صفة المقدم

   

قال:  

يُعطِيه مَن قَدَّمه الشَّيخُ و لاَ

 

يُقدِّم الغيرَ سِوَى مَن حَصَّلا

ذاك لهُ مِن شَيخِه و يَجري

 

ذَا في المُقدم ممرَّ الدَّهرِ

و ليس يَخْلُو الدهرُ مِنْ مُقدِّمِ

 

مُلقَّنٍ أورادَ هذا العَلمِ

( يعطيه ) ـ ( قدمه ) ـ ( الشيخ ) الأول ـ ( الشيخ ) الثاني ـ ( و يجري ذا في المقدم )
ـ ( الدهر ) ـ ( ملقن )

 

يقول: وإنَّما يعطي هذا الورد المحمدي الشريف، و يلقن هذا السرّ الأحمدي المنيف من حصل له الإذنُ الصحيح باللفظ الصريح، من سيدنا الشيخ أو ممن حصَّلَ له ذلك منه و لو بواسطة أو وسائط تجدَّدت إلى آخر الدهر، و إن تكاثرت و تعددت، لأن  الدهر لا يخلو ما دامت الدنيا عمن يلقن أورادَ هذا الإمام، لضمان النبي له بقاء طريقه ببقاء الليالي و الأيام.

ثم إن الإذنَ في التقديم أي في تلقين الورد تشترط فيه الأهلية على السنن المعروف و النهج المألوف. فليس الإذنُ عندنا في تلقين الوِرْد جرياً على نهج الإذن في ذكرِه فقط كما يفهمه من لا علم عنده. فإن الإذن في ذكر الورْدِ لا يشترط فيه عندنا إلا عرض الشروط المشروطة فيه على مُريد الدخول في الطريق و يقررها له حتى يتعقَّلها، فإذا قَبِلها أذِنَ له في الورد أيّاً كان من المسلمين، ذكراً أو أنثى، كبيراً أو صغيراً، حرّاً أو عبداً، طائعاً أو عاصياً، من غير توقف في شيء و لا نظر إلى شيء، إلا إلى ما ذكر من قبوله الشروط فقط.

و أما الإذن في تلقينه فتشترط فيه مراعاةُ الأهلية، فلا يؤذن ذلك إلا لمن ظهر عليه من الشواهد الحالية ما يفيد غلبة الظن في تأهيله لذلك.

و قد صرَّح سيدنا بهذا فيما وقفنا عليه من الإجازات بخط يده المباركة، و هو من المتفق عليه من جميع أئمة الطريق قديماً و حديثاً. و استأنسوا فيما استندوا إليه فيه بنحو قوله تعالى: ]يَٰـا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَٰـكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاُحْكُمْ بَيْنَ اُلنَّاسِ بِاُلْحَقِّ وَ لاَ تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ[ (ص: الآية 26) الآية، و نحو قوله تعالى: ]اُدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِاُلْحِكْمَةِ وَ اُلْمَوْعِظَةِ اُلْحَسَنَةِ ۖ[ (النَّحل: الآية 125) الآية، و نحو قوله تعالى: ]قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوَاْ إِلَى اُللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اُتَّبَعَنِي[  (يُوسُف: الآية 108) و غير ذلك.

فاتباع الحق و ترْكُ اتباع الهوى و الدعاء إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة و على بصيرة هو معنى الأهلية المشروطة عند أهل الطريق. و النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى إنَّما ترجم هذا الفصل بقوله: (صفة المقدم) قصداً منه إلى التنبيه على أن الأهلية في التقديم لا بد من مراعاتها، لكنه لضيق النظم اكتفى باشتراطه وصول الإذن الصحيح من الآذن للمأذونِ له، يعني في التلقين، لأن الإذن فيه لزوم الأهلية و فرع عنها، فلا يوجد إلا حيث توجد الأهلية و لا ينشأ إلا عنها و لا ينبني إلا عليها، فهو بلا هي في حيز المستحيل الوجود بالنسبة للمتعارف عند أهل الطريق المتفق عليه فيما بينهم في القديم و الحديث.

