التعريف بالشيخ | رؤيته واجتماعه بسيد الأنام عليه الصَّلاة والسلام

مما لسيدنا من الكرامات المأثورة والمناقب المشهورة،
رؤيته واجتماعه بسيد الأنام عليه الصَّلاة والسلام


ولا شك أنَّ من جملة ما أنتجه الإيمان بالله تعالى وتفرَّع عنه ما أشار إليه النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في الأبيات الآتية هنا، وهي قوله:

(ومِنْهُ رُؤيةُ النَّبيِّ الهاوي

 

وهْيَ لدَيهِمْ غايةُ المُرادِ

وَعَنْهُ لا يَغيبُ لمْحَ بَصرِ

 

يَقْظةً فَيا لَهُ مِنْ مَنظَرِ

فِي يَوْمِ الاثنينِ أوِ الجُمْعةِ

 

رائيهِ يَدخلُ غَداً في الجنَّة

بِلاَ  حِسابٍ لا وَلاَ عِقابِ

 

بَلْ هُوَ آمِنّ منَ العذابِ)

(الرؤية) بالهاء: هي البَصَرية (1)، وهي المرادة هنا، و(الهادي) من أسمائه ، والضمير في (لديهم) للرجال بالمعنى السابق، و(لمح البصر) طرفة العين، يبالغ بها في استغراق جميع أجزاء الزمان، و(المنظر) الوجه، وباقي الألفاظ واضح المعنى.

يقول: ومن ذلك الذي قصدتُ ذكرَه هنا مما لسيدنا من الكرامات المأثورة والمناقب المشهورة، رؤيته واجتماعه بسيد الأنام عليه الصَّلاة والسلام في حال اليقظة والمشافهة لا في حال المنام، وهي لدى الرجال الكاملين أجلُّ مقصدٍ وأسنى مرام. ومن ذلك أيضاً بلا شك ولا مَيْنٍ، دوامُ شهوده له بحيث لا تغيبُ عنه صورته الشريفة طرفة عين. ومن ذلك أيضاً كرامته الباهرة الشائعة المتواترة، وهي ما بشَّره به سيد الوجود وضمِنَه له من فضل الملك الوهاب، من أن من رآه يومَ الاثنين أو يوم الجمعة يدخل الجنَّة بلا حسابٍ ولا عقاب.

فهذه ثلاثُ كرامات أشار إليها النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ في هذه الأربعة أبيات:

فأما الأولى: فالغرضُ منها ما اختصَّ به سيّدنا من الاجتماع بسيد الوجود يقظةً ومشافهة، وسؤاله عن كلِّ ما يريد السؤال عنه، ومشاورته في جميع الأمور، والتربية على يديه، والتلقي منه، والرجوع إليه في كل شيءٍ دقَّ أو جلَّ، حسبما تقدَّمت الإشارة إلى بعض ذلك. 

وأما الثانية: فهي دوام مشاهدته لذاته الحقيقية، بحيث لا يغيبُ عنه طرفة عين، كما ثبتَ مثل ذلك عن القطب الكبير المرسي وشيخه القطب الشاذلي رضي الله عنهما، وهي التي تقدم عن سيدنا أنها من خصائص قطب الأقطاب في كل زمان، وهي غير التي قبلها، وإن كانت تجتمع معها في رؤية الذات الحقيقة حقيقة، فإن التي قبلَها المقصود من ذكرها هنا السؤال عما يعرضُ، والتلقِّي للعلوم والأسرار والتربية وغير ذلك على الحالة المذكورة، إذ من الجائز أن يحصلَ دوامُ المشاهدة العيانية، ولا يحصل ما ذكرَهُ من الاستقامة الموصوفة فافهم.

وأما الثالثة: فهي ما أخبر به سيد الوجود وضمنه له ممَّا تقدم فيمن رآه في اليومين المذكورين، والكلُّ مصرَّح في كلام العلماء المحققين بأنه من الكرامات الجائزة، فلا ينكره أحدٌ من أهل السنة أصلاً، وما ذكره بعضهم في حق الحافظ ابن حجر العسقلاني والحافظ الذهبي وغيرهما من أعلام المحدثين، فقد أنكر المحققون من المتأخرين كالشيخ أبي سالم العياشي نسبة ذلك إلى أمثالهم، وذكر أن الذي ثبت عن ابن حجر هو طعنُه على بعض العارفين كالأستاذ أبي الحسن بن وفا ووالده، ومثل ذلك وقع للحافظ الذهبي مع بعض معاصريه، وليس الطعنُ بلسانِ العلم والإنكار لفعل لو اطلع على الوجه فيه عند فاعله لسلَّمَ له بإنكار الكرامات كما توهَّمه من نسب ذلك لأمثال هؤلاء الأئمة فليتنبَّه لذلك. وأما رؤيته يقظةً بعين الرأس لذاته الحقيقية فقد نصَّ على جوازها جماعةٌ من الأئمَّة المعتبرين، وحكى وقوعَها الكثير من العارفين الكاملين.

