التعريف بالشيخ | الإشارة إلى زمن حلوله بمرتبة القطبانية العظمى

الإشارة إلى زمن حلوله بمرتبة القطبانية العظمى


ثم أشار النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى زمن حلول سيدنا  بمرتبة القطبانية العظمى، ووقت إنجاز الإقبال ما وَعَده به من المقام الأعزِّ الأسمى، فقال:

(وفي المحرَّم غَدا غوْثاً رَشيدْ

 

خَليفةْ عَن المُهيمِن المَجيدْ

أعطي ذاكَ شيخُنا بعَرفَهْ

 

حَكاهُ مَن حقَّقهُ وعرَفه)

(المحرم) معرَّف، والمراد فاتح العام الموالي لعام حلوله الحضرة الفاسية المحروسة، و(الغوث)المراد به هنا: القطب الجامع، وقد تقدَّم بعضُ ما ينبىء عن حقيقة القطب لغةً وعرفاً، وإطلاق لفظ «الغوث» عليه اصطلاحٌ حادث بين الأولياء، بخلاف لفظ «القطب» فقد ثبتَ ورُودُه في بعض الآثار.قال ابن حجر (1): الأبدالُ ورَدَتْ في عدة أخبار، وأما القطبُ فورد في بعض الآثار، وأما الغوث فلم يثبتْ.وقد ألفَ الشيخ جلال الدين السيوطي  تأليفاً سماه «الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال» وذكر أن الحاملَ له على تأليفه ما بلغه عن بعض من لا علم له من إنكار الأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد والقطب، فجَمَع ما وَرَد من الأحاديث والآثار بثبوت جميع ذلك في جمع ليستفاد ولا يعوَّل على إنكار أهل الفساد، وذكر في تأليفه هذا ما يدلُّ على ثبوت القطب بخلاف الغوت، فلم يذكر فيما يدلُّ لثبوته شيئاً، وهكذا كما رأيت بحسبِ ما ثبت في الأخبار والآثار الواردة.

وأما في الاصطلاح فلفظ «الغوث» يرادِفُ لفظ القطب، وأصرحُ منه تعيين المخصوص، بمقام القطبية على الخصوص، إذ ربما أطلِقَ القطب على الواحد من الإمامين أو على أحد الأوتاد الأربعة باعتبار أنه قطبُ إقليمه أو نحو ذلك من الاعتبارات، فإذا أطلق لفظ الغوث لا يصرف في العرف إلا للقطب الجامع لا غير، فلذلك اقتصرَ النَّاظم عليه فيما عبَّر به هنا، والله أعلم.

و(رشيد) فعيل من الرَّشاد: وَصَفه به لأنه أي القطب أتقى أهل زمانِه وأزكاهُم وأكرمُهم عند الله مكانةً وأرضاهم، و(الخليفة) هو القائم عن مستخلفه بأعباء ما استخلفه فيه على الوجه الأكمل، و(المهيمن) اسم من أسمائه تعالى، قالوا: ومعناه الشاهدُ الذي لا يغيب عنه شيء. قال الخليل بن أحمد وأبو عبيدة: هَيْمَنَ يهيمِنُ فهو مهيمِنٌ: إذا كان رقيباً على الشيء، وقيل في معناه غير ذلك. وقال ابن الأنباري: المهيمنُ القائم على خَلْقِه برِزْقِه، وأنشد: 

ألاَ إنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نبيِّهِ

 

مُهَيْمِنه التالية في العُرْفِ والنُّكْرِ

قال: معناه القائم على الناس بعده اهـ(2) نقله في «مفاتح الغيب» وقد تقدَّم، و(المجيدُ) كذلك من أسمائه تبارك وتعالى. ومعناه المنتهي في الشرف وكمال الملك واتِّساعه إلى غاية لا يمكن المزيد عليها ولا الوصول إلى شيء فيها اهـ ذكره في «شرح الأسماء الحسنى».

وإذا عرفتَ معنى الاسمين الكريمين، وعرفتَ ما تقرَّر في العلم من أن الخليفة لا بد أن يتعلَّق بشيء من معنى مستخلفه عرفتَ الوجْهَ عند النَّاظم في تخصيص هذين الاسمين الأعظمين بالذكر هنا، وهذه إحدى لطائفة رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذا النظم لمن استقرأه حسبما تقدَّم التنبيهُ على نظائر ذلك. و(عرفة)أرادَ به هنا موضعَ وقوفِ الحجيج، أي: الجبل المعروف لا اليوم التاسع من ذي الحجة، إذ لا يصحُّ حملُه عليه هنا لئلا يحصلَ التناقضُ بين معنى هذا البيت والذي قبله، وبين عرفات ومكَّة نحو ستة أميال(3)، و(عَرَفَه) عَلِمَهُ بحاسَّةٍ من الحواسّ الخمس.

يقول: وفي المحرم الحرام فاتح العام لعام حلول سيدنا  بحضرة فاس وهو عام أربعة عشر بعد المائتين والألف من هجرة سيد الناس حلَّ  مقام القطبانية، وظهرَ بحمد الله تعالى مصداقُ ما بشَّره به من تقدّم ذكره من أهل الكشوفات العيانية والمقامات السنية العرفانية، وكان حصولُ الفتح له في إدراك هذا المقام الأعظم، في جبل عرفة من البلد المحرم، حسبما ذكر ذلك وبيَّنه تبييناً، من عرفه تحقيقاً وعلِمَه يقيناً، ولم يتعرَّضْ في كتاب «الجواهر» لتعيين زمن بلوغ سيدنا  درجة القطبانية ولا للمكان الذي أدرك فيه ذلك مع تصريحه ببلوغه المقام تحقيقاً في غير ما موضع. ومن ذلك قوله في ذكر كماله رضي الله عنهما نصُّه: ومن كماله  وعرفانه الأتم، معرفته لاسم الله العظيم الأعظم إلى آخر كلامه. ومعلومٌ أن ذلك من خصائصِ القطب كما ستقفُ عليه قريباً إن شاء الله تعالى، ومن ذلك قوله في هذا المحل أيضاً: ومن كماله  وعلوّ منصبه الشريف ما أوتيه من مقام الخلافة والتصريف ووَليَه من النيابةِ والتحكيم والأمر النافذ العميم إلى آخر كلامه، إلى غير ذلك من عباراته المصرِّحة ببلوغِه هذا المقام الأسمى، والدرجة السامية العظمى. 

