر طبقات ابن سعد: 8/11. والإصابة (النساء: ت 830)، وصفة الصفوة: 2/3، وحلية الأولياء: 2/39، وأسد الغابة.

 

(2) التشييع: التوديع.