المطالب السبع | المطلب الرابع

المطلب الرابع
في بعض ما يختص بالمريد من آداب الصحبة والأخوة
وبيان ما يلزمه من الوفاء وكمال الفتوة
لا خفاءَ أن حقوقَ الصحبة والأخوة وآدابها، على ما سيتبيَّن قريباً إن شاء الله تعالى، من أعظم الحقوق وآكَدِ الآداب، إذ هي العصمةُ في مدارج السير والسلوك إلى حضرة رب الأرباب، وخصوصاً في طريقتنا هذه الأحمدية التجانية، لقول سيدنا : «من ابتُلي بتضييع حقوقِ الإخوان ابتلاه الله تعالى بتضييع الحقوق الإلهية». وقد سمعت بعض أصحابه يقول: "سمعتُ سيدنا ومولانا الشيخ يقول: "فإني لكثيراً ما أهمُّ بوضع مؤلفٍ في آداب الطريق"،تنبيهاً منه على أن الأدب من أهمِّ المهمات وآكدها في الطريق، وأن من تمسَّك به فيها فقد تمسَّك بالسبب الأقوى والحبل الوثيق.فلهذا جعلتُ هذا المطلب تابعاً للمطالب قبله، وآثرتُ أن يكون كالتحصيل لمسائلها والتتمَّة والتكملة.فأقول والله المستعان وعليه التكلان، لا إله غيره ولا خير إلا خيره:
اعلم أن درجة الصحبة والأخوة عند الله تعالى درجةٌ شريفة، ومرتبتها من الطريق مرتبة سامية منيفة. فقد اختارها ورغِبَ فِيها وآثرها جَمْعٌ من السلف، وتابعهم على ذلك الجمُّ الغفير من جماهير الخلف. ومما استندوا له فيما ذهبوا إليه من اختيارها واستأنسوا به لما اعتمدوه من إيثارها، ما رأوا من أن الله تعالى منَّ على أهل الإيمان حيث جَعَلهم إخواناً: فقال سبحانه وتعالى
« فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا »(آل عِمران: الآية 103)،وقال سبحانه وتعالى « هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ »(الأنفال: الآيتان 62-63)الآية. فقد دلّت هذه الإشارة الكريمة على أن الصحبةَ والأخوة منة عظيمة ونعمة جسيمة امتنَّ الله تعالى بها على من شاء من عباده المؤمنين المتحابين في جلاله، المتواخين في طلب مرضاته والوصول إلى حضرة كماله. وفي ذلك كما لا يخفى غاية الحثِّ عليها والترغيب فيها والندب إليها.
وقد دلّت السنة المطهرة على ذلك أيضاً.ففي "الدر المنثور" أخرج ابن مردويه عن
سعد بن معاذ(1)قال: "قال رسول الله «إذا كانَ يَوْمُ القيامَةِ انقَطَعَتْ الأرحامُ وقلَّتْ الأسبابُ وذهبَتْ الأخوَّة إلا الأخوة في الله تعالى، وذلك قوله سبحانه وتعالى
« الأَخِلاُّءُ يَوْمَئِذٍ »(الزَّخرُف:الآية 67) الآية» اهـ.
وفي وصيَّة سيدنا عمر الفاروق،المثنىعليه بأن الحقَّ ينطِقُ على لسان عمَر والمأمور بالاقتداء به في قوله «اقتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أبي بكرٍوعمر»رضي الله عنهما:"عليك بإخوانِ الصدقِ تعِشْ في أكنافهم، فإنهم زينةٌ في الرخاء وعدةٌ في البلاء" اهـ.
وذكر في "العوارف"عن سيدنا عمر أيضاً أنه قال: "لو أن رجلاً صام النهار وقام الليلَ وتصدَّق وجاهدَ ولم يحب في الله ولم يبغضْ في الله ما نَفَعه ذلك" اهـ. ومن لوازم الحبِّ في الله تعالى المؤاخاة فيه، ولذلك يطلق أحدُهما على الآخر.
وروى في "العوارف" أيضاً بسنده إلى الأستاذ أبي القاسم القشيري أنه قال: "سمعتُ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعتُ عبد الله بن المعلم يقول: سمعتُ أبا بكر الطمستاني يقول: "اصحَبُوا مع الله، فإن لم تطيقوا فاصحبوا مع من يصحبُ مع الله لتوصِلَكم بركةُ صحبته إلى صحبةِ الله".
وروى فيها أيضاً بسنده إلى الشيخ أبي جعفر الحداد رحمه الله تعالى أنه سمع الشيخ علي ابن سهل يقول: "الأُنسُ بالله أن يستوحش من الخلقِ إلا من أهل ولاية الله، فإن الأنسَ بأهل ولاية الله هو الأنسُ بالله".
وذكر فيها أيضاً: "إن الله تعالى أوحى إلى داود قال: «يا داود ما لي أراك منتبِذاً وحدانياً؟»،قال: «إلهي قَلَيْتُ
(2) الخلْقَ من أجلك»، فأَوْحى الله إليه: «يا داود كن يقظاناً وارتدْ لنفسِك إخواناً، وكل خدن لا يوافِقُكَ على مسرتي فلا تصحَبه فإنه لك عدوٌّ يقسِّي قلبك ويباعدك مني».
ولهذا كانت الصحبةُ والصداقة عند الأحرارِ يراعى لها من الحقوق ما يراعى لأخوة النسبِ على ما قيل: "الصداقةُ لحمةٌ كلُحْمةِ النسبِ، بل الحقُّ أنها –أعني الصداقة والأخوة في الله - آكدُ حقاً من أخوةِ النسب"، قيل لبعضهم: "أيهما أحبُّ إليك أخوك أو صديقُك؟"،قال: "إنما أحبُّ أخي إذا كان صديقي".
قال الشيخ زروق في شرحه للوغليسية ما نصُّه: "قال العلماء: القرابة قرابتان قرابة دينية،وهي أولى من القرابة الطينية" اهـ.
وذكر الشيخ محيي الدين في "الفتوحات المكية": "أن شخصاً دَخَلَ على شيخه ففاوَضَه في معنى قولهم: «الأقربون أولى بالمعروف»، قال: فقال الشيخ من غير توقُّف: إلى الله يا فلان"اهـ،يعني: الأقربون إلى الله أولى بالمعروف من الأقربين من جهة النسب.
وقال الشيخ زروق : "الصداقةُ من قواعد الدين والدنيا" اهـ.
ومما يشيرُ إلى شرف منزلتها وكمال فضيلتها، زيادةً على ما تضمنته إشاراتُ هؤلاء الأعلام،ما اشتملت عليه من الفوائد العظام والكرامات والبركات والخيرات الجسام.
قال في"الجيش الكفيل" ما نصُّه: "ثم الفوائد المطلوبة من الصحبة دينيةٌ ودنيوية. أما الدنيوية فكالإنتفاعبالمال والجاه، وليس ذلك من غرضنا. وأما الدينية فتجتمع فيها أغراضُ مختلفة إذ منها الإستفادة بالعلم والعمل، ومنها الإستفادة في الجاه تحصُّناً من إيذاء من يشوِّش القلب ويصدُّ عن العبادة، ومنها التبرُّك بالدعاء، ومنها انتظار الشفاعة، إلى غير ذلك" اهـ.
وفي "العوارف" أنه:"يقع بطريق الصحبة التعاضدُ والتعاون، وتتقوَّى جنودُ القلب، وتستريح الأرواح بالتشام
(3)، وتتفق في التوجه إلى الرفيق الأعلى، ويصير مثالها في الشاهد كالأصوات إذا اجتمعت خرقت الأجرام، وإذا انفردت قَصَرَتْ عن بلوغ المرام.وقد وَرَد في الخبر عن رسول الله «المُؤْمِن للمُؤْمِن كالبُنْيَانِ المرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضاً»(4).
وفي "العوارف" أيضاً أن: من فوائد الصحبة والأخوة أنها تفتح مسامَّ الباطن ويكتسب الإنسانُ بها علمَ الحوادث والعوارض"اهـ.
قلت: ويريد بهذا، والله أعلم، أنه يتقوَّى نورُ الفراسة الإيمانية باستمداد البعضِ من البعض، وسَرَيان سرِّ البعض إلى البعض، إذ من فوائدها ما يسري من الفاضل إلى المفضول من السرِّ الباطني الذي هو منتهى القصد من الصحبة وغاية السُّؤْل. وقد قيل: «من تحقَّق بحالةٍ لم يخلُ حاضروه منها».وأحطُّ الناس مرتبةً في مقام الصحبة للأخيار المحبُّ لهم فقط، وكفاه إن لم يكن منهم أنه معهم، لحديث «المرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ
»(5).
وفي"مختصرالإحياء" بعد كلام في الصحبة ما نصُّه: "فاصحب الأخيارَ إن لم تكن منهم فأنتَ معهم" انتهى.يريد اصْحَبْهم بالمحبة والتسليم لتكونَ معهم، وإن لم تكن منهم فإن المرءَ مع من أحب. وبالجملة ففي مخالطة الأخيار مع التسليم والمحبة خيرٌ كثير، بل المخالطة أصلٌ كبيرٌ في الانتفاع،ولهذا قالوا: «إنها...»- أعني المخالطة - «...تغني عن غيرها ولا يغني غيرُها عنها».
وقد ذكر عن العارف بالله تعالى سيدي عبد الرحمن بن محمد الفاسي أنه قال لرجل من أصحاب بعض الأولياء من أهل عصره، وقد رآه يخالط الفقراء: "ماذا يأمرُكم به شيخُكم؟"، فقال: "بالسبيحة واللويحة
(6)"، فقال له : "ليست هذه الطريق بالسبيحة ولا باللويحة، وإنما هي بالمخالطة، خالط الجَذْمَى تَجذَمْ(7)"اهـ.
وقد ذكروا أن لقاء الإخوان لقاحٌ. ولا شك أن البواطن تلتقحُبالملاقاة وأن مجرَّد النظر لأهل الصلاح يؤثر صلاحاً، بل كلُّ نظر في الغالب يؤثر أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه، كما أن النظر إلى المسرور يؤثر سروراً، وإلى المحزون يكسب حزناً، والجَمَلُ الشرود
(8)يصير ذَلولاً بمقارنة الذلول، والماء والهواء يفسدان لمقاربة الجيف، والزروع تنقى عن العروق المجاورة لها لموضع الإفساد بالمقاربة.فالمقاربة لها تأثيرٌ في الحيوان والنباتِ والجماد والماء والهواء، وإذا كانت كذلك فهي في النفوس الشريفة البشرية أكثر تأثيراً.
ومن فوائد الصحبة أيضاً:تحمُّل البعض من المتصاحبين عن البعض في دار الدنيا ما ينزل بهم من المصائب والأحزان،وتلقّيهم للوارد عليهم منهم في البزخ
(9) بحُسْنِ البِشْر ومزيد الكرامة والبر والإحسان،وأخْذ البعض منهم بيد البعض يوم القيامة، وشفاعته له في نيل المغفرة والدرجات العلى في دار الرضوان.
وقد ذكر في "العوارف" أن "أحدَ الأخوين في الله تعالى يقال:له ادْخُلْ الجنةَ، فيسأل عن منزلةِ أخيه، فإن كان دونه لم يدخل الجنة حتى يُعطى أخوه مثل منزلته، فيقال له: لم يكن يعمل مثل عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي وله، فيُعطى جميعَ ما يسأله لأخيه، ويَرفَع أخوه إلى درجته" اهـ.