والذي يظهر والله أعلم أن النَّاظم تلقَّى ما عقده في هذين البيتين من العارف الكبير سيدنا محمد الحبيب ولد الشيخ ، فإنه أقامَ عندَه بزاويته مدةً وهو عمدتُه في كثير من أخبار الشيخ وعلومه وأسراره، وعلى هذا فيكونُ هو المشار إليه بقوله «حكاه من حققه وعرفه» وتحقيقه، لما ذكره من أن سيدنا  أعطيَ القطبية العظمى في المحرم من العام المذكور بجبل عرفة، إما بإخبار من الشيخ  له بذلك، فيكون من باب رواية الثقةِ ما لم يوافقْه عليه غيره، وإما من طريق كشْفِه الصحيح وحصول التعريف له من الله بذلك، والنفس إلى هذا الاحتمال أميلُ لما يعضدُه من القرائنِ والشواهدِ الحالية، والله تعالى أعلم.  

وعلى كل حالٍ فإن النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى اطَّلع على ما لم يطلع عليه غيرُه ومثله في ديانته وجلالة قدره، لا يذكرُ مثلَ هذا من غير أن يثبت عندَه، ثم إن قوله: «أعطي ذلك شيخنا بعرفة»، على ما أوجبه سياقُ الكلام من أن المراد الجبل لا اليوم مشكل بظاهره، لأن سيدنا  كان في تلك السنة بفاس لم يغبْ عنها. والجواب عن هذا الإشكال أن القطب حسبما ذكره الشعراني عن شيخه الخواص رضي الله عنهما، وذكره في الجواهر عن سيدنا أيضاً له ثلاثمائة ذات وستة وستون ذاتاً، أحدُها بمكَّة المشرفة لا تبرح منها ما دام حيّاً، والذاتُ الترابية حيث أرادَ الله تعالى من البلاد، وعليه فتكون القطبية نزلتْ على الذاتِ الذي لا تبرحُ من مكة، وفرق في هذه الذوات باعتبار ما يختصُّ به كل منهما، وأي ذات اختصَّت بشيء من الترقيات والتجليات والفتوحات والأسرار وغيرها في بلد فذلك الاختصاص سار لجميعها، فالترابية وغيرها في ذلك سواء فافهم ذلك، وهذا من المعروف  المقرر في كتب الطريق، ولا عبرة بمن ينكره ممن لم يذقْ ذوقَهم ولم ينحُ نحوَهم

وحيث جرى ذكر هذا المقام، أعني مقام القطبانية العظمى، وكان سيدنا  ممَّن أهَّله الله للحلول، بأقصى ذُراه، بلا شك عندنا والحمد لله، فلا بدَّ من الإلمام بشيء مما يشير إلى بيان حقيقته علماً. فنقولُ والله المستعان، وهو سبحانه المستعاذ بجلاله من ذللِ(4) القلمِ وفَلَتاتِ اللّسان:

ذكر الشيخ الإمام جلال الدِّين السيوطي  في كتابه المتقدِّم الذكر(5) حديث ابن مسعود 
:«إنَّ لله عَزَّ وجلَّ فِي الخَلْقِ ثلاَثمائة قُلُوبُهم عَلَىٰ قَلْبِ آدَمَ  ولله في الخلْقِ خَمْسَةٌ قُلُوبُهم عَلَىٰ  قَلْبِجِبريلَ ، ولله في الخَلْقِ ثلاثة قُلُوبُهم على قلْبِ مِيكائيل ، ولله فِي الخَلْقِ واحِدٌ قَلْبهُ علىٰ قَلْبِإسرافيل » الحديث، وقد تقدَّم في المطلب السادس من المطالب المقدمة بلفْظِه. وذكر أيضاً في هذا الكتاب بعد إيراد عدَّةِ أخبارٍ ما نصُّه: وقال بعضُ العارفين: والقطبُ هو الواحدُ المذكور في حديث ابن مسعود أنه على قلْبِ إسرافيل عليه السلام، ومكانه من الأولياء كالنقطةِ في الدائرة التي هي مركزُها، به يقعُ صلاحُ العالم انتهى.  وقال الشيخ محيي الدِّين بعد كلام له في القطبانية: وقد يتوسَّعون في هذا الإطلاق فيسمُّون كلّ من دار عليه مقامٌ ما قطباً، وقد يسمَّى رجلُ البلدِ قطباً، وشيخُ الجماعةِ كذلك. ثم قال: ولكن الأقطاب المصطلَح عليهم لا يكونُ منهم في الزمان إلا واحدٌ وهو الغوث، ثم قال بعد كلام:وأكثرُ الأقطاب لا حكم لهم في الظاهر، وغيرُ الأكثر قد يكونُ لهم الحكم والتصريف في الظاهر كالباطن، وذكر منهم العمرَيْنِ(6) رضي الله عنهما وعلي بن أبي طالب والحسين وعمر بن العزيز  أجمعينن.

وذكر الشيخ محيي الدِّين أيضاً  أن القطبَ يسمَّى عندَ أهل الله تعالى: عبد الله، وعبد الجامع، وأن الإمامين منه بمنزلة الوزيرين، ويسمَّى الأيسر منهما عبد الملك، والأيمن عبد ربّه، وكان أبو بكر  عبد الملك وعمر بن الخطَّاب عبد ربّه على عهد النبي ، وبعد وفاته عليه الصَّلاة والسَّلام سُمِّي أبو بكر عبد الله وعمر عبد الملك، والإمام الذي ورِثَ مقام عمر عبد ربّه، ولا يزال الأمرُ كذلك إلى يوم القيامة.

ونقلَ بعضُهم عن التوقيف على مهمات التعريف للشيخ عبد الرؤوف المناوي رضي الله عنهما نصُّه: والإمامان وزيران للقطبِ الغوث، أحدُهما عن يمينه ونظرُه إلى الملكوت وهو مرآةُ ما يتوجَّه من الركن القطبي إلى العالم الروحاني من الإمدادات التي هي مادة الوجود والبقاء، والآخر عن يساره ونظرُه إلى الملك، وهو مرآة ما يتوجَّه منه إلى المحسوسات من المادة الحيوانية، وهو أعلى من صاحبه، فيخلف القطبَ إذَا مات اهـ.