قال الشيخ جلال الدِّين السيوطي في مؤلفه الذي ترجمه بالإعلام بحكم عيسى : إذا نزلَ يجتمع بالنبيِّ فلا مانع من أن يأخذ عنه ما  احتاجَ إليه من شريعته ما نصّه: الثَّالثُ أنَّ جماعةً من أئمَّة الشريعة نصُّوا على أن من كرامات الولي أنه يرى النبيَّ ويجتمع به في اليقظة ويأخذ عنه ما قسم له من معارف ومواهب، وممَّن نصَّ على ذلك من الشافعية ومن أئمَّة المالكية القرطبي وابن أبي جمرة وابن الحاج في المدخل اهـ المراد منه بلفظه. 

وحكى أيضاً – أعني الشيخ جلال الدِّين السيوطي رَحِمَهُ اللهُ  تعالى في كتابه الذي ترجمه بتنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك – القولَ بإمكانِ رؤيته يقظةً كذلك عن الشيخ أبي بكر بن العربي المالكي رَحِمَهُ اللهُ  تعالى في كتابه «قانون التأويل». وذكر في «الجيش الكبير» أن اللقاني رَحِمَهُ اللهُ تعالى حكى اتفاق الحفاظ على جواز رؤيته في اليقظة والمنام، وأنهم لم يختلفوا في ذلك، وإنَّما اختلفوا هل يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة أو مثالاً يحكيها، فذهب إلى الأول جماعات، وذهب على الثاني القرافي (2) والغزالي، وذكر هذا الخلاف السيوطي في «تنوير الحلك» وقال بعده ما نصّه: وفصل القاضي أبو بكر بن العربي فقال: رؤيتُه بصفته المعلومة إدراكٌ على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته المعلومة إدراكٌ للمثال، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، قال، يعني السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ولا يمتنع رؤيةُ ذاته الشريفة بجَسَده وروحه، وذلك لأنه وسائرُ الأنبياء أحياءٌ ردَّتْ إليهم أرواحُهم بعدما قُبضوا، وأُذِن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي. وقد ألفَّ البيهقي جزءاً في حياة الأنبياء، وقد ألفنا فيها جزءاً لطيفاً اهـ المراد منه بلفظه. ثم قال بعد كلام هنا ما نصّه: فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث، أن النبيَّ حي بجسده وروحه، وأنه يتصرَّف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيَّب عن الأبصار كما غُيّبت الملائكة مع كونهم أحياءً بأجسادهم، فإذا أراد الله رفعَ الحجاب عمَّن أراد كرامته رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال اهـ منه بلفظه أيضاً.  

وهذا التحصيلُ صريحٌ في أن الذي اعتمده السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى من الخلاف إمكان رؤيته يقظةً ومشافهةً بذاته الشريفة الحقيقية، هو أيضاً كافٍ في ردِّ جميع ما يخدشُ في وجه صحَّته كما ترى. وذكر في «الجيش الكبير» أن شيخ مشايخ المالكية أبا الحسن سيدي عليّاً الأجهوري (3) رَحِمَهُ اللهُ تعالى نقل هذا التحصيل بلفظه في نوازله فهو قائل به. وقال الإمام الساحلي في «بغية السالك» بعدما ذكر طبقات الناس في انطباع صورته الشريفة في نفوسهم: ووراءَ هذا ما هو أعلى درجةً منه، وهو أن يراه بعين رأسه عياناً في عالم الحس ولا تنكر هذا، فقد يكرِّم الله من يشاء من عباده بإقامة صورته الكريمة له حتى يشاهدها، وهذا من جائز الكرامات التي يتحف الله بها أولياءه اهـ نقله في «الجيش». 

ونقل أثره كلام صاحب «روضة النسرين» في طبقات من انطبعت صورته الكريمة r في نفوسهم؛ ونصُّ ما نقله منه:

ومكثر الصلاة فيه يشرقُ

 

في قلبه نورٌ لها يحقّقُ

والنَّاسُ في ذاك لهمْ مراتبُ

 

بقَدْرِ ما تصفُو لهم مَشَارِبُ

لَها بذِهنِ بعضِهم تصوُّرُ

 

بعدَ تأمُّلٍ وفِكرٍ يكثرُ

يراهُ في النومِ بلا كمالِ

 

وذُو تصوُّرٍ لدىٰ اعتزالِ

أحيانَ ذِكْرهِ يفوقُ مَنْ سَلَفْ

 

وكامِلُ الرُّؤْيا بها قد اتَّصَفْ

ومَنْ إذا يسدُّ عيناً أبْصَرا

 

نوماً وضدَّه سما مَنْ غَبَرا

فمَنْ بِعَيْنَيْ رأسِه يَرَاه

 

في عالمِ الحسِّ لما عَراهُ

وقال، يعني صاحب «روضة النسرين» في شرحه لهذا البيت: والذي يظهر لي أن بعض الأولياء يرى في اليقظة روحَه متشكِّلة بصورته الشريفة، وأهلُ المقام الأعلى يرون حقيقة ذاته الشريفة كأنه معه في حياته اهـ. وقال، يعني صاحب الروضة المذكورة في محل آخر من شرحه: هذا، ومن فوائد الصلاة على النبيّ أنَّها تقربُ العبد منه حتى يلتقي معه يقظةً، وبذلك يأمنُ من السلب، وقبل التقاء الولي معه يقظةً يكون على خوفٍ من السلب، نعوذ بالله منه اهـ.

