التعريف بالشيخ | من كرامات سيدنا

من كرامات سيدنا
كثرة ما ذكره للاسم الأعظم من الفضائل و الخصائص و الأسرار
مما لم ينقل مثلُه عن أحد من الكبار



ثم قال النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

(وكَمْ خَصائِصٌ لِلاسِم الأعظَمِ

 

لِغَيْرِ شَيْخِنا الرَّضِي لَمْ تُعلمِ)

(الخصائص) الخصوصيات، والمراد ها: الفضائل والأسرار التي اختصَّ بها هذا الاسم العظيم المقدار. و(الاسم الأعظم) عند العارفين المحققين: هو الاسم المخزون المكنون الذي إذا دُعي الله به أجاب، وإذا سُئل به أعطى، كما وَرَد، قالوا: وهو اسم الذات المقدسة جلَّ وعلا الذي  ليس للذات غيره. وقوله: (لم تعلم) معناه لم يُنقَلْ مثلُها عن أحد غير الشيخ .

ويقول: ومن كرامات هذا الشيخ الجليل التي هي على بلوغه أقصى درجات الكمال أكبر شاهدٍ ودليلٍ كثرة ما ذكره للاسم الأعظم من الفضائل والخصائص والأسرار مما لم ينقل مثلُه عن أحد من الكبار.

وقد نصَّ الشيخ جلال الدين السيوطي في تأليفه الذي سماه «الدرّ المنظم في الاسم الأعظم» وكذا الشعراني في «لطائف المنن والأخلاق» وغيرهما من الشيوخ أجمعين أنه قد اختُلِف في هذا الاسم اختلافاً كثيراً، فقيل: إنه لا وجود له، بمعنى أن أسماء الله تعالى كلها عظيمة لا يجوز تفضيلُ بعضها على بعض. قال الشيخ جلال الدين وسيدي محمد بن محمد البكري الصديقي في كتابه «لوامع الأسرار» في الكلام عليه ما نصّه. وذهبت شرذمةٌ إلى أنه لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، لأن الموصوف واحد. قال: ومن جملة من اختار ذلك أبو جعفر الطبري وأبو الحسن الأشعري وابن حبان والقاضي أبو بكر الباقلاني. قال: ونحوه قول مالك وطائفة: لا يجوز تفضيل بعض القرآن على بعض، وحمل هؤلاء ما وَرَد من ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم اهـ. ومثله حكاه السيوطي في كتابه المذكور، ثم قال: وعبارة الطبري (1): اختلفت الآثار في تبيين الاسم الأعظم على أن المراد به: العظيم اهـ. ومثله حكاه السيوطي في كتابه المذكور ثم قال: وعبارة الطبري: اختلفت الآثار في تبيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلّها صحيحة، ولم يرِدْ في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول كل اسمٍ من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى عظيم. ثم قال السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وقال ابن حبان الأعظمِيَّةُ الواردة في الأخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك كما أُطلق ذلك في القرآن، والمراد به مزيد ثواب القارئ اهـ ذكره السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى.

وقال الشيخ البكري عقِبَ حكايته ما تقدَّم: وقوله:«وحمل هؤلاء» إلخ ما نصّه: وهذا لا يتمُّ لهم، فإنه لا مانع أن تختلفَ الدوالُّ على الله تعالى بحسب وضعها، وهذا بديهي أو في حكمه. ثم قال: ولما تعدَّدت الصفات الإلَهية وتفاوتت نظراً إلى صفة الذات وصفات الأفعال، ولهما من نسب الكمال ولم يوهم ذلك تعدُّد الموصوف فضلاً عن اقتضائه، وثبت تفضيل بعض القرآن على بعض، وثبت إطلاق الأعظم في الأسماء الإلَهية، ولم نجد أدنى مخرج إلى صرف الكلام عن ظاهره تعيَّنَ الجزمُ بقول الجمهور وهو إثبات الاسم الأعظم في حقيقته والمتبادر من إطلاقه اهـ الغرض منه هنا. وقيل وهو قول الجمهور حسبما سبق التصريح به في قول الشيخ البكري : إنه موجودٌ ثابت وجودُه بالأخبار المروية وإن إطلاق الأعظم في جميعها إنما هو على حقيقته والمتبادر منه، وأن أسماء الله تعالى بعضها أعظمُ من بعض.