وقال الشيخ محيي الدِّين : وقد جرت السُّنةُ الإلَهية في القطب إذا ولي المقام أن يقوم في مجلس من مجالسِ القربة والتمكين، وينصب له فيه تختٌ عظيم لو نظر الخلقُ إلى بهائِه لطاشتْ عقولهم فيقعد عليه ويقف بين يديه الإمامان، ويمدُّ يدَه للمبايعةِ، وتؤمر الأرواحُ الملكية والجنُّ والبشر الروحاني بمبايعته واحداً بعد واحد، ولا يبايعُه إلاَّ الأرواحُ المطهَّرة المقرَّبة، ومن جملة المبايعين له النباتاتُ. ومن صفاته عند الشيخ محيي الدِّين  أنه المنعوتُ بمعاني جميع الأسماء تخلّقاً وتحققاً، وهو مرآةُ الحقِّ، ومحلُّ النعوتِ المقدَّسة، ومحلُّ المظاهر الإلٰهية. وممَّا وصَفه به أيضاً أن الغالب عليه الخفاءُ، وأنه محفوظ من خزائن الغيرة ملتحفٌ بأرْدية الصَّون، لا تعتريه شبهةٌ، ولا يخطرُ له خاطرٌ يناقضُ مُقامَه، كثيرُ النكاحِ راغب فيه، يوفي الطبيعة حقَّها على الحدِّ المشروع له، ويوفي الروحانية حقَّها على الحدِّ الإلَهي. وقال في وصفه أيضاً: حالهُ العبودية والافتقارُ، ويقبِّح القبيحَ ويحسِّنُ الحسَنَ. وقال في وصفه أيضاً: إنه لا يرى من الأشياء إلا وجْهَ الحقِّ فيها، يضعُ الأسبابَ ويقيمها، ويدلُّ عليها ويجري بحكمها، ينزلُ إليها حتى تحكم فيه وتؤثر فيه.

وقال في ذلك أيضاً: إن كان ذا دنيا وثروةٍ تصرَّف فيها تصرُّفَ عبدٍ في ملك سيد كريم، وإن لم يكن له دنيا وكان على ما يفتحُ الله لم تستشرف له نفس، بل يقصد بنفسه عند الحاجة بيت صديقٍ يعرضُ عليه حاجة طبيعته كالشفيع لها عنده، فيتناول لها منه قدرَ ما تحتاج إليه وينصرف، لا يجلس عن حاجتهِ إلا لضرورةٍ، فإذا لم يجدْ لجأ إلى الله في حاجة طبيعته لأنه مسؤول عنها لكونه والياً عليها، ثم ينتظرُ الإجابة من الله فيما سأله، فإن شاء أعطاه ما سأل عاجلاً أو آجلاً، فمرتبتُه الإلحاحُ في السؤال في الشفاعة في حقِّ طبيعته  بخلاف أصحاب الأحوال، فإنَّ الأشياء تكون عن هِمَمِهم وطرحِهم الأسباب عن نفوسهم فهم ربَّانيون، والقطبُ منزَّه عن الحال ثابتٌ في العلم مشهورٌ فيه، فإن أطْلَعه الله على ما يكون أخبرَ به على جهة الافتقار والمنة لله لا على جهة الافتخار، لا تطوى له أرضٌ ولا يمشي في الهواء ولا على ماء، ولا يأكلُ من غير سبب، ولا يطرأ عليه شيء من خرْقِ العوائد ممَّا ذكرنا إلا نادراً لأمرٍ يؤيده الحقُّ فيفعله، لا يكون ذلك مطلوباً للقطب يجوع اضطراراً لا اختياراً ويصبر على النكاح كذلك لعدم الطَّول، يعلم من تجلي النكاح ما يحرِّضه على طلبه والتعشُّق به، فإنه لا يتحقَّق له ولا لغيره من العارفين عبودية أكثر مما يتحقق له في النكاح في الأقطاب والعارفين مما يطول بنا ذكره، مع أن الغرضَ عندنا في هذا المقام ما يشير إلى معرفة حقيقة القطبانية. 

ومن كلام الشيخ سيدي علي الخوّاص  في بعض أجوبته للعارف بالله تعالى الشيخ عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنهما نصّه: وأما القطبيةُ فجلَّتْ أن يقومَ مقامها الأحوط إلاّ من اتَّصف بها.وقد ذكر الشيخ محيي الدِّين سيدي عبد القادر الجيلاني  أن للقطبِ ستة عشرَ عالماً أحاطياً، الدنيا والآخرة ومن فيهما عالم واحدٌ من هذه العوالم.   

ومن الأجوبة المذكورة أن الله تعالى إذا أرادَ إنزالَ بلاءٍ أو أمرٍ شديد تلقّاه القطب بالقبولِ والخوف، ثم ينظرُ ما يظهره الله تعالى من ألواحِ المحو والإثبات، وهي ثلاثمائة وستون لوحاً، فإن ظهر له المحو والتبديل نفَّذه بقضاءِ الله تعالى وأمضاه في العالم بواسطة أهل التسليك الذين هم خاصَّته، فينفذون ذلك غيرَ عالمين أن الأمرَ مُفاضٌ عليهم من غيرِهم، وإن ظهرَ له أن الأمرَ ثابتٌ لا محوَ فيه رَفَعه إلى أقرب عددٍ ونسبة منه، وهما الإمامان فيتحمَّلانه، ثم يرفعانه إن لم يرتفعْ إلى أقرب نسبة منهما وهم الأوتاد، وهكذا حتى يتناول أهلَ الدائرة جميعاً، ثم إلى الأفراد وغيرهم من العارفين إلى آحاد المؤمنين، وما يحسُّ به بعضُ الناس مما لا يعرف له سبباً من ذلك، ثم قال: فلو لم يحمل القطبُ وجماعته البلاد عن العالم لتلاشى العالم في لمحة قال الله تعالى: " فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" [البقرة: الآية 251] انتهى ببعض اختصار.

وذكر العارفُ بالله الشعراني  في كتابه «الميزان» أنَّ بعضَ المحققين قال: إن القطبَ لا يحيطُ بمقامه نفسه فضلاً عن غيره، وذلك لأن صفات القطبية في العبودية تقابل صفات الربوبية، فكما لا تنحصرُ صفات الربوبية لا تنحصِرُ صفات العبودية. وقد سُئل سيدنا ومولانا القطب الفرداني أبو العباس سيدنا أحمد بن سيدنا محمد التجاني  عن حقيقة القطبانية، فأجابَ  بقوله: القطبانية هي الخلافةُ العظمى عن الحقِّ تبارك وتعالى مطلقاً في جميع الوجود جملةً وتفصيلاً، حيثما كان الربُّ إلَهاً كان هو خليفةً في تصريف الحكم وتنفيذِه في كلِّ من عليه ألوهية لله تعالى، ثم قيامه بالبرزخية العظمى بين الحقِّ والخلْقِ(7)، فلا يصِلُ إلى الخلق شيءٌ كائناً ما كان من الحقِّ إلاَّ بحكم القطب وتولِّيه نيابته عن الحقِّ في ذلك، وتوصيله كلَّ قسمةٍ إلى محلها، ثم قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرَّات الوجود جملةً وتفصيلاً، فترى الكون كلَّه أشباحاً لا حركة لها، وإنما هو الروحُ القائم فيها جملةً وتفصيلاً، وقيامه فيها في أرواحها وأشباحها، ثم تصرّفه في مراتب الأولياء فيذوق مختلفات أذواقهم؛ فلا تكون مرتبةٌ في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه، فهو المتصرِّف في جميعها والمُمِدُّ لأربابها، وله الاختصاصُ بالسر المكتوم الذي لا مطمَعَ لأحدٍ في دركه، والسلام. 

