المطالب السبع | المطلب الثاني

المطلب الثاني
في بعض ما يشير إلى حقيقة الأدب على جهة الإجمال
وبيان منشئه ومكانته من طريق أهل الكمال

لما كانت هذه الطريقةُ الأحمدية مشتملةً من محاسن الآداب على ما لا تكاد تحيطُ به العقود العددية، و كان غالبُ مسائلها التي ينكرها البلداء الأغبياء مبنياً على كمال الأدب و تحقيقه في نظر النبهاء الأذكياء، أحببت أن يكونَ هذا المطلبُ من جملة ما يتقدَّم في هذا التقييد أمام جميع مسائله، ليكون كالغِرَّة في وجْهِ مقاصده و وسائله.

فأقولُ و بالله التوفيق و الهداية إلى مسالك الإيضاح و التحقيق:

اعلم أن المشايخَ الكاملين و العارفين المحققين الواصلين قد اتفقوا على أن الأدب في طريق أهل الله تعالى آكدُ كلِّ أمرٍ، وجُمَّاع كلِّ خير وبِرٍّ، و نظامه أنواعُ الطاعات و الأعمال، و ملاكُه جميعِ المقامات و الأحوال. و نصُّوا على أن من لازَمَ سلوكَ سبيله في جميع ذلك وصَلَ و اتَّصل، و من حادَ عن نهجه في شيء منه انقطعَ و انفصل. و ذلك لأن الطريقَ كما قيل: « آدابٌ كلُّها، لكلِّ وقت أدبٌ، و لكل حال أدبٌ، و لكل مقام أدبٌ. فمن لَزِمَ الأدبَ يبلغْ مَبْلَغَ الرجال، و من حُرِمَ الأدب فهو بعيدٌ من حيث يظن القربَ، مردودٌ من حيث يرجو القبول » اهـ. إلى غير هذا مما سنورده إن شاء الله تعالى في هذا الباب من صريح عباراتهم و واضح إشاراتهم.
فأما ما يشيرُ إلى حقيقة الأدب عند أهل الله تعالى فالأصلُ الذي اعتمده المشايخ رضوان الله عليهم فيما عبَّروا به عن حقيقته هو ما في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم من قوله
:
« أدَّبني رَبِّي فأَحْسَنَ تَأديبي، ثم أمَرَني بمكَارِم الأخْلاقِ » الحديث.
قال في
« العوارف »: « الأدبُ تهذيب الظاهر و الباطن، فإذا تهذَّب ظاهرُ العبدِ و باطنه صارَ أديباً ». قال: « و سميت المأدبةُ مأدبةً لاشتمالها على الأشياءِ الحسنةِ، فلا يتكاملُ الأدب في العبد إلا بتكامُلِ مكارم الأخلاق فيه » اهـ.
و قال الشيخ محيي الدين
:
« الأدبُ جُمَّاع الخير، و هو ينقسم إلى أربعة أقسام في اصطلاح أهل الله تعالى:
- القسم الأول أدبُ الشريعة ،
- القسم الثاني أدبُ الخِدْمَة ،
- القسم الثالث أدبُ الحقِّ ،
- القسم الرابع أدبُ الحقيقة،
...
» اهـ.
قلت: و قوله
« ترك الأدب...الخ » المرادُ تركُ شهودِه لا ترْك وجودِه، كما هو مصطلح الشيخ في جميعِ التروك المترجم لها في كتابه « الفتوحات المكية »، و الله تعالى أعلم.
و نقل بعض شراح الرسالةِ عن بعضهم في حقيقة أدبِ أهل الله تعالى أنه
:
« ضَبْطُ الحواس، و مراعاة الأنفاس، و الإشتغالُ بالتفكُّر في مصنوعات الله تعالى » اهـ.
و نُقل في
« العوارف » عن عبد الله ابن المبارك(1) أنه قال : « قد أكثر الناسُ في الأدب، و نحن نقولُ الأدبُ معرفةُ النفسِ » أهـ.
ثم قال إثرُه
:
« هذه إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن النفس منبعُ الجهالات، و تركُ الأدبِ من مخامرة الجهل، فإذا عرفَ العبدُ النفسَ صادفَ نورَ العرفان على ما ورد: «من عرَفَ نفسه فقد عَرَفَ ربَّه». و لهذا النور لا تظهر النفسُ بجهالةٍ إلا و يقمَعُها بصريح العلم، و حينئذ يتأدب » اهـ.
وفي كلام غير واحدٍ من المشايخ الكبار في تفسير هذا الخبر ما يوضِّح ما ذكره في
« العوارف » عن سيدنا عبد الله بن المبارك مع ما فسّره به.
قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في
« فتاويـ»ـه ما معناه: « من عَرَفَ نفسه بالضعْفِ و الإفتقار إلى الله تعالى و العبودية له، عرفَ ربَّه بالقوةِ و الربوبية و الكمال المطلقَ و الصفات العليا » اهـ.
و قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله رحمه الله تعالى في
« لطائف المنن »: "سمعتُ شيخنا أبا العباس المرسي يقولُ: « في هذا الحديث تأويلان:
  • أحدُهما: من عرف نفسه، بِذُلِّها و عجزها و فقرها، عَرَفَ الله بعزِّه و قدرتِه و غناه، فتكونُ معرفةُ النفس أولاً، ثم معرفة الله من بَعْد،
  • و الثاني: من عرف نفسَه فقد دلَّ ذلك منه على أنه عرفَ الله قبلُ.
فالأول حالُ السالكين، و الثاني حال المجذوبين(2) » اهـ.
و قال الشيخ أبو طالب المكي
(3) في
« قوت القلوب »: « معناه إذا عرفت صفات نفسك في معاملة الخلق، و أنك تكره الإعتراضَ عليك في أفعالك و أن يُعاب عليك ما تصنع، عرفت منه صفات خالقك، و أنه يكره ذلك، فارضَ بقضائِه و عامِلْه بما تحبُّ أن تعامَلَ به » اهـ.
و قول الشيخ أبي طالب هذا في كتابه