و معنى الأهلية عندنا تقريباً معرفة ما لا بد منه مما يتعلَّق بالوِرْد كأركانه التي لا يقومُ إلا منها، و معرفة وقته الإختياري و الضروري، و معرفة شروطه التي لا يصحُّ إلا معها، و كذا الكمالية منها أيضاً. و لا أقل من معرفة شروط الصحَّة، ثم معرفة ما يبطله و ما يدخله من النقص و الخلل و ما ينجبر به ذلك، ثم ما يلزم مريد الدخول في الطريق عند إرادة الدخول و بعده، ثم معرفة الأذكار اللازمة بلزوم الورد الأصلي، و ما لها من الأوقات، و ما يقضى منها كالورد و ما لا يقضى إذا فات وقْتُه. فبمعرفة الأمور يصحُّ رجوعُ إخوانه إليه فيما يشكل عليهم أو يعرض لهم في أمر طريقهم. ثم بعد هذا معرفةُ ما يراد من الدخول في طرق المشايخ و في أي شيء و لأيّ شيء يصحبون، و أن النفع في صحبتهم مقصورٌ على شهود أمرين:

- الأول أن يعلم أن الشيخ المراد صحبته و الدخول في طريقه وليٌّ لله تعالى، فيصحبه و يدخل في طريقه، لتجذبه موالاتُه لموالاة الله تعالى،

- و الأمر الثاني أن يعلم أنه من عبيد الحضرة الإلَهية، و أنه عارفٌ من طريق التعريف الإلَهي مكاشفةً و منازلة بما للحضرة من الآداب، فيصحبه ليدلَّه على ذلك،

و من صحِبَ المشايخ و دخل في طرقهم بغير هذين الأمرين فقد خسر الدنيا و الآخرة، قاله سيدنا .

فهذا أقلّ ما يُراعى فيمن يريد التقديم من العلم و المعرفة لما هو بصدده زيادةً على معرفة أحكام الطهارة استبراءً و وضوءاً و غسلاً و تيمماً. و كذا معرفة ما لا يصحُّ الصلاة إلا به.

و من نقصَ عن هذا القدر في العلم لا يصلحُ للتقديم، لأنه لم يحصل على حقيقة ما هو بصدد أن ينقلَه لغيره كميةً و كيفية و وقتاً، و غير ذلك مما يتعلَّق بالوِرْد، لأنه لم يعرف المراد و المقصود من هذا الأمر الذي يريد أن يدخل غيره إليه و يدلّه عليه، و ربما دلَّه على غير المراد، و سلك به في مقصده غير طريق السداد، بل ربما أوقعه في مهواة الطرد و البعاد.

و قد شُوهد في بعض من ينتحلُ طريق الإرشاد و الدلالة على الله تعال من غير معرفة، بل و لا حقّ و لا حقيقة ما هو مباين صورةً و معنىً غاية المباينة لمناهج الشريعة و الطريقة، و ذلك أنه يقول لمن يريد استمالته إليه و إلى حزبه أن من أخَذَ عنا و انحازَ إلى جانبنا يدركْ الكلمة الرئاسية في الأمور المخزنية كفُلان و فلان، و يذكر له بعض من اتفق له شيء من ذلك، فيتعاون عليه هو و شيطانه و هواه، فيضلُّه عن طريق الهدى، و هو يظنُّ أنه انخراط في سلك أهل الله.

و هذه، والعياذ بالله، من أعظم الفِتن الموعود بها في آخر الزمن، و لهذا احذروا من صحبة المتصوِّفه الجاهلين.

و إذا عرفت القدرَ الذي هو أقلّ ما يراعى في حصول الأهلية للتقديم من جهة العلم، فينبغي أن تعرفَ أنه لا بد في حصول ذلك من أن يكون من يريد ذلك بعد تحصيله للقدر المذكور من العلم ذا ديانة و عقل و حلم و أمانة و رفع همَّة عن الخلق ثقةً بالملك الحق.

و من نقص في شيء من هذه المذكورات و كان محصّلاً للقدر المذكور من العلم و المعرفة بحسب ذلك، فأصل أركان الأهلية و أساسها هو تحصيلُ القدر المذكور من العلم بما تقدَّم.