قال : ومعنى البرزخية العظمى: قيامُه بين الحقِّ والخلق بالنيابة عن الحقيقة المحمدية، واختصاصه أيضاً بالتحقيق بأمر الله في كل مرتبةٍ من مراتب الوجود وإعطائه لكلِّ مرتبةٍ حقية أو خلقية حقها بما تستحقُّه من الأدب، وليس هذا لغيره من العارفين ولا لمفاتيح الكنوز، فهو في جميع هذه الأمور خليفةُ النبي  دون جميع الأولياء. وبالجملةِ فهو في جميع المراتب بالنسبة لجميع العارفين ومَنْ وراءَهم بمنزلة إنسان العين من العين، به يرحمُ الوجود، وبه تفيضُ الإفادة على جميعِ الوجود، وبه يبقى الوجودُ في بقاء الموجود اهـ بلفظه من «الجامع» وبعضُه بمعناه ومثله في «الجواهر» وفيهما أيضاً عن سيدنا  أن من أوصاف القطب أن يرى عالماً كجاهل أبْلَه فطناً آخذاً تاركاً زاهداً راغباً سهلاً عسيراً هيناً صعباً اهـ.

وفيهما أيضاً أن سيدنا  سألَ سيدَ الوجود  عن مفاتيح الكنوز والقطب أيُّهما أعلى مرتبة؟ فأجابه  بأنه، أعني القطب، أعلى منهم في مقامات ومراتب، أورثه الله التجلِّي الكامل المحيط بالتجلِّيات كلّها، وأوْرَثه الاسمَ الأعظم بجميع إحاطته، وأورثه الله المددَ من النبيّ  بلا واسطة وأورثه مددَ جميع الأولياء يكون على يده، وتحريكُ الجمادات وتحريك كلِّ حيِّ، والإمارة على كلِّ شيء والتعظيم على كل شيء اهـ المراد منه. وفي آخره التصريح بأنه خليفةُ النبيِّ  في جميع ما ذكر.

ومن كلام سيدنا  فيما يتعلَّق بالقطب وغيره من ذوي المراتب ما نصّه:

مراتبُ الرجالِ ثلاثة: الأولى: مرتبةُ العارفين، وهي شهودُ الحق. الثانية: مرتبة الأفراد وهي شهودُ الحقِّ لا في المراتب. الثالثة: مرتبةُ القطب، وهي في غيبِ الغيبِ مكتوبة لا تذكرُ ولا يعرفها إلا صاحبها، وهو القطبُ الجامع، لأن له المرتبتين السابقتين وهي شهوده للحق في المراتب للتصرُّف في الكون وفي غير المراتب أيضاً، وله هذه المرتبة المكتومة لا يشاركه فيها غيره اهـ. وعن سيدنا  أن مما أكرمَ الله به قطبَ الأقطاب أن يعلِّمه علمَ ما قبلَ وجودِ الكون وما وراءَه وما لا نهاية له، وأن يشهده الذات بعين الذات وأن يعلمه جميعَ الأسماء القائم بها نظام كلِّ ذرة من الوجود، وهي الأسماء العالية وأن يخصِّصه بأسرارِ دائرة الإحاطة وجميع فيوضِه وما احتوى عليه، وبهذه خُصَّ عن رؤوس الأفراد الذين هم مفاتيح الكنوز، ولا يعلمون أنها خاصَّةٌ به إلا أهلُ دائرة  الإحاطة فإنهم يعلمون أنه خاص به. وأما مشهده فلا علم لهم به لأنه يدخلُ الحضرة من باب المخدع وهو محجوبٌ عنهم أهـ. ونسبه سيدنا شيخ أبي الحسن الشاذلي  وفي جواب سيدنا  لمن سأله عن حقيقة الولي التصريح منه   بأنه لا يحيط بمعرفة أحكام الشريعة وجميع العلوم التي تحتاج إليها الناسُ إلا القطب الجامع، لأنه هو الحاملُ للشريعة في كل عصرٍ، ولو كان أمّياً لم تسبقْ له قراءة اهـ وهذا أيضاً من أوصافِ القطب وخصائصه.

وفي بعض أجوبة سيدنا  التصريحُ أن قطبَ الأقطاب منذ جلوسه على كرسي القطبانية لا تقعُ بينه وبين النبي  حجابيةٌ أصلاً، وحيثما جالَ رسول الله  من حضرة الغيب ومن حضرة الشهادة إلاَّ وعَيْنُ قطبِ الأقطاب متمكِّنة من النظر إليه لا يحتجبُ عنه في كلِّ لحظة من اللّحظات اهـ.

وفي بعض أجوبته أيضا  أن من خصائص قطب الأقطاب الأمن من السلب، بخلاف من عداه من الأولياء، إلا من كان عندَه الاسم الأعظم أو ضمنه شيخٌ كامل اهـ. وفي أجوبة سيدنا  وكلامه غير هذا مما يشير إلى حقيقة القطبانية وصفات القطب وأحواله وما خصَّ به في مرتبة خلافته عن الله تعالى وعن رسول الله  من نعوت كماله، وفي هذا الذي نقلناه من ذلك كفاية، والله ولي التوفيق والهداية.

وإذا عرفتَ أن مقام القطبانية أجلُّ المقامات، وأن صاحبه في كلِّ زمان هو الجامع لما للأولياء والعارفين في ذلك الزمان من الأحوال والأسرار والكرامات، فيجبُ أن تعرف أن الأقطابَ وإن اشتركوا في إدراك هذا المقام والوصول إليه، فهم متفاوتون فيه بقدر ما اختصَّ به كلُّ واحدٍ منهم في ترقية لما حواه وجمعه من الرتب والدرجات واشتمل عليه، وأعلى الأقطاب درجةً في هذا المقام الأقعس(8)، وأرفعهم مكانة في هذا المشهد الأقدس، هو من بَلَغ مقامَ الختمية الأجلَّ الأنفس، وهو المقام المسمَّى بختم المقامات عند الخاصة من الرجال، ولم يرتَقهِ إلاّ أفرادٌ من فحولِ هذا المجال.