حكى الشيخ البكري إجماع أكثر العلماء عليه، ثم اختلف بعد في تعيينه على أقوال عديدة، قال بعضهم نحو الأربعين قولاً، ذكر جلَّها السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كتابه المذكور، وكذا الشيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني في مننه . منها: أنه مما استأثرَ الله به ولم يطَّلع عليه أحدٌ من خلْقِه كما قيل بذلك في ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى. ومنها: أنه «الله» لأنه لا يطلَقُ على غيره سبحانه، ولأنه أصلٌ في الأسماء الحسنى، ومن ثم أضيفت إليه اهـ. وسنذكر ما للشيخ فيه. ومنها: أنه «هو» قال السيوطي: نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، واحتجّ له بأن من أراد مخاطبة معظم بحضرته لا يخاطبه إلا بضمير الغيبة تأدُّباً معه. ومنها: أنه «بسم الله الرحمٰن الرحيم» لما أخرجه الحاكم في المستدرك وصحَّحه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عثمان بن عفّان سأل النبيّ عن بسم الله الرحمٰن الرحيم فقال: «هو اسمٌ من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين الاسْمِ الأكْبَرِ إلاّ كما بين سَوَادِ العَيْنِ وبَياظِها مِنَ القُرْبِ». ومنها: أنه «الحيُّ القيُّوم» ونقل السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى تقويته عن الفخر الرَّازي قائلاً: يعني الفخر لأنهما يدلاَّن من صفة عظمة الربوبية ما لا يدلُّ على ذلك غيرُهما كدلالتهما. ومنها: أنه «الحنان المنان بديع السَّمٰوات والأرض ذو الجلال والإكرام» لحديث أنس : أنه كان جالساً مع رسول الله ورجلٌ يصلِّي ثم دعا: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنَّ لك الحمْد لا إلَه إلاّ أنت الحنَّان المنَّان السَّمٰوات والأرض ذو الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيوم. فقال النبي : «لقد دعا الله باسمه العظيمِ الذي إذا دُعِيَ بهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بهِ أعْطَىٰ» (2). ومنها أنه: «يا ذا الجلالِ والإكرام» لما وَرَد: أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد اسْتُجِيبَ لكَ فَسَلْ».

ونقل السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى عن الإمام الفخر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه احتجَّ له بأنه يشمل جميعَ الصفات المعتبرة في الألوهية، لأن في الجلال إشارةً لجميع السلوب، وفي الإكرام إشارة لجميع الإضافات. ومنها: أنه «اللهمَّ إنِّي أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إلَه إلاّ أنت الأحدُ الصَّمَد الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكن له كفواً أحد» لما وَرَد عن أبي هريرة: أنه سمع رجلاً يقولُ ذلك فقال:«لقد سأَلْت الله بالاسم الذي إذا سُئِل به أعطى وإذا دُعِي به أجابَ» وفي لفظ: «لقد سَألَ الله باسمِه الأعظم» قال الحافظ ابن حجر: وهو أرجحُ من حيث السند من جميع ما وَرَد في ذلك اهـ نقله السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى.

ومنها: أنه «ربِّ رب» لما أخرجه الحاكم عن أبي الدَّرداء وابن عباس رضي الله عنهما قال: «اسم الله الأكبر ربّ رب». وعن مولاتنا عائشة رضي الله عنها: «إذا قالَ العبدُ يا ربِّ يا رب قال الله تعالى: لبَّيك عبدي سَلْ تُعْطَ» ومنها: أنه في هذه الآية من آل عمران:قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عِمرَان: الآية 26] إلى قوله: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عِمرَان الآية 27]. ومنها: أنه «دعوة ذي النون» وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبيَاء: الآية 87]. ومنها أنه «اللَّهمَّ» نَقلَه السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى عن الزركشي ، ومعناه عند بعضهم أن الميم من علاماتِ الجمع، فزيدَتْ هنا لتشعِرَ بأن هذا الاسم اجتمعت فيه أسماءُ الله كلُّها، قال ابن السيد: ولهذا ذهبَ من ذهب إلى أنه اسم الله الأعظم اهـ إلى غير ذلك مما ذكروه في تعيينه. 

