التعريف بالشيخ | من كرامات سيدنا

من كرامات هذا الإمام
أن طائفةً من أهل طريقته لو اجتمع أقطابُ هذه الأمة الشريفة ما وزنوا شعرةً مما اختصَّ به الواحد منهم


ثم قال النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

(طائفةٌ مِنْ صَحبِه لَوِ اجْتَمَعْ

 

أقطابِ أمّةِ النَّبِيّ المُتبَع

ما وَرْنُوا شَعَرةً مِن قَردِ

 

مِنْها فكيفَ بالإمامِ الفَردِ

جعلنا مَن خَلَقَ البَرِيَّهْ

 

مِنْ هذِهِ الطَّائِفَةِ العَليَّهْ

وَعَنهُ فِي عَددِ هذه الفِئَه

 

مِنْ صَحْبِه أكثَرَ مِن ستْمائة)

(الصحب) جمع صاحب، ويجمع على أصحاب وصحابة، والأصل في هذا الإطلاق أن يراد به من حصَلَ له رؤية ومجالسة ووراء ذلك شروط الأصوليين، ويطلق مجازاً على من تَمَذْهَبَ بمذهب من مذاهب الأئمَّة، فيقالُ: أصحاب الشافعي، وأصحاب مالك، وأبي حنيفة، وابن حنبل، والمراد هنا: الإطلاق المجازي، فيشملُ الأتباع وإن لم تحصلْ لهم معاصرة فضلاً عن الرؤية والمجاورة، و(البرية) الخليقة، و(الفئة) الجماعة أيضاً في الطائفة.

يقول: ومما قصدتُ الإشارة إليه أيضاً في هذا المقام من كرامات هذا الإمام ما اشتهر أيضاً الأتباع ممَّا تلقَّاه عنه الخاصة من أصحابه الكرام من أن طائفةً من أهل طريقته هذه الأحمدية المنخرطين في سلك سلسلته المحمديّة لو اجتمع أقطابُ هذه الأمة الشريفة ما وزنوا شعرةً مما اختصَّ به الواحد منهم من المقامات الرفيعة والأحوال السامية المنيفة، فكيف بقدوتهم وإمام سلسلتهم الآخذ بأرسانهم وأزمتهم (1)، نسأل الله الذي أوجدنا بسابق عنايته من العدم أن يجعلنا من هذه الطائفة السنية بمحض الجود والكرم.

وثبَتَ عن سيدنا في عدد هذه الطائفة وهذه الفئة أنها تزيد على الستمائة، وهذا أيضاً مما عرف أصله بين الأصحاب، وهو موجود بأيديهم في غير ما تقييد وكتاب، وقد أتينا به أيضاً بمعناه أخذاً بالحظِّ الذي قصدناه، من خدمة هذا الجانب المعظَّم ورُمناه، ثم إننا جعلنا المراد عند النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى بـ «الإمام الفرد» هنا سيدنا رضي الله تعالى عنه، جَرْياً على المتبادر في «أل» هذه من أنها للعهد الذكري لتقدُّم ذكْرِه بالوصف المذكور قريباً، ويحتمل أن تكون للعهد الذهني وبينه ما تقرَّر في أذهان الإخوان والأتباع، من أن سيدنا ذكر هذه الطائفة لما تقدّم، ثم بعد ذلك قال مرةً رجلٌ واحد برز من الطائفة يعني الطائفة المذكورة وقال فيه: إنه لا يعرف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم يزدْ من وصف علاماته بعد تشوُّف أصحابه إليه في ذلك التشوف الكثير، على أن قال هو فاسي أماً وأباً، فعلى هذا يكون هذا الواحد المبرِّز من هذه الطائفة الخاصة الذي هو إمامها الفرد هو المراد عند النَّاظم، والحمْلُ على هذا وإن كان الأول هو المتبادَر أولى لئلاَّ يفوتَ النَّاظم عقده للكلام المتعلِّق بهذه الطائفة بتمامه، وهذا مبني على ما استفدناه من مذاكرة أصحابه ، وقد رأيتُ كثيراً من الأصحاب اليوم يحملون الطائفة من قول الشيخ رجل واحد ظهر من الطائفة على أهل طريقة بأسْرِهم لا خصوصَ هذه الفئة المذكورة، وعليه فيكون هذا الواحد ليس معدوداً فيها، وحينئذٍ فيراد بالإمام الفرد في كلام النَّاظم سيدنا خاصة.