قال شيخنا: االختم الأكبر وهو القطب المكتوم الأشهر سيدنا ومولانا أبو العباس التجاني  عند كلامه على الصفات الجليلة المقدسة جلَّت وعلت بعد كلام في ذلك ما نصّه:: ولهذا قال الشيخ الكامل مولانا عبد القادر الجيلاني  من ألف البهاء من الله تعالى ولم يطالِعْ إلا صفات الجمال لا يثبتُ لبدو العظمة والكبرياء اهـ.. ثم قال شيخنا  معناه لا يثبت لذلك إلا أكابر الرجال لا العارفون، فإن أكملَهم وهو القطب الكامل لا يتجلَّى له حقيقة الكبرياء إلا بعد بلوغه للرتبة العليا من القطبانية، وذلك المقام يسمُّونه ختم المقامات، ولم يرتقهِ من الأقطاب إلا القليلُ لبُعْدِ مرامه، فإذا ارتقاه القطبُ ووصله فهنالك يتجلَّى له الحق بالكبرياء الذاتي ولا يزال مرتقياً فيه إلى الأبد، ولو تجلَّى بذلك الكبرياء بمقدار ذرهٍ منه لجميع العارفين والصديقين لصاروا هباءً منثوراً في أسرعَ من طرفة العين، ولا يقدرُ عليه إلا القطب الجامع لكن بعد بلوغه لمقامِ الختم، وقبل بلوغه لا قدرةَ له عليه.

قال مولانا علي كرّم الله وجهه: المعرفةُ كشْفُ سحابِ الجلالِ،  وغايتها الدهشُ في كبرياء الله تعالى اهـ.. أرادَ بغايتها مقامَ الختم في القطبانية، فهو غاية الغايات اهـ كلام شيخنا  ونفعنا بعلومه وأسراره، وهذا المقام، أعني مقام الختم في القطبانية، لم يكن إلا بحكم الإرث من النبيّّ  بعده لمن اختصَّه الله بذلك من الأقطاب المحمديين المتخلّقين بالأخلاقِ الثلاثمائة التي من تخلق بواحدٍ منها دخل الجنَّة، وهم أكابرهم أقطاب أهل الولاية الباطنة الخاصّة، إذ الولاية من حيث هي على قسمين: ظاهرةٌ وباطنة؛ فالظاهرة لأهل الأمر والتصريف الظاهر وهي معروفة، وهذه الولاية تختم على الإمام العدل المسمَّى المنتظر الذي يظهره الله آخر هذه الأمة حسبما هو مشهور من خبره. والباطنة لأهل التصريف الباطن. وهذه الباطنةُ تنقسم إلى قسمين أيضاً:: عامة وخاصة، فالعامة من آدم إلى سيدنا عيسى وعليهه تختم حين ينزل في آخر الزمان. والخاصة هي من نبينا  إلى الختم الأكبر الذي يختم عليه مقامها وينتهي إليه مرامها، والأقطاب المخصوصون بإدراكِ مقامِ ختم القطبانية هو أهل الولاية الباطنة الخاصة حسبما سبقت الإشارة إليه، ويسمَّى كل واحد ممن بلغ مقامَ الختمية بمعنى من المعاني المتقدمة بالختم وبالخاتم كذلك أيضاً. وهو، أي الختم، بالمعنى الأول الذي هو من بلغ الرتبة العليا من القطبانية واحد، لكن في زمانه خاصَّةً، لأن القطبَ من حيث هو واحد في زمانه، وعلى هذا فلا إشكال في قول من قال إن لكلِّ ِزمن ختماً، إلا أنه ليس المراد أنه يخلو زمانٌ عنه وإلا لزم أن يدرك كلُّ واحد من الأقطاب هذه الدرجة، بل المراد أنه يتعدَّد وجود من يبلغ هذه الدرجة في الأقطاب بمعنى أنه يأتي على رأس كلِّ مدةٍ من يصِلُ ذلك المقام كما وَرَد في المجدد من أنه يكون على رأس كل سنة فيصحُّ أن يقال لكل زمن مجدد لا باعتبار أنه لا يخلو منه زمان، فافهم ذلك. والختم بالمعنى الثاني الذي هو الإمام الذي يبعثه الله في آخر الزمان حكماً عدلاً، واحد في الزمان بلا شك عند القائل به، وعليه أهلُ الكشفِ  والختم بالمعنى الثالث وهو الذي تختم عليه الولاية العامة الباطنة، فهو واحدٌ كذلك أيضاً وهو سيدنا عيسىشيخنا شيخنا  شيخنا 

وأما الختم الأكبر الذي هو ختم الولاية المحمدية فهو واحدٌ أيضاً في الزمان لا يكون منه إلا واحد من عصر النبي  إليه، يختم الله به الولاية المحمديّة، أعني الباطنة، وقد تقدَّم لنا في الكلام على البيت الثاني من هذه المنظومة أن معنى ختم هذا المقام عليه أنه لا يظهر بكمال الظهور الذي ظهرَ به فيه أحدٌ قبلَه ولا بعدَه، وهو، أعني الختم الأكبر، على قلب خاتم الأنبياء

وومن علاماته أنه يحقق مواجيد الأولياء كلّهم ويختصُّ عنهم بوجده، كما حقَّق خاتم الأنبياء مواجيد الأنبياء كلّهم واختصَّ عنهم بخصوصيته، فافهم انتهى. نقله الشعراني  في طبقاته عن الأستاذ الكبيرسيدي محمد وفا  

وأما ذكر هذا الختم غيرُ واحد من الأئمَّة الكبار ، وأول من ذكره تصريحاً فيما وقفنا عليه علم الأعلام المشهود له من كمل العارفين، كالحاتمي والشاذلي رضي الله عنهما بالذوق التام الشيخ الإمام المحدث الصوفي أبو عبد الله سيدي محمد بن علي الترمذيي الحكيم(9)  .. فقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني   في غير ما كتاب من كتبه أنهم أنكروا عليه بسبب تأليفه في الختم وفي علل الشريعة وشنعوا عليه في هذين الكتابين وقالوا له: فضلت الأولياء على الأنبياء وأغلظوا عليه، فألقى الكتابين في البحر فابتلعتهما سمكةٌ، ثم لَفَظَتْهما، وانتفع بهما..