فتحصَّل من هذا الذي ذكرناه عن هؤلاء الأئمة أن رؤيته بعين الرأس في عالم الحسِّ وما يتبعُها من الأخذ عنه وسؤاله عما يعرض ومشاورته في الأمور ونحو ذلك كلّ ذلك ممكن عقلاً، ثابت نقلاً، لا مانع منه لمن أكرَمَه الله به من الأولياء وهو من جملة كراماتهم المتفق على جواز وقوعها عند أهل السنة رضوان الله عليهم لثبوت حياته كغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولثبوت الإذن لهم في الخروج من قبورهم، والتصرُّف في العوالم العوالم العلوية والسفلية بالدلائل القطعية القائمة تصريحاً أو ضمناً من النصوص الشرعية، قال الجلال السيوطي، أول كتابه «أنباء الأذكياء لحياة الأنبياء»:حياة النبي في قبره هو وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصلاة معلومة عندنا علماً قطعياً، لما قام عندنا من الأدلَّة على ذلك وتواترت به الأخبار.  

وذكر من الأخبار الدالَّة على ذلك ما أخرجه الإمام مسلمٍ في صحيحه عن أنس t: «أنَّ النبيّ مرَّ بقَبْرِ مُوسى ، فإذا هو حيٌّ في قبرِه يصلِّي قائماً» ومن ذلك حديث: «الأنْبِياءُ أحْياءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّون». وعن ثابت البناني أنه قال لحميد الطويل (4): هل بلَغَك أن أحداً يصلي في قبره غيرُ الأنبياء؟ قال: نعم، وفي رواية: فقال: اللهمَّ ارزقني هذه الكرامة، فروي أنه نَقَر على قبرِه فوجده قائماً يصلِّي، وذكر القبر في هذه الأخبار دليلٌ لحياةِ الجسد، إذ لو كان المراد الروح لم يحتجْ لتخصيصه بالقبرِ، قاله في «تنوير الحلك». وذكر في أنباء الأذكياء أيضاً عن البيهقي: أن من شواهد هذا الباب لقيه لجماعةٍ من الأنبياء في ليلة الإسراء، وأنه كلَّمهم وكلَّموه وأنه رأى سيدنا موسى قائماً يصلِّي، وكذلك سيدنا عيسى، وكذلك سيدنا إبراهيم على جميعهم الصلاة والسلام، وذكر في الأنباء أيضاً عن دلائل النبوَّة أن سعيد بن المسيب (5) قال: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول الله غيري، وما يأتي وقتُ صلاةٍ إلا سمعتُ الأذانَ من القبر الشريف، وفي رواية عنه: لم أزلْ أسمَعُ الأذانَ والإقامة في قبر رسول الله أيامَ الحرة، وفي رواية: فكنتُ إذا حانت الصلاةُ أسمعُ أذاناً يخرجُ من قِبَلِ القبرِ الشريف، وفي رواية الدارمي: ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجدَ وكان لا يعرفُ وقتَ الصَّلاة إلا بهَمْهَمَةٍ يسمعُها من قبره  .

ونقل في«الأنباء» أيضاً عن القرطبي رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن موت الأنبياء إنَّما هو راجعٌ إلى أن يغيبوا عنا بحيثُ لا ندرِكُهم وإن كانوا موجودين أحياءً، وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم موجودون أحياءً لا يراهُم أحدٌ من نوعنا إلا من خصَّه الله بكرامته من أوليائه اهـ. وذكر هنا كلام الشيخ عفيف الدين اليافعي (6)، ونصه على نقله: الأولياءُ ترِدُ عليهم أحوالٌ يشاهدون فيها ملكوتَ السَّمٰوات والأرض وينظرون الأنبياء أحياءً غيرَ أمواتٍ، كما نظر النبي إلى موسى عليه الصَّلاة والسلام في قبره، وقد تقرَّر أن ما جاز للأنبياء معجزة جازَ للأولياء كرامةً بشَرْطِ عدم التحدِّي ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل اهـ. قال السيوطي بعد حكايته لكلام الشيخ عفيف الدين هذا رحمهما الله تعالى: ونصوصُ العلماء في حياة الأنبياء كثيرة فلنكتفِ بهذا القدر اهـ.   

وفي هذا الذي ذكرناه نحن أيضاً من ذلك كفايةٌ فيما يتعلَّق بكلام النَّاظم هنا، والله ولي التوفيق، وما تعسَّف به بعضٌ هنا من استحالة رؤيته يقظةً لما يلزم على ذلك من خروجه من قبره، ومشيه في الأسواق، وخلوّ قبره من جسده المقدَّس ردَّه العلاَّمة ابن حجر المكي بقوله: وهذه الإلزاماتُ كلّها ليس شيءٌ منها بلازمٍ، ودعوى استلزامه لذلك عينُ الجهل والعناد، ثم بيَّن ذلك بما نَقَله عنه في «الجيش» فراجعه فيه إن شئت وهو مستفادٌ من النصوص السابقة لمن تأمَّلها وما ألزمه الحافظ العسقلاني أيضاً على القول بإمكان رؤية ذاته الشريفة في عالم الحس، من أن الرائي يكون صحابياً ردَّه العلامة الهيتمي أيضاً، وكذا السيوطي في «تنوير الحلك» بأن شرط الصحبةِ أن يراهُ وهو عالم الملك، وهذه رؤية، وهو في عالم الملكوت، وهذه الرؤية لا تفيد صحبةً. قال السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ويؤيِّد ذلك أن الأحاديثَ وردتْ بأن جميع أمته عُرِضوا عليه فرآهم ورأوه ولم يفدهم ذلك صحبة، لأن الرؤية في عالم الملكوت اهـ بمعناه وغالب لفظه. قلت: وعالم الملك هو عالم الحس والشهادة، ومن شأنه دخولُ المحدودات والمرسومات والمعرفات تحت حيطة الحدود والرسوم والتعريفات، لتقييد الحس لكلّ محدود ومرسوم بحدِّه ورسمه.