« القوت » الذي هو مدوَّنةُ الصوفية أصرحُ في المراد، و إن كانت هذه الأقوالُ كلُّها تتسابقُ إلى المرْمَى الذي قصدناه تسابُقَ خيلِ الطرادِ، والله تعالى أعلم. و قد ذكر هذه الأقوالَ كلَّها الشيخ جلال الدين السيوطي(4) في جوابه عن هذا الحديث بعد أن قال فيه: « إنه ليس بصحيح »، و نقل عن النووي أنه قال فيه في «فتاويـ»ـه: « ليس بثابت ». و ذكر عن الزركشي أنه قال فيه: « في الأحاديث المشتهرة ». ذكر ابن السمعاني أنه من كلام يحيى بن معاذ الرازي »اهـ. رجع.
و قال
ابن عطاء:
« الأدب الوقوفُ مع المستحسنات »، قيل له: « ما معنى ذلك؟ »، قال: « أن تعامل الله سرّاً و علانيةً بالأدبِ، فإن كنتَ كذلك كنتَ أدبياً و إن كنت أعجمياً »، ثم أنشد:
إذا نَطَقَتْ جـاءَتْ بِكُلِّ مَـلِيحةٍ و إنْ سَكَتَتْ جَـاءَتْ بِكُلِّ مَـلِيحِ
اهـ ذكره في
« العوارف ».
و ما أحسنَ قول بعضهم في الأدب
:
« الأدبُ أن يؤدّب العبدُ ظاهرَه و باطنه. أما ظاهرَه فبالشريعةِ بأن يتبعَ السنةَ قولاً و فِعلاً، و أما باطنه فبالحقيقة بأن يرضى بما يردُ عليه من الله و يتلقَّاه بالقبول، و يرى أن الكلَّ نعمةٌ عليه من الله تعالى، إما عاجلةٌ و إما آجلة. فالعاجلة بلوغُ النفسِ محبوبها عاجلاً، و الآجلةُ كأنواع المضارِّ و المكاره، فإنه يثاب عليها آجلاً و يحطّ بها عنه من خطيئاتِه، فهي نعمةٌ بهذا الإعتبار » اهـ.
و صاحبُ هذا الأدب هو المخصوصُ برؤية النعمِ في طيِّ النقم، فيرى نِعمَ الله تعالى عليه ظاهرةً و باطنة
.
قال العارفُ بالله سيدي عبد الرحمن بن محمد الفاسي في
«حاشيتـ»ـه على شرح الشيخ أبي عبد الله السنوسي لعقيدته الصغرى ما نصُّه: « قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى [وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ] (لقمان: الآية 20): « كلّ ما يتلذَّذ به البرايا نعمةٌ ظاهرة، و ما شَقَّ عليهم من البلايا نعمةٌ باطنة » » اهـ بلفظه.
و حاصلُ هذه العبارة التي عبَّر بها هؤلاء المشايخ الكمّل  في بيان حقيقة الأدب يرجعُ إلى أن المرادَ بالأدب ما تحسنُ به حالة العبد فيما بينه و بين الله تعالى، و فيما بينه و بين ملائكته سبحانه و كتبه و رسله و سائر الناس على اختلاف طبقاتهم و أنواعهم
. و على هذا فلا يخرجُ الأدبُ عند التأمُّل عن الأقسام الأربعة التي ذكرها الشيخ محيي الدين . و لا تخرج هذه الأقسامُ الأربعة عن قسمين: أدب الفقهاء و أدب الصوفية. و يندرج الأولُ منهما في الثاني، فتصير إلى قسم واحدٍ حسبما أفْصَحَ به في
« جواهر المعاني »، و نصُّ كلامه فيه رحمه الله تعالى: « و الأدبُ عند الفقهاء عبارةٌ عن القيام بما بعدَ الواجباتِ و السنن من الفضائلِ و الرغائب المتعلِّقة بأحوالِ الإنسان من نومٍ و يقظة و أكل و شرب و ذكْرٍ و دعاء و نحو ذلك. و عند الصوفيةِ عبارةٌ عن جميع خِصال الخير و أوصافِ البِرِّ، فهو وصفٌ جامع لصفاتٍ مجيدة و أخلاق حميدة، تناسبُ أوصافَ العبودية و جلال الربوبية، من جمعها كا ن أديباً متأدّباً مع الله تعالى و مع رسوله  ».
ثم قالَ
:
« و الأدبُ بالمعنى الأول مندرجٌ في هذا » اهـ.
و بهذا يعرف أن الحديث السابق، و هو قوله «أدبني ربي فأحسن تأديبي، ثم أمرني بمكارم الأخلاق» أصلٌ جامع لجميع هذه العبارات، مستوفٍ لسائر هذه التقسيمات و الإشارات
. و يعلم أن الأدبَ هو الجمع لمكارم الأخلاق و الفِعال و محاسن الصفات و الخلال، على أتمِّ ما يمكن من وجوه الكمال في حقِّ الله تبارك و تعالى، و في حقِّ عبيده على التفصيل و الإجمال، مع الوقوف في ذلك كله عند الحدِّ المحدود فيه شرعاً، فلا يرتكب في شيءٍ منه آداب العامة التي تبعدهم عن الله تعالى [وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا] (الكهف: الآية 104). و قد كان سيدنا كما في
« جواهر المعاني » لا يحب ارتكاب شيء منها أصلاً اقتصاراً منه على ما وَرَدَ في الشريعة، و تخلُّقاً بأخلاق السنة الرفيعة.
و إذا عرفَ أن هذا الحديث الشريف أصلٌ لجميع العبارات في الأدب على ما قرر، و علم من ذلك أن الأدبَ هو الجمع لمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات على ما بيَّن و سطر، فيجبُ أن يعلم أن منبع جميع الآداب المرضية، السجايا الصالحة المركبة في طبائع النفوس الزكية
. و لا شكَّ أنَّ السجية، باتفاقٍ من أهل العلم و النظر، هي فعلُ الله تعالى المحض، الذي ليس شيءٌ منه في طوق البشر و لكنَّ الله تعالى، بنافِذ قدرته و صالح مشيئته و بالغ حكمته، جَعَل لمن أهَّله من عباده للهدى و الصلاح و هيَّأه بفضله و كرمه للرشد و الفلاح، استخراجَها بطريق الرياضة و التربية و اكتسابَها من جهةِ المجاهدة و التزكية.