و باقي الأركان تدورُ على مركز مكارم الأخلاق و حُسْنِ المعاشرة بقدر الإستطاعة، و ميزان ذلك كلّه هو رفعُ الهمَّةِ عن التشوُّف لما في أيدي إخوانه من العرض الفاني و عن تكليفهم بما فيه حظٌّ له كيفما كان. و لما كان هذا الأخير ميزاناً لما عداه من أركان الأهلية ليزن به الموفق حالَ نفسه، فكلَّما وجد فيها رائحةً من الطمع في رزق يأتيه من قبل إخوانه الذين يلقِّنهم عرَفَ أنه ليس بأهلٍ لذلك و لا مراداً، فيكون اشتغالُه بالإقبال على إصلاح أمر نفسه أهم الأشياء إليه، فلا يقبل التقدم على أحدٍ، و أحرى أن لا يتعرَّض له بطلب أو استجلاب شيء، فإن فعل فقد أخْسَر الميزان، و العياذ بالله تعالى من أسباب الخسران.   

و قد جمع سيدنا في بعض وصاياه معظم هذه الأركان فقال : "و أوصي من كان مقدماً على إعطاء الورد، أن يغفو الإخوان عن الزللِ، و أن يبسطَ رداء عفْوِه على كل خلل، و أن يجتنب ما يوجبُ في قلوبهم ضغينةً أو شيئاً أو حقداً، و أن يسعى في إصلاح ذات بينهم و في إزالة كلِّ  ما يوجب بغضاً في قلوب بعضهم لبعض، و إن اشتعلت نارٌ بينهم سارع في إطفائها؛ و ليكنْ سعيُه في ذلك طلباً لمرضاة الله تعالى لا لحظٍّ زائد على ذلك، و أن ينهى من يراه يسعى بالنميمة بينهم، و أن يزجره برفقٍ و كلام لينٍ و عليه أن يعاملهم بالرفق و التيسير و البعد عن التنفير و التعسير، في كل ما يأمرُهم به و ينهاهم عنه من حقوق الله و حقوق الإخوان، و يراعي في ذلك قوله : «يسِّرُوا و لا تُعَسِّروا، و بَشِّروا و لا تُنَفِّروا»(1). و عليه أن يتباعد عن تغريم دنياهم، و أن لا يلتفت إلى ما في أيديهم معتقداً أن الله تعالى هو المعطي و المانع، و الخافض و الرافع. و ليجعل همَّته في تحرير دنياهم من التشتيت و التبذير، و أن لا يطالبهم بإعطاءِ شيءٍ، لا من القليل و لا من الكثير، إلا ما سمحتْ به نفوسُهم من غير طلب، فإن عقولَ الناس حول هذا المطاف تدورُ، و على هذا المقدار تجري بهم جميع الأمور" اهـ.

و هذه الوصية من سيدنا كافية في الإشارة إلى الأهلية المشروطة في هذا الباب، كما أنها كفيلة بجميع معظم ما يطلبُ من المقدم التمسك به من مكارم الأخلاق و محاسن الآداب. و ذلك لأن العفوَ عن الزلل و الصفْح عن الخَلَلِ هو أعظمُ ما ترسخُ به المودة في القلوب و يستنزل به أرواح الرضا من خزائن الغيوب.  

و من لطيف آدابهم السنية الجارية على مناهج السنة المحمدية أن المقدم إذا رأى من بعض إخوانه مكْروهاً، أو علِمَ من حاله اعْوِجاجاً، أو أحسَّ منه بدعوى، أو رأى أنه داخَلَه عُجْبٌ أن لا يصرِّح له بالمكروه، بل يتكلَّم على رؤوس الأصحاب كأنه غير قاصدٍ لمعين، و يشير إلى ذلك المكروه على وجه الإستطراد في الكلام، و يكشف عن وجه المذمة فيه كشفاً بيِّناً، لكن على وجه الإجمال حتى لا يتفطَّن أحدٌ لمقصوده بحال. و لا شك أن الفائدة تحصلُ بذلك للجماعة، و لذلك المعنى عنده خصوصاً، و هذا أقربُ إلى المداراة و أكثر أثراً لتأليف القلوب، و فيه غايةٌ التلطيف في الأخذ بالعفو و الستر.