وأما الشيخ محيي الدِّين  فذكره في عذَّة مواضع من كتاب «الفتوحات المكيَّةة» وألف فيه بالخصوص كتابه الذي سماه «عنقاء مغرب في شمس الأولياء وختم المغرب»، وقد طالعتُه فإذا هو كاسمِه غريب، وله فيه الرمز المعمَّى واللسان العجيب، وكذلك الشعراني  في «اليواقيت والجواهرر». وفي الطبقات وغيرهما، إلا أنه كثيراً ما يلتبس الكلام في الختم الأكبر بالكلام في ختم الولاية الظاهرة وخصوصاً في كلام صاحب «الفتوحات» بحيث يشكلُ ذلك إلا على من يفرق بين المقامين ويميز بين الحقيقتين. وقد ادّعى هذا المقام، أعني مقام الختم الأكبر، جماعةٌ من الصادقين في الأحوال قاله الشعراني .

وممَّن ادعاه وظنّ أنه له حين رآه الشيخ محيي الدِّين ، وادَّعاه له أيضاً بعد وفاته جماعةٌ لما رأوا له نثراً ونظماً من الكلام الحائم حول ذلك المقام.

والتحقيق أنه رجع عن ذلك في آخر أمره، وأخبر أنه أعلم أنه ليس له ما ظنَّ وإنما هو لغيره، وكلامه في غير ما موضع من «الفتوحات» صريحٌ في أنه غيرُه، وذكر فيها أنه اجتمع به، يعني اجتماعاً برزخياً، وأطْلَعه على العلامة التي أخفاها الله منه. وذكر أنه رآه مبتلى بالإنكار عليه لما يتحقَّق به من سرِّه، وهذا لا ينافي ما نقل عنه من أنه طالما جالَ ببصيرته إلخ، لأنه لا يبعدُ أن يكون الله تعالى أراه إياه، ليتحقَّق وجودُه عياناً أو لغير ذلك مما تقتضيه حكمته تعالى في ذلك الاجتماع ويستر عنه اسمه وبلده لأمرٍ آخر اقتضته مشيئتُه وحكمته تبارك وتعالى، وممَّن ادَّعاها أيضاً الأستاذ سيدي علي وفا لوالده الأستاذ سيدي محمد وفا رضي الله عنهما حسبما نَقَله الشعراني ، لكنه أتى بعده بما هو صريحٌ في أنه يقرَّه وجَنَح فيه بحسب الظاهر إلى ما ينحو منحى التأويل. 

وادَّعاها أيضاً الإمام الجليل سيدي محمد بن سليمان الجزولي مؤلف دلائل الخيرات، وكذلك الشيخ العارف بالله الصفي القشاشي حسبما حكاه في الرحلة العياشية، وقد تقدَّم لنا مما في طي رمز أول الكلام على أبيات هذه المنظومة أن الخاتم الأكبر المحمدي هو شيخنا وسيدنا وأستاذنا وإمامنا الشيخ الكامل والقطب الشامل مولانا أبو العباس التجاني ، فقد ثَبتَ عنه   من طريق الثقات الأثبات من ملازمية وخاصته أنه خبَّر تصريحاً على الوجه الذي لا يحتمل التأويل أن سيد الوجودد  أخبره يقظة بأنه هو الخاتم المحمدي المعروف عند جميع الأقطاب والصديقين، وبأن مقامه لا مقام فوقه في بساط المعرفة بالله، وهذا الختم هو المتلقي بجميع ما يفيضُ من ذوات الأنبياء  من الأمداد، وهو المفيض لتلك الأمداد على جميع الأولياء، وإن لم يعلموا به، إلى غير ذلك من فضائله العظام ومزاياه التي لا ترام، ولم يطلع صاحب الجامع على هذا لأنه لم يفْشِ التحدُّثَ به من سيدنا  إلا بعد وفاته.. وممَّن تلقَّاه من شيخنا  الشريف المبجَّل المنيف صاحبه وملازمه ومولانا أحمد الودغيري السلجماسي المعروف بالفلالي، وكتبه من إملاء سيدنا  بخطِّه حسبما وقفنا عليه..

وبالجملة فقد أجمعَ على إثبات هذا المقام لشيخنا  جميعُ من لازَمَه إلى وفاته ، ولم يختلفْ منهم اثنان فيه حتى استفاضَ ذلك على ألسنة الخاص والعام من الأصحاب والإخوان في سائر البلدان، فلا يلتفتُ لنفي من نفاه كائناً من كان..

وقد ذكر العلماءُ في فن الأصول من وجوه الترجيح أن المثبِت مقدَّم على النافي، لأن معه زيادة علم. وقد تقدَّم أن معنى «الختمية» في هذا المقام هو أن لا يظهرَ فيه أحدٌ بالكمال الذي ظهر به فيه هذا الختم ، وليس المراد أنه لا وليّ بعدَه لأن ذلك إنما هو معنى الختمية في مقام النبوَّة والرسالة، فإنه ختم على نبيّناا  فلا نبيٌّ ولا رسولٌ بعده، ومعنى الختمية فيه هو أن لا يظهر أحدٌ في ذلك المقام بعده أصلاً.. 

وأما معنى الختمية في مقام الولاية الظاهرة والباطنة بقسمَيْها، فهو ما ذكرناه في أن معناه أن لا يظهر أحدٌ في ذلك المقام قبله ولا بعده بالظهور الذي ظهر به فيه من الكمال، فافهم ذلك.

ومما يدلُّ المحبَّ المنصف على أن سيدنا  هو  صاحب هذا المقام الأعظم بلا ريب الصلاةُ التي هي إحدى الأذكار التي قامت عليها وظيفتُه اللازمة في طريقه، وهي الصلاة المسمَّاة بجوهرة الكمال، لأنها ظاهرةُ الدلالة عند من خصَّه الله تعالى بذوق أسرارها ومعانيها، ولاحَ له شيء مما في طيِّ رموز مبانيها، على أن لسيدنا  في الحقيقة المحمدية المشْرَبَ الخاصَّ الذي لم يُحْكَ مثلُه عن أحدٍ من كمل أهل الاختصاص، ومن ثم استعدَّ لما استعد له من تلقي الإمدادات الفائضة من ذوات المرسلين، واستحقَّ النيابة الكاملة عن سيد الخلائق أجمعين، صلى  الله عليه وعلى آله الطيّبين وصحابته الأكرمين، وقد أشار إلى هذا أخونا وسيدنا العارف بالله تعالى سيدي عبيدة ابن سيدي محمد الصغير في شرحه للصلاة المذكورة الذي أبدى فيه بعضَ أسرارها المكنونة وخفاياها المستورة، جزاه الله خيراً ونفعنا ببركاتهه.

