فضل أذكار الطريق | فصل في التنبيه على قيام الليل و رفع الهمَّة

فصل في التنبيه على قيام الليل و رفع الهمَّة

 

ولنختم هذا التقييدَ المرجوّ من الله تعالى أن ينفعَ به كل محبِّ ومريد بخاتمة تشتملُ على فصلين، وما هما في الحقيقة غير وصلين: الفصل الأول في التنبيه على أمرين، كان الشيخ يدلُّ عليهما بلسان حاله ومقاله حتى كادا أن يكونا في طريقته ركنين وهما، وإن أشارَ إليهما قول النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى «كذا فعل ما به الهادي أمر» بالغ من فصل اللوازم على جهةِ الإجمال، فالتنصيصُ على عينهما هو الأولى والكمال.

 

الأمر الأول:قيامُ الليل

فقد كان سيدنا الشيخ يرغِّب فيه غاية الترغيب، ويرهبُ من عدم المبالاة به أتمَّ ترهيب. والذي عليه العملُ في طريقنا قيامُ ما تيسَّر منه ولو بقدرِ ما يصلي ركعتين يسبقُ بهما الفجر، ويكون بما تيسَّر من تلاوة القرآن داخلَ الصلاة أو خارجها ولو سورة أو آية يردِّدها إن لم يحفظْ غير ذلك، ويذكر الله تعالى من الاستغفار والصلاة على النبيّ وذكر الباقيات الصالحات ونحوها ولو لم يكنْ إلا الإتيان بتسبيح «ملء ما علم» و «عدَدَ ما علم» إلخ ثنتي عشرة مرةً وصلاة الفاتح لما أغلق كذلك أيضا، يسبق بذلك الفجر. وليس في طريقنا تحديد في هذا القيام بركوعات مخصوصة كيفية وعدداً، بل الأمر في ذلك عندنا بحسب ما يتيسَّر، فإن تيسرت الركوعات الواردة في السنة، أعني العدد الذي كان يوتر بعده فهو الأولى، وإن زادَ على ذلك فهو خيرٌ، وإن نقصَ بحسب الطاقة فقد أتى بالمطلوب.

قال في ''العوارف'': «وقد جاء في الخبر: قمْ من الليلِ ولو قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ».

وقد أخبرني بعضُ الفضلاءِ الثقاتِ من خاصة سيدنا الشيخ وملازميه أن سيدنا كان يُوصيه ويؤكِّد عليه في قيام الليل حتى قال له: «فإن اعتراك فتورُ أو مرض أو نحو ذلك فاحرصْ على أن تقوم قبل الفجر ولو بمقدار ما تصلِّي ركعتين خفيفتين، ثم تصلِّي الفجر والصبح، ثم لا عليك إن أخَّرت ذكر الوردِ إلى الضحى مثلاً».

وفي هذا تأييدٌ لما قدمناه من عدم التحديد عندنا في هذا القيام بشيءٍ من العبادات كيفيةً وكمًّا، وإن كان بعضُها أفضلَ وأولى بحسب ما دلَّتْ عليه السنة المطهَّرة، فافهمْ. وفيه أيضاً ما يشيرُ إلى تأكيد أمر القيام في طريقه ولا شك أن قيام الليل من شأن الصادقين، ونعْتِ العارفين، وسمة الناسكين وحلية العابدين، وقد جاء مما يشيرُ إلى فضيلته ما لا يكاد يحصى.

قال تعالى:]فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَآ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17)[(السجدة: الآية 17)، قيل: عملُهم كان قيامَ الليل. وقيل في قوله تعالى:]وَاُسْتَعِينُوا بِاُلصَّبْرِ وَاُلصَّلَوٰةِ ۚ[(البَقَرَة: الآية 45) استعينوا بصلاة الليل.

وفي الخبر: «عَلَيْكُم بقِيامِ اللَّيلِ مَرْضاةٌ لربِّكم ودأبُ الصَّالحين قبلَكم، ومَنْهاةٌ عن الإثم، وملغاةٌ للوِزْرِ، ومذهِبةٌ كيْدَ الشَّيطان ومَطْردة للرائي عن الحسد»،ذكره في ''العوارف''. وفيها أيضاً: «وقد ورَدَ: «من صلَّى باللَّيلِ حَسُنَ وجْهُه بالنهار»، قال: «ويجوز أن يكون بمعنيين: أحدُهما أن المشكاة تستنير بالمصباح، فإذا صار سراجُ اليقين في القلب يزهر، و بكثرة زيت العمل بالليل يزدادُ المصباح إشراقاً وتكتسب مشكاة القلب نوراً وضياءً» اهـ الغرض من هذا الوجه.