و بالجملة فوجوه الأخذ بالعفوِ كثيرةٌ، و كلُّها محمودة مرغَّب فيها، لكن أحسنُها ما ضمَّ إليه الإرشاد إلى الأصلح و الأحسن من غير شعورٍ من المعني بذلك بالعفو و لا بالإرشاد و لا بغير ذلك. و رووا في الإكثار من العفو حديثاً عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "جاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ فقال: «يا رسولَ كم أعفُو عن الخادمِ؟»، قال: «كلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً»(2)" اهـ.

و أما اجتنابُ المقدم ما يوجب في قلوب إخوانه ضغينة أو شيئاً أو حقداً، فهو أيضاً من وجوه أهليته، فيستحقّ التقدم على غيره بحسب زيادته في ذلك عليه. و يكون الإجتنابُ لما ذكر بالتحلِّي بالأخلاق الحميدة، و هي أخلاقُ النبيّ من التواضع و الحلم و الصبر و الإيثار و الكرم و نحوها، و هي مبسوطةٌ مشروحة معانيها في شروح الحديث. و جُمَّاعُ ذلك كلِّه في إنصافِهم من نفسِه و ترك الإنتصاف منهم، و ذلك بأن يرى لهم عليه من الحقوق ما لا يقدرُ على القيام بنزر النزر منه، و لا يرى لنفسِه عليهم حقّاً في شيء مما قلَّ أو كثُرَ كحال الوالد الشفيق مع أولاده الصغار، فيتعطَّف عليهم و يقضي حوائجهم في حال الصحة و المرض، و لا يترك شيئاً من حقِّهم اعتماداً على ما يعلمه ظاهراً من صحة إرادتهم و كمال صِدْقهم. قال بعضهم: "لا تضيِّعْ حقَّ أخيك اتكالاً على ما بينك و بينه من المودّة". 

و من الحكايات في تعطُّف الأكابر على غيرهم و قيامهم بحقِّهم و عدم رؤيتهم لأنفسهم حقّاً عليهم ما ذكر أن الجديدي قال: "قدمتُ من الحجِّ فابتدأتُ بالجنيد فأتيته و سلَّمت عليه و قلت حتى لا يَتعنَّى، ثم أتيتُ منزلي، فلما صليتُ الغداة التفتُّ فإذا الجنيد خلفي، فقلت: «يا سيدي إنما ابتدأتُ بالسلام عليك لكي لا تتعنَّى إلى هٰهنا»، فقال لي: «يا أبا محمد هذا حقُّك و ذلك فضلك» اهـ. فانظر كيف رأى الجنيد لصاحبه الحقَّ عليه و لم يرَ لنفسِه على صاحبه حقّاً، فجعل ابتداءه بالتسليم عليه من فضله، و الكلام في هذا الباب طويلٌ، و الحكاياتُ فيه كثيرة، و في هذا القدر كفاية لما قصدنا إيرادَه هنا على وجه التمثيل.

و أما قولُ سيدنا : «و أن يسعى في إصلاح ذات بينهم...» إلخ فهو أيضاً من آكد آداب المقدم مع إخوانه، فيراعى فيه ما يدلُّ على ذلك، و هو مما أفصحَ به القرآن العظيم و رغبتْ فيه السنة الطاهرة. قال تعالى: ]إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ[ (الحُجرَات: الآية 10)، و في الخبر أنَّ رسول الله قال: "ألا أُخْبِرُكم بخَيْرٍ منْ كثيرٍ من الصَّلاةِ و الصَّدَقةِ؟" قالوا: "و ما هو؟" قال: "صَلاَحُ ذاتِ البَيْنِ"(3).

