المطالب السبع | المطلب الأول

المطلب الأول
في منشأ علوم الطريق وبعض ما اختصّ به أهلها من أسرار
الأذواق و التحقيق

لا يخفى أنَّ هذا المطلبَ مما يهمُّ في هذا المقام تقويمُه، ويتأَكَّد في حدِّ أهل الطريق تعلُّمه وتعليمُه، إذ بالنظر فيه يرتقي المريدُ الموفّق إن شاء الله تعالى عن حضيض الجمودِ على ظواهرٍ الأنقالِ(1) إلى أَوْجِ النظر في أرواح المعاني ولباب علوم أهل الكمال.
      ومن أدنى ما اشتمل عليه من الفوائدِ الجليلة والعوائد الجميلة، أن يسلم الناظرُ فيه بتوفيق الله تعالى من أن ينكرَ من كلام أهل الله تعالى ما لم يبلُغْه علمُه، أو يردُ من إشاراتهم ما لم يصلُ إليه فهمُه
. وناهيك بها من فائدةٍ عظيمة تُضرَبُ إليها أكبادُ الإبلِ(2) وتتفانَى في تحصيلها النفوسُ الزكية. وقد قال الشيخ أبو يزيد البسطامي (3) رضي الله عنه:
« إذا رأيتم مَنْ يؤمن بكلامٍ أهلِ الطريق فاسألوه يَدْعُ فإنه مجابُ الدعوة ِ». قال الشيخ محيي الدين (4): « أقلُّ درجاتِ أهل الطريق التسليمُ فيما لا تعلمه أنت، وأعلاها القطْعُ بصِدْقه، وما عدا هذين المقامين فحرمان » اهـ.
      فلِمِثْل هذه الفائدة المهمَّة آثرنا أن يكونَ هذا المطلبُ أمام مطالبِ هذه المقدمة، فنقولُ وبالله المستعان وعليه الاعتمادُ والتَّكَلاَن
:
      فاعلم أرشدني الله وإياك إلى مناهجِ التسليم والتصديق، وأذاقنا جميعاً حلاوة الإيمان والتحقيق، أن العلمَ ينقسِمُ بحسبِ ما يجب اعتبارُه هنا إلى قسمين
: علم الظاهرِ وعلم الباطن:
  • أما علمُ الظاهر فالمراد به العلم الشرعيُّ المفيد لما يلزم المكلَّف في أمر دينِه عبادةً ومعاملة، وهو يدورُ على التفسيرِ والحديث، وعُدَّ منه النحو واللغة وأصولُ الفقه ونحوها على ما هو مبيَّن في كتب أهل العلم.
  • وأما علم الباطن فهو نوعان:
- أصولُ علم المعاملة ، وحقيقة النظرُ في تصفية القلبِ وتهذيبِ النفس،
- وأما النوع الثاني فهو علم المكاشفة،
      ثم عن علم الباطن بِنوعَيْه هو غاية العمل الظاهر وزبدتُه ونتيجته المقصودة منه وثمرته، وذلك أن العبدَ إذا عمل بالشريعة ووقف عند حدودها المرسومة، بالمحافظة على شروطها المشروطة وآدابها المعلومة، يستضيءُ قلبه لا مَحَالَة من فضل الله تعالى بأنوارِ الايمان، فينقدحُ له في الباطن ما لا يكيّف من غرائب العلوم والآداب، وعجائب أسرار الحقائق والعرفان فيطَّلع من علوم الشريعة وآدابها على ما لا تحيط به الأفكار ويتحقّق من المعارف الإلهية والأسرار الربانية بما يحيِّر أذهان النظّار
. فحقيقةُ العالِمِ بعلم الباطنِ ما أشارَ إليه الشيخ العارف بالله تعالى سيدي عبد الوهاب الشعراني (5) رضي الله تعالى عنه في كتابه [اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر] ونصُّه في المبحث الثامن والأربعين منه:
     