وقد كنت فاوضْتُ في هذا المقام بعضَ الأصحاب الموفقين، فقال لي ما معناه: إن في رجوع الشيخ بإذن من النبي  إلى صلاة الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق عن غيرها من صيغ الصلوات، وجعلها بخصوصها أحدَ الأذكار القائم منها وِرْده اللازم لطريقته من الإمكان، إشارةً إلى أن صاحب هذه الطريق هو الختم المحمدي على التحقيق، فَوقَع كلامُ هذا الصاحب من قلبي موقعَ القبول، فلما وقفتُ على كلام السيد المتقدم الذكر في شرحه على الجوهرة زاد موقعُه، أعني كلام ذلك الصاحب، من قلبي، وتأيَّدت به إشارته السنية لديّ، ولا سيما وقد كنت أسمع بعض أصحاب سيدنا وخاصته  كثيراً ما يقول في صلاة الفاتح لما أغلق:: هذه الصلاة فيها سرُّ الطريق اهـ  فافهم، فتح الله بصائرنا ونوّر بأنوار معرفته سرائرَنا، وأرانا الحق حقّاً وألهمنا في متابعته رشداً وصدقاً آمين. ولمعرفة هذا و مثله خُصَّ به سيدنا في مقام القطبانية يظهر لك مصداق قول شيخه الشيخ محمود الكردي   لك أكثر منها، يعني القطبانية.. 

واعلم أن هذه الختمية بالمعنى السابق لما كان مقامها مختصاً بمن يختصُّ بمقام الكتمية الآتي ما يشير إليه في الأبيات بعد هذه تداخل الكلام قي حقيقتيهما بحيث تلتبس الحقيقتان على الناظر في ذلك الكلام، فيظن أنها حقيقةٌ واحدة، وقد عرفت بحمد الله تعالى ما يشير إلى حقيقة الختمية ممَّا تقدَّم.

 

 وسنذكر لك ما يشير إلى حقيقة الكتمية في الكلام على البيتين المواليين لهذه ما تعرف به الفرق بين الحقيقتين، والله الموفق بمَنّه فنقول: قال النَّاظم  رَحِمَهُ اللهُ تعالى :

(وبعدَ شهرٍ وليالٍ ارْتقى

 

إلى مقامهِ العزيزِ المُنتقى

مَقامِه المَكتومِ عَنْ كُلّ الوَرى

 

سِوى النَّبِيّ ما وراءه ورَا)

(الارتقاء) الاستعلاء والصعود في سلَّمٍ ونحوه، (والمنتقى) المختار، و(المكتوم) المخفي المستور، و(وراءه) خلفه.

يقول: وبعد أن مضى لسيدنا  من بلوغه مقام القطبانية العظمى شهر وليالٍ ارتقى في درجات مقام قطبانية الأكمل إلى أن حلَّ مقامه العزيز المختار له في الأزل، هو مقام الكتمية الذي أخفى الله تعالى كُنْهَ حقيقته عن جميع الخلْقِ، ولم يطَّلِعْ عليه إلا سيد الوجود  وصاحبه المختصّ به بحكم اختيار الملك الحق، وهو المقام الأخصُّ الأرفع الذي ليس فوقه من مقامات العارفين والصديقين مقامٌ إلا ما ثبتَ للصحابة الكرام الذين ليس فوقهم في الفضيلة والسبق إلا الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام..

وعقَدَ النَّاظم في هذين البيتين ما أشار إليه في «الجامع» من أن سيدنا  حلَّ هذا المقام، أعني مقام الكتمية، في صفر العام قبله لثمان عشرة خلت منه، وعليه فيكون حلوله في مقام القطبية في أول المحرم من هذا العام.. والذي أحفظ:ه من مذاكرة بعض الخاصة الفضلاء من أصحاب سيدنا أنه حلَّ هذا المقام، أعني مقام الكتمية، عام ثمانية عشر من المائة المذكورة وهي الثالثة عشرة، ويعضد هذا الذي نحفظه عن السيد المذكور كون مؤلف «جواهر المعاني» إنَّما فرغ من تأليفه أواسط ذي القعدة من العام المذكور، فيكون قد تأخَّر فراغه منه عن وقت بلوغ سيدنا  هذا المقام على مقتضى التاريخ المذكور بنحو الثمانية أشهر، ولم يسافر عن الشيخ  ولم يفارقه إلى عام خمسة عشر، وهو لم يذكره، أعني هذا لمقام، في«جواهر المعاني» ولم يعرج عليه فيه بشيء، وهذا مما لا يمكن أن يصدرَ منه  لشدة اعتنائه التي لم يسبقه فيها غيره بلا شك، فظهر أن ما في النسخ الموجودة من  «الجامع» تحريف من النساخ لا غير إذ لم يعثرْ أحدٌ بفاس وما بإزائها على نسخة مؤلفة ولا على نسخة مصحَّحة من الأصل ليعرف ذلك.  

وأما ما يشير إلى بيان حقيقة هذا المقام، أعني مقام الكتمية، الذي اختصَّ به سيدنا  دون جميع أهل الرتب السنية، فاعلم أمدَّني الله وإيَّاك بنور الإيمان والتصديق أن القطب المكتوم على ما يفيدهكلامُ أهل التحقيق قطبان

   القطبُ الأول  

   القطبُ الثاني  

وقد ذكر سيدنا  في مزايا القطب المكتوم التي اختصَّ بها أن الحقَّ يتجلَّى له في اللحظة الواحدة مائة ألف تجلِّ يعطيه في كل تجل ما يعطيه لأهل الجنَّة مائة ألف مرة أو أكثر، ويؤدِّي وظائف كلِّ تجل وحدَه في تلك اللّحظة، ثم في اللحظة الثانية يتجلى له بما يصيرُ جميع ما تقدَّم من التجليات بالنسبة إليه جزاً من مائة ألف جزء من تجلّ واحد منها، وهكذا في اللحظة التي بعدها إلى ما لا نهاية له.

ومن مزاياه التي اختصَّ بها في هذا المقام أن له وقفة ومقابلة في الحقيقة المحمدية لم تكن لأحدٍ من الأكابر  أجمعين.

ومنها أن ما يفيضه كلُّ قطب في زمانه من الأمداد على جميع العوالم الخلقية، إنما هو بواسطته، لكن لم يروِها لأنها محجوبة وهو يستفيض من الحقيقة المحمدية فيما يفيضه على كل قطب مدة حياته، وفيما يفيضُه على العوالم الخلقية في زمانه بلا واسطة، إلى غير ذلك من مزاياه العظام. 

