التعريف بالشيخ | تصوف الشيخ

تصوف الشيخ

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى
:

ثم ارتَقَتْ هِمَّتُه العَليَّه

 

إلى اتباعِ السَّادةِ الصُّوفيهْ

فَجالَ في طلبِ أهلِ الله

 

عادةُ كلِّ عابرٍ أوّاهِ

و عُمْره إحدى و عِشرونَ سَنَه

 

لله دَرُّ  أُمِّهِ ما أحْسَنهْ


(الهمَّة العلية) العزْم القوي، كذا في
"المصباح المنير"، وهي عندَ الصوفية: عبارةٌ عن قوى النفس التي يقعُ عنها الانفعال في بعض الموجودات بإذن الله تعالى، يقولون: فلان أحالَ همَّته على كذا، فانفعل له بإذن الله تعالى، أي بقضائِه و قدرهِ. فإذا صدق المريدُ في إرادته تكون له همةٌ جمعية لا يقوم لها شيء. قالوا: و هذه الهمة توجَدُ في قومٍ من المريدين يقتلون بها من يشاؤون لأن النفسَ إذا جمعت أثَّرتْ في أجرام العالم و أحواله، و لا يعتاصُ عليها شيء بإذن الله تعالى. قال ابن عباد : "وهذه الهممُ تكون للأولياء كرامات، و لغيرهم استدراجاً، كما هو شأنُ العائن و الساحر"، أعاذنا الله من شرِّهما و شرِّ كل ذي شرِّ بمنِّه.
و (الصوفية)
: من «تصوَّف الرجلُ» فهو صوفي من قوم صوفية. و هي كلمةٌ مولَّدة كما صرَّح به في "المصباح" و جزم في "عوارف المعارف" بأنها لم تكن في زمن النبي . ثم حكى فيما بعدَ زمانِه قولين:
  • الأول: أن هذا الاسم كان في زمان التابعين؛ لما ذكر عن الحسن البصري أنه قال: "رأيتُ صوفياً في الطوافِ فأعطيتُه شيئاً فلم يأخذْ و قال: "معي أربعة دوانق، يكفيني ما معي"". و يشبهُ هذا الذي نقل عن الحسن البصري ما روي عن سفيان الثوري (1) أنه قال: "لولا أبو هشام الصوفي ما عرفتُ دقيقَ الرياء".
  • القول الثاني: أن هذا الاسم إنَّما ظهرَ بعد زمان التابعين. قال: "لأنهم كانوا في زمن النبيّ يسمونَ الرجلَ منهم صحابياً، و ذلك لشَرَفِ درجة صحبتِه ، فالإشارة إليها أولى من كلِّ إشارة، و بعد انقراضِ زمنِ الصحابة صارَ من أخذ العلمَ منهم يسمُّونه تابعياً، ثم لما تقادم العهدُ بزمان الرسالة، و تكدَّرت مشاربُ العلوم باتباع الأهواء و غَلَبة الجَهَالة، و غلظت النفوسُ و كثفَ حجابُها، و كثرت العادات، و تملَّك أربابها، و تزخرفتِ الدنيا و كثر خطابها، تفرَّد قومٌ بالأعمال المرضية و الأحوالِ السنية، فتهيأَ لهم صفاءُ الفهومِ لقبولِ غوامضِ العلوم، ظهرَ هذا الاسمُ بينهم، أي اسم الصوفية، و تسمُّوا به و سُمُّوا بذلك". اهـ من "العوارف" ملخصاً بمعناه و غالب ألفاظه.