ثم إن ما ذكره النَّاظم من العدة لهذه الطائفة هو أنه أزيدُ من ستمائة رأيته فيما وقفت عليه من كلام بعض الخاصة ممن ألَّف في الطريق مفصّلاً، وذلك أنه ذكر من الأوجه التي سميت به هذه الطريقة إبراهيمية أن الله تعالى جعل في ذرية إبراهيم عليه السلام من الأنبياء والرسل أصحاب الشرائع وغيرهم ما يطول عدُّه، وجعل في أهل هذه الطريقة من الأولياء والكمل أهل التربية والإرشاد وغيرهم ما يطول عَدُّه.

قال: وقد ذكر وأرضاه أن الكمل أهل التربية والإرشاد من أهل طريقه يبلغ عددهم ستمائةً من الإنس وثلاثمائة من الجن، ثم قال: أو قريباً من هذا، والذهن خوان اهـ. والظاهر أن قوله: «أو قريباً من هذا» راجع لعدد الكمل من الجن.

وقال السيد المذكور عقب هذا ما نصّه: ثم قال ، يعني سيدنا جعلنا الله في حِماه: كلُّها منِّي وإليّ، يعني الطريق التي يربي بها الكمل المذكورون اهـ وهذا من هذا السيد فيما نقله من كلام سيدنا صريح في أن هذه الطائفة المذكورة هو من كان من أهل التربية الخاصة منها كالأستاذ سيدي الحاج علي التماسي وأمثاله أجمعين، وبه تعرف أن التربية ليست ممنوعةً في طريقنا كما يتوهَّمه بعض الأصحاب، وإنَّما الممنوع التظاهرُ بدعواها على رسم المتمَشْيِخينَ في هذه الأزمنة وقبلَها حسبما أشارَ إلى ذمِّ التظاهر بذلك وفتح باب التسليك به الشيخ عبد الوهاب الشعراني. وقال: إن ترك العارفين فتحَ هذا الباب في هذا الزمان هو الصوابُ، فلا يفتحه الآن إلا من أعمى الله بصيرته من هؤلاء المدعين للمراتب المتنازعين عليها، وكيف يتوهَّم وجود منع التربية في الطريق مع ما نقل صريحاً عن الشيخ في وصف هذه الطائفة المخصوصة، ومع ما ذكره في «الجامع» عنه . ونصّ المراد منه سمعته يوماً يقول: إذا فتحَ الله على أصحابي فالذي يجلس منهم في البلد الذي أنا فيه يخافُ على نفسِه من الهلاك، فقال له بعض أصحابه: منك أو من الله؟ فأجابه بقوله: من الله تعالى من غير اختيارٍ مني، ذكر هذا في يوم الأحد الثاني من شهر الله شعبان عام خمسة ومائتين ألف. 

ثم قال في يوم الاثنين: الخوفُ المذكور هو على من أذن له من أصحابي في التصرُّف والتربية للخلق، وأما غيرُه فلا خوفَ عليه من جانبي اهـ المراد منه هنا بلفظه، وهو صريحٌ فيما ذكرناه.

قلت: وكنا نرى أن خروج الخليفة المعظَّم سيدنا علي حرازم من فاس وتوجهه إلى الحجاز إلى أن توفي هنالك من أجل هذا الذي ذكر هنا. والقرائن الشاهدة لذلك كثيرة: منها ما بلغنا عنه من أن الشيخ أمره إذا وصل إلى مصر بتربية بعض من كان بها إذ ذاك من أصحابه إلى غير ذلك مما يطول جلبه.

