التعريف بالشيخ | شدَّةُ اتباعه للشرع الطاهر، والتقيد بأوامره ونواهيه في الباطن والظاهر

مما لسيدنا من الكرامات العظام والمناقب الجسام
شدَّةُ اتباعه للشرع الطاهر،
والتقيد بأوامره ونواهيه في الباطن والظاهر

ولما كانت الكرامة من حيث هي على قسمين: حسية ومعنوية حسبما تقدَّم ذكره وكانت المعنوية أشرف وأعلى قدم النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى ذكر المعنوية مع التنصيص على أنها أرفعُ وأعلى، فقال:

(مِنْ ذَلكَ اتْباعُه للسُّنهْ

 

وهْي لدَى الرِّجالِ خير منَّهْ

وكانَ في ذلك لا يجارَى

 

ولا يضاهَى لا يُبارَى

وكانَ مِن صِغره مَذكورا

 

عَنه وما زال به مَشْهورا)

(الاتباع للسنة) الاقتفاء لآثارها والانقياد لأمرها، وقيل: إن الاتباع غيرُ الانقياد والطَّاعة، ووجْه الفرق بينهما أن المطيعَ مسلوب الاختيار مع المطاع. وفي الصحاح: فلان طوعُ يدِك أي منقادٌ لك، والمتَّبعُ غيرُ مسلوبِ الاختيار، وعلى الأول يكون في تعبير النَّاظم به الإيماء إلى أن سيدنا من كُمل العبيد الذين يصير النفل في حقِّهم واجباً، فيكون اتباعُهم واجباً عليهم في مرتبتهم الخاصَّة بهم. والإنسان في أدائه الواجباتِ عبدُ اضطرار، وفي أدائه النقلَ عبدُ اختيار؛ وعبادة الاضطرار أشرفُ، لما يتطرَّق في الثانية من وصمة رؤية النفس المشار إلى ذمِّها في قوله تعالى: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ »[الحُجرَات: الآية 17]  الآية: فافهم والله تعالى أعلم.

و(السنة) المرادُ بها هنا طريقته ، وهي شريعتُه التي دلَّت عليها الدَّلالة الصَّحيحة شرعاً، كتاباً وسنةً وإجماعاً وقياساً، وليس المرادُ بالسنّة هنا: ما يقابل الكتاب، والمرادُ بـ(الرجال)هنا: الكملُ من أهل الله تعالى إذ هم الرجالُ حقيقةً عند العارفين، ومن لم يكن متّصفاً بوصْفِهم فهو امرأة عندهم وإن كان رجلاً، و(المنة) الموهبة من الله تعالى لعبده تفضلاً وجوداً، والمراد هنا الكرامة، و(المجاراة) و(المضاهاة) و(المباراة) متقاربة: والمراد المساواة، فتنتفي المجاوزة بالأولى، وباقي ألفاظ الأبيات ظاهر.

يقول: من جملة ذلك الذي أردت إيرادَه والتعرُّضَ لذكره في هذا المقام مما لسيدنا من الكرامات العظام والمناقب الجسام التي يفتخر بها المعتقد، وينزجرُ المنتقد شدَّةُ اتباعه للشرع الطاهر، والتقيد بأوامره ونواهيه في الباطن والظاهر، ومتابعته بقدْرِ المستطاع في جميع أقواله وأفعاله حتى في العادات والمباحات من حركاته وسكناته وسائر أحواله. وهذه عند الرجال الواصلين والكمل الأكابر أجلُّ كرامةٍ وموهبة للعبد من مولاه الملك القادر، وقد كان سيدنا منها بالمكانة التي لا يجاريه فيها أحدٌ ولا يباريه، والمنزلة التي لا يقاربه فيها غيره ولا يدانيه، نشأ على ذلك وربي فيه منذ كان، فلم يزلْ معروفاً به بين الخاصّ والعام في سائر الأقطار والبلدان. وانظرْ من كتاب «جواهر المعاني» فصل سيرته السنية تظفر بما تقرُّ به عينُك في هذا الباب من كمال متابعته لخير البرية وشرف وكرم ومجد وعظم، والكرامة بهذا المعنى هي الاستقامة، لا يعرفها العامة ولا يعرفها إلا الخواصّ.  