و يحتملُ الجمع بين القولين بأن هذا الإسم كانَ أولُ ظهورِه في زمان التابعين، و لم ينتشرْ كلّ الإنتشار إلا فيما بعد زمانهم، حيث صار الأمرُ إلى ما صار إليه مما تقدَّم ذِكرُه، و الله تعالى أعلم
.
ثم إن هذا الإسمَ، كما اختلفَ في زمان ظهوره، اختلف أيضاً في أصلِ التسمية به، فقيل نسبة إلى الصُّوفِ. و وجهت هذه النسبة بوجهين على هذا القول
:
  • الوجه الأولُ، أن هؤلاء السادات الكرام، لما آثروا الذبولَ و الخمول و التواضُعَ و الإنكسار و التخفِّي و التواري، صاروا بمنزلة الصوفة الملقاة التي لا يلتفتُ إليها، فلذلك نسبوا إليها. و المناسبة في هذا الوجه ظاهرةٌ من حيث الاشتقاق، لأنه يقال في النسبة إلى الصوفة «صوفي» كما يقال في النسبة إلى الكوفة «كوفي».
  • الوجه الثاني: أنه نسبةٌ إلى ظاهر اللبسة لأنهم كانوا يؤثرون لبسَ الصُّوف لكونه لباسَ الأنبياء عليهم الصَّلاة و السلام، و في الحديث: «مَرَّ بالصَّخْرَةِ مِنَ الرَّوحاءِ(2) سَبْعونَ نَبِيّاً حُفَاةً عَلَيْهِم العباءُ يَؤُمُّونَ البَيْتَ الحَرَام» الحديث. و يروى أن سيّدنا عيسى عليه الصلاة و السلام كان يلبَسُ الصوفَ و الشعرَ. و المناسبة في هذا الوجه أيضاً كالذي قبلَه، لأنه يقال: تصوَّف، إذا لبسَ الصوف، كما يقال: تقمَّص، إذا لبس القميص. و قيل: نسبة إلى الصُّفَّة(3) التي كانت لفقراءِ المهاجرين على عهْدِ رسول الله الذي نزلَ فيهم قوله تعالى لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» [البقَرَة: الآية 273] الآية. قال في "عوارف المعارف": "و هو، و إن كان لا يستقيم من جهة الاشتقاق، فهو صحيحٌ من حيث المعنى، لمشاكلة أحوالِ الصوفيةِ لأحوالِ أولئك السادات الكرام، و ذلك لكونهم مجتمعين متآلفين متصاحبين لله و في الله، و انظر"العوارف".

و قيل
: سُمَّوا به لأنهم أهل الصفِّ الأول بين يدي الله تعالى، بارتفاع هِمَمِهم و إقبالهم على الله تعالى بقلوبهم، و وقوفهم بين يديه بسرائرهم. و يؤيِّد هذا القولَ ما قيل من أن هذا الإسم كان في الأصل صفوي نسبةً إلى الصَّفا(4) فاستثقِلَ ذلك فجعل صوفي. و يؤيّده أيضاً قولهم: الصوفي من صفتْ سرائره و استقامتْ على الكتاب و السُّنة ظواهره. فقول الشيخ أبي الحسن الشاذلي : "التصوّفُ تدريبُ النَّفس على العبوديّة و ردُّها لأحكام الربوبية" اهـ. إلى غير ذلك من عبارات المشايخ الكاملين تنحو هذا المنحى و يتأيّد بهذا هذا القول. و لا شكَّ أن المدار من جهة المعنى المقصود إنَّما هو على ما يوصل إلى حضرة الملك المعبود، و ليس ذلك إلا صفاء السرائر و استقامة الظواهر. فلا يفيد لبسُ الصوف وحدَه فيما هو المراد، كما لا يخفى على أهل السداد، و إنَّما الكلامُ في أصل هذه التسمية، و ما نقل في ذلك من الأقوال عن أئمَّة هذه الطائفة الزكية ليظهر وجهُ اصطلاحهم على هذه العبارات حتى يكون الناظر في كلامهم على بصيرةٍ مما قصدوه في هذه الإشارات. و قد ذكروا أن هذا اللفظ، أي لفظ الصوفي، أوقع بظاهره كثيراً من عامة الناس في الغرور و الالتباس لاعتقادهم أن الصوفي من لَبِسَ ثيابَ الصوفِ المرقَّعة لا غير، ولا سيما إن انضاف إلى تلك اللبسة غزارةُ أقوال، فإنَّهم يعتقدون بلوغَه أعلى درجاتِ الكمال من غير أن يبالوا بما هو عليه من صفاء سرِّه و استقامة ظاهره. و قد قيل: الصوفيُّ لا يفوق بغزارة الأقوال و إنَّما يفوق بوقْعِ الهمَّةِ و الحال و التخلية عن رؤية الأعمال.
و قد ذكر الشيخ خالد البلوي رَحِمَهُ اللهُ تعالى في
"تاج المفرق" عن بعض من لقيه من علماء المشرق أنه أنشده لطاهر بن الحسين المخزومي هذه الأبيات:
لَيْسَ التصوفُ أن يُلاقِيكَ الفَتَى