وقد صرَّح الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن جملة الأقوال فيه لا تفيدُ الجزمَ بمعرفته. وقال جعفر الصادق والجنيد رضي الله عنهما: كلُّ اسمٍ من أسماء الله تعالى دعا به العبدُ ربَّه مستغرِقاً بحيث لا يكون في فكره حينئذٍ غير الله تعالى فإن من تأتَّى له ذلك استجيب له اهـ نقله السيوطي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وحكي نحوه عن الشيخ أبي يزيد البسطامي جواباً لمن سأله عنه، والظاهر أن مصلَ هذا مما يجيب به أمثال الشيخ أبي يزيد ، إنَّما هو بحسب أحوال السائلين، وإلا فبعيد خفاء الاسم الأكبر هو متعارَفٌ بين العارفين بالله تعالى عن أمثالهم، فافهم والله تعالى أعلم.

وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنهما يفيد بالتصريح أنه، أعني الاسم الأعظم، غير ما دلَّت عليه جملة الأقوال المتقدِّمة وأنه خاصٌّ بالخواصِّ ولا يدرَكُ إلا من طريق الكشف.

ونصَّ كلامه فيه: مما مَنَّ الله تعالى به على معرفتي اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، ولكن لا أعلمه لكلِّ الناس إلا إن وثِقْتُ بدينه وبخوفه من الله تعالى وشفقته على خلقه، فإنِّي أخاف أن يدعو به على من لم يستحقَّ الدعاء فيهلك، قال: ولولا أن غيري من الفقراء سبقني إلى كتمانه لذكرتُه لك معيناً في هذا الكتاب، ثم قال: ولا بأسَ بذكر جملةٍ من الأقوال في تعيينه وإن كانت لا تفيد الجزم بمعرفته، وذكر بعضَ الأقوال المتقدمة ثم قال في آخر كلامه ما نصّه: وبالجملةِ فلا يطَّلع عليه أحدٌ إلا من طريقِ الكشف، والحمدُ لله وحده اهـ. وقوله: «ولولا أن غيري من الفقراء سبقني إلى كتمانه» إلخ يشيرُ إلى أنَّهم متَّفقون على كتمانه.

وقد نصَّ الشيخ سيدي محمد البكري على ذلك، وذكر أنهم من شدَّة غيرتهم عليه يقطعونَ حروفه إذا كتبوه ويدخلونَ معها غيرها، أو يوقِعُون حروفَه على غيرِ صورتها بأن يجعلوا مكان كلِّ حرفٍ منها غيره من الحروف على طريقٍ لا يفهمُها من عداهم ممن يقف عليه، يفعلون ذلك كلَّه إيثاراً لكَتْم سرِّه الأعظم، مكتفين بنيَّاتهم في كلماتهم وكتابتهم.

ونصَّ أيضاً أنهم يتعارفون فيما بينهم رموزاً تدلُّ عليه وإشارات قدسية تومىء إليه، وبهذا تعرف أنه غيرُ ما أشارت إليه الأقوالُ السابقة، نعم يصحُّ أن يكون فيما استدلُّوا له بها من الآثار الثابتة بعض الإشارة إليه أو الدلالة ببعض الاعتبارات عليه، والله أعلم. وقد ذكر فيه صاحب «الذهب الإبريز» عن شيخه القطب سيدي عبد العزيز رضي الله عنهما يؤيِّد ما ذكرناه، فليراجع كلامه فيه من أراد ذلك.

وأما سيدنا فلَهُ من الكلام الدالّ على كمال معرفته به وبجميع تراكيبه وكيفياتها وما اختصَّ به كلّ تركيب منها من الفضيلة وغير ذلك مما يتعلَّق به مما يبهر العقول ويعجز عن تفصيله المقول.

وقد صرَّح بأنه تلقَّى جميعَ ذلك من حضرة سيد الوجود يقظةً لا مناماً، وكلامُه صريحٌ في أنه غير ما أشارت إليه الأقوال السابقة وأنه غير الأسماء الحسنى أيضاً.