و ذلك كما قاله في
« العوارف »: « لأن الله تعالى خَلَقَ الإنسانَ و هيَّأه لقبول الصلاح و الفساد، و جَعَلَه أهلاً للأدب و مكارم الأخلاق، و وجودُ الأهلية فيه كوجود النار في الزناد، و وجود النخلِ في النوى. ثم إن الله تعالى بقدرته ألهمَ الإنسانَ، و مكَّنه من إصلاح النوى بالتربية، إلى أن يصير نخلاً، و الزناد بالعلاج حتى تخرج منه نارٌ. كما جعل سبحانه في الإنسان صلاحية الخير و الشرِّ، أحالَ الإصلاح و الإفساد عليه. فقال تعالى [وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا (8)] (الشمس: 7-8)، فتسويتها بصلاحيتها للشيئين جميعاً. ثم قال تعالى [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)] (الشمس: 9-10 )فإذا تزكَّت النفس تدبرتْ بالعقل و استقامت أحوالُها الظاهرة و الباطنة و تكوَّنت الآداب » اهـ.
و هذا الذي ذَكَره من أن الله تعالى «أحالَ الإصلاحَ و الإفساد على الإنسان»، كما دلَّت عليه الآية الكريمة، هو المذهب الحقُّ و القول الأصحُّ من أن تبديل الأخلاق ممكن مقدورٌ عليه، خلافاً لمن منع مستدلاً بظاهر قوله تعالى [لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ]
(الرُّوم: الآية 30) و بظاهر حديث «فرَغَ رَبُّكَ مِنْ أربع...» الحديث(5).
و استدلَّ لهذا القول – أعني القول بأن تبديلَ الأخلاق ممكن
... الخ – بهذه الآية، أعني قوله تعالى [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)]، و كذا بقوله سبحانه و تعالى [يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَارًا] (التحْريم: الآية 6). فقد روي عن ابن عباس(6) رضي الله عنهما أنه قال في تفسيرها: "فقِّهوهم و أدِّبوهم" اهـ. و مما استدلَّ به له أيضاً قوله «حَسِّنُوا أخْلاَقَكُم... الخ»(7) و انظر
« العوارف »
نعم قد تقعُ الآدابُ في حقِّ بعض الأشخاص كما قام فيها أيضاً من غير تزكية و لا رياضة، لقوةِ ما أودع الله تعالى في غرائزهم.
قال:
« و من يحتاج إليها من الناس فإنما يحتاجُ إليها لنقصان قوَّة أصولها في الغريزة، و لهذا احتاج المريدون إلى صحبة المشايخ لتكون الصحبة و التعليم عوناً على استخراج ما في الطبيعة إلى الفعل » اهـ ملخصاً.
و مدار التربية و التزكية، في طريقتنا هذه المحمدية الشريفة المرضية، على إقامة الورد الأصلي المعلوم الذي لا يصحُّ الدخولُ فيها بدونه لأحد من الخصوص و لا من العموم، و كذا توابعه من الأذكار المشمولة باللزوم معه، و هي الوظيفة المعروفة و ذكر الهَيْلَلةِ
(8) . بعدَ عصرِ يوم الجمعة بالمحافظة في جميع ذلك على الشروط المشروطة، و الآداب التي هي بغاية الحسن و نهاية الكمال منوطة(9)
. . و آكدُ الشروط و أعظمُها المحافظة على الصلوات الخمس بآدابها على الحدود المحدودة لها شرعاً بقدْرِ الإمكان، و استكمال شروطها و آدابها و تمام جميع ما لها من الأركان. . ثم عمارةُ ما يقدر على عمارته من الأوقات و الساعات بالصلاة على النبي .، خصوصاً بصلاة الفاتح لما أُغلق التي هي من أسمى الذخائر، و أسنى البضاعات، على طريق المحبة و الشكر. . و الإعتماد على الفَضْل المحضِ الذي ليس إلا عليه في بساط التحقيق المعمول، من غير التزام خلوةٍ و لا كثرة مجاهدة و لا غير ذلك مما اصطلح عليه في التربية من بعد الصدر الأول، إذ هذه هي طريقة سيدنا . التي سلكها وَ أَمره بالتسليك بها سيد الوجود . و منبع الإمداد و الجود . .
و في
« جواهر المعاني » . أنه بعدما أعلم سيدنا . . بأنه هو الواسطة بينَه و بين الله تعالى و الممِدُّ له على التحقيق، و صرَّح له بأنه هو كفيله و مربِّيه دون غيره من مشايخ الطريق، و أخبره أنه لا منة لواحدٍ منهم عليه، لأن جميعَ ما يصِلهُ من الله تعالى فعلى يده و بوساطته و منه إليه، قال له في وصيته التي أوصاه بها: . « . الزَمْ هذه الطريقةَ من غير خلوةٍ و لا اعتزالٍ عن الناس حتى تصِلَ مقامك الذي وعدتَ به و أنت على حالك من غير ضيقٍ و لا حرجٍ و لا كثرة مجاهدة » .اهـ.
و يرحمُ الله تعالى العارف
البوصيري(10) في داليتــه t حيث قال:. .في داليتــه . . حيث قال:
.و الـفَضْلُ لـيْسَ يـنالُه مُتَوَسِّـلٌ بِتَـوَرُّعٍ حَـرِجٍ و لا بـتـزهُّـدِِ
إنْ قال ذاكَ هـو الدواءُ فَقُلْ له كُحْلُ الصَّحيحِ خلافُ كُحْلِ الأرْمَدِ
يمشي المصرِّفُ حيثُ و غـيرُه يمشي بحُكْم الحجْرِ مَشي مُصَفَّدِ
مَنْ كان منكَ بِمَنْظَرِ و بمَسْمَعٍ الحـالُ مِنْهُ عـلـى حديثٍ مُسْنَدِ
و قد أشار إلى ذلك العلامة الشهير العارف الكبير سيدي