 

و عَلَيْهِ من نَسْجِ النُّحوسِ مُرَقَّعُ
بِطَرَائقٍ بيضٍ و سُودٍ لُفِّقَتْ

 

فَكأَنَّه فِيهَا غُرابٌ أبْقَعُ (5)
إنَّ التصوُّفَ ملبَسٌ متعارَفٌ

 

يَخْشَىٰ الفَتَىٰ فِيهِ الإلٰه و يَخْشَعُ

و أنشده أيضاً
:
لَيْسَ التصوُّفُ لبْسَ الصُّوفِ تَرْقَعُه

 

وَ لاَ بُكاؤكَ إنْ غَنَّى المغنُّونا
وَ لاَ صِياحٌ وَ لاَ رَقْصٌ وَ لاَ طربٌ

 

وَ لاَ تَغَاشٍ كأنْ صِرْتَ مَجْنونا
بَلِ التصوُّفُ أن تَصْفُوا بِلا كَدَرٍ

 

و تَتْبَعَ الحقَّ و القرآنَ و الدِّينا
و أنْ تُرَىٰ خاشِعاً لله مُكْتئباً

 

عَلىٰ ذنوبِكَ طُولَ الدَّهْرِ مَحْزُونا

و أنشد غير البلوي في المعنى
:
تنازَعَ النَّاسُ في الصُّوفيِّ و اختَلَفُوا

 

و كلُّهم قال قولاً غيرَ مَعْروفِ
أَمْنَحُ هذا الإسمَ غَيْرَ فتىً

 

