التعريف بالشيخ | رحلته المشرقية مع بعض من لقيه في طريقه للحج

رحلته المشرقية مع بعض من لقيه في طريقه للحج
الإخبار عما اتفق له في رحلته المشرقية مع بعض من لقيه في طريقه للحج لبيت الله الحرام و زيارة قبر الحبيب الأعظم عليه الصَّلاة و السلام

و لما أنهى الكلامَ فيما قصده من الإخبار عما اتفق لسيدنا في رحلته هذه المغربية من ملاقاة الأولياء و مشايخ التربية، أتبع ذلك بالإخبار عما اتفق له في رحلته المشرقية مع بعض من لقيه بها من الكمل من أهل التربية و الترقية، فقال:

ثمّ سَما بعزْمه القويّ

 

للحَجّ مَعَ زِيارة النَّبيِّ

فمِن تِلمسانَ إلى البيتِ الأجلْ

 

سنة ستّ و ثمانينَ ارتحلْ

فحلّ تونسَ و سوسةً سنة

 

فأيقظَ القلوبَ مِن سجنِ السِّنه

و كانَ في تونسَ إذ ذاك ولي

 

بَشَّر شيخُنا بحُبِّه العَلي

 

(العزم القوي) هو الهمَّة و قد تقدَّم.

و (الحج) هو من حَجَّ يحجُّ حَجَّا من باب قتل. و معناه القصد، هذا أصله في اللغة، مع قَصْر استعماله في الشرع على قصد الكعبة المشرفة للحج أو العمرة. و منه يقال: ما حجَّ و لكن دَجَّ، فالحجّ القصد للنسك و الدج القصد للتجارة.

و (الزيارة) في اللغة: القصد من: زارَه يزُوره زيارةً، قصَدَه. و هي في العُرف: قصد المزور إكراماً و استئناساً به.

و (البيت الأجل) بيت الله الحرام.

و (ارتحل) معناه توجّه.

و (حل) معناه نزل

و (تونس) المدينة المعروفة، و (سوسة) من أعمالها(1)،

و (أيقظ) نبَّه،

(و السجن و السنة) معروفان. و المراد هنا بسجن السنة حجاب الغفلة.

و (الولي) تقدَّم معناه، والمراد به الولي الذي كان بتونس إذ ذاك. و كان لا يلاقيه أحدٌ إلا أفراد أربعة منهم الولي الصالح سيدي عبد الصمد الرحوي و هو كان قطب تلك البلدة في ذلك الوقت. و لم يسمِّ في "الجواهر" و لا في "الجامع" باسمه.

و قوله: (بحبه) هو من إضافة المصدر إلى مفعوله، و هو الضمير العائد على الشيخ

و (العلي) من أسماء الله الحسنى تعالت و تقدَّست، و هو فاعل المصدر المتقدِّم الذي هو حُبٌّ. و معناه الذي يصغر عند ذكر وصفه كلُّ شيءٍ سواه، و هو أي هذا الإسم الأجل سار في كل معنى تعلق بالذات و الصفات حسبما صرَّح به غير واحد ممن تعرض لشرح الأسماء الكريمة. فيكون في إتيان النَّاظم به هنا إشارةً إلى أن الشيخ  محبوب في سائر الحضرات و المراتب، فليفهم ذلك و الله أعلم.

 

يقول: ثم بعد ما ظهر على سيدنا من لوائح الفتح و بوارقه ما ظهر و تجلّى من الصفات الجلالية و الجمالية بما أذهل العقول و بَهَر، و لم يبقَ له من متمنَّاه بين الأنام إلا الجج لبيت الله الحرام و زيارة قبر الحبيب الأعظم عليه الصَّلاة و السلام، سما به عزمُه القوي و همَّته العلية إلى المبادرة لاقتناء هذه الفضيلة السنية، فارتحلَ من مدينة تلمسان مبايِناً لكل قطين (2) و إلف سنة ست و ثمانين بعد المائة و الألف (1186 هـ) قاصداً بلوغ السؤل و المرام، من حجِّ بيت الله الحرام و زيارة قبر نبيه عليه الصلاة و السلام. فلمَّا وصلَ حضرة تونس أقامَ بها و بسوسة سنةً كاملة. فألان بما ينشره فيهما من العلوم و الأسرار القلوبَ القاسية، و نبَّه الهممَ الغافلة.

وكذا الكريمُ إذا أقامَ ببلدةٍ

 

سالَ النُّضارُ بها و قامَ الما(3)

و كان بهذه الحضرة لذلك العهد وليٌّ كبير القدر و الشان، مشهور بالقطبية في تلك الأوطان، إلا أنه لم يسمحْ له بالإذن في ملاقاة أحد، فراسَلَه سيدنا مع الولي المتقدم الذكر سيدي عبد الصمد، و كان تلميذاً لهذا القطب و تحت ولايته. و هو رابع أربعة سمح لهم في كل ليلة جمعة و ليلة اثنين بإذن في لقيه و مشاهدته، فبشر سيدنا و أرضاه بأنه محبوبٌ عند المولى جلَّ علاه.