وقريب من هذا أيضاً خروجُ مؤلف «الجامع» العلامة القدوة البركة سيدي محمد بن المشدي من فاس إلى الصحراء إلى أن توفي بها كذلك أيضاً، وهو أنسب بحاله وبمقام الشيخ مما يجعله بعض الأصحاب سبباً لخروجه وسفره عن الشيخ وإنْ ثبتَ شيء من ذلك الذي يُشاع بين الإخوان اليومَ فهو من الأسباب الظاهرة التي هي من جملة ما يستر الله به على أولياته مقاماتهم وأحوالهم معه سبحانه، والكفّ عن متابعة من يشيع ذلك من آكد ما ينبِّه عليه الإخوانُ بعضهم بعضاً، لتخلص لهم المحبةُ في الخواصِّ من أصحاب سيدنا الذي لا يبعد أن يكونوا من هذه الطائفة المخصوصة بما ذكره الشيخ من الفضيلة الباهرة والمكانة الفاخرة، إذ لا أقل من أن يُحْرَمَ بركة الاعتقاد الجميل فيهم من ينصتُ إلى شيءٍ مما يشيرُ إلى تنقيصهم، ومن حُرِم بركة الاعتقاد الجميل في مثل هؤلاء حرِمَ الخيرَ الكثير إن سلم له ما معه، أعاذنا الله تعالى من بلائه بمنِّه. 

وسافر عن الشيخ ممن كان حريصاً على مجاورته والمقام لديه رجالٌ آخرون يغلب على الظن أنهم إنما سافروا عنه من أجل ما ذكر، ولعلّنا ننبِّه على هذا عند التعرُّض لذكر من نذكره منهم فيما سيأتي للناظم إن شاء الله تعالى وإنَّما آثرْنا ذكرَ ما هو الحق إن شاء الله تعالى في مسألة التربية هنا لما أفضى به منع المانعين لها في الطريق بناءً على ما توهَّموه فقط من قيام بعض الناس على أصحابنا في هذا، وقولهم لهم: إن طريقكم ليس فيها تربيةٌ ولا إمام يُقتدى به فيها، حتى دخلَ التشويشُ على بعض الأصحاب من أجل ذلك، وزاده تشويشاً وحيرةً كون سيدنا ذكر حسبما في «جواهر المعاني» وغيره أن الفتحَ والوصول لا يجري إلا على يدِ الأولياء الأحياء إلخ، فلو اهتدى إلى أن التربية غيرُ موجودة في طريقنا إلا بوصْفِها الأكمل الذي هو حصول الإذن من الله ورسوله أن بالإذن الصحيح من الشيخ ولو بالوسائط في الدلالة والإرشاد لما دَخَل عليه ما ذكر من التشويش والحيرة. وقد قيدنا في هذه المسألة ما تيسَّر مما يكفي إن شاء الله تعالى ويشفي لمن سألنا عن ذلك.

ومحصِّل هذه المسألة أن أهلَ هذه الطريقة المحمدية يوجد في أفرادها من يفتح له في التربية بها أي بتلقين وِرْدها وجميع أذكارها بالشروط المشروطة والكيفيات المضبوطة بحيث لا يخرجُ عما حدَّه الشيخ في ذلك مما تلقَّاه عن النبي ، وذلك لأنها طريقٌ محمدية أعطاها النبيّ للشيخ منه إليه وضمِن لأهلها ما ضمِنَه من الأسرار والخيرات والبركات، ولا سبيل إلى الخروج عما أعطاه النبي وترتَّب ضمانُه عليه، فافهم ذلك.

وفي هذا القدر الذي نبهنا عليه من ذلك كفايةٌ، والله ولي التوفيق والهداية.

(تنبيه) ما ذكر من أن هذه الطائفة المخصوصة من أهل هذه الطريقة المباركة مشتملة على الإنس والجن ذكر الجن هنا يستدعي التنبيه على طرف مما هو معتقد أهل السنة في الجان وأحواله وما يدور على ذلك من الأحكام فنقول:

اختلف في وجود الجن قديماً وحديثاً:

(القول الأول) أكثر الفلاسفة على إنكار وجودهم، والجمهورُ من أرباب الملل والمصدقين للأنبياء عليهم السلام على إثبات وجودهم، وهو معتَقَدُ أهل السنة رضوان الله عليهم، ثم اختلف المثبتون لوجودهم أيضاً على قولين، فمنهم من زعم أنها ليست أجساماً ولا حالة في الأجسام وإنما هي جواهر قائمةٌ بأنفسها، ثم هي عندهم مختلفة بالماهية كاختلاف ماهية الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحلِّ، فبعضها خيِّرة وبعضها شريرة وبعضُها كريمة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة مُحِبة للشرور والآفات. قالوا: ولا يعلم عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله تعالى.