فهذا بعض ما يشير إلى جلالة قدر صحبة الأخيار وإنافة مكانة مواخاة الأبرار على طريق الإيجاز والاختصار، وفيه كفاية لمريد التذكُّر والاستبصار.ولهذا الذي ذكرناه من سموِّ درجتها وشرف مكانتها خُصَّتْ بالحقوق العظيمة الأكيدة، وحُفَّت بمحاسِن الآداب والأخلاق الحميدة.
فمن آدابها الخاصة عند إرادة الدخول فيها أن يسلم المدخول معه على الصحبة والأخوة، نفسه وصاحبه الداخل معه عليها، إلى الله تعالى بالإجتهاد في المسألة، والدعاء والتضرُّع، لأنه يفتح على نفسه بصحبته، إما باباً من أبواب الجنة، وإما باباً من أبواب النار.
فإن فتح عليهما في مصاحبتهما بخير وداما عليه إلى أن ماتا عليها فقد فتح على نفسه بتلك الصحبة باباً من أبواب الجنة. قال مولانا سبحانه وتعالى«الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ»(الزّخرف: الآية
67).وإلا بأن نشأ عن صحبتهما شر، والعياذ بالله تعالى، قطعهما عن الله تعالى، فقد فَتَح على نفسه بصحبته باباً من أبواب النار. قال تعالى «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ»(الفُرقان: الآية 27)الآية، وهي وإن كانت نزلت في سبب خاصٍّ وقصةٍ مشهورة(10)، فإن الله تعالى تنبيهاً في ذلك لعباده على الحذر ممن تقطع صحبته عن الله تعالى. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "وهل يفسِدُ الناسَ إلا الناسُ". فالفساد بالصحبة متوقَّع، كما أن الصلاح متوقع،وما هذا سبيله كيف لا يحذرُ في أوله،ويحكم الأمرَ فيه بكثرة اللجأ إلى الله تعالى، وصِدْقِ الإفتقاروسؤال البركة فيه، وتقديم صلاة الإستخارة إلى غير ذلك.انظر"العوارف".
قلت: وما رأيت ولا سمعت أكثر قياماً بهذا الأدبِ ولا أشدَّ اعتناءً به من أصحاب سيدنا الذين صحبوه قيدَ حياته وحصل لهم التأهلُ لتلقين ورده. فإنهم كانوا إذا أتاهم من يريدُ الدخول في الصحبة والأخوة، يظهر عليهم مزيد الإهتمام بشأنه والإجتهاد في الدعاء له ولهم معه بالثبات في الأمر، معإسناد الأمر بينهم في ذلك إلى همَّة الشيخ بإظهارهم أن يدَهُم فيه إنما هي يَدُ نيابةٍ لا غيرَ،وأنهم ليس لهم فضلٌ على من يلقنونه ولا حظّ لهم فيما يعاملونه به من بذل النصيحة وكمال الإرشاد، إلا ما يرجونه من فضل الله تعالى بسبب التبليغ ظاهراً لا غير. ورأيت منهم من لا يلقن أحداً إلا بعد صلاة الإستخارةالنبوية وصدق اللجأ إلى الله تعالى على أكمل ما يمكن. ومنهم من كان يزيدُ مع الإستخارةقراءةً ما تيسَّر من صلاة الفاتح لما أغلق ويهدي ثوابها إلى الشيخ ، ويستأذنه في تلقينِ وِرْده لذلك الإنسان الذي طلب منه بقلبه ولسانه بأن يقول: هذا فلان طَلَبَ مني أن ألقِّنه، وها أنا ألقنه عن إذنك وببركة همتك ونحو ذلك.
وقد أخبرني الناظم قدَّس الله سرَّه أنه لما عَزَم على الدخول في هذه الطريقة الشريفة أتى هو ورفيقٌ له إلى العلامة الكبير المقدم البركة الشهير أبي عبد الله سيدي محمد المدعو محمد بن سيدي عبد الله العلوي المدعو الخليفة لقيامه بعد الشيخ الجليل سيدي محمد الحافظ العلوي بأعباء تلقين الأوراد والهدايةوالإرشاد. فلما طلبا منه أن يلقِّنهما الوردَ ظهر عليه ما ظهرَ من أثر الإهتبال لذلك، ولم يقرَّ له حتى سارَ بِهما إلى ضريح سيدي محمد الحافظ ، وكان علي مسافة من محلِّه. فلما أَدَّى الواجبَ من التسليم عليه وزيارته أمرهما أن يَدْنُوَا من القبر المبارك ثم خاطبه وهما يسمعان، بأن قال له بلسان يُعلَمُ منه الخضوعُ والإنكسار والعجز والإفتقار: "هذا فلان بن فلان وفلان بن فلان جاءا يطلبان مني أن ألقّنهما وردَ مولانا الشيخ ، وها أنا ألقِّنهما عن إذنك وإذن الشيخ "، ثم لقَّنهما وأكثر الدعاء بذلك المحلِّ المبارك له ولهما.
وقد اتفق للناظم أيضاً رحمه الله مثل هذا بفاس فلقنه بعض مشاهير أصحاب سيدنا عند قبره الأنور على نحو ما تقدم،وهذا من عناية الله تبارك وتعالى به. وقد ظهر عليه أثرُ ذلك، فصار أمرُه إلى ما صار إليه من التبريز في التحقيق وبلوغ درجة الكمال في الصدق والتصديق.
ومنهم من كنتُ أراه إذا أراد أن يلقِّن أحداً يأمره أن يحضرَ الوظيفة مع الفقراء بالزاوية في وقتها المعلوم، فإذا ختمت الوظيفة يظهر على وجهه من أثر الحضور ما يعلم منه أنه يستأذن في ذلك الحضرةَ الشريفة، ثم بعد الفراغ من القراءة والدعاء يتوسَّم وجوهَ الحاضرين كالمستمد من بركاتهم ويقول لهم: هذا فلان قد أراد الدخولَ في عهد الشيخ ، ثم يلقنه ويجتهد هو والحاضرون في الدعاء له.
وإنما أطلتُ النفسَ في هذا الباب تنبيهاً ونصيحة للإخوان، وإرشاداً إلى العمل على هذا الأدب والقيام به بقدر الإمكان. فربما يرى بعض المتصدِّين للتلقين إذا كان غراً بمدارك الأمور ما في كتاب "جواهر المعاني" وغيره من أن هذا الورد الشريف يلقَّن لكل من طلبه من المسلمين على أي حالة كان كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى، طائعاً أو عاصياً، فيظهر له أن المراد بهذا الكلام الأمر بالمسارعة إلى التلقين من غير تثبُّتٍ ولا تأنٍّ ولا قيام بآداب المقام. وليس الأمرُ كذلك، بل لابد من التثبُّت والتأني، فلايلقَّن الطالبُ لذلك إلا بعد عرْضِه الشروط المشروطة في ذلك عليه، وإيناسه منه قبولها القبولَ التام.كيف يرى بإزاء هذا الكلام من "جواهر المعاني" قول سيدنا :«ومن أخذ هذا الورد وتركه تركاً كلياً أو متهاوناً به حلَّت به العقوبة، ويأتيه الهلاك في الدنيا والآخرة...»إلى آخر كلامه  المؤكد بالوصية التي هي من لفظ سيد الوجود .
فالعمل على هذا الأدب من آكدِ الأمور في هذه الطريقة وأهمها، لما يفضي إليه تركُ العمل عليه من التسبُّبِ في العقوبة والهلاك والعياذ بالله تعالى. والله تعالى يلهمنا الرشدَ والصواب ويختار لنا من الحركات والسكنات في جميع التقلبات ما تحمدُ به العاقبة في الحياة وعند المآب، إنه الكريم الجواد الفتاح الوهاب.
ومن آداب الصحبة والأخوة عند إرادة الدخول فيها أيضاً أن يسأل كل منهما صاحبه عن اسمه واسم أبيه وعن منزله، لما روي أن النبي رأى
ابن عمر(11) رضي الله عنهما يلتفت يميناً وشمالاً، فسأله فقال: "يا رسول الله إني أحببتُ رجلاً في الله تعالى فأنا أطْلُبه ولا أراه"، فقال له : «يا عَبْدَ الله إذا أحْبَبْتَ أحداً فاسْأَلْهُ عن اسمِه واسم أبيه وعن منزِلِه، فإنْ كانَ مَريضاً عُدْتَه، وإِنْ كانَ مَشْغُولاً أَعَنْتَه» اهـ. وقد رأيت بعضَ الأصحاب يعمل على هذا الأدب، حتى ربما قيَّد أسماءَهم إن لم يكونوا من أهل البلد الذي هو فيه، ولا شك َّ أن ذلك من الإعتناء بحقوق الأخوة في الله تعالى، وقد علم ما في ذلك من الخير والله الموفق.
ومن آداب الأخوة التودُّد والتألُّف بكلِّ ما يُقْدَر عليه ويستطاع فعلُه مع الأخ من الأفعال التي تستجلب بها مودته وتصفو بها أخوته.وهذا الأدبُ هو الأصلُ الجامع لسائر الآدابِ كلها، وإليه مرجعُ الأخلاق الحسنة بأسرها. ولهذا كان رأسَ العقل، كما في الحديث عن النبي :«رأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإيمَانِ بالله تعالى التودُّدُ إلى النَّاسِ».
ويكون التودُّد بأمور هي معظمُ آداب الأخوة في الله تعالى:
- ومنها أن يحفظَ الأخ قلبَه بقدرِ استطاعتِه من أن يضمِرَ فيه سوءاً لأخيه إذا رأى منه ما يكره.
- واختلف إذا ظهر من أحدٍ من المتواخين ما يوجب المقاطعةَ هل يهجرُ أم لا؟
- ومنها، أي الأمور التي ينشأ عنها التودُّد والتآلف، وهي كما أسلفناه معظمُ الآداب الموافقة وترك  المخالفة مع الإخوان والأصحاب،
- ومن الأمور التي يكون بها التودُّد والتألف أيضاَ: إيثارُ الأخ أخاه في أمر دنياه، قيل: وكذا فيما يتعلَّق بأمرِ أخراه.
- ومن ذلك أيضاً وهو من آكدها مواساةُ الأخ أخاه من ماله، وكذا من جاهِه بالمقدور، ومواصلته بطريق المجاملة والمكارمة في الورود والصدور.
- ومنها أيضاَ:أي من الأخلاق المنتجة للتودُّد والتآلف مداراة الإخوان واحتمال الأذى منهم،
- ومنها أي من الأخلاق التي تنتج التودُّدَ والتآلفَ، أن لا يُحوِجَ الأخُ أخاه إلى المداراة ولا يُلجِئهُ إلى الاعتذار
- ومن الأخلاق المنتجة للتودُّدِ والتآلف أيضاً تركُ تكلف الأخ لأخيه في جميع معاملته معه،
- ومن الأخلاق التي يدوم بها التودُّد والتآلف أيضاً محافظة الأخ على مساعدة أخيه وترك مخالفته في كل شيء، دقَّ أو جلَّ ،إلا فيما يخالف الشريعة المطهرة،
- ومن تلك الأخلاق أيضاً محافظة الأخ على ستر عورة أخيه بما أمكن.
- ومن تلك الأخلاق التي يدوم بها التودّد والتآلف أيضاً تقديم من يعرف الإخوان فضلَه من إخوانهم والتوسعة له في المجلس وإيثاره بالموضع،
(تنبيه )
(تكميل)
(دقيقة)
(تذبيل)
وفي هذا القدْرِ مما قصدنا إيراده في هذا المطلب كفاية، والله ولي التوفيق والهداية.

