التعريف بالشيخ | ما اتفق له في مصر

عودته من المدينة المنورة
و ما اتفق له في مصر القاهرة


ثم أشار النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ إلى قفولِ
(1) سيدنا من تلك البقاع المنورة الطَّاهرة إلى مصر القاهرة، و ما اتفق له في قبوله هذا مع شيخه الشيخ محمود من الإقبال و الكرامة، و الإعتناء الذي هو على ما آلَ إليه أمرُ سيدنا أكبر علامة، فقال:

و سافرَ الشيخُ معَ الحُجَّاج

 

عَن قَبرِ صاحبِ اللوا و التَّاجِ

لمِصرَ دَارِ شَيخِهِ العراقي

 

و حِينَ جاهُمُ بالتَّلاقي

معَ شيخِه هذَا فرَحَّب بهِ

 

و حين جاء أجلسهُ بقُربه

و كان يُلقي كُلّ ما يستَشكلُهْ

 

على إمامنا و عَنهُ يَسألُهْ

فظَهرت عُلومُه الغزيره

 

حتَّى أتتْه سادةٌ كثيرة

مِن عُلماءِ مِصرَ لِلإفَاده

 

و كُلُّ مَن سألهُ أفادَهُ


(صاحب اللواء و التاج) هو النبي
و (الشيخ العراقي) هو الشيخ محمود الكردي حسبما تقدَّمت الإشارة إليه
.
و (الترحيب بالقادم) هو أن يقال له
: مرحباً مرحباً. و المراد هنا: ما يشمل البشاشة، و طلاقة الوجه و إظهار السرور بقدومه.
(و استشكل المسألة) إذا لم يعثر على عين التحقيق فيها
.
و باقي ألفاظ الأبيات ظاهر
.
يقول
: و لما قضى سيدنا نُهْمَته من زيارة نبيّنا و ملاقاة شيخه القطب الأعظم، آثرَ ما هو المطلوب من تعجيل الأوبة(2) كما هي عادته الكريمة من إيثار كلِّ فضيلة ذي نية و قربة. فسافر مع ركب الحجيج لمصر القاهرة ممتطياً متن الأشواق لشيخه الكردي ذي الأخلاق الزكية الطاهرة. فلما وصل إليه توجَّه من حينه لملاقاته و اغتنام رؤيته و مناجاته. فلما أقبلَ عليه رحَّب به و أكرمه بأخصِّ المجالس لديه، ثم أمره بالتردُّد في كل يوم إليه. فصار يلقي عليه الأمور المشكلة، و المسائل العويصات المعضلة. فيكشف عن وجوه حقائقها القناعَ، حتى يقرَّ الخصم و يرتفع النزاع. فظهر للخاص و العام علمه الغزير، و أحدقت به(3) علماء مصر يستنقعون من تيار عذبه النمير. و كل من أتاه في مسألة كيفما كانت، و من أي فنٍّ كانت، نقع بتقريره غلته(4)، و شفى بتحريره علَّته.
ثم لما أزمع سيّدنا الإرتحالَ إلى البلاد المغربية أجازه شيخه الكردي في طريقته الخلوتية، و جعل له التسليك بها و التربية بعد أن امتنع سيدنا من إجابته فيما دعاه إليه حتى قال له
: "لقِّن الناس و الضمانُ عليّ". فقبل حينئذٍ ما أشار به عليه، و انظر سنده في "جواهر المعاني" و كذا في "الجامع" أيضاً فهو مذكور فيهما على التحقيق، و الله ولي الهداية و التوفيق.

 

 

*****


(1) القفول: العودة.  
(2)
الأوبة: العودة: من الفعل: آب يؤوب أوباً وأوبة.

(3)أحدقت به: أحاطت.

(4)نقع: هدّأ وسكَن. والغلة: حرقة الجوف حزناً أو شوقاً.