وأما وجه تسميته «مكتوماً» فلأن له مرتبةً باطنة لا يعلم حقيقته في تلك المرتبة أحدٌ إلا الله تبارك وتعالى وسيد الوجود ، وذلك لأن له نسبةً من الحقيقة المحمدية وهي مرتبته ، التي لم يطَّلع عليها أحدٌ، ولا يعلمها إلا الله تعالى وصاحبها . قال سيدنا : وهذا الحكم لها في الدنيا والآخرة وكذلك حقيقة هذا القطب المكتوم لها هذا الحكم المذكور في الدنيا والآخرة، وهذا هو معنى الكتمية، وهو الذي أشار إليه الناظم بقوله: «مقامه المكتوم» إلى آخر البيت، فللّه درّه، فقد أشار إلى حقيقتها بما يميزها عن غيرها بلا ريب.

وقال سيدنا  فيما يشير إلى شفوفِ مرتبة الكتمية: نسبة الأقطاب معه، يعني القطب المكتوم، كنسبة العامة مع الأقطاب لأن مقامه في غيب الغيب لا علم لهم به لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال سيدنا : ليس مرتبةٌ كاملة في كل وجه، وصاحبُها محيطٌ بجميع المراتب إلا له  وللقطب المكتوم، فإن مرتبته، يعني بين مراتب الأولياء، جامعةٌ ومحيطة بجميع المراتب اهـ وهذا أيضاً مما يصدق إشارة شيخه الشيخ محمود الكردي  لما قال له سيدنا : مطلبي القطبانية العظمى، فقال له: لك أكثر منها.

ومن ذلك أنه  طلب من النبي  أن يجمع الله له بين القطبانية والفردانية، فضَمِن له  ذلك، ذَكَره في«الجامع» ورأيته بخط الخليفة المعظَّم سيدي علي حرازم في بعض تقاييده، والمراد والله تعالى أعلم أن يجمع له ما اختصَّ به الأقطاب عن الأفراد مع ما اختصَّ به الأفراد عن الأقطاب، فإنهم يفضلونهم من جهة، وهم كذلك أيضاً حسبما هو مذكور في «جواهر المعاني» عن سيدنا . ومقام الأفراد بين الصديقية والنبوَّة ونظيرهم من الملائكة الأرواح المهيمون في جلال الله قاله الشيخ محيي الدين. ثم قال: وقد جهِلَهم أكثرُ الناس من أهل طريقنا كأبي حامد(10) وأمثاله، لأن ذوق مقامهم عزيز اهـ. إلى غير ذلك مما زاد به سيدنا من الخصوصيات والفضائل على غيره من الأقطاب الواصلين والعارفين الكاملين المكملين  أجمعين.


 

***


(1) ابن حجر العسقلاني: تقدمت ترجمته.
(2)
كذا في لسان العرب (همن)، والبيت فيه.
(3)
قال الفراء: عرفة وعرفات اسم لموضع واحد. وعرفة وعرفات واحد عند أكثر أهل العلم وليس كما قال بعضهم إن عرفة مولد. وقال البشاري : عرفة قرية فيها مزارع وخضر ومباطخ، وبها دور حسنة لأهل مكة ينزلونها يوم عرفة. انظر معجم البلدان: 4/104.


(4)
كذا، والصواب «زلل» بالزاي.


(5)
أي كتابه «الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال»


(6)
العُمَران: عمر بن الخطاب وأبو بكر الخليفتان، رضي الله عنهما.


(7)
البرزخ، بالأصل: هو الحاجز بي الشيشين. وهنا: الحاجز بين الموت والبعث.


(8)
المقام الأقعس:العزيز والمنيع.


(9)
محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي، باحث صوفي، عالم بالحديث وأصول الدين، من أهل ترمذ، نفي منها بسبب تصنيفه كتاباً خالف فيه ما عليه أهلها، فشهدوا له بالكفر. وقيل: انهم باتباع طريقة الصوفية في الإشارات ودعوى الكشف. وقيل: فضّل الولاية على النبوة. ورد بعض العلماء هذه التهمة عنه، وقيل غير ذلك. مات نحو سنة (320هـ). انظر لسان الميزان: 5/308، ومفتاح السعادة: 2/170، وطبقات السبكي: 2/20، وكشف الظنون: 1/938.


(10)
هو أبو حامد الغزالي مؤلف «الإحياء» تقدمت ترجمته.


القطبُ الأول


 
    هو القطبُ الذي يظهره الله إمَّا عدلاً بالولاية الظاهرة في هذه الأمّة آخر الزَّمان وهو غير الإمام المنتظر، لأن الإمام المنتظر غيرُ قطب، وهذا هو الذي اطلع الشيخ محيي الدِّين على اسمه وبلده ونسبه، ووَقَع له التعريف من الله تعالى بجميع أحواله، ثم وقع له النهي عن إفشاء ذلك، فسمَّاه مكتوباً من عند نفسه بسبب نَهْيه عن إفشاء أمره.
×

القطبُ الثاني


هو القطبُ المكتوم الذي تحدَّث الأولياء والأقطاب به، وطالما تمنَّى كلّ واحد منهم مقامَه، ولا يعثر واحدٌ منهم على ما يحقق التعريف به، وغايةُ ما اطَّلعوا عليه أنه يكون في آخر الزمان بالمغرب، وكثيراً ما يذكرون لفظة «المكتوم» مقرونةً بلفظة «الختم» لما قدمناه من تداخل الكلام في الحقيقتين مع قيام وصفهما بموصوفٍ واحد، وانظر إلى ما ترجم به الشيخ محيي الدِّين كتابه الذي ألّفه في ذلك حيث قال فيما ترجمه به «عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب»، فلفظُ «ختم الأولياء» ظاهر الدلالة على الختم المذكور، وعطفه عليه قوله: «شمس المغرب» فيه إيماءٌ إلى مقام الكتمية لأن الشمس لا تبصر حقيقتها لشدَّة أشعة أنوارها، فكأنه قال في ختم الأولياء المعلوم الذي هو القطب المكتوم، والذي يؤيد أنه أومأ بشمس المغرب إلى مقام الكتمية هو ما ذَكَره في «الفتوحات المكيَّة» في الكلام على حديث: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أهْلِ المغرِبِ ظاهرينَ علىٰ الحَقِّ إلىٰ يَوْمِ القِيَامَة» بعد ذكره لباب التوبةِ وإن غلقه في ذلك الوقت المعلوم رحمةٌ بالمؤمن ووبالٌ على الكافر، لأنه لا يرتدُّ من بعد ذلك كما أنه لا ينفع نفساً إيمانُها حينئذٍ، ونصّه: وإنَّما جَعَله الله بالمغرب لأنه محلُّ الأسرار والكتم، وهو سرٌّ لا يلهمُه الله إلاَّ أهلَ الاختصاص، انتهى المراد منه هنا، فصرَّح بأن الغرب محلُّ الكتم، كما أضاف في الترجمة الشمس المعطوفة على الختم على المغرب، فاعرف ذلك.

×