وعالمُ الملكوتِ هو عالم اللطافة والغيب، ومن شأنه خرقُ العوائد. وحقيقة خرقِ العادة الخروجُ عن محيطات ما هو معلومٌ ومعتاد من الحدود والرسوم والتعريفات وسائر الضوابط المنحصرة في عالم الحس. ومعلومٌ أن هذه الرؤية لمن أكْرَمَه الله بها من باب خرقِ العادة، ولذلك دخلت في حيز باب الكرامة كما لا يخفى، فلا يوردُ عليها الإلزام الذي أورَدَه الحافظ رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلا من لم يمعنِ النظر حتى يفرق بين الكلام في بساط باب خرق العادة والكلام في بساط الحسن والشهادة، والله تعالى أعلم.

ولا يذهبُ بك الوهم إلى أن تنفي الخصوصية الكبرى والمزية العظمى عمن أكرمه الله تعالى بهذه الكرامة التي هي الرؤية له يقظةً ومشافهة، حيث انتفت عنه درجة الصحبة، فإن درجة الصحبة درجةٌ سامية لا مطْمَعَ في دركها لأحدٍ مما عدا صحابته لمكان صحبتهم لجسده الطاهر في مدةِ وجوده الحقيقي الخارجي، ولقوله : «لَوْ أَنْفَقَ أحَدُكُم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهباً» (7) الحديث، وهؤلاء الكمل المكرَّمون برؤية ذاته لهم مزيةٌ عظيمة على غيرهم ممَّن لم يكرم بذلك، من ذلك ما صرَّح به الشيخ محيي الدِّين في الباب الثالث عشر وثلاثمائة من «الفتوحات المكيَّة» من أنهم يحشَرون معه يوم القيامة كما يحشر الصَّحابةُ الكرام . قال: وأما من يراهُ في النَّوم فليس هو من أصحابِ هذا المقام، وإن رآه ألْفَ مرَّةٍ حتَّى يراه وهو متيقظٌ كشفاً ويخاطبه ويأخذ عنه ويصحِّح له من الأحاديث ما وَقَع يه الطعنُ من جهة طريقها اهـ.  

وهذه مزية عظيمة لهؤلاء الكمل على من عَداهم، إلا أنهم لا يرتقون بها إلى درجة الصَّحابة ، فهي مثل المزية الحاصلة للذين يروون الأحاديث المتَّصلة برسول الله في كلِّ عصر، فإنَّهم يحشَرون مع الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام لأنهم وَرَثَةُ الأنبياء في التبليغ، والفقيه إذا لم يكنْ له نصيب في رواية الحديث فليس له هذه المزية، انظر «الفتوحات» في الباب السابق، فقد بسط الكلام فيه في تحقيق هذه المسألة رَحِمَهُ اللهُ تعالى ورضي عنه.

وأما من نقلت عنه هذه الكرامة التي هي رؤية ذاته الشريفة في عالم الحس فهم جماعةٌ من الأكابر : منهم الشيخ الكامل مولانا عبد القادر الجيلاني ، فقد نقل في «تنوير الحلك» عن الشيخ سراج الدِّين بن الملقن (8) أنه ذكر عنه في كتاب  «طبقات الأولياء» أنه قال: رأيتُ رسول الله قبلَ الظهر فقال لي: يا بني ألا تتكلَّم؟ فقلت: يا أبتاه أنا رجُلٌ أعجميٌّ فكيفَ أتكلَّم على فصحاء بغداد؟ فقال: افتَحْ فاكَ ففتحْتُه فتفلَ فيه سبعاً، وقال: تكلَّم على النَّاس، و«ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّعَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » [النّحل: الآية 125] فصلَّيت الظهر وجلستُ وحضرني خلقٌ كثير، فأُرْتِجَ عليّ (9) فرأيتُ عليّاً يعني ابن أبي طالب قائماً بإزائي في المجلس فقال لي: يا بني لمَ لا تتكلَّم؟ فقلت: يا أبتاه قد أرتج عليّ. فقال:افتح فاك، ففتحته فتفل فيه ستّاً فقلت: لمَ لمْ تكلمها سبعاً؟ فقال: تأدُّباً مع رسول الله ، ثم توارى عنِّي، فقلت: غوامض الفكر يغوصُ في بحرِ القلب على درِّ المعارف فيستخرجُها إلى ساحل الصدر، فينادي عليه ترجمانُ اللسان، فيشتري بنفائس أثمان حسن الطاعة « فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ » [النُّور: الآية 36] قال: وقال، يعني السراج بن الملقن، في ترجمة الشيخ خليفة: كان كثيرَ الرؤية له يقظةً ومناماً، فكان يقال: إن أكثر أفعاله متلقَّاة  منه ورآه في ليلة سبع عشرة مرَّةً قال له في إحداها: يا خليفة لا تضجَرْ منِّي، فإن كثيراً من الأولياء مات بحسرة رؤيتي. ونقل عن الشيخ عبد الغفار بن نوح المقدسي أنه ذكر في كتاب «الوحيد» بعض المشايخ وسمّاه وقال فيه: وكان يخبر أنه يرى رسول الله في كل ساعة حتى لا تكاد تمرُّ ساعة إلا وهو يخبر.