« اعلمْ أن حقيقةَ الصوفي فقيهٌ لا غير، فأوْرَثَه الله الاطلاع على دقائق الشريعة وأسرارِها حتّى صار مجتهداً في الطريق والأسرار كما هو شأن الأئمة المجتهدين في الفروع الشرعية، ولذلك شَرَعوا في الطريق واجبات ومحرمات ومندوبات ومكروهات وخلاف الأولى، كما استنبطَ المجتهدون نظيرَ ذلك، وأبطلوا، أي مجتهدو القوم، العبادات والعقود بالإخلال بما أوجبوه وشرطوه أو بارتكاب ما حرّموه، وهذا شأنهم رضي الله تعالى عنهم. فما من أحد منهم حُقَّ له قدمُ الولاية إلا وهو مجتهد في الطريق ليس عنده تقليدٌ، إلا لما صرَّحت به الشريعة أو اجتمع عليه الأمة. فمن ادَّعى مقامَ الكمال وهو مقلِّد لغيرِه فهو غير صادق ».
      قال
:
« وقد سمعتُ سيدي علياً الخواص (6)رضي الله تعالى عنه مراراً يقول: « لا يكملُ الرجلُ عندنا حتّى يأخُذَ العلمَ من حيث أخَذَه المجتهدون » » اهـ.
      وذكر نحوه في مقدمة طبقاته، ثم قال بعده
:
« لكنْ لا يشرفُ على ذوق أن علمَ التصوُّف تفرَّع من عين الشريعة إلا من تبحَّر في علم الشريعة حتّى بلغ الغاية ».
      وقال في المقدمة أيضاً بعد أن حكى فيها نحو ما تقدَّم من أن علماء الطريق شَرَعوا في الطريق واجباتٍ ومحرمات ومكروهات الخ ما نصُّه
:
« وليس إيجابُ مجتهدٍ باجتهاده شيئاً لم تصرِّح الشريعة بوجوبه بأولى من إيجابِ الوليّ حكماً لم تصرِّح الشريعة بوجوده، كما صرَّح بذلك اليافعي وغيره » اهـ، وذلك لأن الكلَّ مستنبطٌ من نصوصِ الشريعة الظاهرة، ومقتبَسٌ من أنوار علومها الفاخرة. فكما أن الأئمة المجتهدين رضي الله تعالى عنهم استنبطوا من نصوص الشريعة ما لا يُحصى من الأحكام والوقائع، فكذلك هؤلاء علماءُ الباطن وأئمة الطريق استنبطوا أيضاً من نصوص الشريعة أحكاماً و وقائع في الباطن لا تُحصى، والكلُّ من طريق الاجتهاد الصحيح. فالاجتهاد واقعٌ في دولة الباطن كما هو واقعٌ في دولة الظاهر، ولا غِنَى بإحدى الدولتين عن الأخرى، فحقيقةٌ بلا شريعة باطلة، وشريعةٌ بلا حقيقة عاطلة أي ناقصة اهـ وانظر  « اليواقيت »(7).
      فالفريقان لا محالة يغترفان من عينٍ واحدة وكما أنه لا يخرجُ شيءٌ من علوم علماءِ الظاهر من الشريعة فكذلك لا يخرج من علوم علماء الباطن عنها
.
      قال في مقدمة
« الطبقات »: « وكيف تخرجُ علومُهم، أي أهل الباطن، عن الشريعة، والشريعةُ هي وصلتهُم إلى الله تعالى في كلّ لحظة » اهـ.
      فقد بانَ لك أن علم الباطن زبدةُ علم الظاهر ونتيجةُ العمل به على الوجْهِ الأكمل من إيقاعه، غيرَ مشوبٍ بالحظوظ والعِلَل
. ولهذا قال إمام الطائقة الجنيد(8)رضي الله تعالى عنه:
« علمُنا هذا مُشَيَّدٌ بالكتاب والسنة » اهـ، رداً على من توهَّم خروجَه عنهما. ومعنى كونه مشيداً على الكتاب والسُّنة أنه نتيجةٌ عن العمل بهما. قاله الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه، ثم قال: « وبذلك يفرقُ بينه وبين ما يظهرُ لأرباب النواميس(9)الحكميةِ ». قال: « وهذا لا يعرفُه إلا أصحابُ الذوق ».
      قلت
: وفي تعبيرِ إمام الطائفة رضي الله عنه بـ
« مشيّد » إشارةٌ إلى إنافةِ قَدْرِ علم الباطن وشرف درجته من حيث إنه لبُّ الشريعة وزبدتُها. وقد ذكر في « اليواقيت » ما يشهدُ له ونصُّه: « وقد رأيتُ في كتب الرعاية للشيخ عز الدين بن عبد السلام(10) سلطان العلماء بمصر في عصره ما نصُّه: « كلُّ الناس قعدوا على رسوم الشريعة وقَعَد الصوفيةُ على قواعِدها التي لا تزلزل » » اهـ.
      ثم قال في
« اليواقيت » بعده: "وقد بَلَغنا أنه، أي الشيخ عز الدينكانَ يقولُ قبلَ ذلكَ: « وهل ثمَّ طريقٌ للشريعة غيرُ ما بأيدينا من النقول »، ثم يقول: « من زَعَم بأَنَّ ثمّ علماً باطناً للشريعة غير ما بأيدينا من النقول فهو باطنيٌّ يقارب الزنديق »، فلما اجتمعَ بالشيخ أبي الحسن الشاذلي(11)بمصرَ وأخَذَ عَنه، صار يمدحُ طريق القوم كلَّ المدح ويقول: « إنها طريقٌ جمعتْ أخلاقَ المرسَلين ».
      قال
:
« وكان حجَّةُ الإسلامِ الغزالي(12) يقول مثل ما كان يقولُه ابن عبد السلام، فلما اجتمعَ بالصوفية وذاقَ طريقَهم صارَ يقول: « ضيَّعْنا عمرَنا في البطالة »، أي لما في العلم على طريقة أهل الجدل من غلبةِ القولِ على العمل ».
      ثم قال، أعني صاحب
« اليواقيت »: « والحقُّ أن الاشتغَال ليس ببطالةٍ وإنما هو أساسُ الطريق، فإنَّ من شأنِ أهل الطريق أن تكونَ جميعُ حركاتهم وسكناتهم محرَّرةً على الكتابِ والسنة، ولا يعرف ذلك إلا بالتبحُّرِ في علم الحديث والتفسير، فقولُ الغزالي هذا إنما هو قولٌ صدرَ منه حال عِشقه في طريق القوم، والعاشقُ حكمُه حكمُ السكران، ولو أنه تأمَّل في حاله لعَرَف ما قلناه في أن الفقهَ أساسُ الطريق، وأن غايةَ الصوفي أنه عالِمٌ عِمِلَ بعلمِه لا غير » اهـ.
      ونصوصُ الكُمَّلِ من مشايخ الطريق في هذا الباب واضحةٌ، وتصنيفُهم بما لهم فيه من جليِّ العبارات وسنيِّ الإشارات طافحةٌ، واقتصرنا منه على هذا القدر اليسير مما يفيد مُطْلَق التبصير في التعريف بمنشأ علوم الرجال، والإشارةِ إلى بعض ما امتازوا به في هذا المجال
. وقد اتَّضح بحمد الله تعالى أن منشأَ علومِهم إنما هو العملُ بالكتابِ والسنة بأحكامِ الشروط الإسلامية، والوفاء بالرُّبوطِ الإيمانية حتى ينقدح لهم في بواطِنهم من سواطعِ الأنوار الربانية ما يكشفُ لهم بإذن الله عن مخبآت أسرار الشريعة المطهَّرةِ وخفياتِ أنوار الحقائق العرفانية. فالعلم بعلم الباطنِ هو من أخَذَ حظّاً من علومِ الدراسة فأفادَه علمُ الدراسة العملَ بالعلم، وأفاده العَمَلُ علمَ الباطنِ فَصارَ مشارِكاً للعلماءِ في علومهم، وتميَّز عنهم بعلوم زائدة هي علوم الباطن، وتسمَّى أيضاً علوم الوراثة أخذاً من بعض الخبر:
« مَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ ورَّثَه الله عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَم ْ». وإنما أفادَهم العملُ بما عَلِمُوا علْم ما لم يعلموا لإحكامِهم أساسَ التقوى دونَ غيرهم، وقد قال تعالى: [وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ ] (البَقَرَة : الآية 282)، قال الشيخ محيي الدين: « أي ما لم تكونوا تعلمونَ بالوسائط من العلوم الإلهية، ولذلك أضافَ سبحانه التعليمَ إلى اسم الله الذي هو دالٌّ على الذات، وجامعٌ للأفعال والأسماء والصفات » اهـ.
      فإحكام أساسِ التقوى هو السلَّم الذي يُرتَقى به إلى إدراكِ العلوم الكبار، ويشرَفُ منه على فَهْمِ دقائق الأسرار
.
      قال في
« الحكم العطائية »: « كيف يشرقُ قلبٌ صور الأكوان منطبعةٌ في مرآته؟، أم كيفَ يرحلُ إلى الله وهو مكبَّلٌ في شهواتِه؟، أم كيفَ يطمعُ أن يدخلَ حضرةَ الله تعالى وهو لم يتطهّر من جنابات غفلاته؟، أم كيفَ يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟ » اهـ.
      يريد أنَّ فهْمَ دقائق الأسرار لا يكونُ إلا بتحقيق مقامِ التوبة، ولا يتحقّقُ مقام التوبة إلا بإحكام أساس التقوى، في الظاهر والباطن، والسرّ والنجوى،
. فأهل الطريق أحكموا أساس التقوى فتعلَّموا العلمَ لله وعمِلُوا بما علموا لموضعِ تقواهم، فَرَزَقهم الله علمَ ما لم يعلموا من غرائب العلوم، ودقائقِ الإشارات، ورقائق الفهوم، فاستنبطُوا من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم غرائبَ الأمور وعجائب الأسرار، فرسختْ أقدامهُم في العلم، فهُم العلماء الراسخون،  وأرضاهم، وأنالنا بمَحْضِ فضله وكرمه مما خصَّهم به وأولاهم آمين.
      قال الشيخ أبو بكر الواسطي رحمه الله تعالى
:
« الراسخونَ في العلم هم الذين رَسَخُوا بأرواحِهم في غيبِ الغيب وفي سرِّ السر، فعرَّفهم الحقُّ سبحانه وتعالى ما عرّفهم، وأراد منهم من مقتضى الآياتِ ما لم يرِدْه من غيرِهم، فخاضوا بحرَ العلم بالفهم لطلبِ الزيادات، فانكشفَ لهم من معاني الخزائن والمخزون ما تحت كلِّ حرفٍ وآية، فاستخرجوا الدّررَ والجواهرَ ونطقوا بالحكمة » اهـ.
      وقال
يحيي بن معاذ(13) رحمة الله تعالى:
« الْتَقَى أحمد ابن حنبل(14)وأحمد بن أبي الحواري،
      فقال ابن حنبل ل
ابن أبي الحواري:
« يا أحمد حدّثنا بحكايةٍ سَمِعْتها من أستاذك أبي سليمان »،
      فقال ابن أبي الحواري ل
ابن حنبل:
« يا أحمد قلْ سبحان الله بلا عجبٍ »،
      فقال
ابن حنبل:
« سبحان الله »، وطَوَّلها،
      فقال
ابن أبي الحواري: "سمعتُ أبا سليمان يقول:
« إذا عُقِدت النفوسُ على تَرْكِ الآثام جالتْ في الملكوتِ وعادتْ إلى ذلك العبد بطرائفِ الحكمة من غير أن يؤدِّي إليها عالم علماً ».
      فقام ابن حنبل ثلاثاً وجلس ثلاثاً وقال:
« ما سمعتُ في الإسلام بحكايةٍ أعجبَ إليّ من هذه »، ثم ذكر الحديث: «مَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ ورَّثَه الله عِلْمَ ما لمْ يَعْلَمْ»،
      ثم قال ل
ابن أبي الحواري:
« صدقتَ يا أحمد وصدَقَ شيخُك » »  اهـ.
      فاعلم أن العلومَ التي امتازَ بها أهل الله تعالى عمّن عداهم إنّما هي كما قاله الشيخُ
أبو عبد الله القرشي: « أسرارٌ يبديها الحقُّ تبارك وتعالى إلى أُمَنَاء الأولياء وساداتِ النبلاء، من غيرِ سَمَاع ولا دراسة، ولم يطلع عليها إلا الخواص ُّ» اهـ.
      وقال أبو سعيد الخراز رحِمَه الله تعالى
: « للعارفين خزائنُ أَوْدَعوها علوماً غريبة وأنباء عجيبةً يتكلَّمون فيها بلسان الأبدية، ويخبرون عنها بعبارةٍ أزلية، وهي من العلم المجهولُّ».
      قال في « العوارف»
: « وقولُه «بلسان الأبدية» و«عبارة أزلية» إشارةٌ إلى أنهم ينطقُون بالله» اهـ.
      وقوله «وهي من العلم المجهول» أرادَ به العلمَ الذي لا يهتدي إلى فهمه والاطِّلاع عليه إلا العلماءُ بالله تعالى، وهو المشارُ إليه في الحديث الذي رواهابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ أنه قال
: «إنَّ مِنَ العِلْمِ كَهَيْئَةِ المكْنُونِ لا يعلَمُه إلا العلماءُ بالله تعالى فإذا نَطَقُوا به لا يُنْكِرُه عَلَيْهِمْ إلاَّ أهْلُ الغرَّةِ بالله»" اهـ.
      وممّن صرَّح بأنَّ علم العارفين بالله تعالى هو المشارُ إليه [في] هذا الحديث العارفُ
ابن عبّاد الرندي(15): «فلا شك أن العارفين بالله تعالى هم الكاشفون بصريح العلم، وأن علمهم هو العلم اللدني الذي لا بقاء للجهل معه، كما أن طلوعَ الشمس لا بقاء للظلام معه. فهو العلم الصحيح الذي لا يتطرَّق إليه الفساد بحالٍ، لأنّه ليس من طريق الفكر.
      قال الشيخ
محيي الدين : « علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر، وإنما هي من الفَيْض الإلهي، وذلك لأن علومَ الفكر يتطرَّق إليها الفساد والصحَّة، فهي مظنونةٌ فلا يوثق بما تعطيه ». قال: « وأعني بأصحابنا أصحابَ القول والمشاهدة لا العباد والزهاد ولا مطلقَ الصوفية إلا المحققين منهم، ولهذا يقالُ في علوم النبوة والولاية إنها وراءَ طور العقل ليس للعقل فيها دخول، ولكن له القبول إذا كان سليماً لم تغلب عليه شبهةٌ خيالية فكرية يكون من ذلك فساد نظر »» اهـ.
      فإذن اسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من غيرهم، فإنهم هم الذين يدعون إلى الله على بصيرة
. قال الشيخ محيي الدين عقب كلام له في هذا المعنى، وقال في «العوارف» عقب كلام في المعنى أيضاً:
      « وهذا العلمُ – يعني علم العارفين بالله تعالى – هو الفقه في الدين، وقد قال تعالى [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ]
(التوبَة : الآية 122) فصارَ الإنذارُ مستفاداً من الفقه في الدين، والإنذارُ هو إحياء المنذر بماء العلم، فالإحياءُ بالعلم رتبةُ الفقه في الدين فصار الفقه في الدين أكمل المراتب وأعلاها، ومن هنا اختصَّ علماء الباطن بالدلالة على الله والهداية إلى الطريق الموصلة إليه سبحانه وتعالى دون غيرهم».
      و ذكر في «اليواقيت والجواهر» أن مما اختصَّ به علماء الباطن عن غيرهم علمَهم بالطريق الموصلة إلى العمل بالكتاب والسنة
. قال: « فإذا قلت لهم مقصودي أن أزهد في الدنيا بحيث لا يبقى عندي ميلٌ عادي إليها مثلاً، يقولون لك: أكثرْ من ذكر الله تعالى ليلاً ونهاراً حتّى يرقَّ حجابكَ فتدرك الآخرة بعين بصيرتك، وتنظرَ ما لمن يزهد في الدنيا من الدرجات والنعيم، فإذا رأيت ذلك زهدت لا محالة في الدنيا، ولو قال لك جمهورُ الناس ارغب في الدنيا لا تُصْغِ إليهم ». قال : « ولو أنك قلتَ ذلك لعالم، أي بعلم الظاهر فقط، لقال لك: إن الله أمرك أن تزهد فازهدْ، ولا يهتدي إلى الطريق الموصلة إلى ذلك، فحكمه حكمُ طبيبِ يحفظ كتاباً في الطبّ ولا يعرف كيفية علاج المرض » اهـ.
      ومما اختصَّ به علماء الباطن أيضاً عمّن سواهم معرفتهم بأمراض القلوب على كثرتها واختلاف أنواعها باختلاف مراتب النفس، ومعرفتهم بأدويتها جملةً وتفصيلاً
. ومن ذلك أيضاً معرفتهم بآداب حضرات الحقِّ جلَّ وعلا في بساطِ التكاليف الشرعية في جميع مقامات الدين، فإن لكلِّ مقام منها آداباً تخصُّه لا يعرف الطريقَ الموصلة إلى العمل بتلك الآداب إلا علماء الباطن.
      قال الشيخ العارف بالله تعالى سيدي عبد الوهاب الشعراني في « طبقاتـ »ـه
: « وكانَ سيدي علي بن سيدي محمد وفا يقول: « من المتفقّهين تستفيد دعوى العلم بأحكام الدين، ومن العلماء العاملين تستفيد العملَ بأحكام الدين، فانظرْ أي الفائدتين أقربُ قربى عند ربِّ العالمين فاستمسِك بها، وإذا قال لك المتفَقّهون: ماذا استفدت من الصوفية الصادقين؟ فقل لهم: استفدتُ منهم حسنَ العمل بما استفدته منكم من أقوالِ أحكام الدين » اهـ.
      ومنها في ترجمة الشيخ سيدي علي المذكور
: « وكما اختصَّ علماء الباطن بمعرفة الطريق الموصلة إلى الأعمال الشرعية الظاهرة والباطنة في بساط المعاملات، فكذلك اختصُّوا أيضاً بما لم يشاركهم فيه غيرهم من علوم المعارف الإلهية والحقائق الفردانية في بساط المكاشفات وحظوات المشاهدات، لأنهم حصلوا على علم التوحيد الخاصِّ بالكُمَّل من الخواصِّ من طريق الكشف الحقاني والشهود العياني، وهذا العلم هو الذي تقدَّم لنا أنه يسمَّى «علم المكاشفة» لأن صاحبه يكاشفُ من المعرفة بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وبصفاته العليا بما لا تدركه العقول، ولا يأتي عليه المقول. وهو أعلى الدرجات في التوحيد، لأنه إما تقليدي وهو توحيد العوام، وإما نظري وهو توحيد أهلِ النظر من علماء الظاهر القاصرين عن مرتبة أهل الأذواق العرفانية، وإما كشفي شهودي وهو توحيدُ العارفين بالله تعالى.
      وهذا العلم، حسبما تقدَّم، هو النوع الثاني من نوعَيْ علم الباطن، وهو نتيجة العلم بالنوع الأول الذي هو علم المعاملات في الظاهر والباطن كما أن علم المعاملات نتيجة علم الظاهر
.
      فقد اتضح لك بحمد الله تعالى منشأ علوم أهل الكمال، وعثرتَ على بعض ما يشير إلى ما امتازوا به من أسرار الأذواق على طريق الإجمال
.
[ تنبيه]
[ تذييل]
[ تحذير]
      وليكنْ هذا القدرُ فيما أردْنا في هذا المطلب إيراده مما ينتفع به إن شاء الله تعالى كلُّ محبٍّ راغب في طريق الإرادة، وأعوذ بالله تعالى أن أدّعي فيما أتيتُ من هذه النقول إشرافاً على شيء من أذواق أصحابها الأكابر الفحول، وإنما هو شيء أوردتُه على حسبِ ما تعلَّقته، ليكون لي ولمن وافقني في تعقله تذكرةً وتبصرةً في الغرض الذي قصدتُه، والمرمى الذي انتحيته، وجلَّتْ علوم أهل الله تعالى أن يتصرَّف فيها ببضاعة العقل وخصوصاً في زمن انطمست فيه معالم الخير، واندرست فيه مراسم الفضل، واستولت على أهله إلا من عَصَمه الله بفضلِه عوارِضُ الهوى، فارتكموا
(16) في أودية الضلالِ والجهل. قفي واسمعي، وإياكِ أعني يا جاره، وليس إلى غير نفسي يُساق حديثُ هذه الإشارة.
      وقديماً قال الأستاذ السهروردي بعد أن تكلَّم في بيان شرف علم الطريق وشفوف مرتبته وعلوِّ قدرِه ومنزلته ما نصُّه
: « وقد انذثر كثيرٌ من علومهم كما انطمسَ الكثيرُ من حقائق رسومهم ».
      ثم قال
: "وقالَ الجنيد : « علمنا هذا طوي بساطه منذ كذا سنة، ونحن الآن نتكلَّم في حواشيه » اهـ.
      ثم قال
: « هذا القولُ من الجنيد في وقته مع قرب العهدِ من علماء السلف وصالحي التابعين، فكيف لنا ذلك مع بعد العهد وقلة العلماء الزاهدين والعارفين بحقائق الدين » اهـ.
      وأقول
: هذا من الأستاذ السهروردي في زمانه الصالح المستضاء فيه بغررِ أمثاله القادة الأعيان، فأنَّى لنا ذلك ونحن في آخر ذَنَبِ الأزمان، مع ما غلب من استيلاء الغفلة واستحواذ الشيطان، وتراكم ظلم الغواية والخذلان.
اللهم إنا نسألكَ العافيةَ الكاملة الدائمة الشاملة بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين
.