صافى فصوفي حتَّى سُمِّي الصُّوفي

اهـ
.
و على كلِّ حال فالمرادُ بلفظة
«الصوفية» حيث أطلق جميع طرائق الخير و الصلاح. قال في "عوارف المعارف": "و الله تعالى ذكر طوائفَ الخير و الصلاح، فسمى قوماً أبراراً و آخرين مقرَّبين، و آخرين الصَّابرين، و آخرين الصادقين، و آخرين المخبتين، و آخرين الذاكرين الله كثيراً، و غير ذلك، و اسمُ الصوفي يجمع المتفرِّق في هذه الأسماء المذكورة" اهـ.
قلت
: و هذا بحسب الإطلاق فقط، و إلا فمن استقرأ سياق كلامِ المشايخ المؤلفين في علم الطريق علم يقيناً أن الغالبَ عليهم إطلاقه على المقربين خاصَّةً. و قد صرَّح صاحب "عوارف المعارف" عن نفسه بذلك كما سنورِدُه في تقرير هذه الأبيات هنا إن شاء الله تعالى.
و قوله
: (جال) من جال البلاد طافَ بها غيرَ مستقر.
و (العادة) معروفةٌ، و تجمع على عادات و عوائد، سمِّيت به لأنها تعاوِدُ أي يرجعُ إليها مرَّةً بعد أخرى.
و (العابد) المطيع لله تعالى
.
و (الأواه) يطلق على معانٍ منها الرحيم، و عليه فالمراد هنا الرحيم لنفسه المشفِق عليها
.
و (العمر) معروف، وهو من
: عَمِرَ، كتعب عمراً و عمراً فهو عامرٌ، و به سمي تفاؤلاً، و بالمضارع يعمر و يتعدَّى بنفسه و بالتضعيف، و تدخلُ لام القسم على المصدر المفتوح منه. و المعنى: و حياتك و بقائك انتهى.
و (الدَّر) اللبنُ، تسمية بالمصدر، و منه
: لله دره فارساً، في سياق التعجب انتهى.
يقول
: ثم، بعد ما حصل رضي الله عنه ما حصَّل من المسائل العلمية و التبريز في ميادين الفنون الرسمية، سما به عزمُه القوي و همّته العلية، و تاقتْ نفسُه الزكية إلى اتباع السادات الصوفية، و التقيد بعهود المشايخ الكاملين من أهل التربية. فحن إلى اقتفاء طريقهم و الانحياش إلى حزبهم و فريقهم، فبسبب ذلك ومن أجله استَسهَل الصعبَ و استصغر المشاق. فجال البلادَ و طاف الآفاق رغبةً في العثور على من يُوصِله إلى الله كما هي عادةُ كل عابدٍ موفَّق حليم أوَّاه. و كان قد بلغَ من العمرِ إذ ذاك واحداً و عشرين عاماً، فللّه درُّ أمه التي أنجبت به سيداً كريماً هماماً.
و عقد النَّاظمُ في هذه الأبيات الثلاثة ما في
"الجامع" و هو ملخص ما في "جواهر المعاني" متفرقاً في مواضع منه. و نصُّ ما في "الجامع": فلمَّا شبَّ و اطَّلع على شيءٍ من كلام القومِ تاقتْ نفسُه إلى أحوالهم و الوصول إلى مراتبهم، فلما كان في سنة نيف وسبعين و مائة و ألف سافر من بلده عين ماضي إلى مدينة فاس(6) و أحوازِها، قاصداً مطلوبَه و باحثاً عما تعلَّقت به همّته من ملاقاة الرجال اهـ.
و في
"جواهر المعاني" أنه في هذه الوجهة سمعَ بفاس شيئاً من الحديث، ثم اشتغلَ بملاقاة الرجال. و بلغني على لسان أهل الصدقِ من أصحابه أنه في خلال المدَّة التي أقامَها بفاس في هذه المرة كان يحضرُ بعضَ مجالس أهل العلم بها، و أنه ارتحلَ إلى جبل العلم لأخذ القراءة بالتجويد على بعض المتقنين لذلك بتلك البلدة. و في سفرته هذه لجبل العلم بالقصْدِ المذكور حَبَسه المطرُ بخيمةِ رجلٍ من أهل الغرب نحواً من عشرين يوماً، فلما استوطن فاساً بعد ذلك، و ظهر على ذلك الرجل، فحضَر لديه فوصله بصِلَةٍ وعهِدَ إليه أن يأتي لأخْذِ مثلها على رأسِ كلِّ سنة، فكان الرجل يأتي على رأس كلِّ سنةٍ، فيجد الصلة مهيَّأَة له دراهم معدودة، و حكايته معروفة بين الأصحاب.
و في كلام الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى هنا نكتٌ بديعة تشهدُ له عند من أنصف بحلولِه من البلاغة و سعة الاطِّلاع المكانة الرفيعة
:
النكتة الأولى
النكتة الثانية
النكتة الثالثة
النكتة الرابعة
النكتة الخامسة
النكتة السادسة

***

 


(1) هو سفيان بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبد مناة من مضر، أبو عبد الله أمير المؤمنين في الحديث كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى. ولد ونشأ في الكوفة، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى، وسكن مكة والمدينة، ثم طلبه المهدي فتوارى، وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفياً سنة (161 هـ).