وممَّن ثبتت له هذه الكرامة أيضاً الشيخ أبو الحسن الشاذلي وتلميذه وخليفته الشيخ أبو العباس المرسي، وذكروا أنه كان إذا سلم على النبيّ ردَّ عليه ويجيبُه إذا تحدَّث. وممَّن ثبتت له هذه الكرامة الأستاذ سيدي علي بن وفا ، وكان يحدِّث عن  نفسه أنه رآه وهو ابن خمس سنين يقظة لا مناماً، وعليه قميص أبيضُ من قطن، ثم رأى القميصَ عليه، وأنه قال له: اقرأ، فقرأ عليه سورة (والضحى) وسورة (ألم نشرح) ثم غاب عنه ، وأنه لما بلغ إحدى وعشرين سنة أحرمَ للصلاة فرآه قبالة وجْهِه فعانقه فقال:«وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْﱸ »[الضّحى: الآية 11] قال : فأُوتيت لسانه من ذلك الوقت.

وذكر السيوطي رَحِمَهُ اللهُ  تعالى عن بعض الأولياء أنه حَضَر مجلس فقيهٍ فروى ذلك الفقيه حديثاً فقال له الولي: هذا الحديث باطلٌ، قال: ومن أين لك؟ قال: هذا النبي واقفٌ على رأسِكَ يقولُ: إنِّي لم أقلْ هذا الحديث، وكشفَ للفقيه فرآه فقالَ له:ما قلت ذلك فسلم الفقيه للولي اهـ. ونقل في «الجيش الكبير» عن الشيخ العارف بالله تعالى سيدي عبد الوهاب الشعراني أنه قال في كتابه «لطائف المنن والأخلاق»: أدركتُ بحمد الله جماعةً ممَّن رآى رسول الله في اليقظة، وعدَّ منهم سيدي عليّاً الخوّاص والحافظ السيوطي وغيرهما. قال، يعني الشعراني : وكان سيدي إبراهيم المتبولي رَحِمَهُ اللهُ تعالى يقول: نحن خمسة في الدنيا لا شيخ لنا إلا رسول الله : الجعيدي يعني نفسه، والشيخ أبو مدين، والشيخ عبد الرحيم القناوي، والشيخ أبو مسعود بن أبي العشائر، والشيخ أبو الحسن الشاذلي . وقال الشعراني يحدِّث عن نفسه: لا أعلم أحداً في مصر الآن أقربَ سنداً إلى رسول الله منِّي، فإن بيني وبينه رجلين سيدي عليّاً الخوّاص وسيدي إبراهيم المتبولي فقط. ونقل صاحب «الجيش» عنه أيضاً أنه قال في كتابه «الميزان» بعد أن جزم بأن المجتهدين جميعهم كمالك والشافعي رحمهم الله يقولون برؤية ذاته الشريفة في اليقظة، ويسألونه عما يحتاجون السؤال عنه ما نصّه: وقد اشتهر عن كثير من الأولياء الذين هم دون الأئمَّة المجتهدين في المقام أنهم كانوا يجتمعون برسول الله ويصدِّقهم أهلُ عصرهم على ذلك كالشيخ إبراهيم الدسوقي وسيدي الشيخ جلال الدِّين السيوطي والزواوي والمرسي وأبي مدين وأبي السعود والشاذلي وعبد الرحيم وجماعات ذكرناهم في طبقات الأولياء.

قال: ورأيت بخط الشيخ جلال الدِّين السيوطي عند بعض أصحابه وهو الشيخ عبد القادر الشاذلي مراسلة لشخص سألَه شفاعةً عند السلطان قايتباي، ونصُّها: اعلمْ يا أخي أنَّني اجتمعتُ برسول الله إلى وقتي هذا خمساً وسبعين مرَّةً يقظةً ومشافهة، ولولا خوفي من احتجابه  عنِّي بسبب دخولي للولاة لطلعت القلعة وشفعتُ فيك عند السلطان، وإنِّي رجلٌ من خدام حديثه وأحتاج إليه في تصحيح الأحاديث التي ضعَّفها المحدثون من طريقهم، ولا شكَّ أن نفعَ ذلك أرجح من نفعك أنت يا أخي اهـ.  