و عَقَد في هذه الأبيات ما في "الجواهر" بتقديم و تأخير، و ملخَّصه: أن سيدنا دخل تونس في السنة التي ارتحل فيها من تلمسان، و لقي بها بعضَ الأولياء، منهم الولي الشهير صاحب القدر الكبير سيدي عبد الصمد الرحوي، و كان تحت ولاية غيره، و هو قطب تلك البلدة. فطلب سيدنا ملاقاته من سيدي عبد الصمد فاعتذرَ له بأنه لا إذنَ له في الملاقاة، و أنه لا يلاقيه إلا أفراد أربعة هو أحدُهم، و ذلك ليلة الجمعة أو ليلة الإثنين خاصة. فبعث له بمحبوب ذهباً مع صاحبه المذكور، فقال له: "المحبوب بعث محبوباً"، و هذه هي البشارة التي أشار إليها النَّاظم. فأقام بتونس و سوسة سنة. فدرَّس بتونس الحِكَمَ العطائية وغيرها، فأرسل إليه أمير البلد يطلب منه المقامَ بتونس لإقراء العلم و تدريسه، و القيام بأمر الدين و تدوينه. و أمر له بدار، و أنفذَ له مسجدَ الزيتونة و عيَّن له مرتباً عظيماً. فلما قرأ الكتابَ أمسكه، و من الغد سافر إلى مصر كما سيأتي قريباً إن شاء الله. و ذلك بعد أن وجَّه للولي المذكور صاحبه سيدي عبد الصمد يخبره بأنه يريدُ السفر في البحر إلى مصر و يطلب منه الضمان من كل ما يشوِّشه و يروعه فساعَفَه بمطلوبه و قال لصاحبه: "قل له أنت مضمون ذهاباً و إياباً".  

و هذا أيضاً مما يشير إليه ما تفرَّد به من علوِّ الهمَّة . و لم يتعرَّض النَّاظم لذكر ملاقاته في وجهته من تلمسان إلى تونس مع الشيخ الإمام العارف الهمام قدوة المتقين و عمدة المَحققين أبي عبد الله سيدي محمد بالفتح بن عبد الرحمٰن الأزهري . و ذكر صاحب "الجواهر" و كذا صاحب "الجامع" أن سيدنا لقيه بمنزله من جرجرة ببلاد زواوه(4)، و أخذ عنه الطريق الخلوتية، و هو أخذَها عن الشيخ الحفناوي أجمعين. و كانت وفاة هذا الشيخ سنة ثمان و مائتين و ألف (1208 هـ). فهو من مشاهير من لقيه سيدنا من كمل المشايخ ذوي القدر الشامخ و القدم الراسخ، رحمهم الله تعالى و رضي عنهم. و كان ذكره هنا مما يستحسن الإيتان به في النظم. و قد قلت فيما يتضمن ذكره بيتين يناسب إلحاقهما بهذا المحلِّ، وهما:

فحن للأزهري المِفْضالِ

 

أعْنِي الزَّواويّ أخا الكمالِ

فمالَ نحوَه فخصّ بالمرامْ

 

و هو مِنَ الحفني شَيْخه الإمامْ

و حلَّ إلخ

 

 

 

فمن ألحقَ البيتين ينبغي له أن يتصرَّف في البيت بعدهما بالإتيان فيه بالواو مكان الفاء، و الله المستعان..

و لما ذكر النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى ما اتفق لسيدنا بالحضرة التونسية مع هذا السيد الكبير و ما جرى له على لسانه من التبشير، أتبعه بما اتفق له من مثل ذلك و نظيره بمصر المحروسة، و ما جرى له فيها على لسان شيخه الكردي ذي الجاه العظيم و القدر الخطير، فقال:

كذا بِذا بشَّره الوَليُّ

 

سيّدنا محمودّ الكُرديُّ

و هْوَ الَّذِي قَالَ لَهُ لكَ أجلْ

 

مِن الَّذي للقُطبِ يا له أمل

(سيدنا محمود الكردي) هو الشيخ الشهير ذو القدر الخطير الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ،

و (أجل) معناه أرفعُ و أكمل،

و (القطب) هو بالضم في الأصل أي في أصل اللّغة حديدةٌ تدورُ عليها الرحى، أو نجمٌ معروف تعرف به القبلة و ملاك الشيء. و سمي خيارُ الناس به لاجتماع خيار أوصافهم عنده. و هو لا يكون في كل عصر إلا واحداً خليفة عن رسول الله لحفظ العالم بالنيابة عنه .