 

  (1) هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري، صحابي من الأبطال، من أهل المدينة. كانت له سيادة الأوس وحمل لواءهم يوم بدر، وشهد أحداً، فكان ممن ثبت فيها، وكان أطول الناس وأعظمهم جسماً، و رمي بسهم يوم الخندق، فمات من أثر جراحه سنة 5 هـ، ودفن بالبقيع وعمره سبع وثلاثون سنة. وقال النبي عند موته«اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ». انظر "صفة الصفوة": 1/180، و "طبقات" ابن سعد: 3/2، و "الإصابة": ت (3197)، و "أسد الغابة".
(2) قليت الخلق: أبغضتهم وهجرتهم.
  (3) التشامّ: التفاعلُ من الشمِّ.
 (4) رواه
البخاري في (المظالم: 5) و في (الصلاة: 88)، و في (الأدب: 36)، و الترمذي في (البر: 18)، و النسائي في (الزكاة: 67)، و أحمد:4/404،405.
(5) رواه
البخاري في (الأدب: 96)، ومسلم في (البر: 165)، و الترمذي في (الزهد: 50)، و في (الدعوات: 98)، و الدارمي في (الرقاق: 71)، و أحمد:1/392 -3/104، 110.
(6) لعله أراد بالسبيحة أنها من السّبْحة، وهي الدعاء وصلاة التطوع والنافلة. وقال
ابن الأثير: وإنما خصت النافلة بالسبحة، وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل: الصلاة النافلة سبحة لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير موجبة. أما اللويحة: فربما كانت من صلاة الصبح لأن اللّياح، يعني الصبح.
(7) الجُذام: علة تتآكل منها الأعضاء وتتساقط.
(8) الجمل الشرود: النافر، الذي لا يُقْدر عليه.
(9) البرزخ: الحاجز بين الموت و الحياة.
(10) قال
ابن عباس في رواية عطاء الخراساني: كان أبي بن خلف يحضر النبي ويجالسه ويستمع إلى كلامه من غير أن يؤمن به، فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك، فنزلت هذه الآية. وقال الشعبي: وكان عقبة خليلاً لأمية بن خلف، فأسلم عقبة، فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمداً عليه الصلاة والسلام، و كفر و ارتد لرضا أمية، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وثمة رواية أخرى لقصة عقبة و أمية. انظر "أسباب النزول" للواحدي: 245.
(11) هو
عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، صحابي من أعز بيوتات قريش في الجاهلية. وكان جريئاً جهيراً، نشأ في الإسلام، وهاجر مع أبيه وشهد فتح مكة. أفتى الناس في الإسلام ستين سنة، ومات سنة 73هـ. انظر "الإصابة": ت (4825)، و "تهذيب الأسماء": 1/278، و "طبقات" ابن سعد: 4/105، و "صفة الصفوة": 1/228.

