فضل أذكار الطريق | مدخل لفضل الياقوتة الفريدة وجوهرة الكمال

مدخل لفضل الياقوتة الفريدة وجوهرة الكمال في مدح سيد الرجال

لا يخفى على من خصَّ بمزيد العقل والفهم وجْه جَعْلِ النَّاظم رحمه الله تعالى الكلام في هذا الغرض الأهم خاتمةً لما اعتمدَه من الفصول والمسائل في هذا النظم. ومن ذلك التفاؤلُ بأن تكونَ خاتمةُ أمرِه في عمره كلِّه إفاضةَ الفضل عليه من واسع الفضل بمحض فضله، وفي افتتاحه الكلام في فصول الطريقة بعد ذكر سندها بفضل فضلها على الإجمال، وختم ذلك بالكلام في فضل ما اختصَّت به من الأذكار التي لا تنال إلا بمحض الامتنان والإفضال، إشارة إلى أن دائرة أهل هذه الطريقة السنية، دائرةُ الفضل المحْض الذي لا سبب له إلا العناية الأزلية.

فأما الياقوتة الفريدة فهي صلاةُ الفاتح لما أعلقَ وسمَّاها بذلك سيدنا الشيخ كما تقدَّم ؛ وأما جوهرة الكمال في مدح سيد الرجال ، فهي الصلاة المعروفة عند أهل هذه الطريقة، وهي أحدُ أركان الوظيفة حسبما تقدَّمت الإشارة إليه. ثم الصلاتان الشريفتان، كلتاهما من جملة الأسرار التي يتلقَّاها الكمل من العارفين الكبار في مقاماتهم الخاصَّة الشهودية إما من الحضرة القدسية كتلقي القطب سيدي محمد البكري للأولى على ما سيتَّضح قريباً إن شاء الله تعالى، أو من الحضرة المحمدية عليه الصلاة والسلام في حالة اليقظة أو حال المنام، كتلقِّي سيدنا الشيخ   للثانية على ما سينصّ قريباً أيضاً هنا بحول الله تعالى. والكلُّ من الثابت المعروف عند أربابه، ومن الحق المعمول به في بابه.

والفضل المذكورُ هنا للصلاتين معاً كله مما تلقَّاه الشيخ  من الحضرة المحمدية ، ومن المقرَّر عند العلماء الأعلام أنه يعملُ بجميع ما يتلقاه العارفون منه عليه الصلاة والسلام، سواءٌ في اليقظة أو المنام، ما لم يصادم شيئاً من النصوص القطعية أو يؤدي إلى انخرام قاعدة شرعية. والقاعدة الشرعية في هذا الباب حسبما ذكره الشيخ جلال الدين السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى في فتاويه أنه ليس لأحدٍ أن يحكم على ذكر أو دعاءٍ لم يردْ بمقدار معيَّن من الأجر، قال: لأن ذلك مرجعه إلى النبي ، وقد علم أن إخباراته على قسمين: قسمٍ عام وهو ما أمرَ أن يخاطبَ به عامةُ الناس، وذلك كتشريع الشرائع وتحديد الأحكام، وتبيين الفرْضِ من النفل، والحلالِ من الحرام، وهذا القسم انقطع بوفاته . والقسم الثاني خاصٌّ وهو ما أمرَ أن لا يخاطب به إلا الخواصَ، وهذا لم ينقطعْ بوفاته ، فلا يزالُ يلقيه إلى آخر الدهر لمن أهَّله الله لذلك لحكم الاختصاص.

قال سيدنا الشيخ   بعد أن أجاب عن سؤال سائلٍ عن المسألة بمثل التفصيل المذكور ما نصّه: «ومن توهَّم أنه انقطع جميعُ مددِه عن أمته كسائر الأموات فقد جهِلَ رتبة النبيّ وأساءَ الأدبَ معه، ويخشى عليه أن يموت كافراً إن لم يتبْ من هذا الاعتقاد». وقد عرفت أن جميعَ ما هو مذكور عن شيخنا مما تلقَّاه من الحضرة المحمدية في فضل هاتين الصلاتين ليس فيه مصادمةٌ للنصوص القطعية، ولا ما يؤدي إلى انخرام القواعد الشرعية، إذ غايته أنه إخبار عدل عنه ، بذكر غير خارج عن معنى ما أتى به، ولا منحرف عن أصول دينه القويم، وبتضعيف الأجر الثابت أصلُه في الكتاب والسنة[وَاُللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ](البقرة: الآية 261).وفي الحديث: «بِعَشْرِ أمْثالها إلى سَبْعمائة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة» وقد تقدَّمت الإشارة إليه(1)، فافهم، والله يتولَّى هدانا جميعاً بمنِّه.





(1) انظر ما تقدم ص 390، من هذا الكتاب.