(1) أراد بـ«الأنفال»: العلوم المنقولة نَقْلاً.
(2)هذه كناية عن استحقاق كلام أهل الله لبذل الجهد والمشقة.
(3)أبو يزيد البسطامي: طيفور بن عيسى البسطامي، زاهد مشهور، له أخبار كثيرة، كان ابن عربي يسميه: أبا يزيد الأكبر. نسبته إلى بسطام (بلدة بين خراسان والعراق)، أصله منها ووفاته فيها (188-261هـ). وفي المستشرقين من يرى أنه كان يقول بوحدة الوجود، وأنه ربما كان أول من قال بمذهب الفناء، ويعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية.
انظر «طبقات الصوفية»: 67-74، و «وفيات الأعيان»: 1/240، و «ميزان الاعتدال»: 1/481، و «حلية الأولياء»: 10/33.
(4) محيي الدين : محمد بن علي بن محمد، ابن العربي، ابو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بمحيي الدين بن عربي، الملقب بالشيخ الأكبر. فيلسوف، من أثمة المتكلمين في كل علم. ولد في مرسية بالأندلس وانتقل إلى إشبيلية، ثم زار الشام والعراق والحجاز، وأنكر عليه أهل الديار المصرية، فعمل بعضهم على إراقة دمه وحبس ونجا، واستقر في دمشق وتوفي فيها سنة 638هـ.
يقول الذهبي: هو قدوة القائلين بوحدة الوجود. له نحو أربعمائة كتاب و رسالة. انظر «فوات الوفيات
»: 2/241، و «جذوة الاقتباس»: 175، و «ميزان الاعتدال»: 3/108، و «لسان الميزان»: 5/311.
(5)عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي، نسبة إلى محمد ابن الحنفية، الشعراني، أبو محمد، من علماء المتصوفين، ولد في قلقشندة بمصر ونشأ بساقية أبي شعرة، وإليها نسبته، وتوفي في القاهرة سنة 973 هـ وله تصانيف كثيرة.
انظر
«آداب اللغة»: 3/335، و«الشذرات»: 8/372، و«خطط مبارك»: 14/109.
(6)الخواص: هو إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل، أبو إسحاق، صوفي. كان أوحد المشايخ في وقته، من أقران الجنيد. ولد في سرّ من رأى ومات في جامع الري. قال الخطيب البغدادي: له كتب مصنفة. و الخواص معناه : بائع الخوص. مات سنة 291.
انظر
« تاريخ بغداد»: 6/7، والشعراني في «الطبقات»: 1/83 وفيه «إبراهيم بن إسماعيل».
(7) أي كتاب «اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر»، للشعراني.
(8)هو الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، أبو القاسم، صوفي من العلماء بالدين، مولده ومنشؤه ووفاته ببغداد، كان يعمل الخز، أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد، وقال ابن الأثير: إمام الدنيا في زمانه. وعده العلماء شيخ مذهب التصوف. مات سنة 297هـ.
انظر «وفيات الأعيان»: 1/117، و "حلية الأولياء»: 10/255، و «صفة الصفوة»: 2/235، و «تاريخ بغداد» :7/241، و «الكامل» لابن الأثير.
(9) النواميس: القوانين والشرائع.
(10) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين، الملقب بسلطان العلماء، فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد. ولد ونشأ في دمشق، وزار بغداد وعاد إلى دمشق فتولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي، ثم الخطابة بالجامع الأموي، وانتقل إلى مصر بعد أن حبس، وتوفي بالقاهرة سنة 660هـ، وله كتب كثيرة.
انظر «وفيات الأعيان»: 1/287، و «طبقات» السبكي : 5/80-107، و «مفتاح السعادة»: 2/212.
(11)هو علي بن محمد بن محمد بن خلف المنوفي المصري الشاذلي، أبو الحسن، من فقهاء المالكية، مولده ووفاته في القاهرة (857 -939 هـ)، له تصانيف كثيرة.
انظر «خطط مبارك»: 16/49، و «شجرة النور»: 272.
(12) الغزالي: محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام، فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف. مولده ووفاته في الطابران بخراسان، رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد ثم إلى الحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته ونسبته إلى صناعة الغزل أو إلى غزالة (من قرى طوس)، وله كتب كثيرة منها «إحياء علوم الدين» و «تهافت الفلاسفة». مات سنة 505هـ.
انظر «وفيات الأعيان»: 1/463، و «طبقات الشافعية»: 4/101، و "شذرات الذهب»: 4/10، و «آداب اللغة»: 3/97.
(13) يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، أبو زكريا، واعظ زاهد، لم يكن له نظير في وقته، من أهل الري. أقام ببلخ، ومات في نيسابور، وله كلمات سائرة كثيرة. مات سنة 258هـ.
انظر «طبقات الصوفية»: 107-114، و «صفة الصفوة»: 4/71.
(14) هو أحمد بن محمد بن حنبل، ابو عبد الله، الشيباني الوائلي، إمام المذهب الحنبلي، و أحد الأئمة الأربعة، أصله من مرو، وكان أبوه والي سرخس، ولد في بغداد سنة 164هـ ونشأ منكباً على طلب العلم، وسافر في سبيله أسفاراً كثيرة إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام وغيرها. وصنف كتباً كثيرة. ومات سنة 241 هـ.
انظر ابن عساكر: 2/28، و «حلية الأولياء»: 9/161، و «صفة الصفوة»: 2/190، و ابن خلكان: 1/17.
(15) محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد النضري الحميري الرندي، أبو عبد الله، المعروف بابن عباد، متصوف، باحث، من أهل رندة بالأندلس. تنقل بين فاس وتلمسان ومراكش وسلا وطنجة واستقر خطيباً بفاس، وتوفي فيها سنة 792 هـ.
انظر «نفح الطيب»: 3/178، و «جذوة الاقتباس».
(16) ارتكموا : اجتمعوا.