 و منها أن يحفظَ الأخ قلبَه بقدرِ استطاعتِه من أن يضمِرَ فيه سوءاً لأخيه إذا رأى  منه ما يكره


وحِفظ القلبِ من ذلك يكون بتنبيهه إياه على ما كَرِهَه منه، لكن بلطافةٍ وحسن سياسة، بحيث يفارقُ ما كرهه منه وهو لا يشعرُ أنه مقصودٌ من أخيه بذلك التنبيه، وهذا أوْلى متى أمكن لجريه على سنن الأخلاق المحمدية، ولبُعدِه عن مظانِّ الضغينة وغيرها مما يؤدي إلى فسادِ الطويَّةِ. فإنْ لم يكن هذا وأدَّى الحال إلى التنبيه بالكلام، فليكُنْ في الخلا لا في الملا، وبتقديم تمهيدٍ يأنسُ به المنصوح، بحيث يقعُ في نفسِه ذمّ ما أراد أن يأمره الناصح بالتخلية عنه قبل أن يأمرَه بذلك وبإخلاصِ القصْد في ذلك لله تعالى، والعزم على أن لا يذكر ذلك لأحد كائناً من كان.
ومن آدابِ المنصوح هنا: أن يروِّضَ نفسَه لتلقِّي نصيحة أخيه بالقبول، ويعلم أنه إنما فعل ذلك لكمال مودته وصفاء إخائه، فيثني عليه ويجازيه بدعاء الخير على ما أسداه إليه. وقد روي عن سيدنا عمر أنه كان يقول: "رَحِمَ الله امرأ أهْدَى إليّ عُيوبي". ومعلومٌ أن الصادقَ يحب من يصدقه والكاذب بخلافه، فلا يحبُّ الناصح كما قال تعالى «وَلكِن لاَّتُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ»(الأعراف:الآية 79).وليحذر المنصوحُ من ثورة النفس عند سماعِه النصيحة، فيحتقر الناصح ويقول له: مثلك ينصحني! أو ما في معنى ذلك، فإن ذلك من الجفاء ومن أعظم أسباب الإنتكاس والسقوط من عين الله والعياذ بالله تعالى.
قال الشيخ محيي الدين: ومن قالَ لِنَاصِحِه على سبيل شفوفٍ نفسِهِ عليه: مثلك ينصحني، أو لمثلي يقال هذا، فاعلم أنه سقَطَ من عينِ الله تعالى، وقد حَجَبه الله عزَّ وجل عن عبوديته وعن الإيمان، فإن الله تعالى يقول ]وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)[(الذَاريَات: الآية 55).
وبالجملة فالذي عليه المدار في هذا الأدب هو حفظ القلب من إضمار السوء للأخ، فإن أمكن تنبيهه على الكيفية السابقة أو التسبب في إزالة الوصف المكروه منه بشيء فذاك، وإن لم يكن ذلك فليجتهدْ في الدعاء له بظهر الغيب من غير تقصيرٍ، وهذا أدنى الدرجات فيما يطلبُ من حقوق الأخوة في هذا الباب. وليجاهدْ نفسَه بعد هذا في التخلِّي عن إضمار السوء لأخيه ما أمكنه، وذلك لأنهم نصوا على أنَّ أحدَ الأخوين إذا أضمرَ لأخيه سوءاً، وأحرى إذا أضمر كلٌّ منهما للآخر ذلك والعياذ بالله تعالى فقد ارتفعت بينهما الأخوةُ من أصلها، إذ الأخوة مواجهةٌ، كما أفاده من طريق الإشارة قوله تعالى ]وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)[(الحِجر: الآية 47).ومتى وقع إضمارُ السوء من أحدِهما أو منهما ارتفعت المواجهةُ وحصلت المدابرة، وبالمدابرة يرتفع وصفُ الأخوة من بينهما والعياذ بالله تعالى. ولهذا أَمَرَ سيدنا في وصيته الشهيرة لفقراء فاس(1) أن تصحبَ المناصحةَ بالرفقِ واللين من غير ضغينةٍ ولا حقد.
قال في "الجيش الكفيل" على قول سيدنا في هذه الوصية من غير ضغينة ولا حقد: "هو تأكيدُ الأمرِ بالرفق والملاطفة، إذ عنهما ينشأ الحبُّ وعن العنف البغضة والحقد". قال: "ويحتمل أن يريد بذلك أن لا تكون السياسة مصحوبةً بضغينة وحقد من الناصح، لأن المؤمن ليس بحقودٍ كما في الحديث. ومعنى الحقد كما في "الإحياء" أن يلزمَ قلبه استشغاله والبغضة له والنفار عنه، وأن يدوم ذلك ويبقى، فيثير الحسد والشماتة والهجران والإستصغار والوقوع فيما لا يحلُّ الكلام ومعنى الحق وغير ذلك، وكل ذلك حرام. وأقلُّ درجاته أن يحترز من هذا كله، ولكن يستشغله بالباطل، ولا ينتهي باطنه عن بغضه حتى يمنع من البشاشة له، والرفق والعناية به، والقيام بحاجته، ومجالسته، والمعاونة على المنفعة له، ويترك الدعاء له والثناء عليه. وهذا كلُّه ينقص من درجات الدين وإن كان لا يعرض للعقاب" اهـ من "الجيش"، وراجعه إن شئت.

 
(1) فاس: مدينة كبيرة مشهورة على بر المغرب من بلاد البربر، وهي حاضرة البحر وأجلّ مدنه قبل أن تختط مراكش. انظر "معجم البلدان": 4/230.
 
×

و اختلف إذا ظهر من أحدٍ من المتواخين ما يوجب المقاطعةَ هل يهجرُ أم لا ؟


وكان أبو ذر(1) يقول: "إذا انقلبَ الأخُ عما كان عليه أبغضته من حيث أحببته". وذهب غيره إلى أن الأخ لا يبغضُ بعد الصحبة، ولكن يبغض فعلَه، كما قال تعالى ]فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ(216)[[الشُّعَرَاء: الآية216]ولم يقلْ جلَّ وعلا إني بريءٌ منكم. وكان زين العابدين(2) يقول: "لا تبغضْ ذات أخيك وابغضْ فعله، فإن تابَ منه فهو أخوك".
وذكر أن شاباً كان يلازِمُ مجلس أبي الدرداء(3) ، وكان أبو الدرداء يميزه على غيره فابتُلي الشاب بكبيرة من الكبائر، وانتهى إلى أبي الدرداء ما كان منه...
و الذي عليه المحققون، ويمكن أن يكون كالجمع بين القولين السابقين التفصيل فيما يظهر من موجب البغض، فإن كان الموجبُ فسادَ عقيدة وسوء ظن وفسخ عهد عمداً بانقلاب عن الحالة الأولى جهاراً بإبداء العداوة والتجاهر بالمخالفة والعياذ بالله تعالى، فإن صاحبَ هذا الحال يجب هجرُه وإبعاده موافقةً للحق فيه لا احتقاراً له. وعليه يحمل قولُ أبي ذر :"أبغضتُه من حيث أحببته"، فلا خير في موالاته إلا إذا تاب ورجع نادماً مستغفراً مستقيلاً معترفاً منكسراً. وإن كان الموجب ارتكاب ذنب لا يرضاه ربه، والتلبُّس بشيءٍ ما يشينُه عند الناس ملابسته وقربه، أو عثرة حدثت أو هفوة وقعت، وكان بحيث تُرْجى توبته وتتوقع فيئته(4)، فهذا لا ينبغي أن يعامل بالبغض لذاته ولكن ببغض فعله وما تلبَّس به من عوارض هفواته، ويلحظ مع ذلك بعين الوداد وينتظر له الفرج والعود إلى مواطن الصلح من مواطن الجفاء والبعاد. وهذا هو الذي يجب على أخيه أن يعامله بجميع ما تقدَّم ذكره، وأن يتحفَّظ غاية التحفُّظِ من أن يتغير عليه باطنه وسرُّه، وأحرى أن لا يشتمه مشافهةً أو يعيِّره بفعله مواجهة. وقد قال لمن شتَم الرجلَ الذي أتى بفاحشة «مَهْ لا تَكُونُوا أَعْواناً للشَّيْطانِ على أَخِيكُمْ»(5).
وقال إبراهيم النخعي(6): "لا تقطعْ أخاك ولا تهجره عند الذنب لذنبه، فإنه يرتكبه اليومَ ويترُكُه غداً"، وخصوصاً إذا كان هذا الأخُ الذي صدرتْ منه هذا العثرة، أو دهمته هذه الفترة، ممن تقدَّم له ممارسةٌ بالطريق وإشرافٌ على مدارج الأذواق والتحقيق، فإنه تجبُ معاملته بالإغضاء ومزيدِ البر والإرضاء.
وفي الخبر «اتَّقوا زَلَّةَ العالمِ ولا تَقْطَعُوه وانتظِرُوا فَيْئَته» ومن الأدب هنا أن يكثرَ الأخُ من الاستغفار لأخيه المبتلى بما ذكر بظهر الغيب، وأن يهتمَّ له غايةَ الاهتمام، ويتوجَّه إلى الله تعالى بقدْرِ الإمكان في كشف ما نزل به، وأن لا يقصِّرَ في نصحه، لكن على الحدِّ الذي تقدَّم وجهه.
ومما ذكروه من الحكايات في هذا الأدب : أن أخوين ابتُلي أحدُهما بهوى، فأظهر عليه أخاه فقال: "إني ابتُليت بهوى، فإن شئت أن لا تقعدَ على أخوَّتي ومحبَّتي فافعل"، فقال الله تعالى ما قاله أخوه: "ما كنتُ لأحلَّ عَقْدَ إخائك لأجلِ خطيئَتك".وعقَدَ بينه وبين الله عقداً أن لا يأكلَ ولا يشرب حتى يعافى أخوه من هواه. فطوى(7) أربعين يوماً في كلِّها يسأله عن هواه فيقول:"لا زالَ". فبعد الأربعين أخْبَرَه أن الهوى قد زالَ، فحمِدَ الله تعالى وأكل وشرب اهـ.
وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب أنه كان آخى رجلاً في ذمة الله تعالى، فخرج ذلك الرجلُ إلى الشامِ فسألَ عنه سيدنا عمر بعضَ من قدِمَ من الشام، فقال: "ما فعل أخي؟"، فقال: "ذلك أخو الشيطان"، قال: "مه"، قال: "إنه قارفَ الكبائرَ حتى وَقَع في الخمر"، فقال لذلك الرجل: "إذا أردتَ الخروج يعني إلى الشام فآذنِّي"، فكتب إليه سيدنا عمر «حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ»[غافر: 1-3]ثم عاتبه تحت ذلك وعَذَله، فلما قرأ الكتابَ بَكَى وقال: "صَدَقَ الله ونَصَحَ عمرُ"، فتاب ورجع.
ومن الأدب في هذا الباب أيضاًإذا وَقَع ونزل وحصلت فرقةٌ ومباينة أن يذكره إلا بخير لما روي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنه كانتْ له زوجةٌ لا ترضيه أخلاقُها فكانَ إذا استُخْبِر عن حالها يقولُ: "لا ينبغي للرجلِ أن يقولَ في أهلِه إلا خيراً"، ثم فارَقَها وطلَّقها، فاستخبرَ عن حالها فقال: "امرأةٌ بعدت مني، وليست مني بشيء، كيف أذكرها؟". قال السهروردي رحمه الله تعالى بعد حكايته لهذا: "وهذا مِن التخلُّق بأخلاقِ الله تعالى الذي أظهر الجميلَ وستر القبيح" اهـ.