انظر دول الإسلام: 1/84، وابن خلكان: 1/210، والجواهر المضية: 1/250، وطبقات ابن سعد: 6/257.

(2) الروحاء: من عمل الفرع، على نحو من أربعين يوماً، أو ستة وثلاثين يوماً، وسمّاها كذلك تبّع لما رجع من قتال أهل المدينة يريد مكة. انظر معجم البلدان: 3/76.
(3) الصُّفّة: مكان مظلَّل في مسجد المدينة كان يأوي إليه فقراء المهاجرين يرعاهم النبي  وهم  أصحاب الصفّة.
(4) الصفا: مكان مرتفع من جبل أبي قبيس، بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، ومن وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود والمشعر الحرام بين الصفا والمروة. انظر معجم البلدان، 3/411.
(5)
الأبقع : ما خالط لونه لون آخر.
(6) فاس: مدينة مشهورة كبيرة على بر المغرب من بلاد البربر، وهي حاضرة البحر وأجل مدنه قبل أن تختط مراكش. انظر معجم البلدان: 4/230.

النكتة الأولى


 
    في قوله: «ثم ارتقت» حيث أتى بـ «ثم» التي هي للتراخي و المهلة، لإفادة أن ما حصَلَ للشيخ  من التوقان لاتباع طريق السادات الصوفية لم يكنْ على ما عليه أكثرُ الناس في هذا الزمان من كونهم يدخلون في طريق الإرادة من غير نظر و لا معرفة لحقيقة ما دخلوا فيه و لا لماذا دخلوه، و إنَّما ذلك منهم موافقة لبعض من استحسنوا حاله بالطبع في الوقت لا غير. بل كان تشوُّفه  و تَوَقانه إلى اتباع طريقهم بعد النظر و المعرفة لما قصد إليه و التحقق بفائدة ما عرّج عليه، كما هو شأن المريد الصادق الموصوف حاله في جواب الشيخ نفسه  لمن سأله عن ذلك، و ملخصه: 
    المريدُ الصادقُ هو الذي عرفَ جلالَ الربوبية و ما يجبُ القيام به من حقوق الألوهية، و عَرَف ما عليه نفسُه من العجز و الكسل، و الإخلاد إلى الراحة و التقاعد عن صالح العمل، و أنه إن قام مع نفسه على تلك الحالة لحقه في الدارين ما لا غاية له من الوبال، فلما عرفَ ذلك رجَعَ بصدقٍ و عزْمٍ و جدٍّ و اجتهاد طالباً من ينقِذُه من وحْلَتِه، و يحلُّ وثاقَه من أسْرِ شهوته، و يدلُّه على طريق الوصول إلى حضرة رب العباد. 
    قال : "فهذا هو المريدُ الصادق، و أما غيره فهو طالب لا غير، قد يجد و قد لا يجد" اهـ. 
    و من هذا تفهم معنى قولهم: البدايات مَجْلاة النهايات، و قولهم: كل من كانت بدايته أحكم كانت نهايته أتمَّ. و ذكر في "عوارف المعارف" بسنده إلى إمام الطريقة الجنيد  أنه كان يقول: "أكثرُ العوائقِ و الموانع من فساد الابتداء" اهـ. و أقوالُهم في البداية و تصحيحها و كونها أساساً للنهاية كثيرة، وغرضنا هنا بيان النكتة في إتيان النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى بـ «ثم» ليعلم من ذلك ما تحت عبارته من العلم، و ليعرف منه سعة اطلاعه و خصوصاً في علم الطريق، رَحِمَهُ اللهُ و رضي عنه.


×

النكتة الثانية


في تعبيره بالارتقاء، الذي هو الصعودُ إلى أعلى، إشارةٌ إلى علوِّ درجة الصوفيّة على مَن عداهم، و شفوف مراتبهم على مراتب من سواهم. و قد تقدَّم لنا في المقدّمة من الكلام في هذا المعنى ما يغني عن إعادته هنا، على أنَّ الكلامَ فيما يشير إلى ما للصوفية على غيرهم من الكمال و الفخر ممّا لا يكاد يأتي عليه الحصر.