قال في «جواهر المعاني» أثناء ما ذكره عن سيدنا الشيخ من الكلام في هذا الاسم الأعظم ما نصّه: وقال : إن الاسم الأعظم هو الخاصُّ بالذات لا غيره وهو اسم الإحاطة ولا يتحقَّق بجميع ما فيه إلا واحدٌ في الدهر وهو الفرد الجامع. ثم قال : هذا هو الاسم الباطن، وأما الاسم الأعظم الظاهر: فهو اسم المرتبة الجامع لمرتبة الألوهية من أوصاف الإلَه ومألوهاته وتحيَّته مرتبة أسماء التشتيت ومن هذه الأسماء فيوضُ الأولياء، فمن تحقَّق بوصفٍ كان فيضُه بحسب ذلك الاسم، ومن أجل هذا كانت مقاماتُهم مختلفةً وأحوالُهم كذلك وجميع فيوض المرتبة بعضٌ من فيوض اسم الذات الأكبر اهـ بلفظه .

فأفاد أنهما اسمان أعظمان: الاسم الأعظمُ الظاهر وهو «الله» جلَّ وعلا إذ هو عينُ المرتبة التي هي الألوهية، كما صرَّح بذلك المحققون والاسم الأعظم الباطن وهو الاسم المخزون المكنون الذي لعزَّته كما قاله العارف بالله البكري (3) أخفاه الله تعالى في أسمائه الحسنى وضمَّنه كتبه المنزلة على الوجْهِ الأجلِّ الأسنى، ولم يطلع عليه إلا أفذاذ أفراد في الأزمنة المتطاولة اهـ ملخصاً؛ وهذا هو الاسم الأعظم المتكلّم فيه هنا، وهو غير الأسماء الحسنى. وقول البكري أخفاه الله في أسمائه الحسنى مراده أن الأسماء الحسنى متضمّنه لحروفه التي يتركب منها ومشتملةٌ عليها، فافهم والله تعالى أعلم.

وقد أفاد في «جواهر المعاني» فيما ذكره عن سيدنا الشيخ مما تلقاه من حضرة سيد الوجود أن لهذا الاسم الأعظم صِيَغاً متعددة بتعدُّد تراكيب حروفه واختلافها في الترتيب وأن هذه الصيغ تتفاوتُ في الفضل بمعنى أنه يثاب على ذكر بعضِها أكثرَ مما يثابُ على غيره من الصيغ بأضعافٍ كثيرة، وأن أعظم الصيغ فضلاً هي الصيغةُ الخاصَّة بمقامه . 

وأخبرَ أنه تلقى من الحضرةِ المحمدية صيغاً عديدة في هذا الاسم، وأنه تلقَّى منها أيضاً كيفيةً يستخرج بها ما أحبَّ من تراكيبه. ثم أخبر أنه تلقَّى من الحضرة المصطفوية أيضاً عليه أزكى الصلاة والسلام الصيغة الخاصة بمقامه وكذا الصيغة الخاصة بمقام مولانا علي كرم الله وجهه، وهذه الصيغة الخاصة بمقام مولانا علي لا يعثُر عليها إلا من سَبَق عند الله تعالى في الأزل أنه يصيرُ قطباً. وأخبر أنه تلقَّى من الحضرة الشريفة أيضاً صلوات الله وسلامه عليه خواصَّ هذا الاسم وكيفية الدعاء به وكيفية سلوكه، كما تلقى منه أيضاً r ما أعدَّ الله تعالى لذاكره من الفضل العظيم الذي لا حدَّ له ولا حصر. 