(1) أبو ذر: هو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد من بني غفار، من كنانة بن خزيمة، صحابي من كبارهم، قديم الإسلام بعد أربعة، ويضرب المثل به في الصدق وهو أول من حيّا رسول الله بتحية الإسلام. نفاه عثمان بن عفان إلى الربذة فسكنها إلى أن مات فيها سنة 32هـ، وكان كريماً لا يخزن شيئاً من المال. انظر ابن سعد: 4/161، و "الإصابة": 7/60، و "صفة الصفوة": 1/238، و "حلية الأولياء": 1/156، و "أسد الغابة".
      (2) زين العابدين: هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي، أبو الحسن، رابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، وأحد من كان يضرب بهم المثل في الحلم والورع، يقال له علي الصغير تمييزاً بينه وبين أخيه علي الأكبر. مولده و وفاته بالمدينة (38-94هـ). انظر "وفيات الأعيان": 1/320، و ابن سعد: 5/156، و "صفة الصفوة": 2/52، و "حلية الأولياء": 3/133.
(3)أبو الدرداء: هو عويمر بن مالك بن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، صحابي، من الحكماء الفرسان القضاة. كان قبل البعثة تاجراً في المدينة، ثم انقطع للعبادة، ولما ظهر الإسلام اشتهر بالشجاعة والنسك. ولاه معاوية قضاء دمشق وهو أول قاض بها. كان من الحكماء، وهو أحد الذين جمعوا القرآن حفظاً على عهد النبي بلا خلاف. روي عنه 179 حديثاً، ومات بالشام سنة 32هـ. انظر "الإصابة": ت (6119)، و "حلية الأولياء": 1/208، و "غاية النهاية": 1/606، و "أسد الغابة".
(4)فيئته: رجوعه وثوبته عمّا كان عليه.
(5)رواه البخاري في (الحدود: 5)، وأحمد: 438.
(6)هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي، من مذحج، من أكابر التابعين صلاحاً وصدق رواية وحفظاً للحديث، من أهل الكوفة. مات مختفياً من الحجاج سنة 96هـ. قال الصلاح الصفدي: فقيه العراق، كان إماماً مجتهداً له مذهب. انظر ابن سعد: 6/188، و "حلية الأولياء": 4/219، و "تاريخ الإسلام": 3/335، و "طبقات القراء": 1/29.
(7)طوى: ظلَّ جائعاً.
 
×

و منها، أي الأمور التي ينشأ عنها التودُّد والتآلف، وهي كما أسلفناه معظمُ الآداب الموافقة و ترك المخالفة مع الإخوان والأصحاب


ويكون ذلك بترْكِ المِراءِ(1) والجدال. ولا ينتزع المراء إلا من نفوس زكية، قد انتزع منها الغلُّ وغيره من الأخلاق الردية، واتصفت بالأخلاق الحسنة المرضية، إذ وجودُ الغلِّ في النفوس، كما قيل، مراء. وإذا انتزع المراء من الباطن ذهبَ من الظاهر. وأكثرُ ما ينشأ عنه الغلُّ في الباطن المزاحمةُ على الحظوظِ العاجلة بكثرة المناصرة فيها والمنافسة، خصوصاً ممن كان بينهما مشاكلةٌ ومماثلة ومجانسة. ومن استقصى في تذويب حظوظ النفس بنيران الذكر، على سبيل التزكية بالسلوك على أيدي الكمَّل من أهل التربية، تنحَّى الغلُّ من باطنه بحيث لا تبقى فيه بقيةٌ، وتصير نفسُه أخروية بعد أن كانت دنيوية، فلا ينافس بعد ذلك في شيء من الحظوظ العاجلة من جاهٍ أو مال لكمال تعلُّق قلبه بحضرة مولاه ذي الجلال. كيف يبقى، كما قيل، الغلّ في قلوب ائتلفت بالله واتفقت على محبته واجتمعت على مودته وآنست بذكره واستغرقت في شكره؟. فإن تلك قلوبٌ تَصَفَّتْ من هواجس النفوس وظلمات الطبائع، بل كُحِّلت بنور التوفيق من فضل الملك الصانع. ولا محالةَ أن هذه القلوب هي قلوبُ أهل الله المجتمعين على الكلمة الواحدة مع التعلُّق بشروط الطريق، والإنكباب على طلب الحق، بكمال الصدق والتصديق.
قال أئمةُ الطريق :"والناسُ في هذا رجلان: رجلٌ طالب ما عندَ الله، ويدعو إلى ما عند الله نفسَه وغيرَه. فما للمحقِّ مع هذا منافسة ولا مراء ولا غلّ، لأنه معه في طريق واحدة ووجهة واحدة فهو أخوه ومعينه، «والمؤمِنُ للمُؤمِن كالبُنْيانِ المرْصُوصِ يشدُّ بعضُه بعضاً»(2). ورجل مفتَتَنٌ والعياذ بالله تعالى بشيء من محبة الجاه والمال والرياسة ونظر الخلق. فما للمحقِّ مع هذا أيضاً منافسة، لأنه زهِدَ فيما رغب فيه، فهو في وادٍ وذاك في وادٍ" اهـ.
ومن الأدب أن ينظرَ إلى مثل هذا نظرَ شفقةٍ ورحمةٍ فلا ينطوي له على غلٍّ، ولا يشتغل معه بمراء ولا مجادلة لعلمه بظهور نفسه الأمَّارة في ذلك بما تقتضيه المجانسة الظاهرة والمشاكلة، وترْكُ المراء خيرٌ كلُّه على كلِّ حال. وفي الحديث «مَنْ تَرَكَ المرَاءَ وهو مُبْطِلٌ بُني له بيتٌ في رَبَضِ الجنَّةِ، ومنْ تَرَكَ المراءَ وهُو محقٌّ بُنِي له بيتٌ في وَسَطِها، ومن حَسَّنَ خُلُقَه بُنِي له في أعلاها»(3). وهذا الأدبُ داخلٌ في عموم الأمر من الشيخ بالتجنُّب لكلِّ ما يوجبُ ضغينةً في قلوب الإخوان، فليحافظْ عليه بقدر الإمكان، والله المستعان.
 


(1) المِراء: الجدال والمناظرة والمخالفة.
(2) رواه البخاري في (المظالم: 5)، و في (الصلاة: 88)، و في (الأدب: 36)، و الترمذي في (البر: 18)، و النسائي في (الزكاة: 67)، و أحمد: 4/404
(3)رواه أبو داود في (الأدب: 7)، و الترمذي في (البر: 58).
 