و أما قوله : «و عليه أن يعاملهم بالرفق و التيسير...» إلخ فهو أيضاً من وظيف المقدم مع إخوانه. فيطلب منه النزول على حالهم من الرفق بهم و بسطهم. قال بعضهم: "إذا رأيتَ الفقيرَ فالْقَه بالرفْقِ و لا تلقَه بالعِلْم، فإن الرفق يؤنِسُه و العلم يُوحِشُه". فإذا فعل الداعي إلى الله تعالى المرشد إلى طريق معرفته مع الفقير بهذا الخلُقِ الذي هو الرفق، فإنه يتدرَّج بذلك إلى الإنتفاع بالعلم، فيعامل حينئذٍ بصريح العلم. و يطلب منه أيضاً النزول إلى إخوانه عن حقِّه فيما يجب له من التبجيل و التعظيم، فيستعملُ التواضعَ معهم، فلا يثبتُ لنفسه قدراً و لا مَزِيةً عليهم.

و ممَّا حكي في هذا الباب أن الأستاذ أبا علي الدقاق دخل على جماعة من الفقراء بمصر و هم جلوسٌ بالمسجد، فقام إلى أسطوانة، فقالوا: "يفرغ الشيخ من صلاته و نقوم نسلِّم عليه"، فلما فرغَ جاء إليهم مبادِراً و سلَّم عليهم، فقالوا: "كنا أولى بهذا منك يا سيدي"، فقال : "ما عذب الله قلبي بهذا قط"، يعني: ما تقيدتُ بأن أحترم و أقصد قط.

و هذا كلّه ما لم يخرجْ فيه إلى حدِّ المداراة، إلا صار فتنةً على التابع و المتبوع. و لا بد من إقامة ميزان الإعتدال فيما ذكر من التأويل و الإنبساط للإخوان، لأنه إنما وضع للحاجة، و الشيء إذا وُضِع للحاجة يتقدَّر بقدرها من غير إفراط و لا تفريط. هذا و الناس في هذا الميدان باعتبار ما يتجلَّى لقلوبهم من آثار الجلال و الجمال، فلا كلام مع واحدٍ من الفريقين فيما اقتضاه حالُه في ذلك، و يحمل كلٌّ على ما اعتيد منه و غلب عليه.

و روي عن بعضهم قال: "كنا نتذاكرُ الشعرَ عند محمد بن سيرين(4) و كان يقوله و يمزح عنده ويمازحنا فيما نحن عليه، فكنا نخرجُ من عنده و نحن نضحك، و كنا نخرج من عند الحسن و نحن نكاد نبكي".

و بالجملة فلا يقفُ على حدِّ الإعتدال في هذا الإنبساط إلاَّ من قَهَر نفسَه و كان عالماً بأخلاقها و طبائعها، سائساً لها بوفور العلم حتى يقفَ على حدِّ الإعتدال فيه. قالوا: "و لا يصلحُ النزول و الإنبساط بالمداعبة للإخوان لمن لم يرتقِ في باطنه عن حالهم في الصفاء و رسوخ القدم في الإقبال على الله تعالى، بأن صارت العزيمةُ غالبَ أوقاته، لئلا تجرَّه ممازجة طبعه لطبعهم إلى الإخلاد إلى الرخصة و عدم التشوُّف لطلبِ الحقِّ". و بسط القول في هذا و تحقيقه يطولُ بنا و قد أشرْنا إلى محل الحاجة لمن يفهم ذلك، و الله الموفق.

و على هذا القانون يجري الحكم أيضاً فيما تقدم أنه يطلب من المقدم من النزول عما يجب له من التبجيل بالتواضع، فلا يخرج في ذلك النزول أيضاً عن حدِّ التواضع المحمود بأن يتجاوزه إلى حدِّ الصفة المذمومة.

و الكشف عن حقيقة التواضع أنه رعاية الإعتدال بين الكبر و الضعة. فالكبر رفْعُ الإنسان نفسَه فوق قدْرِه، و الضعةُ وضع الإنسان نفسه مكاناً يزري به(5)، و كلٌّ منهما مذموم.