علم المعاملة


أصولُ علم المعاملة، وحقيقة النظرُ في تصفية القلبِ وتهذيبِ النفس، باتقاء الأخلاق الذميمة التي ذمَّها الشرعُ كالرياء والعُجْب وحب العلوِّ والثناء والفخر ليتَّصف بالأخلاق الحميدة كالإخلاص والشكر والصبر والزهد والتقوى والقناعة، ليصلحَ عند إحكامِه لذلك لعمِله بعلمه ليرثَ ما لم يعلم، فعلمُه بلا عملٍ وسيلةٌ بلا غاية وعكسه جناية، واتفاقُهما بلا وَرَع كلفةٌ بلا أجرة، فأهمُّ الأمور زهد واستقامة لينتفعِ بعلمه وعمله، وهذا النوع فرضُ عينٍ في تقوى علماء الآخرة، فالمعرضُ عنه هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالكٌ بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا.
×

علم المكاشفة


وأما النوع الثاني فهو علم المكاشفة، وهو نورٌ يظهر في القلبِ عند تزكيةِ النفس فتظهر به المعاني المجمَلة فتحصلُ لصاحبه المعرفةُ بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وكتبه ورسله، وتنكشفُ له الأستار عن مخبآت الأسرار، فافهمْ وسلِّمْ تسلمْ، ولا تكن من المنكرين، فتهلك مع الهالكين، وهذا النوعُ هو الذي قال فيه بعض العارفين : مَنْ لم يكنْ له نصيبٌ من هذا العلم أخشى عليه سُوءَ الخاتمة، وأدنى النصيب منه التصديقُ به وتسليمُه لأهله والله تعالى أعلم اهـ وانظر « إرشاد الساري».
×

تنبيه


[تنبيه] ما تقدَّم لنا من أن العالم بعلم الباطن هو العالم العاملُ بعلمه إلخ، ربما تبادر منه أن شرطَ الاتصاف بعلم الباطن تقدُّم التغلغل في علم الظاهر والإحاطة بعلوم الشريعة وليس ذلك بمراد، وإنما المرادُ تقدّم ما تقومُ به فروضُ الأعيان، أي ما يحتاج إليه من علوم الشريعة من كلِّ ما يتوقّف المريدُ عليه في سلوكه، إذ كثيرٌ من العلوم الظاهرة لا مدخل لها في السير والسلوك، وإلا لزم الحطُّ من مرتبة كثير من فحول الطريقة، فقد كان كثير منهم غير متضلِّعين بعلوم الشريعة، والظاهر أنه إنما تشترطُ الإحاطة بعلوم الشريعة في الكمَّل من الأولياء كالأقطاب ونحوهم. اهـ باختصار من « الجيش » ناقلاً له عن المسناوي فراجعه إن شئت.
وقد نقلَ الشعراني عن سيدي علي الخوَّاص ما في «الطبقات» وغيرها في هذا الباب ما يشنِّفُ الأسماع (1) ويقعُ به الإمتاع، وملَخّصه أن الكاملَ من الرجالِ يحيطُ من طريق كشفِهِ الحقيقي بأحكام الشريعة كلِّها أصولها وفروعِها ومنطوقها ومفهومها وناسخها ومنسوخها وسائر أحكامها وعِلَلها ووجوه استنباطاتها وغير ذلك مما يتعلق بها، حتى لو فُرِض اندثارُ دواوينها جملةً وتفصيلاً لأملاها من صدره بحيثُ لا يترك مسألةً منها، اهـ.
و الظاهر أن المراد بهذا الكامل الموصوف بهذه الخصوصية القطبُ الكبير لا غيره، لأنه هو الذي يُفاض عليه سرُّ القرآن العظيم. قال سيدنا أبو العباس التجاني(2) : « سرُّ القرآن لا يعلمه إلا القطبُ الكبير، وإن كان لا يحفظُ القرآن، فإنه يفسِّره بعلمٍ يُفاض عليه، بخلاف الحفظ فإنّه لا يفاضُ عليه، ولا بد أن يقرأه كما تقرؤه العامة ُ» اهـ الغرضُ من كلامه(3) هنا .
وقد صرَّح في بعض أجوبته حسبما في « جواهر المعاني » بأنه لا يحيط بمعرفة أحكام الشريعة وجميع العلوم التي يحتاج إليها الناس إلا الفردُ الجامع، لأنه هو الحاملُ للشريعة في كلِّ عصر، ولو كان أمّياً لم تسبقْ له قراءة، اهـ.



(1) شنَّف الآذان: أمتعها.
(2) أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد الشريف التجاني، أبو العباس، شيخ الطائفة التجانية بالمغرب. كان فقيهاً مالكياً عالماً بالأصول والفروع، ملماً بالأدب، تصوَّف ووعظ وأقام مدة بفاس وتلمسان، واستقر بفاس إلى أن مات سنة 1230هـ.
انظر "شجرة النور": 258.
(3) قوله «اهـ الغرض» يعني (انتهى الغرض...).
×