قال، يعني الشعراني : ويؤيِّد الشيخ جلال الدِّين في ذلك ما اشتهر عن سيدي محمد بن زين المادح لرسول الله أنه كان يراه يقظةً ومشافهة، ولما حجَّ كلَّمه من القبر ولم يزلْ هذا مقامه حتى طلب منه شخص أن يشفعَ له عند حاكم البلدِ، فلما دخَلَ عليه أجْلَسَه على بساطِه فانقطعت عنه الرؤية، فلم يزلْ يتطلَّب من رسول الله حتى تراءى له من بعيدٍ، فقال: تطلب رؤيتي مع جلوسك على بساطِ الظلمة! لا سبيلَ لك إلى ذلك، فلم يبلغنا أنه رآه بعد ذلك حتى مات اهـ.

ونقل في «الجيش» أيضاً عن الشيخ أبي الحسن الأجهوري رَحِمَهُ اللهُ  تعالى أنه ذكر في نوازله أنه رأى جماعةً ممن وقعتْ لهم رؤيته، وسمع ذلك منهم، قال: منهم شيخنا العارف بالله تعالى شيخ المالكية في زمانه الشيخ محمد النووي، قال: وقد ذكر ذلك لجميع الناس ومنهم أيضاً شيخنا العارف بالله تعالى الشيخ الحمالي المشهور بحشيش، وكان يقع له ذلك كثيراً، والقرائن الدالَّة على صدْقِهما في ذلك بينة مفيدة للقطع، ومنهم  شيخنا نور الدين القلوصي وشيخه العارف بالله تعالى الشيخ أحمد الأحم، وقد اجتمعت به مراراً عديدة ودعا لي بالدعوات الصالحة اهـ.

وذكر السيوطي في «تنوير الحلك» وغيره أن الشيخ أبا العباس القسطلاني دخَلَ مرة على النبي فقال له: أخذ الله بيدك يا أحمد. وذكر عن الشيخ أبي السعود بن أبي العشائر أنه قال: كنتُ أزورُ شيخي أبا العباس وغيره من صلحاء مصر، فلما فتح الله علي لم يكن لي شيخٌ إلا النبي ، وأنه كان يصافِحُه عقب كلِّ صلاة وتقدَّم قول الشيخ مولانا عبد القادر: لم أتزوَّج إلخ.   

وفي هذه النَّبذة التي اقتصرنا عليها هنا من ذكر من اتّفقت له هذه الكرامة العظيمة كفاية لمن شرح الله صدرَه للتصديق والتَّسليم لهذه العصابة الكريمة.

وأما الكرامةُ الثانية المشارُ إليها في هذه الأبيات الأربعة وهي دوام شهود صورته r بحيث لا يغيب عنه لمحةً، فقد تقدَّم أنها من خصائص قطب الأقطاب، فلا مرِيَّة أنها كانت من كراماتِ سيِّدنا . 

وأما الكرامة الثالثة وهي دخول الجنَّة لمن رآه في اليومين الاثنين والجمعة فهي من كراماته التي طارت بها الركبان، وتواترت بها الأخبار في سائر الأقطار والبلدان، بإخبارٍ من النبي ولفظه الشريف، فيما أخبر به سيدنا : بعزَّة ربي يوم الاثنين والجمعة لا أفارِقُك فيهما من الفجر إلى الغروب، ومعي سبعة أملاك، وكلُّ من يراكَ في اليومين يكتبون يعني الأملاك السبعة اسمه في رقعة من ذهبٍ ويكتبونه من أهل الجنَّة، وأنا شاهدٌ على ذلك، ولتكثِرْ من الصلاة عليّ في هذين اليومين، فكل صلاةٍ تصلِّيها عليّ نسمعك ونردُّ عليك، وكذلك جميع أعمالك تعرض عليّ والسلام انتهى.

وقول النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى هنا «بلا حساب ولا عقاب» أخذه بالأولوية من إخباره بأن النبي ضمِنَ له أن من رآه يدخل الجنَّة بلا حساب ولا عقاب، يريد سواء في اليومين أو غيرهما، وبهذا تعرف أنَّ ضمان النبي له دخول الجنَّة لمن رآه وقعَ له مطلقاً ومقيداً باليومين المذكورين، ولا شك أن المقيد باليومين له مزيدُ مزيةٍ على المطلَق لتأكيد الوعد فيه بالقسم، لأنه وإن كان وعدُه صدقاً بلا ريب مطلقاً، ففي المؤكَّد بالقسم إظهار مزيد الاعتناء منه بمن حصلت له الرؤية في اليومين، وذلك يفيد التقييد بعدم الحساب والعقاب في حق من رآه في اليومين بالأولوية كما لا يخفى، على أن صاحب «الجامع» صرح بعدم الحساب والعقاب، وللمقيد باليومين مزيد مزية بكتابة الأملاك لاسم الرائي في رقعة من ذهب، ولم يذكر ذلك في المطلق، وتلك عناية ظاهرة أيضاً.