×

و من الأمور التي يكون بها التودُّد والتألف أيضاَ: إيثارُ الأخ أخاه في أمر دنياه، قيل: وكذا فيما يتعلَّق بأمرِ أخراه


والأصلُ الذي استند إليه أهلُ الطريق في هذا الباب قول الله تعالى في حقِّ الأنصار «وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ »(الحَشر: الآية 9).
وقد سُئِل الشيخ أبو الحسن البوشنجي عن الفتوة؟ فقال: "الفتوة عندي ما وصف الله تعالى به الأنصار في قوله «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالإيمَنَ»(الحَشر: الآية 9)إلى قوله «وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ »(الحَشر: الآية9)".
قال ابن عطاء: "«ويؤثرون على أنفسهم» جُوداً وكرماً «وإن كانَ بهم خصاصة» جوعٌ وفقر".
فأما الإيثارُ في أمر الدنيا فقد وردت في الترغيب فيه أخبارٌ كثيرة، ويكفي ما روي من ذلك في سبب نزولِ هذه الآية الكريمة «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ»(الحَشر: الآية9)الآية (1). فعن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك أن النبيَّ قال للأنصار، وقد حضرتْ غنيمةٌ: «إن شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ للمُهاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ودِيَارِكُمْ وتُشَارِكُونَهُمْ في الغَنِيمَةِ، وإنْ شِئتُمْ كانَتْ لكُمْ أمْوَالُكُم ودِيارُكم ولم يُقْسَمْ لكُم من الغَنِيمَةِ»، فقال الأنصارُ : "بل نَقْسِمُ لهم مِن ديارِنا وأموالِنا ونُؤثِرُهم بالغنيمةِ ولا نشاركُهم فيها"، فنزلت الآية.
وعن أبي هريرة في ذلك حديث الرجل الذي استطْعم النبيَّ فَبَعَثَ لأزواجه فلم يُلْفَ عندَهُنَّ شيءٌ، فقال عليه الصلاة والسلام «مَنْ يضِيفُ هذا هذه اللَّيْلَة؟» فقامَ رجلٌ من الأنصارِ وذَهَبَ به إلى أهله، وقال لزوجتِه:"هذا ضيفُ رسول الله فأكرميه ولا تدَّخري عنه شيئاً"، فقالت: "ما عندنا إلا قوت الصبية"، فأمَرَها أن تعلِّلَهُم حتى يناموا فقدَّمت طعامَهُم للضيفِ، ثم قامتْ إلى السراجِ كأَنَّها تريدُ إصلاحَه فأطفأَتْه، فَجَعَلَ الضيفُ يأكلُ وهي وزوجُها يمضغانِ ألسنَتهما، والضيف يظنُّ أنهما يأكلان فأكَل حتى شبع، وباتا طاويين(2)، فلما أصبحوا غدوا إلى رسول الله ، فلما نظرَ إليهما تبسَّم وقال «لقَدْ عَجِبَ الله مِن فلان وفلانة هذه الليلة»(3) ونزلت الآية.
وعن أنس في ذلك أيضاً أنه أهدي إلى بعض الصحابة رأس غنم مشوي، وكان مجهوداً، فوجَّه به إلى جارٍ له فتداوله سبعةُ أنفسٍ ثم عاد إلى الأول، فنزلت الآية، إلى غير ذلك مما روي من الأحاديث في هذا الباب.
وأما ما اتفق لكُمَّلِ الأولياء من هذا المعنى فشيءٌ كثيرٌ، وأعجب ما رأيناه في ذلك ما ذكره عن الثوري مع جماعة من المشايخ منهم الجنيد، لما سعي بهم، فتستَّر الجنيد بالفقه، وقُبِضَ على الباقين، وأمِرَ بضَرْبِ أعناقِهم فتقدَّم الثوري، فقيل له:"إلى ماذا تبادر؟"، فقال: "أوثِرُ أصحابي بفضل حياةِ ساعةٍ" اهـ.
وأما الإيثارُ بأمور الآخرة:فمن ذلك ما ذُكر عن بعضهم أنه لقي أخاً له، فلم يظهر البشرَ الكثير في وجْهه، فأنكَر أخوه ذلك منه فقال: "يا أخي سمعتُ أن رسولَ الله قال: «إذا الْتَقَى المسْلِمَان تَنْزِلُ عَلَيْهما مائةُ رحْمَةٍ تسعون لاكْثَرِهِما بِشْراً وعشر لأقلِّهما بشراً» فأردْتُ أن تكونَ أكثرَ مني بشْراً ليكونَ لك الأكثر" اهـ.
وانظر ما ذكروه من أن المريد لا ينبغي له أن يؤثر بفضلِه الشيخ ونحوَه مما يخصُّه به، كما قال الشيخ زروق : "ومتى أعطاكم مأكولاً أو غيرَه لا تؤثروا به الغيرَ ولا تشاركوا قريباً ولا بعيداً فيه فقد يكون جمع لكم فيه سراً فيفوتُ من المدَدِ بحسبِ الشركة فيه" اهـ، هل هو مستثنى مما تقدم أو لا؟. والظاهر، والله تعالى أعلم، أن المريدين المتواخينَ في الله تعالى، الصادقين في طريق الإرادة، موكولون في ذلك إلى ما تنتجه لهم أحوالُ محبَّتهم وصدقهم. فلا يعترضُ على من امتنعَ من الإيثار، كما لا يعترض على من جنح إليه، إذ كلٌّ منهما على صوابٍ بحكم ما أنتجه له صدقه ومحبته. فافهم، والله تعالى أعلم.
 


(1) انظر "أسباب النزول" للواحدي: 317- 318.
(2) باتا طاويين: أي جائعين.
(3) رواه مسلم في (الأشربة: 172). وقال في "أسباب النزول": رواه البخاري عن مسدد، عن عبد الله بن داود ، و رواه مسلم عن أبي كريب عن وكيع، وكلاهما عن فضيل بن غزوان.
 
×

ومن ذلك أيضاً وهو من آكدها مواساةُ الأخ أخاه من ماله، وكذا من جاهِه بالمقدور، ومواصلته بطريق المجاملة والمكارمة في الورود والصدور.



 


×

و منها أيضاَ: أي من الأخلاق المنتجة للتودُّد والتآلف مداراة الإخوان واحتمال الأذى منهم


وقد بلغَ من مداراة رسول الله أنه كان لا يذمُّ طعاماً ولا ينهرُ خادماً(1).
وعن سيدنا أنس «خَدَمْتُ رسولَ الله فما قال لي أُفٍّ قط»(2) الحديث. وقد قالوا: "لا شيء يستدلُّ به على قوةٍ عقل المرْءِ ووفور علمه وحلمه كحُسْنِ المداراة". وقالوا: "لكلِّ شيءٍ جوهرٌ وجوهر الإنسان العقل، وجوهرُ العقلِ الصبر"، ولهذا قيل: "باحتمال الأذى يظهر جوهرُ النفس".
وبيان ذلك أن النفسَ لا تزال تشمئِزُّ ممن يعكس مرادَها، ويستفزها الغيظُ والغضب، وبالمداراة والاحتمال قطع حميتها وردّ طيشها وكَظْم غيظها.
ويكفي في الحثِّ على هذا الأدب والترغيب فيه قول الله عزَّ وجل «وَسَارِعُواْإِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» [آل عمرَان: الآية 133]الآية.
وفي الحديث «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وهُو يَسْتَطيعُ أن يُنْفِذَهُ دَعاهُ الله يَومَ القيامَةِ على رُؤوسِ الخَلائِقِ حتَّى يخيِّرَهُ في أي الحُورِ شَاءَ»(3).
وتشتبه المداراة بالمداهنة، والفرقُ بينهما أن المداراةَ ما أردت به صلاحَ أخيك فداريتَه رجاءَ إصلاحِه، واحتملت منه ما تكره، والمداهنة ما قصدتَ به شيئاً من الهوى كطَلَبِ حظِّ وإقامة جاهٍ. فالأولى من أخلاق الأخيار، والثانية من سمات الأشرار. وقيل في الفرق بين حقيقتيها إن المداراةَ بذْلُ شيء من الدنيا لإصلاح الدين، والمداهنة بذلُ الدِّين لإصلاح الدنيا.
وهذا الأدب أيضاً قد أكَّدَ عليه الشيخ في رسائله، فهو داخلٌ في عمومِ الأمرِ بتجنُّب كل ما يوجب ضغينةً في قلوبِ الإخوان، والأمر بالإكثار من العفو عن الزلل وغير ذلك مما يطول تتبعه وجلبه.فليجتهد المريدُ في العمل عليه، وليجاهدْ نفسَه ما استطاع بتَرْكِ ما يبعد عنه وارتكاب ما يُوصِل إليه، والله ولي التوفيق.
 


(1)في الحديث «ما عاب النبي طعاماً قط». رواه البخاري في (المناقب: 23)، و في (الأطعمة: 21)، و أبو داود في (الأطعمة: 13)، و الترمذي في (البر: 84)، و ابن ماجه في (الأطعمة: 4). وفي الحديث «ما ضرب رسول الله خادماً قط». رواه أبو داود في (الأدب: 4)، و ابن ماجه في (النكاح: 51)، و الدارمي في (النكاح: 34).
(2)رواه مسلم في (الفضائل: 51)، و أبو داود في (الأدب: 1) و الدارمي في (المقدمة: 10).
(3)رواه أبو داود في (الأدب: 3)، و الترمذي في (البر: 74)، و ابن ماجه في (الزهد: 18).
 
