التعريف بالشيخ | محاسن خلقه و خلقه

محاسن خلقه و خلقه
ولما تقرَّر في الفراسةِ الحكمية و تأيد بالسنة المحمدية أن محاسنَ الذواتِ تدلُّ على ما بطن فيها من بدائع الأخلاق و جلائل الصفات أشار النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى ما أعطيه سيدنا الشيخ من ذلك، فقال:

زيَّنَ مَن أنشأهُ و خلَقهْ

 

بَينَ الأنامِ خلْقَه و خُلُقَهْ

فَكَانَ يُنبىءُ بهاءُ مَنْظرِهْ

 

لحُسْنه لاَمِحُه عَن مَخْبرِهْ

لشَبَهه بسيِّد العبَادِ

 

أحسنِ كلِّ حاضرٍ و بادِ


(زين) فعل بالتضعيف للمبالغة من الزَّيْن: ضد الشين،
و
(أنشأه) خلقه،
و
(الخلق) التقدير، و من صفاته سبحانه و تعالى: الخالق، و معناه المبدع للشيء، المخترع له على غير مثال سبق اهـ "قاموس".
و
(الأنام) هو هنا كسحاب، و قد تقدَّم عن صاحب "القاموس" أنه الخلق أو الجنّ و الإنس، أو جميع ما على وجه الأرض. و عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه، أي الأنام، الناس. قال الصلتاني في "نظم الغريبِ" بعد إيراد ما ذكر في "القاموس" من المعاني ما نصّه:
و بَعْضُهُم خَصَّصها بالنَّاسِ

 

وَ هُوَ ابنُ عبّاسبِلا الْتباسِ

أي و بعض من فسَّر القرآن العظيم
.
و
(الخلق) بالفتح عبارة عن الصورة الظاهرة، و بالضم وبضمّتين: عبارة عن الصورة الباطنة،
و
(البهاء) الحسن و فعله «بهو» كسرو و كرضا أيضاً و دعا و سعى اهـ قاله في "القاموس" ونحوه في "المصباح"، زاد: "و يكون البهاء حسن الهيئة، و بهاء الله: عظمه" اهـ.
و
(المنظر) الوجه،
و
(لامحه) من لمحت الشيءَ لمحاً من باب نفع: نظرتُ إليه باختلاس النظر، قاله في "المصباح"، و على هذا التفسير ربما يكون النَّاظم عبَّر به إيماءً إلى أنه كان لا يستطاع النظر إليه من شدة الهيبةِ إلا نظر اختلاس،
و
(المخبر) الحقيقة الباطنة،
و
(الشبه) بالكسر و بالتحريك و كأمير: المثل، و الظاهر أن المراد هنا الشبه محركاً بمعنى المشابهة مخففة للوزن. أي و إنما كان ينبىء بهاء منظره عن حسن مخبره، لحصول الشبه له بسيد العباد ،
و
(الحاضر و البادي) معروفان.
يقول
: زَيَّنَ المولى جلَّ علاه، الذي أنشأَه و سوَّاه و خَلَقه و براه بين الناس، خَلْقه و صورته الظاهرة كما زيَّن خُلُقَه و سجيَّته الفاخرة. فصار ينبىءُ بهاءُ منظرِه و هيئته المعظمة و حسنه الكامل كلّ من نظر إليه و لمحه بطرْفهِ عما انطوى عليه مخبره من غررِ الفضائل، و ذلك لما حصل له من فضيلة الشبه بنبينا  سيد العباد على الإطلاق، و أحسن كلِّ حاضرٍ و بادٍ، ذاتاً و صفاتٍ بالإطباق. و أشارَ النَّاظم بهذا إلى ما في "جواهر المعاني" من ذكر صفاته و محاسنه الظاهرة و الباطنة، و هي متفرِّقة في أبوابه و فصوله فليراجعها هنالك من أراد مراجعتها، وقد عقدَ جلّها في اللامية. و من عقده للمعنى الذي أشارت إليه هذان البيتان ما نصه:
تميَّز بالوصفِ الجناني مثل ما   تميَّز بالكوني العيانيِّ مُسْجِلا
له صورةٌ بينَ الأنامِ عليِّةٌ   تُرَى مرةً وُسْطَىٰ و طَوْراً  تُرى عَبْلا (1)
على طبقٍ ما لاقته راشحة بما   حوَتْ من جمالٍ أو جلالٍ سقي ذهلا
بياضُ مجلاَها مشوب ٌبحمرةٍ   و قامتُها قدوى و منطِقُها أحْلى
يرى جمهوري الصوتِ أحْسَنَه على   سنا شيبةٍ أبْهىٰ بَهِيٍّ مَشَى حَجْلا
لهُ الجودُ طبعٌ و الفتوةُ دَيْدَنٌ   له، و لنعم القولِ إن طابَقَ الفِعْلا (2)
مهاباً جليلاً ذا حياءٍ وعزَّةٍ   و سحْرِ بيانٍ لا يملُّ إذا يُمْلا