عبيدة بن محمد الصغير. مؤلف كتاب « ميزاب الرحمة الربانية ». في لاميته. التي امتدح بها سيدنا. . فقال:.
بِلا خُلْوةٍ رَبَّـى و رَبُّوا بـخلْوةٍ فـشتَّانَ مـا بين اليزيدَيْنِ مَنْهلا
و مرادنا من كون التربية في هذه الطريقة خاليةٌ عن التزام الخلوة و الإعتزال عن الناس، و نحو ذلك مما فيه تشديدٌ على النفس و تضييقُ، التنبيه على أن التربية فيها جاريةٌ على طريقة السلف الصالح من الصدر الأول التي هي الطريقة الأصلية، و هي طريقة الشكر و الفرَحِ بالمنعِم سبحانه و الرياضة القلبية، لا على الطريقةِ الأخرى التي استَنْبَطها و اصطلحَ على التسليك بها من بعد القرون الثلاثة نظراً لما اقتضتْه العوارضُ الوقتية، و هي طريقة المجاهدة و المكابدة و الرياضة البدنية، و فرق بينهما، فإن السيرَ في الأولى سيرُ القلوب، و في الثانية سير الأبدان
..
و معلومٌ أن الأهمَّ الذي عليه المدارُ في طريق الوصول إلى حضرة الله تعالى هو سيرُ القلوبِ، بالنظر في أحوالِ القلب و ما يصلحُه و ما يفسده على سنن الإعتدال
.. و التقييد بالشريعة المطهرة و السنة الشريفة المنورة، لا على التضييقِ على النفس بالتقشُّف و الإستخشان في المأكل و الملبس و الكدِّ و التعب من غير التفاتِ إلى أحوال القلب على الحدِّ الذي تقرَّر.. و إنما آثر من بعد القرون الثلاثةِ التسليك بالطريقة الثانية، لما كثرتْ الأهواءُ و تشعبت الآراء، فاستعانوا بذلك على تطهير النفس و تزكيتها ليستنير القلب و يتخلَّصَ من كدورات الهوى، و قد حذَّروا مع ذلك من الغلوِّ فيه بالخروج عن حدِّ الإتباع إلى حدِّ الإبتداع..
قال الشيخ
أبو عبد الله بن عباد:. « . و ليس طريقُ تزكية النفس بقطعِ جميع الأرفاق عنها، و ردها إلى الإجتزاء بأكل الحشيش و النخالة، و المبالغة في التقشّف و التقلّل مع قطع النظر عن أحوال القلب و هِمَمِه و قُصوده و إرادته و ترك الإلتفاتِ إلى ما يمدح منها و ما يذُّم، فذلك كله غلوٌّ و بدعة.. و قد غلَطَ في هذا طوائفُ من الناس عملوا عليه في رياضتهم و مجاهداتهم و لم يقصدوا بذلك إخلاصَ العبودية لربّهم، فأداهم ذلك إلى اختلالِ عقولهم و انحلال قوى أبدانهم، و لم يحصلوا من أمرهم على فائدة، و ذلك لجهلهم بالسنة و ما كان عليه سلف الأمة ». اهـ..
و فرق أيضاً بين نتائجها، و يكفي أن الفتح في الأولى هجوميٌّ لم يحصل من السالك تشوُّف إليه بخلافه في الثانية، و شتانَ ما بينهما
.. و سيأتي لنا من مزيد بَسْطِ الكلام في التربية و التزكية بهذه الطريقة الأحمدية ما تقرّ به العيون و تبتهجُ به الأرواح، وتستنير به القلوب، بفضل مولانا الملك الفتاح..
فبالسلوك على هذا السبيل الأحمد و الطريق الأقصد يفيضُ في قلبِ السالك من الأنوارِ الوهبية ما يحملُه على محاسنِ الآداب، و يقف به من أداء الحقوق الحقية و الخلقية على عين الصواب، فيصيرَ أديباً بإفاضة فيض كرم الله تعالى و مَنِّه و توفيقه الجميل و عونه
..
هذا و لسنا نريدُ بكون التربية في طريقنا من غير خلوةٍ و لا مجاهدة، أنا لا نأخذ النفسَ بشيء من ذلك، و لا نعرِّج في طريق السير و السلوك على شيء مما هنالك، كما قد يتبادرُ لذهنِ الضعيف الفهْمِ أو يحمله عليه المتعسِّف المولع بالإستناد إلى الوهم، كلا و معاذ الله
.. و إنما مرادُنا أن لا نلتزم في سلوكنا الرياضة بطريقة المجاهدة على القانون الذي استنبطه و اصطلح عليه من بعد القرون الثلاثة، كما هو مقرَّر في محالِّه، و إلا فالأخذ في الجملة بما ذكر من الخلوة و الصمْتِ و الإعتزال، و غير هذا مما دلَّت عليه السنة المطهرة من سني الخِلال، مؤكَّدٌ عند شيخنا. غاية التأكيد، فرغَّب فيه غايةَ الترغيب..
و من ترغيبه فيه و حَضِّه على العمل به ما في
. « جواهر المعاني. ». في الرسالة التي كتب بها إلى بعض فقهاء زرهون .(11). عمرها الله بذكره، جواباً عن كتابٍ كتب به إليه . و لفظه فيه :.
« . و أما ما ذكرت من صعوبة انقيادِ نفسِكَ عليك لأمر الله و دوامها على التخبُّط فيما لا يرضى، فتلك عادةٌ جارية أقامَها الله تعالى في الوجودِ لكل من أهملَ نفسَه و تَرَكَها جاريةً في هواها أن لا يسهِّل عليه سبيلاً إلى القيام بأمر الله، بل لا يرى منها إلا الخبثَ و المعاصي و الخروج من أمر الله.. و من أرادَ تقويمَ اعوجاجِ نفسِه فليشتغلُ بقمع نفسِه عن متابعة هواها مع دوام العزلةِ عن الخلقِ .(12) . و الصمت وتقليل الأكل و الإكثار من ذكر الله تعالى بالتدريج و حضور القلب، مع الذكر و حصر القلب عن الخوض فيما يعتاده من الخوض في أمور الدنيا و تمنِّيها و حبِّها، و حصر القلب عن الخوض في جميع المرادات و الإختيارات و التدبيرات، و عن الخوض في أخبار الخلق و ذمِّ القلب عن الجزع من أمر الله تعالى. فبدوام هذه الأمور تتزكَّى النفسُ و تخرج من خُبثها إلى مطابقة أمر الله، و إلاّ فلا،. [سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ۖ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً(23)]. .(الفَتْح: الآية 23).، و الشيخ في هذه الأمور دالٌّ و معين لا خالق و لا فاعل، إذ الخلقُ و الفعل لله، و الدلالة للشيوخ و السلام » ..، اهـ بلفظه..