تذييل


[تذييل] يكون لما أوردناه في هذا المطلب كالتتمة والتحصيل بهذا الذي تقرَّر في هذا المطلب من بيان منشأ علوم أهل الله تعالى، وأرضاهم، يتحقَّق المنصفُ المشفق على نفسه من النار وعلى دينه من اللحاق فيه بأهل البوار(1) أن جميعهم على هدًى من الله تعالى، وعلى بيِّنةٍ منه سبحانه في جميع ما يأتون وما يذَرُون(2)، لا يخرجون عن الشريعة المطهَّرة فيما يُسِرُّون به ولا فيما يجهرون، وأنهم كما قال في « اليواقيت والجواهر »:
« كالأئمة المجتهدين، لا ينبغي لأحد أن ينكرَ عليهم كلامَهم إلا بعد أن يدخلَ طريقَهم ويعرفَ مصطلحَهم، وأن جميع من شَطَح منهم عن ظاهر الشريعة إنما هو دخيلٌ فيهم، أو غلبَ عليه حالٌ، أو كان مبتدئاً في الطريق، وأما الكاملون فطريقُهم محرَّرة على الآداب تحريرَ الذهبِ، إذ هم حماةُ الدين وأنصاره »،  اهـ الغرض من كلامه في هذا المحل.
وقال في محل آخر من هذا الكتاب أيضاً: « سببُ إنكار بعض الناس على أهل الطريق إنما هو دقةُ مَدَارِكهم، ولو أن المنكرَ لزمَ الأدب لسلّم للقومِ كلُّ ما خالفَ فهمه مما لم يعارض كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً » اهـ.
قلت: ولا سبيل له إلى معرفة ما لم يعارض الكتاب والسنة والإجماع إلاّ بالإحاطة بأقوال جميع المجتهدين ومعرفة سائِر مَنَازعهم وقواعدهم التي أسسوا عليها مذاهبهم، وأنَّى لهؤلاء المتهوّرين عَفَا الله عنا وعنهم ذلك؟ وكيف لهم الوصولُ إلى ما هنالك؟ فحسبُهم لو كانوا يفقهون التصديقَ بما أدركوه، والتسليم لما لا يفهمون، وانظر « الذهبَ الإبريزَ » فيما يتعلَّقُ بهذا الباب، فقد أجادَ مؤلِّفُه فيه بما لا يحيدُ عن قبوله إلا حائدٌ عن الصواب متنكّبٌ نهْجَ أولي الألباب، وربما ألممْنا ببعض ذلك إن شاء الله تعالى أثناءَ هذا الكتاب.
وقال الشعرانيالشعراني أيضاً في الكتاب المذكور بمحلِّ آخر أيضاً ناقلاً عن الشيخ محيي الدين  أنه قال: « لا يخفى أن أصلَ الإنكار من الأعداء المبطلين، إنما ينشأ عن الحسد، ولو أن المنكِرين تركوا الحسد وسلكوا طريقَ أهلِ الله تعالى لم يظهرْ منهم إنكارٌ، وازدادوا علماً إلى علمهم، ولكن هكذا كان الأمر، فلا حولَ ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ».
قال: "ثم قال، يعني الشيخ محيي الدين : « وأشدُّ الناس عداوةً لأصحاب علوم الوهبِ الإلهي في كلِّ زمن أهلُ الجدال بلا أدبٍ، فهم لهم من أشد المنكرين ».
قال: « وما علمَ العارفون منهم ذلك عَدَلوا إلى الإشارة كما عدلت مريم إلى الإشارة، فلِكُلِّ آيةٍ أو حديثٍ عندَهم وجهان: وجهٌ يرونه في نفوسِهم، ووجه يرونه فيما خَرَجَ عنهم؛ قال سبحانه وتعالى [سَنُرِيهِمْ ءايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِم] (فُصَلَت: الآية 53) فيسمون ما يرونه في أنفسهم إشارةً ليأنَسَ المنكِرون عليهم، ولا يقولوا إن ذلك تفسيرٌ لتلك الآية أو الحديث، وقايةً لشرهم ورَمْيهم لهم بالكفر جهلاً من الرامين بمواقع خطابِ الحقّ سبحانه وتعالى. واقتدوا في ذلك بسنن من قبلهم، والحقُّ سبحانه وتعالى كان قادراً أن ينصَّ ما تأوَّله أهلُ الله وغيرُهم في كتابه كآيات المتشابهات والحروف أوائل السور، ومع ذلك فما فعل سبحانه وتعالى بل أدرج في تلك الكلمات الإلهية والحروف علوماً اختصاصية لا يعلمها إلا عبادُه الخُلَّص. ولو أن المنكرين كانوا ينصفون لاعتبروا في أنفسهم إذا رأوا الآية بالعينِ الظاهرة التي يسلمونها فيما بينهم، فيرونَ أنهم يتفاضَلُون في ذلك ويعلمون المزية لبعضهم على بعض في الكلام والفَهْم في معنى تلك الآية، ويقرُّ القاصرُ منه بفَضْلِ غير القاصرِ عليه وكلُّهم في مجرى واحد، ومع هذا التفاضُلِ المشهور فيما بينهم ينكرون على أهل الله إذا جاؤوا بشيء يغمض عن إدراكهم ».
قال: « وكلُّ ذلك لكونهم لا يعتقدون في أهل الله أنهم يعلمون الشريعة، وإنما ينسبونهم إلى الجهل والعامية، لاسيما إن لم يقرؤوا على أحدٍ من علماء الظاهر، وكثيراً ما يقولون: من أين أُتي هؤلاء العلمَ لاعتقادهم أن أحداً لا ينالُ علماً إلا على يد معلم وصدَقوا في ذلك، فإن القومَ لما عملوا بما علِمُوا أعطاهم الله تعالى علماً من لدنه بإعلام رباني أنزله في قلوبهم مطابقاً لما جاءت به الشريعة، لا يخرجُ عنها ذرة. قال تبارك وتعالى [خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ] (الرحمن: الآيتان 3-4)، وقال [عَلَّمَ الإنْسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ](العَلق: الآية 5)، وقال في عبده خضر [وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً] (الكهف: الآية 65). وصدق المنكرون في قولهم: إن العلم لا يكون إلا بواسطَةِ معلِّم وأخطؤوا في اعتقادهم أن الله تعالى لا يعلِّم من ليس بنبيّ ولا رسولٍ، قال تعالى [يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ] (البقَرَة: الآية 269) والحكمة هي العلم، وجاءَ بـ «من» وهي نكرةٌ ولكن هؤلاء المنكرون لما آثروا الدنيا على الآخرة وعلى ما يقربُ إلى الله وتعوَّدوا أخذَ العلم من الكتب ومن أفواه الرجالِ حَجَبهم ذلك عن أن يعلموا أن لله تعالى عباداً تولَّى تعليمَهم في سرائرهم، إذ هو سبحانه المعلِّم الحقيقي للوجود كلِّه، وعلمهُ هو العلم الصحيح الذي لا يشك مؤمنٌ ولا غيرُ مؤمن في كماله ».
ثم قال بعد كلام: « فاعلم أن من كان معلِّمه الله كان أحقَّ بالاتباع لمن كان معلِّمه فكره، ولكن أين الإنصافُ! ».
ثم قال بعد كلام: « وأينَ تكذيبُ هؤلاء المنكرين لأهل الله تعالى في دعواهم العلمَ من قولِ مولانا علي بن أبي طالب : « لو تكلَّمْتُ لكم في تفسير سورة الفاتحة لحملُتُ لكم منها سبعينَ وقْراً »(3)، فهل ذلك إلا من العلم اللدني الذي آتاه الله تعالى من طريق الإلهام، إذ الفكرُ لا يصِلُ إلى ذلك ».
قال: « وقد كان الشيخ أبو يزيد البسطامي  يقول لعلماء زمانِه: « أخذتُم علمكم ميتاً من ميتٍ وأخذْنا عِلْمنا عن الحيِّ الذي لا يموت ».
وكان الشيخ أبو مدين  يقول لأصحابه إذا سمع أحداً منهم يقول «أخبرني فلان»: « لا تطعمونا القديد »(4)، يريد بذلك رفْعَ همَّة أصحابِه، يريدُ لا تحدِّثوا إلا بفتوحِكم الجديد الذي فتحَ الله تعالى به على قلوبكم في كلام الله تعالى وكلام رسول الله ، فإن الواهبَ للعلم الإلهي حي لا يموت، ليس له محلٌّ في كل عصر إلا قلوبَ الرجال. فتلخَّصَ من هذا كله أن علومَ أهل الله تعالى مراتب ربانية ومنائح حقانية استنزلها صفاء السرائر وخلوص الضمائر، فاستعصتْ بكُنْهِها على الإشارة، وطفحت على العبارة  »اهـ.
وإنما استعصَت على الإشارة لأنها أمورٌ شهودية ذوقية، وما كان كذلك لا يستعمَلُ فيه إلا الإشارة، لأن العبارةَ لا تزيده إلا غموضاً. قال الشيخ علي الروذباري: « عَلِمْنَا هذا إشارةً، فإذا صارَ عبارةً خفي » اهـ. ومن هنا احتاج أهلُ الله تعالى إلى وضْع الإشاراتِ المصطَلَح عليها فيما بينهم فيتكلَّمون بها عند حضور الغيرِ وفي تآليفهم ومصنَّفاتهم لا غير، ولم يضَعُوها لأنفسهم لأنهم يعرفون الحقَّ الصريح في ذلك، والحاملُ لهم على وضعها الشفقةُ على الدخيل بينهم، خشيةَ أن يسمع منهم أو يرى في تأليفهم شيئاً لا يصِلُ إليه فهمُه فينكره فيعاقَبُ بحرمانِ علمه، فلا يعلمه بعد، والعياذ بالله تعالى، اهـ نقله في « اليواقيت » عن الشيخ محيي الدين .