ثم قال: «الوجه الثاني لقوله : «من صلَّى باللَّيلِ حسُنَ وجهه بالنَّهار» أن وجوه أمورِه التي يتوجَّه إليها تحسنُ وتتداركُه المعونةُ من الله الكريم في تصاريفه، فيكون معاناً في مصدره وموْرِده، فتحسن وجوه مقاصده وأفعاله، وتنتظم في سلوك السداد جميعُ أقواله، لأن القوالبَ تستقيمُ باستقامة القلبِ» اهـ.

وفي هذين الخبرين من الفضائل الدينية والمنافع الدنيوية ما لا يهملُ العملُ عليها إلا من لا يكترثُ بالفضل والخير، نسأل الله تعالى أن يعتق رقابنا من رقِّ الأغيار، ويلحِقنا بفضله وكرمه بدرجة الأحرار آمين.

ووراء هذه الفضائل ما يجدُه العارفون بالله تعالى في قيامهم من لذَّة المناجاة وحلاوة التملُّق بين يدي سيدهم ومولاهم ملك ربِّ الأراضين والسَّموات ؛ وقد قال بعضُهم: ليس في الدنيا شيءٌ  يشبه نعيمَ أهل الجنة إلا ما يجدُه أهل التملُّق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة، فحلاوة المناجاة ثوابٌ عاجل لأهل اللَّيل.

وقال بعضهم: «إن الله تعالى يطلع على قلوب المستيقظين في الأسحار فيملؤها نوراً فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير».

وقد وَرَدَ: «إنَّ الله تعالى أوْحى في بعض ما أوحى إلى بعضِ الأنْبِياءِ: إنَّ لي عِباداً يُحبُّونَني وأحبُّهم ويَشْتاقُون إليّ وأشْتاقُ إلَيهِمْ، ويَذْكُرونني وأذْكُرُهم، ويَنْظُرونَ إليّ وأنظرُ إلَيهم، فإن حدَوْتَ(1) طريقهم أحببتكَ، وإن عدلْت عن ذلك مقتُّك(2)، فقال: يا ربِّ ما علامتهم؟ قال: رياعون(3) الظَّلال بالنَّهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنونَ إلى غروبِ الشَّمس كما تحنُّ الطَّير إلى أوكارها، فإذا جنَّهم اللَّيلُ واختلطَ الظَّلام وخلا كلُّ حبيبٍ بحبيبه نصبوا إلي أقدامهم وافترشوا لي وجوهَهم وناجُوني بكلامي وتملَّقوا لي بإنعامي، بين صارخٍ وباكٍ وبين متأوِّهٍ وشاكٍ، بعيني ما يتحمَّلُون من أَجْلي، وبسمعي ما يشكون من حبِّي، أول ما أعطيهم أن أقذفَ من نوري في قلوبهم فيخبِرُون عنِّي كما أخبرُ عنهم،والثاني:لو كانت السَّمواتُ السَّبعُ والأرضون السبعُ وما فيها في موازينهم استقلَلْتُها لهم، والثالث: أُقبلُ بوجهي عليهم فترى من أقبل بوجهي عليه لا يعلمُ أحدٌ ما أريدُ أن أعْطيه» اهـ ذكره في ''العوارف'' أيضاً، وهو كافٍ في بيان فضيلة قيام اللَّيل في بساطِ السلوك.

ولهذا كان جماعةٌ من الصَّالحين يقومون الليل كلَّه حتى نُقِل عن أربعين من التابعين أنهم كانوا يصلُّون الغداة بوضوءِ العشاء منهم سعيد بن المسيّب، وفضيل بن عياض، ووهيب بن الوردي وغيرهم، عدَّهم وسماهم بأسمائهم وأنسابهم الشيخ أبو طالب المكي في كتابه ''قوت القلوب''. وقد كان يتوضَّأ بعد صلاةِ العشاء وكنا نصلِّي معه الصبحَ بذلك الوضوء.

وبالجملة فجميعُ أصحاب الشيخ الذين أدركناهم لهم الحظُّ الأوفرُ من قيامٍ اللَّيل، ولا نتعقّلُ الآن أنا رأينا منهم من ينام اللَّيل كلَّه ولا سمعنا بذلك أيضاً عن أحدٍ منهم، وما ذلك إلا لتأكيد أمرِه عند الشيخ .