وبالجملة فرؤيته في كل يوم سببٌ لدخول الجنَّة بلا حساب ولا عقاب كرامة من الله تعالى له، ورؤيته في أحد اليومين المذكورين سببٌ لما ذكر من دخول الجنَّة بلا حساب ولا عقاب وزيادة ما ذكر من كتابه الملائكة اسمه إلخ كرامة من الله تعالى أيضاً ، فافهم ذلك. ورأيت في كلام بعض من كان مشاراً إليه بالفتح من الأصحاب ما يشير إلى أن المختصّ برائيه في اليومين هو السعادة التي لا شقاوة بعدها يعني أنه لا يراه في اليومين إلا من سبق في علم الله تعالى أن يكون سعيداً، فيدخل الكفار في هذا الخطاب وينسحب عليهم الحكم في هذا المقام بفضل الملك الوهاب، فيقال: لا يراه في هذين اليومين إلا من يسبق في علم الله تعالى أنه يختم له بالسعادة كائناً من كان، فإذا رآه الكافر في أحد اليومين ختم له بالإيمان، وعليه فتختصُّ الرؤية المطلقة في كل يوم بمن كان مسلماً، سواء كان من الأصحاب أم لا، حسبما هو مصرَّح به في «الجواهر». 

وهذه المقيدة باليومين بما يشمل كلّ من رآه ولو كافراً، ويؤيد هذا ما أخبرنا به غير واحد من خاصة أصحاب سيدنا ، وهو أن يهودياً كان يخيط للشيخ ثياباً، فجلس بإزائه بعض الأصحاب وتحدَّثوا بهذه الكرامة بينهم فسمعهم اليهودي من غير أن يلقوا إليه بالاً، فاحتالَ بأن أكمل ما كان يخيطه في أحد اليومين الاثنين أو الجمعة ثم طلبَ ممن كان ينوبُ عن الشيخ في قضاء المآرب أن يرفعَ ما خاطه للشيخ بيدِه، وذكر أنه أرادَ أن يطلبَ منه الدعاء، فشاورَ النائب سيدنا على ذلك وذكر له ما طلبه فأذِنَ له الشيخ ، فدخَلَ وجلَسَ بين يديه وأمعن النَّظر في وجهه، ثم قال له: يا سيدي، ها أنا رأيتُ وجهَك وهذا يوم كذا، فدعا له الشيخ  وانصرفَ فآل أمرُه إلى أن ماتَ مسلماً بعد وفاةِ سيدنا تصديقاً لضمانه لسيدنا المؤكد بالقسم، ومثل هذا لا ينكِرُه إلا جاهلٌ بسعة فضل الله تعالى أو منكر لكرامات الأولياء، فلا عبرة بمن أنكرَ مثله على أكابرِ العارفين فإنكار بعض المترسمين من أهل سجلماسة (10) على الشيخ الكبير القدوة الشهير سيدي محمد بن ناصر الدرعي فيما كان يذكره للفقراء من كلام الثعالبي ، فإنه، أعني الإمام، كان يحكي بسنده على الإمام الثعالبي أنه قال: من رأى مَنْ رآني إلى سبعة ضمنتُ له الجنَّة بشرطِ أن يقول كل لمن رأى أشهدُ أني رأيتُكَ، فيشهد له فكان الشيخ ابن ناصر يذكر ذلك على طريق الترجية ولئلاّ يفوت المسلمين ذلك الخير أن حقَّقه الله تعالى، فقالوا: هذا يوقع النَّاس في الأمن، ووقعوا فيه، وكتبوا في ذلك كراسةً، فقيَّضَ الله لها من نقض باطلها عروةً عروة. ذكره العلاَّمة المحقق أبو علي اليوسي رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وذكر أن الإمام ابن ناصر كان بينه وبين الإمام الثعالبي في هذه السلسلة أربعة وسائط، فكان في الطبقة الخامسة من طبقات أهل هذه الكرامة، ثم قال الشيخ أبو علي اليوسي : وقد رأيت والحمد لله ابن ناصر وأشهدتُه على ذلك، حققه الله لنا وللإخوان، قال: واعلم أن مثل هذا يذكر على طريق الرجاء كما أشرنا إليه، وهو أمرٌ جائز لا يمنعه عقلٌ ولا شرع، وذلك أن فضل الله تعالى عظيم لا يُحَدُّ بقياس، وأولياء الله تعالى أبواب يخرجُ منها هذا الفضل ولهم مكانة عند ربِّهم الكريم المتفضِّل، فأيُّ شيءٍ يستبعد في أن يمنح بعضُهم الشفاعة في قرنه أو أكثر وأن من مسَّه لم تمسَّه النار، أو أن من رآه دخلَ الجنَّة، أو من رأى من رآه على سبعة أو أكثر؟ هذا كلُّه قريب. وقد أخبر النبيّ عن أويس القرني أنه يشفعُ في مثلِ أو عدد ربيعة ومضر اهـ المراد هنا من كلام الشيخ أبي علي اليوسي بلفظه في محاضراته عقب ما تقدَّم عنه بمعناه، وفيه الغنية لمن ألْهَمَه الله رُشْدَه وهداه.   