و مما وقفتُ عليه من كلامه
.. في هذا المحط بخطِّ يمينه المباركة في جوابٍ لبعض خاصَّةِ الخاصة من أصحابه ..، و منه نقلت ما نصُّه:.
« .. أما ما ذكرتَ من العوارضِ الحائلةِ بينَكَ و بين ما تقصدُ من عملِ الآخرة، فاعلمْ أن سببه ما تمكَّن من نفسِكَ من الميْلِ إلى الراحات، و اقتحام ما تقدِرُ عليه من الشهواتِ.. فإنها سمعت أن مقامَ المعرفة بالله تعالى حاصلٌ لها بلا تعبٍ، فمالت إلى ما يقتضيه هواها من الراحات.. فلو أنها عَلِمَتْ أن مقصودَها من المعرفة بالله لا يحصلُ لها إلا إذا جدَّت فيما هو من أمر الطريق معروف و فارقتْ كلَّ مألوفٍ، لأجابت إلى ما يراد منها من المجاهدة، لأنها تريدُ الظفرَ بمطلوبها.. فلما سمعت أنها يحصلُ لها دون تعب لم تجبْ إلى ما يراد منها من المجاهدة و مفارقة الحظوظِ، فكل عارضٍ لا بد من ظهور حكمه.. فمن ظنَّ أن قيامَ العارض بالقلب على حاله يمكن معه ظهور نقيض حكمه فقد جهلَ أمر الله عز وجل، ولم يحصل له من ظنه إلا التعب لا غير.. و مثال العارض كالسحاب في السماء، مثال ما وراءه من المجاهدة كالشمس، فإذا صحا السماء من السحاب طلعت الشمس، و إذا وَقَع السحاب دونها حالَ بيننا و بينها.. فلا يمكن وقوعُ السحاب في السماء و طلوع الشمس ضاحيةً من ورائه.. و تعقَّلْ هذا و تأمله تستفدْ منه علماً عظيماً، و حيث قامت العوارضُ بالقلب من الميل إلى الراحات و اقتحام ما تقدرُ عليه من الشهوات امتلأ القلبُ بصور الأكوانِ و الميل إليها.. و حيث وقعَ ذلك تمكن تخليط القلب في أمر الهوى و البعد عن حضرة القدس و عن جميع مقتضياتها.. فلا تزولُ منه هذه الأمور إلا بواردِ الفتح الأكبر يفيض معه بحر المعرفة بالله، و إلاّ فلا.. فلا تطمعْ أن يخلو قلبُك من الظلام و الكَدرِ ما دامت في قلبك هذه العوارض، و حضرة الحقِّ جارية على النسب لا تخرج عن نسبها..
و اعلمْ أن مراد الله منك في هذا الوقت ما أنتَ فيه، فوقوفك بعبوديتك فيما أقامك الله فيه في وقتك هو أولى بكَ، و أمكنُ من رمي فكرك إلى مطلب قَطَعَتْك دونه العوارضُ، ولم تحصلْ منه على طائل. فسلِّم الأمرَ إلى الله و اعلم أن ما تطلبُه له أجلٌ و مقدارٌ، إذا جاء وقته جاء، و لا يتعجل بطلب تعجيلك
.. و إن رمتَ الخروجَ عما أنت فيه إلى تنوير القلب و صفائه فاذهبْ و انقطعْ عما سوى الله تعالى في مكانٍ لا ترى فيه أحداً، و الزِمْ نفسَك إخراجَ مرادِك مما سوى الله تعالى، و استغرقْ أوقاتك في الذكر المفرد ترَ العجبَ من تمكين الصفاء.. فإن لم تساعفْكَ نفسُك على هذا فاعلم أن مرادَ الله منك ما ذكرنا، و اتركْ عنك ما يتغلغل في قلبك من خواطرِ السوء المفضية إلى سوء الأدب مع الله تعالى. و معناه بطلبك أموراً لا نسبة لها فيك، بل ليس فيك إلا نسبة نقائضها:.
لقد ْ رُمْتَ الحصَادَ بِغَيْرِ زَرْعٍ يغُوصُ الـبَحْرَ مَنْ طَلَبَ اللآلي
و هذا القدرُ كافٍ إن فهمت َ
».، اهـ من خطِّ سيدنا .. .. بلفظه في الجواب المذكور..
و في هذا القدرِ كفايةٌ فيما يشير إلى ما ذكرناه و يحقق ما قدمناه من أن المرادَ بكون التربية في هذه الطريقة الأحمدية خاليةٌ عن المجاهدة و الرياضة المصطلح عليها عند من بعد الصدر الأول، هو أن المعتمد فيها ما تقدَّم شرحُه من الرياضة القلبية و السلوك على الطريقة الأصلية، و ذلك لا ينافي العملَ بما دلَّت عليه الشريعة المطهَّرة و اقتضته آدابُ السنة في الجملة، من الصمت و الإعتزال عن الناس و نحو ذلك، مع المحافظة في ذلك على عدم الخروج فيه إلى حدِّ التفريط فيه أو الإفراط و التحرُّز مما يشير إلى رؤية النفس من إظهار التعزُّز و الإنبساط، فحقِّقْ هذا المناطَ فإنه مهمٌّ جداً، و الله الموفق
..
و أما ما عليه المدارُ في التزكية و التصفية فيما عدا هذه الطريق من طرق الأولياء و الأخيار و المشايخ الكبار، فإنه مذكورٌ في غير ما كتاب من كتبهم التي ألَّفوها في هذا الباب