×

النكتة الثالثة

في إسناد الارتقاء إلى الهمَّة العلية إشارة إلى أنه قصد بالصوفية خاصّة المقرَّبين. و معلومٌ أنَّ الهمم العلية لا تتعلَّق إلاّ بالمراتب السنيَّة فيكون النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى على هذا جارياً على ما عليه الأكثرون ممن ألف في الطبقات و غيرها في إطلاقهم الصوفية على المقرَّبين، كما صرَّح به في أول "عوارف المعارف" بقوله: "و اعلم أنَّ كلَّ حال شريف نعزوه في هذا الكتاب للصوفية، فهو حالُ أهل القرب. و الصُّوفي هو المقَرَّب". 
ثم قال: "و لا يعرف هذا الإسم في طرفي بلاد الإسلام شرقاً و غرباً لأهل القرب، و إنَّما يعرف للمتسمِّين. و كم من رجالٍ مقربين في بلاد الغرب و غيرها لا يسمّون صوفية لأنَّهم لا يتزيُّون بزيٍّ". 
ثم قال: "و لا مَشاحة في الألفاظ فيعلم أنا نعني بالصوفية المقربين" اهـ. 
و قوله: «ولا يعرف هذا الإسم...» إلى آخره، يعني في تداول العامة و ما هو جارٍ عليه عُرْفُ التخاطب بينهم في الغالب، و إلا فالإستقراء شاهدٌ بأن غالب المشايخ المعتبرين إنَّما يطلقونه على المقرَّبين، بدليل قوله في"العوارف" إثر ما تقدَّم ما نصّه: "و مشايخُ الصوفية الذين أسماؤهم في الطبقات و غيرها من الكتب كلّهم كانوا في طريق المقربين و علومهم علوم أحوال" اهـ. 
يعني: و أنت تعلم أنهم يطلقون عليهم صوفية، فيقال: «فلان ألَّف في طبقات الصوفية»، و «هذه طبقاتُ الصوفية» و نحو ذلك، ويؤيّد كون النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى قصد بلفظ «الصوفية» هنا المقربين ما هو معروف من تفرُّد سيدنا الشيخ  من علوِّ الهمَّةِ بما لم يذكر مثله عن أحدٍ من أهل هذا الشأن بحيثُ صار يضربُ به المثل في ذلك بين الناس في سائر الأقطار والبلدان. و لولا خشية الإطالةِ لذكرتُ من الحكايات الدالَّة على ذلك ما يشنِّفُ أسماع (1) المعتقدين، و يرغم آناف (2) المنتقدين، و يكفي في الجملة التواترُ و الإشتهار، وهل يخفى على الناس النهار؟.