×

و منها أي من الأخلاق التي تنتج التودُّدَ والتآلفَ، أن لا يُحوِجَ الأخُ أخاه إلى المداراة ولا يُلجِئهُ إلى الإعتذار


ولا يكلِّفه ما يشقُّ عليه لقولِ مولانا علي : "شرُّ الأصدقاء من أحْوَجَك إلى مداراةٍ وألجاك إلى الإعتذارِ، وتكلَّفت له" اهـ.
والجمعُ بين هذا الخلق والذي قبلَه من أكملِ أوصافِ أهل الطريق، وذلك بأن يعامل أخاه بحسن المداراة ولا يحوِجُه هو إلى أن يعامله بمثل ذلك، وهذا من أعظم أخلاق الفتوَّة، لأن فيه بذلَ الإنصاف للأخ، وتركَ المطالبة بالإنصاف منه، وهو من أعظم أخلاقهم وأكمل آدابهم.
قال الشيخ أبو عثمان الحيري: "حقُّ الصحبةِ أن توسِّع على أخيك بمالك، ولا تطمَع أنت في ماله، وتنصفه من نفسك ولا تطلبَ منه الإنصاف، وتكون تبعاً له ولا تطمع أن يكون تبعاً لك، وتستكثر ما يصلُ إليك منه وتستقلَّ ما يصل إليه منك" اهـ.
وبالجملة فالمعاملة على الأعواض ليست من أخلاق الأخيار، وإنما هي من أخلاق الفجار. ولا يخفى دخولُ هذا الأدب، فيما تقدَّم عن الشيخ وفي غيره مما اشتملت عليه رسائلُه ووصاياه. فليحكُم بقدْرِ الإستطاعة وليعمل عليه، والله ولي التوفيق والهداية.
×

و من الأخلاق المنتجة للتودُّدِ والتآلف أيضاً تركُ تكلف الأخ لأخيه في جميع معاملته معه


وذلك لأن التكلف تصنُّع من أجل الناس، وما كان كذلك لا يلبث أن يضمحلَّ وينقلب على الضدِّ أمرُه. ويقال: "التكلُّف تخلُّفٌ"، أي تأخر عن شأوِ الصديقين، وذلك لأنه مبايِنٌ لأحوال أهل الصدق مع ما بعضه من منازعة الأقدار، وعدم الرضا بقسمة الجبار. والتكلّف يكون بالملبوس كأن يلبس من أجل الناس من غير نية صالحة في ذلك، وبالكلام، وذلك بأن يخرج في الملاطفة إلى حدِّ التملُّق، وقد يتملّق الإنسان إلى حدٍّ يخرجه إلى حد النفاق والعياذ بالله تعالى. وفي الحديث «الحَيَاءُ والعيُّشُعْبَتَانِ منَ الإيمانِ، والبَذَاءُ والبيانُ شعبتانِ من النفاق»(1). قال العلماء: "والمراد بالبيانِ هنا كثرةُ الكلام والتكلّف للناس بزيادة تملُّقٍ لهم وثناء عليهم وزيادة التفصُّح وذلك ليس من شأن أهل الصدق. ويكون التكلف أيضاً بالطعام الذي يقدَّم للضيف ونحوه، والفتوةُ تركُ التكلف وإحضار ما حضر، وبذلك يستوي مقام الضيف وذهابه، وبالتكلّف تؤثر مفارقته. وفي الحديث «مِنْ مكارِمِ الأخْلاقِ التَّزَاوُرُ في الله، وحقٌّ على المزورِ أن يقرِّب إلى أَخِيه ما تيسَّرَ عندَهُ وإنْ لم يَجِدْ إلا جُرْعَةَ ماءٍ وإنْ احْتَسَم أَنْ يقرِّبَ إلى أخيه ما تيسَّرَ له لم يَزَلْ في مَقْتِ الله يَوْمَه وليْلَته» اهـ.
أنه لما ورد أبو حفص النيسابوري العراقَ تكلَّف له الجنيد أنواعاً من الأطعمة، فأنكرَ ذلك أبو حفص وقال: "صيَّرَ أصحابنا مثلَ المخانيث يقدِّمُ لهم الألوان" اهـ.
قال أبو حفص ما قاله لكراهيتهِ التكلُّف الذي هو ليس من شأن الإخوان الصادقين مع إخوانهم، وإنما هو من شأن المترفِّهين، وإلا فمن قدَّم لإخوانه الألوانَ بنيةٍ صالحة لا يكون مذموماً بل ذلك معدودٌ عندهم مما يستجلب به رضا الله تعالى، كما حكي عن بعض رجال الطبقات الشعراوية أنه كان يبالغ في إكرام الفقراء، حتى أنه كان يصنع لهم شبابيك من الحلواء ويقدِّمها لهم ليكسروها ويأكلوها. وعلى هذا يجري قولُ بعضهم: "إذا قصدتَ بالزيارة فقدَّم ما حضرَ وإذا استزرت فلا تبقي ولا تَذَرْ" اهـ. وكذلك اللباسُ المنتخَب إذا كان بقصد صحيح ونية صالحة كالتجمُّل للوفود وللأعياد والجمعة ونحو ذلك مما هو سنةُ النبي لا يكون من تكلّف اللباس المذموم. وكذلك ما يستعملُه الصادقون من الفقراء في مدح أساتيذهم من القصائد الشعرية ونحوها مما يحملُ عليه صدق المحبة وصفاء المودة لا يعد من تكلُّف الكلام المذموم.
وبالجملة فالمدارُ على النية، فما عَمِله الإنسان بنية صالحة قاصداً به ما عند الله لا يعدُّ تكلفاً، وما عمله بنية فاسدة متبعاً فيه أغراضه وهواه عُدّ تكلّفاً،وصار وَبَالُه عليه، والعياذ بالله. وقد ورد في الخبر «من تطيَّب لله جاء يومَ القيامة وريحه أطيبُ من المسك الأذفر(2)، ومن تطيب لغير الله جاءَ يومَ القيامة وريحه أنتنُ من الجيفة» اهـ. وانظر "عوارف المعارف"للسهروردي رحمه الله تعالى، و "العهود الكبرى" و "الطبقات" للشعراني .
وهذا الأدب أشار إليه سيدنا الشيخ بقوله في بعض رسائله ما نصه: «استدراك ما ذكرناه من مراعاة حقوق الإخوان، فليكنْ ذلك في غير حَرَج ولا ثقل ولا كلفة بما تيسَّر وأمكن»، ثم قال سيدنا الشيخ : «إلا أن يكون في بعض العوارض يخاف من أخيه العداوةَ والقطيعة أو فساد القلب، فليسرع لإصلاح قلبه، فإن ذلك يوجب الرضا من الله تعالى" اهـ.
فأفاد كلامه أنه لا بأس بإتيان الأخ ما فيه كلفة في بعض الأحيان إذا كان في ذلك تطييبٌ لخاطر أخيه بحسب ما يعرض في ذلك الوقت وأن ذلك لا يُعَدُّ من التكليف المذموم عند أهل الطريق، بل هو عندهم من الأمور التي يستجلب بها رضا الله تعالى، وذلك لأنه من جملة المداراة المحمودة التي هي بذلُ شيء من الدنيا لإصلاح الدين، فافهم والله تعالى أعلم.
 
 


(1) رواه الترمذي في (البر: 80)، و أحمد: 5/269.
(2) المسك الأذفر: الشديد الرائحة، و هي طيبة. و يقال: مِسْك أذفَر، وذَفِرٌ: جيد إلى الغاية.
×

ومن الأخلاق التي يدوم بها التودُّد والتآلف أيضاً محافظة الأخ على مساعدة أخيه وترك مخالفته في كل شيء، دقَّ أو جلَّ ،إلا فيما يخالف الشريعة المطهرة،


 
 


×

و من تلك الأخلاق أيضاً محافظة الأخ على ستر عورة أخيه بما أمكن


ويروى أن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: "كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائماً فكشفت الريح عنه ثوبه؟" قالوا: "نستُره ونغطِّيه"، فقال: "بل تكشفون عورتَه"، قالوا: "سبحان الله، من يفعل هذا؟" قال: "أحدُكم يسمعُ في أخيه الكلمَة فيزيدُ عليها ويشيعها بأعظم منها".
 
×

و من تلك الأخلاق التي يدوم بها التودّد والتآلف أيضاً تقديم من يعرف الإخوان فضلَه من إخوانهم والتوسعة له في المجلس وإيثاره بالموضع


ومسندهم في هذا ما روي «أنه كان جالساً في صُفِّةٍ ضَيِّقة فجاءه قومٌ من البدريين فلم يجدوا موضعاً يجلسون فيه، فأقام من لم يكنْ من أهل بدر فجلسوا مكانهم، فاشتد ذلك عليهم فنزلت الآية «إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجلِس»(المجَادلة: الآية 11)الآية(1)». ومعلوم قيام الصديق الأكبر لمولانا علي كرم الله وجهَه وإيثَاره بالمجلس بجنب رسول الله وقوله عليه الصلاة والسلام «إنما يَعْرِفُ الفَضْلَ لأَهْلِ الفَضْلِ ذَوُوه».(2)
وحكي أن بعض من لقي الجنيد وَرَدَ على أبي عبد الله بن خفيف زائراً فتماشيا فقال له أبو عبد الله: "تقدم"، فقال: "بأي عذر؟" فقال له: "لأنك لقيت الجنيد وما لقيتُه".
 