وممَّا يتعلَّق بهذه الكرامة ما أخبرني به بعض العلماء الأفاضل من أصحاب سيدنا أن بعض مشاهير علماء العصر، وكان من الشرفاء العلويين الكرام، قصَدَ إلى سيدنا في أحد اليومين المذكورين زائراً، فدخل عليه، فلما جلس بين يديه أمعنَ فيه النظر وقال: يا سيدنا ما اسمُ هذا اليوم؟ فتهلَّل وجهُ سيدنا وعلاه الوقارُ من شدّة تعظيمه لآلِ البيتِ الأطهار، وأجابه بديهةً بأن قال له الكلام في غير آلِ بيته . فانظرْ ما يجلبه الإنصاف والتصديق والمحبة لأهل الله تعالى، فإن هذا الشريف لما أتى مع ما هو فيه من نخوة العلم والنسب منصفاً محبّاً ملتمساً للبركة حظي شهادة القطب له بصحة اتِّصال نسبه برسول الله ، وقد نصُّوا على أن من شهد له عارفٌ كبير بصحَّةِ هذا النَّسب فهو مقطوعٌ له به، وفي صحَّة الاتصال بنسبة الشريف ما لا يقدرُ قدرُه من الفضلِ والفخار والجاه الشامخ المنيف. 

(تبشير) رأيتُ فيما وقفتُ عليه من كلام صاحب «الرماح» أن للمتعلقين بالشيخ من الفضائل الثابتة له بإخبارٍ منه ، أو ممن يعتمد في مثل ذلك من أصحابه وورثةِ أسراره دون ما هو مكتومٌ من ذلك أربعاً وثلاثين فضيلة أربع عشرة منها تشملُ جميعَ من تعلَّق به بوَجْه من التعلّقات كالنظر إليه والمحبة له ولأهل طريقه وقضاء حوائجه ونحو ذلك، يعني من غير أخذِ وردٍ، وعشرون تختصُّ بمن أخذ ورد (11) وتمسك بطريقته ثم سرَدَها، وذكر من هذه العشرين المختصَّة بأهل الوِرْد أن من آحاد أهل هذه الطريقة من إذا رآه الشخصُ يوم الاثنين أو يوم الجمعة دخلَ الجنة بلا حساب ولا عقاب وراثةً من الشيخ اهـ. فينبغي للمصدق الراغب في الاستكثار من الخير أن ينظر في وجْهِ كلِّ من لقيه في اليومين من أهل هذه الطريق بهذه النيّة قصداً، لأن يعثر على أحدٍ من أصحاب هذه الوراثة، و«نيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلهِ» والله الموفق.


 

***


(1)  إنما تلك التي بالألف «رؤيا» فهي قلبية، الفرق واضح.
(2) 
القرافي: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس، شهاب الدين الصنهاجي القرافي، من علماء المالكية، نسبته إلى قبيلة صنهاجة من برابرة المغرب، وإلى القرافة(المحلة المجاورة لقبر الإمام الشافعي) بالقاهرة. وهو مصري المولد والمنشأ والوفاة. وله مصنفات جليلة في الفقه والأصول منها «أنوار البروق في أنواء الفروق» مات سنة (684هـ). انظر الديباج المذهب: 62، وشجرة النور: 188، والخزانة التيمورية: 3/239.
(3)  هو علي بن محمد بن عبد الرحمن بن علي، أبو الإرشاد، نور الدين الأجهوري، فقيه مالكي، من العلماء بالحديث. مولده ووفاته بمصر، من كتبه «شرح الدرر السنية في نظم السيرة النبوية» وغيره مات سنة (1066هـ). انظر خلاصة الأثر: 3/157، وخطط مبارك: 8/33.
         (4)  هو حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة الخزاعي البصري، تابعي من أهل الحديث. مات وهو قائم يصلي. كان أبو مولى لطلحة الطلحات مات سنة ( 142 هـ). انظر العبر:1/194، وشذرات الذهب: 1/211، وخلاصة تذهيب الكمال: 80.
(5) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبو محمد، سيد التابعين وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت، لا يأخذ عطاء من أحد، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، حتى سمي (راوية عمر) مات بالمدينة سنة (94 هـ). انظر طبقات ابن سعد: 5/88، والوفيات، 1/206، وصفة الصفوة: 2/44، وحلية الأولياء: 2/161.
(6)  هو عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي، عفيف الدين، مؤرخ باحث متصوف، من شافعية اليمن نسبته إلى يافع من حمير، ومولده ومنشأه في عدن. حج سنة (712 هـ) وعاد إلى اليمن، ثم رجع إلى مكة سنة (718 هـ) فأقام، وتوفي بها سنة (768 هـ). من كتبه «مرآة الجنان» وغيره. انظر الدرر الكامنة: 2/247، وشذرات الذهب: 6/210، وطبقات الشافعية: 6/103.
(7)  رواه مسلم في (الإيمان: 1).
         (8) هو عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين  أبو حفص النحوي، المعروف بابن الملقن، من أكابر العلماء بالحديث العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال. أصله من وادي آش (بالأندلس)، ومولده ووفاته في القاهرة، له نحو ثلاثمائة مصنف. مات سنة (804 هـ). انظر الضوء اللامع: 6/100، وخطط مبارك: 4/105.
(9)  أُرتِجَ عليه: عجز عن الكلام، ولم يعرف ما يقول.
(10)  سِجِلْماسة: مدينة في جنوبي المغرب في طرف بلاد السودان، بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب، وهي في منقطع جبل درن، انظر معجم البلدان: 3/192.
(11)  كذا بالأصل، ولعل الصواب: «وِرْدَه».