و قال ابن حجر في "فتاويه": "الأبدالُ وردتْ في عدة أخبار، و القطبُ وردَ في بعض الآثار". و ألف السيوطي تأليفاً في ثبوت القطب و الأوتاد و الأبدال(5)، فلا عبرة بمن نفاه كما يذكر عن ابن خلدون(6) في ذلك. و سيأتي مزيد بيان فيما يتعلَّق بالقطبانية بعد هذا إن شاء الله تعالى. و لكون درجة القطبانية أعلى الدرجات تعجب النَّاظم ممن يزيد عليها فقال: «يا له أمل»:أي ما أجلَّه و ما أسناه.

يقول: و مثل هذا الذي بشره به قطب الحضرة التونسية من خصوصية المحبوبية بشره به أيضاً بمصر المحروسة الولي الكبير سيدنا محمود الكردي العراقي الشهير. و ذلك أنه ارتحل من تونس قاصداً لملاقاته، متشوقاً إلى رؤيته و مناجاته. فلما وصلَ مصر لم يلبثْ أن سأل عنه و أتاه. فقال له: "أنت محبوبٌ عند الله في الدُّنيا و الآخرة أول ما رآه"، فقال له سيدنا: "من أين لك ذلك؟" فقال: "من الله". و هو الذي قال لسيدنا أيضاً بمقتضى كشفه العياني و فراسته النورانية: "لك عند الله تعالى ما هو أجلّ من مقام القطبانية"، و ذلك أن سيدنا قال له في أول ما لقيه: "رأيتك و أنا بتونس"، يعني في عالم النوم، "فقلت لك: إني نحاس كلّ ذاتي، فقلت لي: هو كذلك و أنا اقلبُ نحاسك ذهباً". فقال له الشيخ محمود : "هو كما رأيت". ثم قال له بعد أيام: "ما مطلبك؟" قال: "القطبانية العظمى"، قال: "لك أكثر منها"، قال له: "عليك"، قال: "نعم". و أخبره عما وقع له في سياحته و سبب ملاقاته مع شيخه الشيخ الحفني و شيخ شيخه مولانا مصطفى البكري الصديقي رضي الله عن جميعهم.

و عقد النَّاظم في البيتين ما في "الجواهر" من غير زيادة و لا نقصان. و لم يتعرَّضْ صاحب "الجواهر" و كذا صاحب "الجامع" لذكر تاريخ وفاة الشيخ ، فمن وقف عليها فليثبتها في هذا المحلِّ والله ولي التوفيق.

 

ولما قضى سيدنا الوطر(7) من ملاقاة هذا الشيخ الأكبر والعالم الأشهر تهيَّأ لما هو بصدده من التوجُّه لبيت الله الحرام، و زيارة قبر نبيه عليه الصَّلاة والسلام، فودّعه شيخه الشيخ محمود و دعا له و ضَمِنه في سفره ذهاباً و إياباً.


****


(1) سوسة: بلد بالمغرب، وهي مدينة عظيمة بها قوم لونهم لون الحنطة يضرب إلى الصفرة، ومن سوسة إلى السوس الأقصى يخرج على ساحل البحر المحيط بالدنيا، فمن السوس الأقصى على القيروان ثلاثة آلاف فرسخ يقطعها السالك في ثلاث سنين. انظر معجم البلدان: 3/281
(2) القطين: الساكن، المواطن، وقَطَن بمعنى سكن وأقام. ومبايناً لكل قطين: أي مبتعداً عمَّن يسكن معه وبقربه.
(3)
كذا بالأصل، ولعلّ الصواب «وقام الماءُُ» أو «وقام الماسُ». (4) في معجم البلدان: 3/155 «زواوة: بفتح أوله، وبعد الألف واو أخرى: بليدة بين إفريقية والمغرب».
(5) الأوتاد عند الصوفية: أربعة رجال، منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم: شرقي وغربي وشمالي وجنوبي، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة.
والأبدال: لقب يطلقونه على رجال الطبقة من مراتب السلوك.
(6)  ابن خلدون: هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، من ولد وائل بن حجر، الفيلسوف المؤرخ والعالم الاجتماعي البحاثة. أصله من إشبيلية، ومولده ومنشأه بتونس، رحل إلى فاس وغرناطة وتلمسان والأندلس، وتولى أعمالاً. اشتهر بكتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر» في سبعة مجلدات أولها «المقدمة» المشهورة. ومات سنة (808). انظر الضوء اللامع: 4/145 ونفح الطيب: 4/414، والعبر: 7/379.

(7) الوَطَر: الحاجة، وقضى وطرَه: حقق حاجته وأنقذها.