 


(1)انظر "أسباب النزول" للواحدي: 312.
(2) قال
مقاتل: "كان النبي في الصفّة و في المكان ضيق، وذلك يوم الجمعة، وكان رسول الله يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، وشق ذلك على رسول الله فقال لمن حوله من غير أهل بدر: «قم يا فلان، وأنت يا فلان»، فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون للمسلمين: "ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل بين الناس؟ فوالله ما عدل على هؤلاء قوم أخذوا مجالسهم وأحبهم القرب من نبيهم أقامهم وأجلس من أبطأ عنهم مقامهم"، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
×

تنبيهه


قد ثَبَت عن سيدنا الشي أنه أمَرَ أن لا يقصَدَ أحدٌ من الأصحاب بجلوسِه في نحو الوظيفة أعلى المجلس ولا أدناه، بل يجلس حيث وَجَدَ، أي حيث انتهى به المجلس كما هي السنة في ذلك(1). وقد دخل على بعض الفقراء اشتباه في الأمر من أجل أخذهم به من غير تثبُّت في مراد الشيخ  بهذا الكلام، فرأوا أن عدم التفسُّح في المجلس مأمورٌ به فأدَّاهم ذلك إلى الإخلال بهذا الخلق والإعراض عن العمل به بالمرة، فصاروا لا يؤسِّعون لذي السنِّ والفضل منهم في مجالسهم، ولا يؤثرونهم بصَدْر المجلس إكراماً لهم لسنّهم وسابقيتهم في الفضل، معتقدين أن فعلهم ذلك هو الذي أمر به الشيخ ، ولم يتأمَّلوا كلامَه حتى يعرفوا أنه إنما نهى عن القصد إلى الجلوس فوق أو تحت، أي أعلى المجلس الذي هو صدره، ولا أدونه الذي هو مؤخره، وذلك لأن في القصد إلى الجلوس في أحد المحلِّين اتباع هوى النفس: أما في القصد إلى الأعلى فظاهرٌ فيه حبُّ العلو، وأما القصد إلى الأدون فلأن فيه دسيسةً من دسائس النفس، حيث تدعو إلى ما صورته صورة التواضع، وهي تريد أن تفوق غيرَها بذلك ويشار إليها به، وهو على هذه الحال عين حبِّ العلو أيضاً، فهو كالذي قبله. فأمر الشيخ بمخالفتها ومجاهدتها في ذلك بنهيه عن القصْدِ لأحد الأمرين تنفيراً عن الوقوع في مكايد النفس الجليه منها والخفية. ولا محالةَ أن هذا هو الشأن في مثل هذا المقام عند جميع أهل التربية. ويؤيد هذا الذي ذكرناه أن الشيخ تلا بعد ذكره قوله تعالى «تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا للِّذينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ»(القَصَص: الآية 83)الآية.قيل له: "أهذا علوٌّ؟ قال: "نعم، وإرادة العلو في القصدين معاً ظاهرة". وإذا علم مراد الشيخ فيما أمر به علم أنه لم ينْهَ عن التفسُّح في المجلس ونحوه مما اقتضته السنة من الإيثار لأهل الفضل واستعمال الأدب معهم الذي هو من أخلاق الأبرار وسِيما الأخيار. فليتنبَّه لهذا بقدر الإمكان ولينبه عليه من أغفله من الإخوان، والله المستعان وعليه التكلان.
هذا، ولا يخفى على الناظر الأريب، بعد ما قدمناه، دخول هذه الآداب وغيرها فيما اشتمل عليه كلام الشيخ في رسائله ووصاياه، واندراجها فيما أشارت إليه سيرته السنية من فضائله ومزاياه. وإنما أومأنا بطرفٍ خفي إلى فتح هذا الباب تنبيهاً لما عسى أن يظنَّ أن طريق سيدنا خالية عن مثل هذه الآداب، وتعريفاً له بأنها اشتملت من أصول علوم الطريق وفروعها على ما هو لبُّ اللباب، والله تعالى أعلم.
 
 


(1)انظر باب «من قعد حيث ينتهي به المجلس» عند البخاري في (العلم: 8).
 
×

تكميل


قد تقدَّم أن اختيار الصحبة والأخوة عملٌ، وأن كل عمل يحتاج إلى حسن الإبتداء وهو النية على الوجه الذي تقدَّم بيانه. وقد قالوا إن العمل، كما يحتاج إلى حسن الإبتداء، كذلك يحتاج إلى حسن الإختتام. فحصولُ النتيجة في الصحبة والأخوة مشروط بحسن الإختتام، وقد قال في خبر السبعة الذين يظلّهم الله تعالى بظله على ما في بعض الروايات: «...ورجلان تحابَّا في الله فعاشا على ذلك وماتا عليه»(1).
 
قال في "عوارف المعارف":"فيه إشارة إلى أن الأخوة والصحبة من شرطهما حسن الخاتمة حتى يكتب لهما ثواب المواخاة". قال: "ومتى فسدت المواخاةُ بتضييع الحقوق فيها، يعني في آخر الأمر، فسد العمل من الأول. ومن هنا كان الشيطانُ لَعَنه الله أشدَّ حرصاً على إفساد ما بين المتواخيَيْنِ في الله تعالى، وقد قالوا: "ما حَسَدَ الشيطان متعاونين على برِّ حَسَدَه على متواخيين في الله متحابَّين فيه، فإنه يجهدُ نفسَه ويحثُّ قَبِيلَه(2) على إفساد ما بينهما"" اهـ، أي يوقع بينهما المخالفة في أمر ما، فيستوحش بعضُهما من البعض.
قال إمام الطريقة الجنيد :"ما تواخى اثنان في الله تعالى واستوحش أحدهما من صاحبه إلا لعلَّة في أحدهما، فالمواخاة في الله أصفى من الزلال، وما كان لله فالله مطالب بالصفاء فيه وكلُّ ما صفا دام، والأصلُ في دوام صفائه عدم المخالفة".


(1)رواه البخاري في (الأذان: 36)، و مسلم في (الزكاة: 91)، و الترمذي في (الزهد: 53)، والنسائي في (القضاة: 2).
(2)قبيله: أعوانه وطائفته.
البخاريي في (العلم: 8).
 
×

دقيقة


قالوا: "إن أقلَّ ما يزيّنه الشيطان للأخ في معاملة أخيه التساهلُ في القيام بحقه اتكالاً على ما بينهما من المودة، وهذا من مَكْره الخفي، والعياذ بالله. ولذلك نبّه عليه مشايخ الطرق ".
قال عبد الله بن الجلاء: "لا تضيِّعْ حقَّ أخيك بما بينك وبينه من المودة والصداقة، فإن الله تعالى فرضَ لكل مؤمن حقوقاً لا يضيعها إلا من لم يراعِ حقوقَ الله تعالى" اهـ.


×

تذييل


في الحديث عن ابن مسعود(1) أن رسول الله قال: «المُتَحَابُّون في الله على عُمُودٍ من ياقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، في رأسِ العامودِ سبْعونَ ألف غرفةٍمشرفون على أهل الجنة يضيءُ حسْنُهم لأهل الجنة كما تضيءُ الشمسُ لأهل الدنيا، فيقول أهلُ الجنةِ: انْطَلِقوا بنا ننظرْ إلى المتحابِّين في الله عزَّ وجلَّ، فإذا أشرَفوا عليهم أضاءَ لهم حُسْنُهم كما تضيءُ الشمسُ لأهل الدنيا، عليهم ثيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ مكتوبٌ على جباهِهم: هؤلاء المتحابُّون في الله».
وعن سيدنا معاذ أنه قال لمن قال له إني أحبُّك في الله: "أبشِرْ ثم أبشر، فإني سمعتُ رسولَ الله يقول: «تُنْصَبُ لطائفةٍ مِنَ النَّاسِ كَرَاسِي حَوْلَ العَرْشِ يومَ القيامَةِ، وجُوهُهم كالقَمَر ليلةَ البدْرِ، يفزعُ الناسُ ولا يفْزَعُونَ، ويخافُ الناسُ ولا يخافون، وهو أولياءُ الله لا خَوْفَ علَيْهِمْ ولا هُمْ يحزَنُونَ». فقيل: "من هؤلاءِ يا رَسُولَ الله؟"، قال: «المتحَابُّونَ في الله عزَّ وجل».
وروى عبادة بن الصامت(2) عن رسول الله قال: «يَقُولُ الله عزَّ وجل: حقَّتْ محبَّتي للمتحابِّينَ فيَّ، والمتزاورٍينَ فيَّ، والمتَباذِلينَ فيَّ، والمتصادِقينَ فيَّ»(3)اهـ.


(1)هوعبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، صحابي، من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول الله ، وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول الله الأمين وصاحب سره،ورفيقه في حله وترحاله وغزواته، له 848 حديثاً. توفي سنة 32 هـ. انظر "الإصابة": ت (4955)، و "غاية النهاية": 1/458، و "البدء و التاريخ": 5/97، و "صفوة الصفوة": 1/154، و "حلية الأولياء": 1/124، و "أسد الغابة".
(2) هو
عبادة بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد، صحابي من الموصوفين بالورع، شهد العقبة، وكان أحد النقباء، وشهد بدراً وسائر المشاهد، ثم شهد فتح مصر، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين، ومات بالرملة أو ببيت المقدس سنة 34هـ. وكان من سادات الصحابة وله 181 حديثاً. انظر "حسن المحاضرة": 1/89، و "المحبر": 270، و "تهذيب التهذيب": 5/111، و "الإصابة": ت (4488)، و "خلاصة تذهيب الكمال": 159، و"أسد الغابة".
(3) رواه
مالك في (الشعر: 16). (1)  
×