وقد أخبرني بعض الفضلاء ممن لازمَ الشيخ مدةً طويلة أن رجلاً من أصحابه أتاه فقال له: يا سيدي إنني لا أقدِرُ على القيام قبلَ الفجر، بل كثيراً ما أؤخِّر الصلاة إلى أن تطلعَ الشمسُ، وهذه حالةٌ لازمة لي لا أستطيع الانفكاكَ عنها، وكأنه يريدُ من الشيخ أن يرخصَ له في ذلك بشيء مما يُحكى عن بعض أصحاب الأحوال، فلم يساعده بشيء له، بل قال له في جوابه: أنت رجلٌ لا تصلُح لطريقتنا، فاطرح سُبْحَتَنا عنك اهـ. وأرادَ بذلك زجرَ الرَّجلِ عن الركون إلى الترخُّصات بالتأويلات التي يأباها التقييد بالسنة المطهَّرة، مثل ما حكوه عن بعض أصحاب الأحوال من أنَّهم يرون القيام يفتر داعية الشوق، ويقولون إنه، أعني القيام، وقوفٌ وقصور في مقام الشوق.

وذكر صاحب ''عوارف المعارف''رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن هذا محلٌّ غلطٌ هلكَ به خلقٌ كثير، ولهذا شدَّد سيدنا الزجر للرجلِ الذي سأله في ذلك حتى أمره بطرح سبحته، وهذه كانتْ عادتُه ، لا يحيدُ عن قانون السنة المطهّرة ولا يبني في جميعٍ أفعاله وأقواله إلا على قواعدها المحرَّرة، لا تستفزُّه عن ذلك حالةٌ جماليةٌ، ولا تعرض له فيه شبهةٌ خيالية، فشريعتُه ممزوجةٌ بطريقته مزجَ الماء بالماء، ومنطبقة عليها انطباق المسمَّيات من باطنها وباطنُها من ظاهرها، عند من نوَّر الله بصيرته، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له نور، رزَقَنا الله رضا هذا الإمام، وأدامنا وسائر خاصَّتنا في حوزة حماه الذي لا يُضام آمين.

وإذا تقرَّر لديك أمرُ قيام الليل، وعرفتَ أنه من آكدِ الأعمال في طريقتنا هذه الأحمدية فلنذكرْ لك نبذةً من الأمور التي تعينُ عليه مما ذكَره أهلُ هذا الشأن، في كتبهم المتلقَّاة بالقبول في القديم والحديث من الأزمان:

- فمن ذلك الوضوءُ بعد صلاة العشاء، وقد كان بعضهم يغتسل في ذلك الوقت، وقد صرَّحوا بأن للوضوءِ والغسلِ في هذا الوقت أثراً ظاهراً في تيسير قيام الليل ؛

- ومن ذلك الإقبالُ على الذكر حتى يغلب عليه النوم، فإنه يعين على سرعة الانتباه ؛

- ومن ذلك خفة المعدةِ من الطعام، فإنْ حصَلَ ثقلٌ من الطعام فلا ينمْ حتى يذيبه بالذكر والتلاوة والاستغفار ؛

- ومن ذلك التحرُّز من ارتكاب الذنوب نهاراً، فإن الذنب يمنعُ من قيام الليل، والتحرز من الذنب يعين عليه.وذكر أن رجلاً قال لبعضهم: إني أتيتُ معافّى وأحبُّ قيام الليل وأعدُّ طهوري فما بالي لا أقومُ؟ فقال له: ذنوبك قيَّدَتْك. وكان الحسن البصري يقول: ما تركَ أحدٌ قيامَ الليل إلا بذنب أذْنَبه فتفقدوا أنفسَكم كلّ ليلة عند الغروب، وتُوبوا إلى ربّكم لتقوموا الليل.وقال رجلٌ لابن أدهمً(4): إني لا أقدِرُ على قيام الليل فصفْ لي دواءً، فقال: لا تَعْصِه بالنهار وهو يقيمُك بين يديه بالليل، فإن الوقوفَ بين يديه بالليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحقُّ ذلك الشرف اهـ ذكره في ''تنبيه المغترين''.وذكر في ''العوارف'' عن الثوري(5) أنه قال: حرمتُ قيامَ اللَّيل سبعة أشهر بسببِ ذنبٍ أذنبتُه، فقيل له: ما كان الذنبُ؟ فقال: رأيتُ رجلاً بكى فقلتُ في نفسي: هذا مُراءٍ اهـ. وكلام المشايخ في هذا كثير، ومن أراد فلينظر ''العوارف''و''القوت" وغيرهما.