و التواضُع مرتبةٌ بين مرتبتين، و حقيقته أن يرضى الإنسان بمنزلة دوين ما يستحقُّه. قالوا: "و لو أمِنَ المرءُ جُموحَ النفس لأوقفها عن حدِّ ما تستحقُّه من غير زيادة و لا نقصان، و لكن لما كانت مجبولةً على الجموح احتاجتْ إلى التداوي بإيقافها دوين ما تستحقّه لئلا يتطرَّق إليها الكبر.

فالتواضع و الضعةُ مشتبهان بالصورةِ، متباينانِ بالحقيقة، و لذلك يلتبسان كما يلتبسُ الكِبْر المذمومُ بالعزلة المحمودة لاتِّحادهما بالصورة و تباينهما بالحقيقة أيضاً. فالكِبْر جهلُ الإنسان بنفسه و إنزالها فوق منزلتها، والعزلةُ معرفة الإنسان بحقيقة نفسِه و بما خلقت له. و إكرامها أن يضعها لحظ دنيوي خسيس سريع الزوال، و هي من سماةِ المؤمنين الموقنين. قال الله تعالى: ]وَ لِلَّهِ اُلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ[ (المنَافِقون: الآية 8) و ذكروا عن الحسن البصري أن العزلة كانت وصْفَه، فقال له بعض الناس يوماً: "ما أعظمَكَ في نفسِك"، فقال: "لستُ بعظيم و لكنّي عزيز". 

و لما كانت العزلةُ محمودةً، و بينها و بين الكبر المذموم مشاكلةٌ قال الله تعالى: ]يَتَكَبَّرُونَ فِي اُلأَرْضِ بِغَيْرِ اُلْحَقِّ[ (الأعراف:146). قالوا: "فيها إشارةٌ إلى إثبات العزَّة بالحقِّ و الوقوف على حدِّ التواضع من غير انحرافٍ إلى الضعة" اهـ.

ثم ما يوجد من كلام الأئمة في التواضع مما يلحقه بحد الضعة و هو كثير قصدوا به المبالغة في تنفير المريد و الأخذ بحجزه عن الوقوع في الكبر لا غير. و الحقُّ إن شاء الله تعالى ما تقرَّر من الميزان في ذلك، و الله أعلم.  

و أما قول سيدنا : «و عليه أن يتباعدَ عن تغريم دنياهم» فقد تقدَّم آنفاً أن ميزانَ طريق الإرشاد و الدعوة إلى الله هو الإستغناءُ عما في أيدي المدعوين، و هذا أعظم الأركان عندهم. فالواجبُ التنزُّه عن الطمع فيما في أيديهم بحيث يعدُّ التشوُّفَ إلى ذلك، إن ابتُلي به في باطنه، بلية عظيمةً و عقوبة معجَّلة من الله تعالى. فيلجأ إلى الله و يتضرَّع إليه في رفعها عنه، و يجتهد في صرف ذلك عنه بمجاهدة نفسه و تذكيرها بما أشار إليه سيدنا بقوله «معتقداً أن الله هو المعطي و المانع... » إلخ. فإن غلبته نفسُه و خرَجَ إلى حد السؤال لذلك منهم فليعلمْ أنه أخسَرَ الميزانَ، و طغىٰ فيه غايةً الطغيان، و هو الناجي إن سَلِم له رأسُ مالِه و لم يعاقب بالحرمان، لأنه خرج إلى التلبُّس بالدعاوى الكاذبة، و معلوم ما هو الجزاء على ذلك و العياذ بالله تعالى.

و كان سيدنا أومأ في قوله: «فإن عقول الناس حول هذا المطاف يدور...» إلى آخر ما قاله قتادة في قوله تعالى: ] وَ لاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا[ (محمد: الآيتان 36-37) الآية: "أعلمنا الله تعالى في هذه الآية أن في خروج المال إخراجَ الأضغان"، و هذا تأديبٌ من الله الكريم جلَّ و علا، و الأدبُ أدبُ الله تعالى.