وحاصلُها هو أن تحفظ على العبد آداب الشريعة، وأن يوفَّق لفعل مكارم الأخلاق واجتناب سفسافها والمحافظة على أداء الواجبات مطلقاً في أوقاتها، والمسارعة إلى الخيرات، وإزالة الغلِّ للناس من صدْره والحسد، وطهارة القلب من كلِّ صفة مذمومة، وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس، ومراعاة حقوق الله تعالى في حق نفسه وفي الأشياء، ومراعاة أنفاسها في دخولها وخروجها، فيتلقَّاها بالأدب ويخرجُها وعليه خلعة الحضور اهـ.

واعلمْ أن الكرامة بهذا المعنى لم ينبِّه سيدنا عن التعرُّض لذكرها، ولم يشرْ إلى عدم إفشائها ونشرها. وذلك، والله تعالى أعلم، لأن العبد مطالبٌ بها من مولاه تبارك وتعالى، بخلاف الأخرى، فإنه مأمور بالبعد منها والتنزُّه عنها لما فيها من حظِّ نفسه واتباع هواها فيما تدعوه إليه من الترفع والتميز عن أبناء جنسه كما قيل: كُنْ طالب الاستقامة ولا تكنْ صاحب الكرامةِ، فإن نفسكَ تتحرَّك في طلب الكرامة، ومولاك يطالبك بالاستقامة، ولا تكون بحقِّ مولاك أولى بكَ عن أن تكون بحظّ نفسِك وهواك. وأيضاً إن الكرامة بالاستقامة الحسية، وإن كانت نتيجة استقامةٍ قد يداخلها المَكْرُ والاستدراج والعياذ بالله تعالى، وقد لا يبعدُ أن يجعلها الله تعالى حظَّ من ظهرت عليه على عمله وجزاءً على فعله. بخلاف هذه المعنوية لا يدخلها شيء من ذلك، لأن العلم يصحبها والحدود الشرعية لا تنصب حبالةً للمَكْرِ الآلَهي، فإنَّها عينُ الطريق الواضحة إلى نيل السعادة، فأسنى ما أكرم الله به أولياءه العلم خاصة، وأما غيره من خوارق العادات فلا يصحُّ كونه كرامةً إلا بتعريف من الله تعالى اهـ، انظر بسطَ الكلام على هذه المسألة في «الفتوحات المكيَّة»، وانظر أيضاً قوله ثمة: «ولا أعني بهذا العلم إلا العلم بالله والدار الآخرة وما تستحقه الدار الدنيا وما خلقت له ولأي شيء وضعت، وذلك حتى يكون الإنسان من أمره على بصيرةٍ من حيث كان فلا يجهلُ من نفسه ولا من حركاته شيئاً» انتهى. وليس هذا العلم الموصوف إلا علم العارفين بالله الذين جَمَع الله لهم بين علم الدراسة وعلم الوراثة لا غير، والله أعلم.

ثم إن أصلَ الكرامة المعنوية كما قاله التاج ابن عطاء الله في «لطائف المنن» رَحِمَهُ اللهُ تعالى هو: الإيمان بالله تعالى والمعرفة بربوبيته، لأن كلّ خيرٍ من خيرات الدنيا والآخرة فرعٌ عن الإيمان بالله من أحوال ومقامات وأوراد وواردات،وكلُّ نورٍ وعلم وفتح ونفوذ إلى غيب وسماع مخاطبة وجريان كرامة وما تضمنته الجنة من حُورٍ وقصور وأنهار وثمار أو كان به أهلُها فيها من رضا عن الله عز وجل ورؤية لله، فكلُّ ذلك إنَّما هو نتائج الإيمان ووجود آثاره وأمداد أنواره، جعلنا الله وإياكم من المؤمنين بربوبيته الإيمان الذي رضِيَهُ لعباده، وبسطنا وإياكم للتسليم له في مراده انتهى.

 

***