إلخ ما ذكره في وصفه للشيخ ، فليراجع ذلك فيها من أراده، وبالله التوفيق
.
و أسند النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ التزيين في الخلق و الخلق إلى المولى تبارك و تعالى، لأنه لا اكتساب فيه للعبد
. أما الخلق فظاهرٌ، و أما الخلُق فالذي عليه المحقِّقون أن هذه الأخلاق الحميدة جبلية فيمن خصَّه الله بها، و إنَّما المكتسبُ من طريق تزكية النفس و تصفيتها هو قوتها. و استدلُّوا لذلك بأدلَّةٍ ذكروها: منها ما في "صحيح مسلم" أنه  قال لرجلٍ: «إنَّ فِيكَ لخصْلَتَيْنِ يحبُّهما الله ورسُوله: الحِلْم والأناة»، فقال: "يا رسول الله أنا أتخلَّق بهما أم الله جَبَلني عليهما؟"، فقال عليه الصلاة و السَّلام: «بل الله جَبَلَكَ عَلَيْهِما» الحديث. و ما ذكره من أن بهاء المنظر ينبىءُ عن حسنِ المَخْبَرِ يشهدُ له ما علَّل به من حصولِ الشبهِ لرسول الله ، لأن حصولَ ذلك مظنَّةٌ لأوصافِ الكمالِ بلا ريبٍ، و لهذا كان عندَ أهل التحقيق مما يتمدَّح به.
قال
سيف الدين الآمدي: "جَمالُ الوجْهِ و حسنُه مما يتمدَّح به لأنه يتيمَّن به ويدلُّ على الخصالِ الممدوحة"، ثم قال – أعني الآمدي: "وقد غلط من توهَّم أنه لا يدخل في مدح العظماء" اهـ.
و مما يشهد له أيضاً حديث
: «اطْلُبوا الخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ» و هو كما قاله أهل التحقيق يحتملُ وجُوهاً من التفسير:
  • الأول: قيل: معناه اطلبوا الخيرَ عند الحسانِ الوجوه، فإن الخيرَ مقرونٌ بهم.
  • الثاني: اطلبوا الخيرَ منهم، فإنَّهم يصدرُ عنهم الخيرُ بإذن الله تعالى، إذ حسنُ الخلْقِ عنوانٌ لحسنِ الخلُق.
  • الثالث: اطلبوا الخير عندَهم و منهم، فإن النفسَ تنبسطُ إليهم و تتمتَّع برؤيتهم.

و في الحكمة
: "اعتمِدْ بحوائجكَ الصِّباحَ الوجُوه، فإن حسنَ الصورةِ أولُ نعمةٍ" اهـ.
وفي تقديم النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى لهذا خلاف صنيع صاحب
"جواهر المعاني" و صاحب اللامية إيماء إلى ما أشار إليه الحديث، ففيه استحثاث للنفوس اللطيفة و الهمم المنيفة على الأخْذِ عن هذا الشيخ الجليل حيث ثَبتَ له ما ذكر من الوصف المحمدي الجميل مع ما له من المجد الأثيل و الحَسَب الأصيل و أرضاه. و هذه أيضاً من لطائف النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ،

 

***




(1) عَبْلا: إذا أراد «عَبْلاء» فهي الصخرة البيضاء الصلبة، وإذا أراد «عبلة» فهي المرأة التامة الخلْق.
(2)
الدَّيْدَنُ: العادة والدأب.