(1) شنَّف الأسماع: أمتعها. 
(2) الآناف: جمع الأَنْف، وهذه كناية عن الإكراه.
×

النكتة الرابعة

في قوله: «فجال» إلخ، فإن جعله الجولان في طلب الشيخ مسبباً عن تعلق الهمَّة باتباع طريق الصوفية الذي هو نتيجة النظر و لازمه بلا شك حسبما تقدَّمت الإشارة إليه، يشير إلى أن طلبَ الشيخ المرشد واجبٌ، و لو بالسفر إليه. لكن هذا الوجوبُ من طريق النظر لا من طريق الحكم الشرعي حتى يكون تاركه عاصياً في حكم الشرع الظاهر. فإن هذا و إن قالَ به بعض أئمَّة الطريق فقد خالفه سيدنا  فيما أجابَ به عن هذه المسألة حسبما نقل جميع ذلك في "الجيش الكبير". 
ونصُّ جواب الشيخ  في ذلك: "ليس في نصوص الشَّرع إلاَّ وجوبُ توفية القيام بحقوق الله تعالى ظاهراً و باطناً على كلِّ فردٍ من جميع العباد، و لا عذر لأحد في ذلك من طريق الشرع، و لا عذر لأحد في غَلَبة الهوى عليه و عجزه عن مقاومة نفسه. فليس في الشرع إلا وجوبُ ذلك، و تحريم غيره لوجوبِ العقاب عليه. و لا شيخ يجب طلبه إلا شيخ التعليم الذي يعلِّم كيفية الأمور الشرعية التي يطلب فعلها من العبد أمراً و نهياً و فعلاً و تركاً. فهذا الشيخ يجبُ طلبُه على كل جاهل لا يسع أحداً تركه، و ما وراء ذلك من المشايخ لا يجب طلبه من جهة الشرع، لكن يجبُ طلبه من طريق النظر بمنزلة المريض الذي أعضلته العلةُ و عجِزَ عن الدواء من كل جهة، و انعدمت الصحةُ في حقه. فنقولُ له إن شاء البقاء على هذا المرض بقي كذلك، و إن طلبَ الخروجَ إلى كمال الصحَّة قلنا له: يجبُ عليك طلبُ الطبيب الماهر الذي له معرفةٌ بالعلَّةِ و أصلِها و الدواء المزيل له، و كيفية تناوله، كمَّا و كيفاً و وقتاً و حالاً و السلام" اهـ. 
و راجع كلام من قال من الشيوخ: "إن من تَرَكَ طلبَ شيخِ التربية فهو عاصٍ لله تعالى". و وجْهُ ذلك عند القائل به في "الجيش الكبير"، و بذلك يظهرُ لك أن القول الفصل في المسألة هو ما أجاب به شيخنا ، و به يتَّضح سرُّ النكتة المشار إليها في كلام النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
×

النكتة الخامسة

في قوله: «عادة كل عابد...» إلخ. إنَّّما أتى به عقبَ قوله: «فجال...» إلخ تنبيهاً على ما لم يذكره من مقاصد المريدين الصادقين بالسفر في بدايتهم. فإنه لم يصرِّح، ممَّا جرت عادتهم أن يقصدوه في السفر، إلا بمقصدٍ واحد و هو طلبُ الملاقاة لأهل الله تعالى. و الحال أن لهم مقاصد متعددة منها، و هو أهمها، هذا الذي صرَّح به و هو طلب ملاقاة أهل الله تعالى، و منها غير ذلك، و هو ما يشعر به قوله: «عادة كل عابد...» إلخ. لأنه، أي «عادة»، منصوبٌ على المفعولية المطلقة بـ «جال»، و التقدير: «فجال في طلب أهل الله تعالى» جولان «عادةِ كل... » إلخ، أي الجولان المعتاد لكلِّ عابد إلخ. فأما ما صرَّح به، و هو طلب ملاقاة الرجال الواصلين و الإخوان الصادقين، فلمَّا في اللّقى من الفوائد العظيمة و المنافع الجسيمة. 
قال في "العوارف": "فالمريدُ بلقاء كلِّ صادق مزيد، قد ينفعُه لحْظ الرجال كما ينفعه لفظ الرجال، و قد قيل: «مَنْ لا ينفعك لحْظُه لا ينفعُكَ لفْظُه». و ذلك لأن الرجلَ الصادق يدلُّ على الله تعالى بحالهِ أكثرَ مما يدلُّ عليه بمقالِه. و أيضاً لأن نظر العلماء الرَّاسخين و الرِّجال البالغين ترياقٌ نافعٌ. ينظرُ أحدُهم إلى المريد الصَّادق فيستشفُّ بنفوذِ بصيرتهِ حسنَ استعدادِه و استئهاله مواهب الله الخاصَّة، فينظر إليه نظرَ محبَّةٍ عن بصيرةٍ. و هم من جنود الله تعالى، فيكسبون بنظرهم أحوالاً سنيةً، و يهبون آثاراً مرضية. إن لله عباداً إذا نظروا إلى شخص أكسبوه سعادة لا شقاوة بعدها" اهـ. 
و أما ما أشعر به قوله: «عادة...» إلخ، فأمورٌ كثيرة جرتْ عادةُ الصَّادقين أن يقصدوها في سفرِهم حالَ بدايتهم: 
 