(والقول الثاني) في الجن أنهم أجسام. واختلف هؤلاء أيضاً على قولين: فقيل: إن الأقسام مختلفة في ماهيتها. والقول الثاني: أنها متساوية في تمام الماهية، ثم هؤلاء القائلون بهذا القول الثاني فرقتان: الأولى: قائلةٌ بأن البنية ليست شرطاً في الحياة، وهو قول الإمام الأشعري وجمهور أتباعه وأدلَّتهم في هذا الباب ظاهرة قوية. والثانية: قائلة بأن البنية شرطٌ في الحياة وهو مذهبُ المعتزلة، ولا دليلَ لهم عليه إلا الاستقراء، وهو إنَّما يتمشَّى على مذهبهم من إنكار وجود خرْقِ العادة واستقراؤهم في ذلك ركيكٌ، ومذهبُهم فاسدٌ حسبما أوضح المحققون من أهل السنة ذلك.

وإذا ثبت كما عليه الأشعرية أن البنية ليست شرطاً للحياة لم يبعدْ أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أشياء شاقة شديدة، فبان من مجموع هذا صحة القول بإمكان وجود الجنِّ سواء كانت أجسامُهم لطيفةً أو كثيفة، وسواء كانت أجرامهم كبيرة أو صغيرة اهـ ملخص ما في هذا المبحث على طريقة المتكلمين. وقد دلَّ القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  [فُصّلَت: الآية 42] على وجود الجنِّ، ويكفي قوله تعالى: ‏قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجنّ: الآية 1] الآية. قال الرازي: هو أمرٌ منه تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام أن يظهر لأصحابه ما أوحى إليه في واقعة الجن. 

وفيه فوائد: (إحداها) أن يعرفوا أنه بُعِث إليهم كما بعث إلى الإنس (الثانية) أن يعلموا أنهم مع تمرُّدهم لما عرفوا إعجاز القرآن آمنوا (الثالثة) أن يعلم أنَّهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا (الرابعة) أن يعلم أنهم مكلَّفون كالإنس (الخامسة) أن يظهر أن الموفق منهم يدعو غيرَه إلى الإيمان. قال الرازي: وفي هذه الوجوه مصالح كثيرةٌ إذا عرفها الناس اهـ. فبان من كون النبي مبعوثاً إليهم وأنهم مكلَّفون وأن الموفق منهم يدعو غيره إلى الله وأن لهم الثواب وعليهم العقاب وأنهم يصحّ الاقتداء بمن تأهَّل له منهم وقد روى أصبغ عن ابن القاسم رضي الله عنهما أن الجنّ الثوابُ والعقابُ، وتلا - أعني ابن القاسم -: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا [الجن: الآية 14] الآية. قال ابن رشد: استدلالُ ابن القاسم صحيح بل إشكال، بل هو نصٌّ جليّ في ذلك، ففي الجن مسلمون ويهود ونصارى ومجوس وعبدةُ أوثان، وقالوا في قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجنّ: الآية 11] أي مختلفين في الفكر. والإجماعُ على تعذيبِ الكفار منهم لقوله تعالى: إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هُود: الآية 119] الآية.

واختلفَ في دخولهم الجنَّة، قال صاحب «أحكام الجان»: وهل يدخلُ المؤمنون منهم الجنَّة؟ أكثرُ العلماءِ على ذلك، والمأثورُ عن مالك والشافعي رضي الله عنهما: لا يدخلون، وإنَّما يدخلون رياضَها بحيث يراهم المؤمنون من الجنَّة ولا يراهم الجنّ.