قال: « ومن أعجبِ الأشياء في هذه الطريق، ولا يوجد إلا فيها، أنه ما من طائفة تحملُ علماً من المنطقيين والنُّحاة وأهل الهندسة والحساب والمتكلمين إلا ولهم اصطلاحٌ لا يعلمُه الدخيلُ فيهم إلا بتوقيف من الشيخ أو من أهل هذا الفن، لا بد من ذلك إلا أهل هذه الطريقة خاصةً، فإن المريد الصادقَ إذا دخلَ طريقَهم وما عنده خبرٌ مما اصطلحوا عليه وجَلَسَ معهم وسمع منهم ما يتكلَّمون به من الإشارات فَهِمَ جميعَ ما يتكلمون به، حتى كأنه الواضعُ لذلك الاصطلاح، ويشاركهم في ذلك ولا يستغرب ذلك من نفسه، بل يجدهُ علماً ضرورياً لا يقدِرُ على دفعه، فكأنه لا يزالُ يعلمه ولا يدري كيف حصَلَ له، هذا شأن المريد الصادق، وأما غيره فلا يعرف ذلك إلا بتوقيفٍ منه » اهـ.
قلت: وذلك لأن المريدَ الصادق لا يرى إلا ما يسَّره وكل ما أشْكَلَ عليه في طريقه يلهمُه الله تعالى فهمَه، وذلك من ثواب صِدْقة، بخلاف غيره فإنه لا يعرفُ شيئاً من ذلك إلا بتوقيفٍ من شيخ مربٍّ أو أخ مرشدٍ لا غير، وهذا لا يجوز له الخوضُ في علم الطريق حتى يعرف ما اصطلحوا عليه، أي ما اصطلح عليه أهل الطريق فيما يتكلمون به من الإشارات في تأليفهم.
قال بعض الشيوخ: « من لم يعرفْ ما اصطلحنا عليه لا يجوز له الخوضُ في طريقنا » اهـ. ومن هنا كان الأستاذ القشيري(5) يقول: « انهوا المريدَ أن يطالع في شيء من كتبِ القوم من غير قراءةٍ على شيخ أو أخ عارفَ بما اصطلحوا عليه اهـ. وكان بعضُ العارفين يقول: « نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكنْ من أهل طريقتنا، وكذلك لا يجوزُ أن يُنْقَل كلامُنا إلا لمن يؤمن به، فمَنْ نقله لمن لا يؤمن به دخَلَ هو والمنقولُ إليه جهنم. وقد صرَّح بذلك أهلُ الله تعالى على رؤوس الأشهاد، وقالوا: « من بَاحَ بالسرِّ استحقَّ القتل » » اهـ.
فإن قيل: هلاَّ طوى العلماءُ من أهل الطريق بساطَ التأليف والتصنيف في مثل هذه العلوم وأمسكوا عن الخوض في رقائق الإشارات ودقائق السرِّ المكتوم، لأن الكلام في ذلك ربما ضرَّ بالقاصرين من الفقهاء فضلاً عمَّن عداهم، ربما خفيَتْ وجوهُ المخرج فيه عن بعض النبلاء، فضلاً عمن سواهم! أَمَا كان عندَهم من المحكمةِ والنظر للخلق بعينِ الشفقة والرحمة ما يمنعهم من الخوضِ في ذلك والتقحُّم لمضايقِ هاتيك المسالك!
قلنا: قد ذكر في « اليواقيت والجواهر » عن العارف بالله تعالى سيدي علي بن وفا  أنه قيلَ له مثل هذا، فأجاب بقوله : « يقال لهذا القاتل: أليس الذي أطْلَع شمسَ الظهيرة ونَشَر ناصعَ شُعاعها مع إضراره بأبصار الخفافيش ونحوها من أصحاب الأمزجة الضعيفة عليماً حكيماً؟، فإن قال: صحيحٌ ذلك و لكن عارَضَ ذلك مصالح أُخَر تربو على هذه المفاسد، قلنا له: وكذلك الجوابُ عن مسألتك، فكما أن الحقَّ سبحانه وتعالى لم يتركُ إظهارَ أنوار شمس الظهر مراعاةً لأبصارِ من ضعف بصرُه فكذلك العارفون لا ينبغي لهم أن يراعوا أفهامَ هؤلاء المحجوبين عن طريقهم، بل الزاهدين فيها، بل المنكرين عليها ». وأطال أعني العارف ابن وفا في ذلك، ثم قال: "دوّن المجتهدون من التابعين ومن بعدهم ما استنبطوه من الكتاب والسنة ليستعان بها على هوى النفس وحبِّ الرياسة والجاه وكسْبِ الدنيا به، والمزاحمة على التقرُّب من الملوك والأمراء،
والله ما كانَ ذلك قصدَهم، ولكن كان أمرُ الله قدراً مقدوراً". ثم قال : "فكما أن المجتهدين لم يمنعوا من تدوين العلم الذي يكتسب الناسُ به بعض الدنيا، بل جعل الشارعُ لهم أجر نيَّتهم الصالحة، وإن لم يعمل الناس بذلك، فكذلك العارفون لهم أجرُ نيَّتهم وقصدهم الصالح من نفع المريدين، بما وضعوه من الحقائق الكاشفة لمشكلات علم التوحيد وأمراض القلوب". ثم قال : « ومن فوائد تدوينهم تلقيحُ قلوب الناظرين في رسائلهم من بعدهم، فيظفروا من تلك المعاني بما يرقيهم ويبعث سحائبَ الرحمة على قلوبهم وعلى ألسنتهم، فتشرق أرضُ قلوبهم بنُور رشدهم، وتحيا بأثر هدايتهم، فنابتْ عنهم رسائلُهم في نصح المريدين من بعد موتهم. وكان تدوينُ معارفهم وأسرارهم من أحقِّ الحقوق عليهم، لكون غيرهم لا يقوم مقامَهم في تدوين أدوية أمراض القلوب، وآداب حضراتِ الحقِّ تعالى في جميع الأمور المشروعة، فإن لكلِّ مقام حضوراً وآداباً تخصُّه » اهـ.
وإنما أرخينا من عنان القلم في جلبِ هذه الأنقال هنا تتميماً للفائدة المقصودة من هذا المطلب الشريف، وتنشيطاً لِهمَم المريدين على التعلُّق بمرقب هذا العلم السنيّ المنيف، إذ لا محالة أنه العلم النافع، والنورُ الذي يقذفه الله تعالى في قلب من شاء من خواصِّ عباده بلا منازع ولا مدافع.
قال الإمام المحدث الصوفي أبو عبد الله سيدي محمد ابن علي الترمذي رحمه الله تعالى ورضي عنه: « العلم النافعُ هو الذي تمكَّن في الصدر وتصوَّر، وذلك أن النورَ إذا أشرق في القلب وتصوَّرت الأمورُ حَسَنُها وسيئها وقعَ بذلك ظلٌّ في الصدر، فهو صورةُ الأمور، فيأتي حَسَنها ويجتنب سيئَها، فذلك العلم النافع، فمن نُور القلب خرجتْ تلك العلاماتُ إلى الصدرِ، وهي علامات الهدى والعلم الذي تتعلّمه، وهو علم اللسان، إنما هو شيء قد استودع الحفظ، والشهوة غالبةٌ عليه، قد حاطتْ به وأذهبت بظلمتها ضوءه » اهـ.
وهذا العلم – أعني العلم النافع – هو المرادُ في قول إمام الأئمة مالك بن أنس(6) : « ليس العلمُ بكثرةِ الروايات وإنما هو نورٌ يقذِفُه الله في القلوب » اهـ.
قال سيدي أبو عبد الله بن عباد رحمه الله تعالى ورضي عنه: « ومنفعةُ العلمِ أن يقرِّب العبدَ من ربِّه وأن يبعده عن رؤية نفسِه، وذلك غاية سعادته ومنتهى طَلَبه وإرادته » اهـ. وقد نَقَلَ رحمه الله تعالى في حقيقة العلم النافع عن الإمام الجنيد  عبارةَ وجيزة سنية جامعة لما دارَ عليه مقصدُ علوم الصوفية، وهو معرفة الله تعالى وحسنُ الأدب بين يديه سبحانه وتعالى فقال: "قال الجنيد رحمه الله تعالى: « العلمُ أن تعرف ربَّك ولا تعدُو قَدْرَكَ » اهـ. ثم قال رحمه الله: "وهذه العلوم هي العلومُ التي ينبغي للإنسان أن يستغرقَ فيها عمرَه الطويل، ولا يقنع منها بالكثير ولا بالقليل. قال سيدي أبو الحسن الشاذلي : « من لم يتغلغل في هذه العلوم – يعني علوم أهل الله تعالى – مات مُصِرّاً على الكبائر، وهو لا يعلم » اهـ. قال سيدي محمد بن عبد رحمه الله تعالى: « وما سوى هذه العلوم قد لا يُحتاج إليها وربما أضرَّ بصاحبها مداومته عليها، وقد استعاذَ رسولُ الله  من علم لا ينفع »(7) اهـ.
وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى مشيراً إلى بيان منفعةِ العلم ما نصُّه: « العلمُ علمان: علمٌ لا يحتاج منه إلا مثل ما يحتاجُ إليه من القوتِ، فينبغي الاقتصادُ فيه والاقتصارُ على قدْرِ الحاجة، وهو علمُ الأحكامِ الشرعية ،لا ينظر منه إلا قدرَ ما تمسُّ الحاجة إليه في الوقت، فإن تعلق ذلك إنما هو الأفعال الواقعةُ في الدنيا، فلا تأخذْ منه إلا قدْرَ عملك، وعلمٌ لا حدَّ له يوقَفُ عنده وهو العلم المتعلِّق بالله تعالى وبمواطن الآخرة، ليستعدَّ العبد لكلِّ موطن بما يليق به » اهـ.