.. و بالجملة فالإتفاقُ واقعٌ من المشايخ الكاملين و العارفين الواصلين على أن مطالعة كتب القومِ و سماع الحكايات و المواعظِ في الأدب لا تعملُ وحدَها في النفس كبيرَ تأثيرٍ يُرجى نفعُه في المنقَلَب، و إنما ينفع في ذلك بفضلِ الله تعالى السلوكُ بالأعمال المشروعة الفاضلة، مع الإستعانة فيه بهمم العارفين المقرَّبين الموصوفين بالمشيخة الكاملة.. فلا محالة أن النفس إذا أخذت بذلك على بابه، و استعانت فيه بهمم سادات هذا الشأن و أربابه، نبعَ منها ماءُ الحياة الهنية، و تحلَّت بحلية أهل المراتب السنية، فقامت بواجب آداب جميع الحضرات أتمَّ قيامٍ، و استعدَّت لتوالي الإمدادات الوهبية الفائضة عليها من حضرة الملك العلاّم، فتقرَّ عينها من فضل الله تعالى ببلوغِ كلِّ مرامٍ..
و هذا القدرُ كافٍ في الكلام على حقيقة الأدبِ و بيان منشئه عند أهل الرتب
..
و أما بيان مكانته من طريق أهل الكمال فقد تقدَّم في أولِ المطلب أنه، باتفاق من سادات الرجال، نظامُ جميع الأعمال و ملاك سائر المقامات و الأحوال
.. و في الحديث عن معاذ .(13). .  . أنه قال: قال رسول الله .: « . حُفَّ الإسْلامُ بمَكَارِم الأَخْلاقِ و مَحاسِنِ الآداب » .. و قال سيدنا أنس بن مالك . .: « . الأدبُ في العمل علامة قبول العمل » ..
و قال
عبد الله بن المبارك . .: « . من تهاوَنَ بالأدب عُوقِبَ بحرمان السنن، و من تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، و من تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة » ..
و قال
أبو علي الدقاق . .: « .العبدُ يصِلُ بطاعته إلى الجنة و بأدبه في طاعته إلى الله تعالى » ..
و قال بعضُهم
:
« . التوحيدُ يوجبُ الإيمان فمن لا توحيد له لا إيمان له، و الإيمان يوجبُ الشريعة فمن لا شريعة له لا إيمان له و لا توحيد له، و الشريعة توجب الأدب فمن لا أدب له لا شريعة له و لا إيمان له و لا توحيد له » ..
و قال الشيخ
أبو الحسن النوري . .: « . ليس الله تعالى في عبده مقامٌ و لا حال و لا معرفة تسقط معها آدابُ الشريعة، إذ الآدابُ حِلْيَةُ الظاهر، و الله تعالى لا يحبُّ تعطيلَ الجوارحِ .(14). . من التحلي بمحاسن الآداب » .. و قال أيضاً رحمه الله تعالى: « . من لم يتأدب للوقت فوقتُه مقت ٌ» ..
و قال
ذو النون المصري . .(15).: « . إذا خرج المريدُ عن حدِّ استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء »..
وقال
أبو علي الدقاق .. .: « . تركُ الأدب موجبٌ للطرد، فمن أساء الأدبَ على البساط رد إلى الباب، و من أساءَ الأدب على الباب رُدَّ إلى سياسة الدواب »..
قال بعضهم
:
« . الزم الأدب في الظاهر و الباطن فما أساء أحد الأدب في ظاهرٍ إلا عوقب ظاهراً، و ما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً »..
وقال
رويم .. .: « . يا بني اجعلْ عملك ملحاً و أدبك دقيقاً ».. و قال ابن المبارك .. .: « . نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوجُ منا إلى كثير من العلم ».. و قال أيضاً رحمه الله تعالى: « . الأدبُ للعارِف بمنزلة التوبةِ للمستأنف ». اهـ.
فهذه كلّها نصوصٌ صريحة، و أقوال مؤيَّدة بنور الإلهام، مسدَّدة صحيحة مفصحة أي إفصاح بعلوِّ مكانة الأدب من الطريق و سموِّ قدرِه لدى فحولِ هذا الفريق، مصرّحة بأن جميع الأعمال الدينية الموصلة إلى الحضرة القدسية، قلبية كانت أو بدنية قولية أو فعلية، لا يعتبر شيءٌ منها في بساط التحقيق إلاّ محفوفاً بالمحاسن الأدبية والمحامد الصفاتية و المكارم الخلقية
. و بأن تحلية العمل بالأدب عاجلاً علامة قبوله آجلاً، و بأن الأدب كما يحتاج إليه المريدُ في أحوال بدايته، يتوقف عليه المنتهي في مقامات نهايته، لأنه كما تقدَّم عن
ابن المبارك. . رحمه الله تعالى في حقِّ العارف بمنزلة التوبة في حقّ المستأنف. فكما أن المستأنف لا يصحُّ منه الإستئناف في الخير إلا بالتوبة، أي الرجوع من كُفران النعم بارتكاب المخالفات إلى شكرها، بالتزام القيام بأنواع العبادات و الطاعات، فكذلك العارفُ لا ترسخ قدمُه في مقامات العرفان إلا بالتزامه الأدب فيما قلَّ أو جلَّ من أعمال القلوب و الأركان. إذ لا شك أن أدَب كلِّ إنسان دليلٌ على قدْرِ درجته في مقام الإحسان، و وسْعِ دائرته في مراتب العرفان.
و مما يزيدكَ تحقيقاً بهذا الذي أشرنا إليه في الطريق من علوِّ مكانة محاسن الآداب، و أنها لمريد الوصول إلى حضرة ربِّ الأرباب من أهمِّ المهمات و أقوى الأسباب، ما قرَّره فرسان هذا الميدان و علماؤه الجهابذة الأعيان، من أن لكلِّ منزلٍ من منازل مقامات الدين آداباً تختصُّ به عند المحققين
.
-
أولَ المنازل الثلاثة لمقام الإسلام: منزلُ التوبةِ
- ثاني المنازل: منزل الإستقامة
- ثالث المنازل: منزل التقوى