  • منها: قطعُ المألوفات و الإنسلاخ عن ركون النفس إلى معهودٍ و معلوم و نحو ذلك. و في ذلك من التأديب و التهذيب للنفس، و استخراج رعوناتها و الاستكشاف عن دسائسها، ما لا يخفى على الصادق المحقّ، و لا يكاد يدرك منها بدون السفر. قالوا: و قد يكون أثرُ السفر في نفس المبتدئ كأثرِ النَّوافل من الصَّلاة و الصَّوم و التهجّد ونحو ذلك، فتطمئنُّ و تلين كما تلين بدوام النافلة، و يكون لها بالسفر دباغ يذهب عنها الخشونة و اليبوسة الجبلية و العفونة الطبيعية، كالجلد يعود من هيئته إلى هيئة الثياب.
  • ومنها: رؤيةُ الأثر و العبر. قال تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍشَهِيدٌ »[فُصّلت: الآية 53]. و في الحديث: «اطْلُبُوا العِلْمَ وَلَوْ بِالصِّين». و قيل: إن جابر بن عبد الله سافرَ من المدينة إلى مصر في شهرٍ، لحديث بَلَغه أنَّ عبد الله بن أنيس (1) يحدِّث به عن رسولِ الله . و قال بعضُهم: "لو سافرَ رجلٌ من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدلُّ على الله ما كان سفرُه ضائعاً". و قيل، في قوله تعالى التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ»[التّوبَة: الآية 112]، "إنهم طلابُ العلم"" اهـ.

إلى غير هذا من مقاصدهم الحسنة التي يقصدونها في سفرهم حال بدايتهم. 
و مما يشهد لتضمُّن كلام النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى، لهذه النكتة التي ذكرناها هنا، كونه اعتنى في هذا النظم كثيراً بعقد ما في "الجواهر". و قد سبق لنا أنه ذكر فيه عن الشيخ  أنه سمِعَ في هذه الوجهة بفاس شيئاً من الحديث، مع ما قدمناه عن الثقات من حضوره بعضَ مجالس العلم بها أيضاً، و قصده إلى أخذ التجويد عمن تيقَّنه. فليقدر الناظم من أجل ذلك قدرَه، رَحِمَهُ اللهُ تعالى و قدَّس سره.



(1)  هو عبد الله بن أنيس، أبو يحيى، من بني وبرة، من قضاعة ويعرف بالجهني وليس بجهني، صحابي، من القادة الشجعان ، من أهل المدينة، كان حليفاً لبني سلمة من الأنصار، وقاد بعض السرايا في العصر النبوي، ورحل بعد ذلك إلى مصر، وتوفي بالشام سنة (54هـ). انظر إمتاع الأسماع: 1/254، والإصابة، ت (4541)، وأسد الغابة.
×

النكتة السادسة


في قوله: «لله درّ أمه...» إلخ، فإنه لما ذكر عن الشيخ  توقانه و شغفه باتباع طريق أهل الله تعالى في السن التي ذكرها، التي هي معظم سنّ الشباب الذي هو ليس بمظنَّةٍ لذلك، أثنى عليه من أجل ذلك بقوله: «لله در أمه...» إلخ. و عدل في ثنائه عليه إلى صيغةِ التعجُّب، دون غيرِها من صيغ الكلام، إيماءٌ إلى ما ورد: «عَجِبَ رَبّكَ مِنْ شَابٍّ لَيْسَ لَهُ صَبْوَةٌ» فافهم الإشارة، و الله تعالى يتولّى هُدانا و هداك.


×