و قول سيدنا : «إلا ما سمحت به نفوسهم من غير طلب» يحقق ما أشرنا إليه من أن المذمومَ هو التشوُّف و الطمع. فإن انتهى الحال إلى السؤال، أعني سؤال المقدم من إخوانه، فقد أفضى إلى بلاءٍ عظيم و فتنة كبيرة في الدين، نسأل الله العافية من كل بلية بمنه و كرمه. فقام من هذا ميزانٌ قويم و قسطاسٌ مستقيمٌ فيما يجريه الله تعالى من الإرفاق للإخوان على أيدي بعضِهم لبعض. فكلُّ ما أتى الأخ لأخيه على وجْهِ الهدية و المواصلة لله من غير طمَعٍ و لا استشراف نفسٍ فضلاً عن السؤال، فهو لا بأس به شريعةً و طريقة، و ذلك لأن الهدية مباحةٌ في الجملة، بل هي محسوبةٌ في الفقه من وجوه الحلال. فإن عرض عارضٌ في المعطي أو في وجْهِ الإعطاء، فالآخذُ أعرَف بما يأتي و ما يذَرُ. و هذا بالنسبة لمطلق  الإخوان، و بحسب أحوال العامة منهم. و أما أهل التمكين فأحوالُهم في الأخذ مختلفة تبعاً لما اقتضته الوارداتُ و التحفُّظ عن الآفات، و هي في كلِّ من الأخذ و الترك، كما قاله الأستاذ السري السقطي للإمام أحمد بن حنبل : "احذرْ آفَة الردِّ كما تحذَرُ آفة الأخْذِ".   

و الحاصلُ أن كلَّ من عُرِف بصحَّة العلم و العمل و متانة الديانة فأمرُه موكولٌ إلى دينه و لا سبيل للإنتقاد عليه، قاله العلامة اليوسي . و مثلُ الحكم فيما سمحت به نفوسُ الإخوان لإخوانهم كالمقدم و من في معناه من غير طلب، الحكم فيما إذا اضطر المقدم و نحوه فله الأخذُ من مال إخوانه و لو بالتعرُّض لذلك، و يتصرَّف فيه بحكم الصدقة على الوجه الذي أبيحَ له من أجْلِه بقدرِه في وقتِ الإحتياج لا غير. ثم إن هذا أيضاً في غير المشايخ الكاملين. و أما هم(6) فهم بحُكْم ما يرِدُ عليهم من الله تعالى في ذلك، فقد يظهرُ لهم قبولُ الرفق من المريد لصلاحٍ يتراءى لهم في ذلك من الله تعالى لذلك المريد فيكون أخذُهم لماله و الإرتفاقُ بخدمته مثلاً لمصلحةٍ تعود عليه منهم مأمونة الغائلة من جانبهم، و قد يظهر للواحد منهم أن يقبلَ من بعض المريدين خروجَه عن جميع ماله، و ذلك إذا علم أن خروجَه عنه يكسبُه حالاً لا يطَّلع معها إلى مالٍ و لا غيره، و يكون في ذلك مقتفياً لأثر النبيّ في قبوله من الصدِّيق الأكبرِ جميع ماله(7). و قد يظهرُ له قبولُ البعض منه دونَ البعض، و قد يظهرُ له عدم القبول في الكلِّ معاملة منه لكل بما فيه صلاحُه، لأنهم أساة(8) النفوسِ و أطبَّاء القلوبِ . و هذا إنَّما ذكرناه تتميماً لتقرير هذه المسألة حتى لا يرد علينا ما اتفق لكمل المشايخ و إلا فالمدارُ فيما نحن بصدده على ما ذكره سيدنا في وصيته السابقة آنفاً، فوقوفنا عنده لازم، ألهمنا الله رشدَنا و وفقنا لما فيه رضاه بمنه و كرمه آمين.    

و قول الناظم: «و ليس يخلو من مقدم...» إلى آخره، أراد به الناظم رَحِمَهُ اللهُ دفْعَ ما قد يتوهَّم من انقطاع التربية بهذه الطريقة بوفاة الشيخ أو بتطاول العَهْدِ، و الردِّ على من يقولُ إن الشيخَ الميت لا تنفعُ صحبتُه لانقطاع مددِه بموته كما قيل بذلك و يريد أن يسحبَ الحكم بذلك على شيخنا أيضاً . و قد تقدَّم أن هذه الطريقة المحمدية لا يزالُ مددُها جارياً مدى الدهور و الأعصار، على أيدي من يصلُه الإذنُ الصحيح فيها في سائر البلاد و الأقطـار، بضمانٍ من نبينا المصطفى المختار، و سابق عناية من ربِّنا الفاعل المختار: ]ذَٰلِكَ فَضْلُ اُللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَآءُ ۚ وَ اُللَّهُ ذو اُلْفَضْلِ اُلْعَظِيمِ (4) [ (الجُمَعَة: الآية 4).