(1) البوار: الهلاك.
(2) يذرون: يتركون، من الفعل «وَذَر».
(3) الوِقْر: الحمل الثقيل.
(4) الوِقْر: الحمل الثقيل.
 (5) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري، من بني قشير بن كعب، أبو القاسم، زين الإسلام، شيخ خراسان في عصره، زهداً وعلماً بالدين، كانت إقامته بنيسابور وتوفي فيها سنة 465 هـ، ومن كتبه "التيسير في التفسير" و "لطائف الإشارات".
انظر "طبقات" السبكي: 3/243، و "الوفيات": 1/299، و "تاريخ بغداد": 11/83، و "كشف الظنون": 520.
 (6) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، و أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية. مولده ووفاته في المدينة (93-179هـ). كان صلباً في دينه بعيداً عن الأمراء والملوك، وُشِيَ به إلى جعفر عم المنصور العباسي فضربه سياطاً انخلعت لها كتفه. و وجه إليه الرشيد العباسي ليأتيه فيحدثه فقال: «العلم يؤتى»، فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار. صنف كتباً منها "الموطأ" و رسائل.
انظر "الديباج المذهب": 17-30، و "الوفيات": 1/439، و "تهذيب التهذيب": 10/5، و "صفة الصفوة": 2/99.
(7) وهو حديثه r «إني أعوذ بك من علم لا ينفع»، رواه مسلم في (الذكر: 73)، و أبو داود في (الوتر: 32)، و الترمذي في (الدعوات: 68)، و ابن ماجه في (المقدمة: 23).
×

تحذير


[تحذير] لا يكن هذا الذي جلبناه في هذا المحلِّ من الأنقالِ الرادعة لأهل الإنكار والضلالِ ذريعة لأكْلِ لحومِ الأئمة المهتدين الذين هم حملةُ الشريعةِ المطهَّرة وأعلامُ السنة والدين، فإن وبالَ ذلك والعياذ بالله تعالى عظيمٌ ومرتَعُه لا محالة وخيم.
قال الإمام أبو القاسم بن عساكر(1)رحمه الله تعالى ورضي عنه: « اعلم يا أخي وفَّقني الله وإياك لمرْضاتِه، وجعلنا جميعاً ممّن يخشاه ويتَّقيه حقَّ تقاته، أن لحومَ العلماء مسمومةٌ، وعادة الله تعالى في هتكِ أستار منتقصيهم معلومةٌ، وأن من أطلقَ لسانَه في العلماء بالثَّلْبِ(2)ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النُّور: الآية 63) »، اهـ بنَقْلِ العلامة الحطاب رحمه الله تعالى في أول شرحه لـ «مختصر» الشيخ خليل رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين.
ومن الأمثال في هذا المعنى قول الشاعر:
  لُحـومُ أهْلِ العِلْمِ مَسْمُومَهْ       و مَـنْ يُعـادِيهِم سَرِيعُ العَطَبِ


(1) هو علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم، ثقة الدين ابن عساكر الدمشقي، المؤرخ الحافظ الرحالة. كان محدث الديار الشامية، مولده ووفاته في دمشق (499-571هـ). وله مؤلفات كثيرة منها "تاريخ دمشق الكبير" ويعرف بـ"تاريخ ابن عساكر" وغيره.
انظر ابن خلكان: 1/335، و "البداية والنهاية": 12/294، و "طبقات الشافعية": 4/273، و "مفتاح السعادة": 1/216.
(2) الثلْب: الانتقاص، وثَلَبَه: عابه وانتقص منه.
×