واختلف أيضاً على القول بالدخول هل يرون الله أم لا؟ قال عز الدين بن عبد السلام: لا يرونه، إذ الرؤية لمخصوصة بالبشر، فهذا بعضُ ما ينبىءُ عن تكليفهم وكون النبي عليه الصلاة والسلام مبعوثاً إليهم بذلك وعلى صحة الاقتداء بهم! فلو فرضنا جنياً مسلماً هل تصحُّ الصلاة خلفَه أم لا؟

قال صاحب «أحكام الجان»: تصحُّ لأن الرسالة لنا ولهم اهـ، وهو الذي صرَّح به الرَّازي في الوجوه السابقة، وإذا صحَّ الاقتداء به في الصلاة، فكذلك يصحُّ جعله قدوةً في الطريق كما يصحُّ اقتداؤه بالإنس وأخذه عنه وهو من المعروف المشهور عند أهل الطريق، نعم لم ينقل لنا عن أحدٍ من أهل الطريق أنه شيخٌ جنياً (2) في الطريق إلا ما في بعض طرق المسلسل بالمصافحة، وكذلك تلقي بعض العارفين لبعض الأسرار الخاصَّة من خاصَّتهم كتلقي سيدي علي حرازم تلميذ سيدنا للحزب السيفي وغيره من الأسرار مشافهةً من القاضي أبي محمد شمهورش الصحابي المعروف ، وذلك بإذن من سيدنا كما هو معروف عند الأصحاب وكأخذ الشيخ أبي العباس سيدي ابن الشيخ محمد بن ناصر الدرعي رضي الله عنهما فاتحة الكتاب بالقراءة الورشية متصلة ميم البسملة بالحمد لله رب العالمين عن عبد المؤمن الجني الصحابي لما لقيه ببدرٍ حين حج عن رسول الله حسبما وقفنا عليه في أسانيد بعض العلماء، وما وَقَع لسيدي علي حرازم أدْخَلُ وأوجَهُ في التمثيل به في هذا المقام، وهذا بالنسبة لنا معهم، وأما مع بعضهم بعضاً فمقتضى ما تقدَّم أنه يشيخ بعضُهم بعضاً ولا إشكال، والله تعالى أعلم.    

(تتمة) قد ذكر الشيخ محيي الدِّين رَحِمَهُ اللهُ تعالى في الباب الحادي والخمسين من فتوحاته المكية ما يرشد إلى أن الهربَ من صحبة الجنِّ وترك مجالستهم أولى بالعاقلِ، وأن الإيثار لمجالستهم جهلٌ قائلاً: فإن مجالستهم رديئةٌ جدّاً، قلَّ أن تنتجَ خيراً، لأن أصلهم نارٌ والنار كثيرةٌ الحركة، ومن كثرتْ حركتُه كان الفضولُ أسرعَ إليه، ثم قال بعد كلام في بيان ما ذكره، ونصّه: وما جالس الجنَّ أحدٌ فحصَلَ عنده علم بالله جملةً واحدةً لأنهم أجهلُ العالم الطبيعي بالله تعالى، ويتخيل جليسُهم بما يخبرونه به من حوادث الأكوان وما يجري في العالم مما يحصلُ لهم من استراق السمع من الملأ الأعلى، فيظن أن ذلك من كرامة الله بهم وهيهات ما ظنوا، وغايةُ الرجل الذي تعتني به أرواح الجن أن  يمنحوه من علم خواصِّ النبات والأحجار والأسماء والحروف وهو علم السيمياء، فلا يكتسب هذا منهم إلا العلم الذي رَمَتْه ألسِنَةُ الشرائع وأطالَ في ذلك، ثم قال : ومن دواعي صحبتهم وهو صادقٌ في دعواه فسـألوه عن مسألةٍ في العلم الإلَهي فما تجدوا عندَه من ذلك ذوقاً أصلاً، فرجالُ الله يفرُّون من صحبة الجِنِّ. وقد أخبرت بأن صحبتَهم تورِثُ التكبُّرَ على الناس. ومن تكبَّر على الناس مَقَته الله تعالى من حيث لا يشعرُ، فنسألُ الله العافية اهـ.   


 


 

****


(1)   الأزمة: جمع الزِّمام: وهو الخيط الذسي يُشد في البرة أو في الخشاش ثم يشد إلى طرف المقود.
(2) 
كذا بالأصل، ولعل الصواب «أن شيخه رأى جنياً» إلخ.