و تقدَّم أيضاً أن من المقدمين من يكون في مرتبة التربية و الترقية، بحصول الإذن في ذلك من الله تعالى له في سرِّه من طريق الإلهام المعروف عند أهل هذا الشأن، أو من حَضْرة رسوله ، أو على يد بعض أهل الفتح الأكبر من الإخوان الكرام. إلا أن أهلَ هذه الطريق لا يتظاهرون بالتصدِّي للتربية و الإنتصاب للمشيخة أدباً مع الله تعالى و مع رسوله و مع سيدنا الشيخ . و لذلك جرى اصطلاحُهم في غالب البلاد على تسمية المرشِدِ مقدماً فقط، و في بعض البلاد الجنوبية صحارى المغرب الأقصى تلقيبُ من تأهَّل للتربية منهم بالشيخ، و من دونه بالمقدم، جَرْياً على اصطلاح الأقدمين من أهل الطريق المشهورة بالمغرب. و لا مشاحَة في الاصطلاح بعد معرفة موْقعِ الإشارات منه، فافهمْ و الله تعالى أعلم.





(1) رواه البخاري في (العلم: 11) وفي (المغازي: 60)، وفي (الأدب: 80)، ومسلم في (الجهاد: 4)، وأبو داود في (الأدب: 17)، وأحمد: 1/239، 283.

(2) رواه أبو داود في (الأدب: 124).

(3) انظر باب إصلاح ذات البين عند البخاري في (الصلح: 1)، وأبي داود في (الأدب: 50).

(4) هو محمد بن سيرين البصري، الأنصاري بالولاء، أبو بكر، إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، تابعي من أشراف الكتاب. مولده و وفاته بالبصرة. نشأ بزاراً في أذنه صمم، و تفقَّه و روى الحديث، و اشتهر بالورع و تعبير الرؤيا، واستكتبه أنس بن مالك بفارس، و كان أبوه مولى أنس. مات سنة (110 هـ).
(5) يزري به: يسبب له المهانة و الذل و الإحتقار.

(6) قوله «و أما هم» فأراد المشايخ الكاملين.

(7) قوله «و أما هم» فأراد المشايخ الكاملين.

(8) الأساة: جمع آسٍ، و هو الطيب.

يعطيه

 

 
 

الضمير في (يعطيه) للورد، و معنى يعطيه هنا: يلقنه و يأذنُ فيه
 

×

قدمه


  و معنى (قدمه) هنا: أمَره أن يلقِّنه الناس بأن قال له: قد أذنتُ لك وأجزْتُ لك أن تلقِّن الناسَ هذا الورد
×

(الشيخ)الأول


  (الشيخ)الأول: المراد به سيدنا  
×

(الشيخ)الثاني


 يحتمل أن يراد به سيدنا أيضاً ويكون المراد من حصل له الإذن في ذلك، وإن بواسطة ولو تعددت إلى آخر الدهر، ويحتمل أن يراد به المقدم الذي أذن له، فإنه يطلق عليه شيخاً أيضاً باعتبار تقديمه على غيره ممن يأخذ عنه  
×

ويجري ذا في المقدم


  و قوله: (ويجري ذا في المقدم)... إلخ، أي ستمرُّ العمل في المقدم للإعطاء على هذا بأن لا يلقَّن أحدٌ هذا الورد إلا من حصلَ له الإذن الصحيح في ذلك

  
×

الدهر


 
 و(الدهر) الزمان
×

ملقن


 
و (ملقن) اسم فاعل لقَّنه الشيءَ فتلقَّنه، إذا أخذَه من فيه مشافهة.

  
×