التعريف بالشيخ | اشتغاله بالعلوم

اشتغاله بالعلوم

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى
:

و بعدَ ذا اشتغلَ بالعلومِ

 

فجَعلَ الغامِضَ كالمَفهومِ

و حازَ في صِغْرِه قصَب السَّبقْ

 

فِيهَا  وقُطْره على ذاكَ اتفقْ

أفتى وَ دَرَّس وَ ذلكْ على

 

صِغر سنِّه نَعمْ و َنَازَلا


الإشارة بـ (ذا) المضاف إليه (بعد) إلى حفظِه القرآن في السن المذكور،
و (اشتغل) من الاشتغال، و هو افتعالٌ من الشغل بالضم، و بضمَّتين ضد الفراغ، يقال
: منه اشتغل به و شغل أيضاً كعني،
و (العلوم) جمع علم، و المراد هنا الفنون من فِقْه و لغة و نحو و منطق و بيان وغير ذلك من الفنون،
و (الغامض) الخفي من غمض كعقد غموضاً إذا خفي، و أراد به هنا العويص من المسائل العلمية،
و أراد بـ (المفهوم) البديهي الذي لا يحتاج فيه إلى تأمل،
و (أفتى) من الإفتاء
: و هو في عرف الفقهاء الإخبار بالحكم الشرعي، و المراد هنا يعم الجواب عن سائر مسائل العلم فقهاً و غيره،
و (التدريس) درس العلم للناس و إلقاء مسائله مفسرة إلى المتعلمين،
حاز) معناه هنا أحرز،
و (السبق) محركاً
: الخطَرُ، و هو ما يتراضى عليه المتسابقان، و سبقته بالتشديد أخذت منه السبق، و يقال أيضاً بمعنى أعطيته إياه، قال الأزهري: و هذا من الأضداد، و من السبق قولهم: أحرز قصب السبق. و أصلُه أنهم كانوا ينصبونَ في حلبة السباق قصبةً، فمن سَبَق إليها اقتلَعها ليعلم أنه السابق من غير نزاعٍ، ثم كثر استعمالُه حتى أطلق على المبرِّز،
و الضمير في (فيها) للعلوم،
و قوله
: (و قطره) القطر معروف، و المراد و أهل قطره فهو من مجاز الحذف،
و (نعم) بفتحتين، و قد تكسر العين، ونعم أيضاً في غير ما هنا كلمة جواب كبلى، إلا أنها أي «نعم» تقالُ في جواب الإيجاب،
و (نازلاً) الألف لإطلاق القافية، و هي من المنازلة: و هي نزولُ كلِّ واحد من المتنازلين في مقابلة الآخر
. قال في "المصباح": "نازَلَه في الحرب منازلةً و نِزالاً و تنازلاً: نزل كلُّ واحد في مقابلة الآخر" اهـ و أصله في الحرب، و استعمل في المناظرة في العلم، و يصحُّ في قوله: و نازلاً نزلَ أيضاً كما في "القاموس" زيادة على ما في "المصباح"، و المراد أنه ناظرَ العلماء في صغره.
يقول
: و بعد حفظه القرآنَ العظيم حفظاً متقناً و وعيه إياه على ظاهر قلبه لسبعةِ أعوامٍ مضَيْنَ من عمره اشتغلَ بتحصيل فنون العلم الظاهر، فرُوق من الملكة فيها القسط الأكبر و الحظ الوافرَ حتى جعلَ الغامضَ العويص من مسائل تلك العلوم بما أوتيه من قوَّة الإدراك و غزارة العارضة كالبديهي المفهوم. و حازَ بذلك بين معاصريه قصب السباق حسبما أقرَّ به علماء قُطره و وقع منهم عليه الاتفاق. و أفتى في تلك السن من استفتاه في سائر الفنون، و أظهر بتدريسه لها خفي سرها المكنون. و نازلَ في ميادين المناظرة أبطالَ الأقران، فاختصَّ فيها بنصر اللواء و اجتياز الرهان.
و عقد النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الأبيات ما أشار إليه في
"جواهر المعاني" من أنه بعد ما حفظ القرآن اشتغلَ بطلبِ العلوم الأصولية و الفروعية و الأدبية حتى رأس فيها و حصلَ أسرارَ معانيها. ثم قال: "قرأ على شيخِه المذكور "مختصر الشيخ خليل" و "الرسالة" و "مقدمة ابن رشد" و الأخضري. ثم تمادى في طلب العلم زماناً ببلده حتى حصّلَ من العلوم ما انتفع به، فكان يدرِّس و يفتي، و له أجوبةٌ في فنون العلم أبدى فيها و أعاد و حرر المعقولَ و المنقولَ فأفاد" اهـ.
و ذكر في
"الجامع" أنه قرأ على شيخه سيدي المبروك ابن بوعافية التجاني المختصر و غيره مما تقدَّم.
قال
: "و توفي سيدي المبروك سنة ست و ستين و مائة و ألف(1166هـ) اهـ، و راجعه، فقد ذكر فيه ما اختصَّ به سيدنا من العلوم و بعض ما حصل له منها من طريق الوهب الإلَهي و الفتح الرباني و أرضاه، و أدامنا دنيا و أخرى في حوزة حماه آمين.

***