- أول منازل مقام الإيمان: منزل الإخلاص

- ثاني المنازلِ الإيمانية: منزلُ الصدق

- ثالث منازل الإيمان: منزل الطمأنينة

- ثم إن لكلِّ منزل من منازل مقام الإحسان آداباً تختصُّ به أيضاً عند أهل العرفان
و بهذا تظهرُ بعون الله تعالى مكانةُ الأدبِ من الطريق، و درجته من مقامات السلوك على التحقيق، و الله سبحانه و تعالى ولي التوفيق و الهادي إلى سواء الطريق..

(1) هو . عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء، التميمي، المروزي أبو عبد الرحمن، الحافظ، شيخ الإسلام، المجاهد التاجر، صاحب التصانيف والرحلات، أفنى عمره في الأسفار حاجاً ومجاهداً وتاجراً، وجمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء. كان من سكان خراسان، ومات بهيت منصرفاً من غزو الروم سنة 181هـ. انظر « .تذكرة الحفاظ»: 1/253، و « .حلية الأولياء»: 8/162، و « .شذرات الذهب»: 1/295، و « .الرسالة المستطرفة»: 37.
(2)المجذمون: المنقطعون.
(3)
أبو طالب المكي: محمد بن علي بن عطية الحارثي، واعظ زاهد، فقيه، من أهل الجبل بين بغداد وواسط، نشأ واشتهر بمكة، ورحل إلى البصرة فاتهم بالاعتزال، وسكن بغداد فوعظ فيها، فحفظ الناس عنه أقوالاً هجروه من أجلها، وتوفي ببغداد سنة 386هـ.
انظر
« .وفيات الأعيان»: 1/491، و « .ميزان الاعتدال»: 3/107، و « .تاريخ بغداد»: 3/89، و « .لسان الميزان»: 5/300.
   (4)هو
.عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، .جلال الدين، إمام مؤرخ حافظ أديب، له نحو 600 مؤلف. نشأ في القاهرة يتيماً، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل، فألف أكثر كتبه، وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه المال فيرده. مات سنة 911هـ.
انظر
« .شذرات الذهب»: 8/51، و « .آداب اللغة»: 3/228، و « .الضوء اللامع»: 4/65، و « .حسن المحاضرة»: 1/188.
(5)تمام الحديث «الخلق والخلق والرزق و الأجل».
(6)هو
.عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، .أبوالعباس، size="3" .حبر الأمة، الصحابي الجليل.ولد بمكة ونشأ في عصر النبوة، فلازم النبي  وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وشهد مع علي الجمل وصفين، وكف بصره في آخر عمره، سكن الطائف وتوفي بها سنة 68 هـ، وله 1660 حديثاً.
انظر
« .الإصابة»: ت (4772)، و « size="3" .صفة الصفوة»: 1/314، و « .حلية الأولياء»: 1/314، و « .المحبر»: 289.
(7)و ثمة أحاديث كثيرة رويت عن النبي تدعو إلى تحسين الأخلاق، ومكارم الأخلاق، منها: «إن من أحبكم إليّ أحسنكم أخلاقاً»، «إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً»، «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً»، وكان يدعو «و اهدني لأحسن الأخلاق» . وكلها في الكتب الصحيحة.
(8)هَيْلَل الرجلُ : قال: «لا إله إلا الله».
(9) منوطة: معلَّقة.
(10)
.البوصيري: محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري، شرف الدين، أبو عبد الله، شاعر حسن الديباجة، مليح المعاني، نسبته إلى بوصير من أعمال بني سويف بمصر، وأصله من المغرب، و وفاته بالاسكندرية سنة 696 هـ.
انظر
« .فوات الوفيات»: 2/205، و « .خطط مبارك»: 7/70، و « .الوافي بالوفيات»: 3/105، و « .آداب اللغة»: 3/120.
(11) زرهون: جبل يقرب فاس، فيه أمة لا يحصون. انظر
« .معجم البلدان»: 3/140.
(12) كذا، ولعله «العزلة عن الخَلْق».
   (13) هو
معاذ بن جبل عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، . أبو عبد الرحمن، صحابي جليل، كان أعلم النس بالحلال والحرام، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد .النبي ، أسلم وهو فتى، وآخى .النبي بينه وبين جعفر بن أبي طالب، وشهد العقبة مع الأنصار السبعين، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها، وبعثه النبي قاضياً ومرشداً لأهل اليمن. مات سنة 18هـ.
انظر
« .طبقات» ابن سعد: 3/120، و « .الإصابة»: ت (8039)، و « .أسد الغابة»: 4/376، و « .حلية الأولياء»: 1/228، و « .غاية النهاية»: 2/301.
(14) الجوارح: الأعضاء.
   (15)
.ذو النون المصري: ثوبان بن إبراهيم الإخميمي المصري، أبو الفياض، أو أبو الفيض، أحد الزهاد العباد المشهورين من أهل مصر، نوبي الأصل من الموالي، كانت له فصاحة وحكمة وشعر، وهو أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عليه، واتهمه .المتوكل العباسي بالزندقة، فاستحضره إليه وسمع كلامه، ثم أطلقه فعاد إلى مصر وتوفي بالجيزة سنة 245هـ.
انظر
« .وفيات الأعيان»: 1/101، و « .ميزان الاعتدال»: 1/331، و « .لسان الميزان»: 2/437، و « .حلية الأولياء»: 9/331، و « .طبقات الصوفية».

أدبُ الشريعة


القسم الأول أدبُ الشريعة، و هو الأدبُ الإلهي يتولَّى الله تعالى تعليمَه بالوحي و الإلهام. به أدَّبَ الله نبيَّه صلى الله عليه و سلم، و به أدبنا ، فهم – يعني الأنبياءَ عليهم الصلاة و السلام – المؤدَّبون و المؤدِّبون، و في الحديث: « إنَّ الله أدَّبني فأحسَنَ تأديبي » .
×

أدبُ الخِدْمَة


القسم الثاني أدبُ الخِدْمَة، و هو ما اصطلحت عليه الملوكُ في خدمة خدمها، و ملكُ أهل الله هو الله تعالى. و قد شرّع لنا كيفية الأدب في خدمته، و هو معاملتنا إياه فيما يختصُّ به دون خلقه. فهو خصوصٌ في أدب الشريعة لأن الشريعةَ جامعةٌ لحقِّ الله تعالى و حقِّ الخلق.
×

أدبُ الحقِّ


القسم الثالث أدبُ الحقِّ، و هو الأدب مع الحقِّ في اتباعه عندَ كلِّ من يظهر عنده و يحكم به، فترجع إليه و تقبله و لا تردُّه و لا تحملك الأنفةُ إن كنتَ ذا كِبَرٍ في السنِّ أو المرتبة أن لا تقبلَ الحقَّ ممّن هو أصغرُ منك سِنّاً أو قدراً، و هذا هو الإنصاف.
×

أدبُ الحقيقة


القسم الرابع أدبُ الحقيقة، وهو ترْكُ الأدب بعنائك، و ردُّ ذلك كله إلى الله تعالى" اهـ.
×

منزلُ التوبةِ


فمما يخصُّ أولَ المنازل الثلاثة لمقام الإسلام، و هو منزلُ التوبةِ التي هي كالأرض لبناء كلِّ حال و مقام:
  • ترْكُ صحبة الأقران الذين كان ألفهمُ على التقصير،
  • و مواصلة من يوافقه في طلب مرضاة الله تعالى على الجدّ و التشمير،
  • و اجتناب مواضع اللهو و المجون،
  • و عدم ذكر شيء من لذاته السالفة إلا بقلبٍ متحسِّرٍ محزون.
فهذه أربعة آدابٍ لا يصحُّ الإستئنافُ في الخير مع ترْكِ شيءٍ منها لذي متاب.
×