[فائدة] قد صحَّ أنه: «ما مِن ليلةٍ إلاّ وفيها ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مؤْمِنٌ يسألُ الله شيئاً إلاّ أعطاهُ إيَّاه»(6) وقد قال الشيخ زروق: قال بعض من لقيناه من الشيوخ: ومن شاء القيام فيها فليقرأ ما وَرَد للقيام في أي وقت شاء، كآخر سورة الكهف. ونقل عن البلالي رَحِمَهُ اللهُ أنه ذكر أنه من قرأ قوله تعالى:]اُللَّهُ يَتَوَفَّى اُلأَنْفُسَ[ [الزُّمَر:الآية42]إلى قوله تعالى: ]مُّسَمَّى[ [الزُّمَر:الآية42]يقيمُه الله تعالى متى نوى ويفعلُ ما نوى، وشروطها أن لا يتكلَّم بعدها. قال : وهي مجرَّبة جدّاً اهـ، والله المستعان.

 

الأمر الثاني: رفعُ الهمَّة عن الخلق اكتفاءً بالملك الحقّ

واتصاف سيدنا الشيخ بهذا من الواضح الذي لا يحتاج إلى تقرير، وقد سرى ذلك لأصحابه، فاتَّصفوا به بين الخاص والعام، حتى صار النار ينسبونهم إلى العني، ولو لم يكونوا أغنياء. وكلام المشايخ فيما يشيرُ إلى تأكيد رفع الهمة عن الخلق في الطريق، وكونه من أركانها المعتمدة فيها كثيرة، وغرضنا التنبيه على أنه في طريقنا من الأمر الآكد فيها، بل هو من أوصاف أهلها التي يعرفون بها.

ورأيت في بعض المؤلفات نقلاً عن ''تذكرة المحبين''للرصاع ما نصه: قال بعض العارفين رفْعُ الهمّة عن الخلق هو ميزانُ الفقراء، وقبيحٌ بالفقراء أن ينزلوا حاجتهم بغير مولاهم، ويبذلو أنفسهم لأرباب الدنيا بالسعي إليهم، وكثرة الوقوف على أبوابهم موافقين لهم على مآربهم. تراهم يتزيَّنون كما يتزيَّن العروس، معتنين بإصلاح ظواهرهم غافلين عن إصلاح سرائرهم.لقد كان حقُّ أحدِهم لو صدَقَ في فقرِه أن يسمَّى: عبد الكبير، فخرج عن هذه الإضافة فصار يصافُ لعدمِ صِدقه إلى الذليل الحقير. أولئك هم الكاذبون على الله، الصادُّون العبادَ عن محبة أولياء الله. ثم قال ابن عطاء الله: رفْعُ الهمة عن الخلق هي زينةُ أهل الطريق وسمة أهل التحقيق.

وقال بعضهم في ذلك:

الله يعلمُ أنني ذو همَّةٍ

 

تأْبى الدَّنِيَّة عِفَّةً وتظرُّفا

لِمَ لا أصُونُ عن الوَرى ديباجتي

 

وأريهم عزَّ الملوكِ وأشْرَفا

أأُرِيهُم أنـي الفقيـرُ إلَيْهِمُ

 

وجَمِيعُهم لا يستطيـعُ تَصَرُّفا

أمْ كيـفَ أسـألُ رِزْقَـه مِـنْ غيـرِه

 

هذا لعَمْرِي إن فعلتُ هو الجَفا

شَكْوِ الضعيفِ إلـى ضعيفٍ مثلـه

 

عجْزٌ أقامَ بحامليه على شَفَا

فاسْترْزِقِ  الله الذي إحسانُه

 

عـمَّ البرِيَّة مِنَّـةً وتَلَطُّفا

انتهى ما نقله عن الرصاع.

وفي هذا القدر الذي ذكرناه تتميماً لغرض النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى كفاية والله ولي التوفيق والهداية.





(1) حدا طريقَهم: مشى فيه.

(2) المقْت: البغض والحقد.

(3) كذا بالأصل، ولعل الصواب «يراعون».

(4) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور، التميمي البلخي، أبو إسحاق، زاهد مشهور. كان أبوه من أهل الغنى في بلخ، فتفقَّه ورحل إلى بغداد، وجال في العراق والشام والحجاز، وأخذ عن كثير من علماء الأقطار الثلاثة، وكان يعيش من العمل بالحصاد وحفظ البساتين والحمل والطحن. مات سنة (161هـ). انظر تهذيب ابن عساكر: 167/2، وحلية الأولياء: 367/7، وفوات الوفيات: 3/1.

(5) الثوري : هو سفيان الثوري، وقد تقدمت ترجمته.

(6) رواه ابن ماجه في (الإقامة: 196)، وأبو داود في (الصلاة: 201).