منزل الإستقامة


و مما يختصُّ بثاني المنازل لهذا المقام، و هو منزل الإستقامة ظاهراً و باطناً في معاملة خالق الأنام:
  • متابعةُ الحبيب عليه الصلاة و السلام في كل ما يرجع إلى العبادة و العادة من قول و فعل و حركة و سكون بطريق المثابرة و الدوام، إذ لا يصدر عنه باتفاق من العلماء أهل العرفان فعل لا عبودية فيه كيفما كان.
  • و الأخذ بالأعمِّ فالأعم من الأقوال و الأفعال،
  • و القصدُ لتعديل الحركات والسكنات بالمتابعة في عموم الأوقات والأحوال،
  • والبناء في أمر المتابعة على ضبط النفس بالضوابط الشرعية،
  • ودفع الخواطر العارضة عند التلبس بالإتباع بإمضاء العزم وإلقاء الوهم بالوقوف في ذلك كلِّه عند الحدود المرعية.
فهذه آداب خمسة لا يصحُّ لمن أخلَّ بشيءٍ منها أن يُحلَّى بالاستقامة معناه ولا حسه.
×

منزل التقوى


و مما يختصُّ بثالث هذه المنازل، و هو منزل التقوى التي هي شعار كلِّ نبي و مَرْعى قصد كل ماجد و فاضل:
  • الإحتياطُ لبراءة الذمة بالتحفظ من الشبهات التي هي الوسائط المشكلة بين طرفي الحِلِّية و الحرمية،
  • و التوقِّي بقدر الإمكان من فضول الحلال،
  • و تجنُّب الإفراط و التفريط في سلوك سبيلها بكمال الإعتدال،
  • و التستر بذلك وسْع الإمكان ليسلمَ من الرياء و جدال العامة من أبناء الزمان.
فهذه أيضاً آدابٌ أربعة لا تصحُّ التقوى لمن لم يكن جميعُها معه.
×

منزل الإخلاص


و مما يختصُّ بأول منازل مقام الإيمان، و هو منزل الإخلاص الذي هو تصحيح الوجهة إلى الله تعالى على وصف العبودية الخالصة في السرّ و الإعلان:
  • الجزعُ من سلبِ الإخلاص بسابقةِ الإهمال،
  • و الإتِّهام للنفس فيما تدَّعيه من توفية حقِّ الإخلاص على نعتِ الكمال،
  • و اللَّجَأ إلى الله تعالى من ذلك كلِّه بالفزع إليه سبحانه بالدعاء و الضراعة،
  • و المطالبة للنفس بالإخلاص في المباحات و العادات بقدر الإستطاعة، إذْ هو الإكسيرُ لأهل هذه الصناعة، لأنه يخرقُ أعيان المباحات و العادات فيحيلُها عبادةً تامةً من أجلِ القربات و أخصّ الطاعات.
فهذه أربع خصالٍ لا يمكن تصحيحُ الوجْهة إلى الله تعالى مع الإخلالِ بشيءٍ منها بحال.
×

منزلُ الصدق


و مما يختصُّ بثاني المنازلِ الإيمانية ، و هو منزلُ الصدق الذي هو صفاء المعاملة مع الله تعالى من امتزاج الخواطر النفسانية:
  • حفظُ الوقت من الخواطر،
  • و تعلّق القلب بعالم السرائر،
  • و تلمح الحكم من مختلفات الوجود،
  • و اتهام النفس في توفية حقوق الخلق على الحدِّ المحدود،
  • و ترك الإجتهاد بالتأويل حفظاً لرسوم القوم من التغيير و التبديل.
فهذه خمسة آدابٍ لا يصحُّ لمن ترك شيئاً منها صفاءُ المعاملة مع ربِّ الأرباب.
×

منزل الطمأنينة


و مما يختصُّ بثالث منازل الإيمان ، و هو منزل الطمأنينة التي هي سكون القلب إلى ثلج اليقين سكوناً عارياً عن الإضطرابات و ثلجاً يشبه العيان:
  • الحرصُ على العملِ الظاهر و الباطن بالتزام الأدب فيه على طريق الملازمة و المواظبة و مباحثة الأنفاس في التصفية خشيةَ الفضيحة عند ورود سلطان المراقبة،
  • و عدم الإكتراث بالطمأنينة عند حركة الإنتهاض إلى مبادي المراقبة،
  • و السعي إلى مراقيها المكينة،
  • و خمود نار الفكر بورود نار معنى الذكر من غير أن يبلغ به مبلغَ الشكر.
فهذه خصالٌ أربعٌ مَنِ استوفاها فقد استوفى الخير أجمعَ، و ذلك لأن منزلة الطمأنينة من أعظم أبوابِ الولاية، إذ هو أولُ منازل المراد المواجه بأنوار العناية، و منه يتنسَّم المريد السالك روائحَ القرب، و تبرق عليه بوارقُ مشاهدة سَنَى حضرة الرب.
×

منازل مقام الإحسان


ثم إن لكلِّ منزل من منازل مقام الإحسان آداباً تختصُّ به أيضاً عند أهل العرفان:
  • منها الكتم لما يظهر و يلوحُ من مبادئ الأسرار هنالك، و تنزه الروح عن الإلتفات إلى شيء مما كَتَمه من ذلك.
  • و منها الثبوت عند أولِ الواردات التي تغدو عليه من حضرة المعارف و تروح، و الرجوع إلى الشاهد عند ما تضعف منه عن تحمُّل أعباء المشاهدة الروح،
  • و منها، و هي من آكد الآداب في منزل المعرفة و أكملها، إعطاءُ الحكمةِ أهلَها و منعها من غير أهلها.
و لمنازل هذا المقام آدابٌ أخر يقصر عن شرح حقيقتها في هذا المحلِّ اللسانُ، و لا يفيد في إيضاح ماهيتها البيان. فمن الأدب هنا أن يثنى عن ذكرِها العنان، إحالةً على الذوق و الوجدان، و اكتفاءً بما يحصل للصادق من طريق المشاهدة و العيان:
سَتَكْفِيكَ مِنْ ذاكَ الجمالِ إشارةٌ وَ دَعْه مَصُوناً بالجلالِ مُحَجَّبا ×