وذكر في «جواهر المعاني» من تفاصيل ذلك الفضل العظيم الذي أعطيه سيدنا خصوصاً والذي أعطيه غيره من الذاكرين له عموماً على اختلاف مراتبهم وتباين استعداداتهم ما يحيِّر الأذهان ويعجزُ عن تقريره التبيان، فليطالعه من أراده في «جواهر المعاني» بمحلِّه ليتعرَّف منه ما خصَّ الله به خواصّ أوليائه من كراماته وفضله. ثم قال في «الجواهر» بعد ذكره الفضل العظيم الخاصّ ما نصّه: وقال : إن الفضل المذكور خاص بالصيغة الخاصة به ولا يلقِّنها ولا يأذَنُ فيها إلا القطب الجامع. قال : وأما غيرها من صيغ الاسم ففيها النصف من ثواب الكبير. ثم قال : هذا الفضلُ لمن أخذ صيغةً من صيغ الاسم بسند متَّصل، وأما من عثر عليه في كتاب أو غيره، وذكره من غير إذنٍ فثوابُ كلِّ حرف بعشر حسناتٍ لا غير. ثم قال : ومن خواصِّه أن من عرَفَ لفظه دون أسراره كان مأموناً من السلب لا يقدرُ عليه أحدٌ، وإن كان لم يفتحْ عليه بالولاية ولا يقدر على سلبه إلا القطب اهـ. وذكر «الجواهر» أيضاً عنه أن الفضل الخاصَّ خاصٌّ بمن عرف أن هذا الاسم هو اسم الذات المقدَّسة، وأنه ليس للذاتِ إلا هذا الاسم، وأما من لم يعرف ذلك فليس له ذلك الفضل الخاص، وإنما له فضلُ ختمةٍ من القرآن فقط، يعني إذا ذكره بإذن، وأما إن ذكره بغير إذنٍ فكلُّ حرف بعشر حسنات كما تقدَّم. وقد أشار سيدنا الشيخ إلى مثل ما تقدم عن الشعراني مما يفيد اتفاق العارفين بالله تعالى على كتْمِه مع بيان الأصل في ذلك وتحقيق الوجه فيه، وذلك فيما ذكره في «الجواهر» عنه من أن من جملة ما تلقَّاه من الحضرة الشريفة صلوات الله وسلامه عليه أن هذا الاسم الأعظم مضروبٌ عليه حجابٌ ولا يُطْلِعُ الله تعالى عليه إلا من اختصَّه بالمحبة، ولو عرَفَه الناس لاشتغلوا به، وتركوا غيره، ومن عرفه وتركَ القرآنَ والصلاة علي لما يَرَى فيه في كثرة الفضل، فإنه يخاف على نفسه اهـ. وذكر أيضاً، أعني صاحب «الجواهر» عن الشيخ في محل آخر بعد ذكره لبعض فضل الاسم ما نصه: وهذا لا يعرفه النساءُ بل هو خاص بالرجال،لأنها مرتبةٌ عظيمة فلا تعطى إلا لمن سبق أنه محبوبٌ عند الله تعالى، جعلنا الله منهم بمحْضِ فضله وكرمه آمين اهـ.

وفي هذا والذي قبله إشارة إلى أن هذا الاسم إنما ينالُ محْضِ المحبوبية من الله تعالى لا غير، فافهم والله تعالى أعلم.

وبلغني أيضاً أن بعض أصحاب سيدنا الشيخ الذين كانوا بالصحراء وهم جماعةٌ، اطلعوا على الاسم الأعظم في بعض كنانيش (4) الشيخ وذلك بعد سفره من بلده الفاس، فلما قَفَلَ إلى الصحراء أخبر بذلك، فأمرَ بحضورهم لديه فخاطبَ كلَّ واحدٍ منهم بما لم يخاطبْ به الآخر. فقال لبعضهم إن ذكرته لأحدٍ تموت كافراً والعياذ بالله تعالى. واختلى بآخر منهم وأذِنَ له فيه في خاصَّة نفسه بشرط أن لا يذكره لأحدٍ فضلاً عن أن يأذن فيه. وقال لآخر: اتركْه عنكَ لا حاجة لك به. وقال لآخر: إن أحببته في الأموالِ والأولاد. وقال لآخر: اذكره مرَّةً واحدةً بين اللَّيل والنَّهار وقال لآخر: يكفيك من فضله أن من عرف لفظه فقط يكون مأموناً من السلب، وإذا دخل إلى مسجد من المساجد تقولُ الملائكة هذا فلانٌ يعرف اسم الله الخاص بالذات العلية فيحصل له ثواب من ذكره بسبب ذكر الملائكة له بذلك اهـ.

وهذه القضية وحدَها تنبىءُ عما اختصَّ به سيدنا من سعة الدائرة في التربية وأرضاه وأدامنا وجميعَ الأحبة دنيا وأخرى في حماه آمين.

(فائدة) رأيتُ في بعض الكنانيش بخط بعض أصحاب الشيخ : من دوام على قراءة قوله تعالى: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  [غَافر: الآية 44] أربعينَ ليلةً في كلِّ ليلةٍ أربعينَ مرَّةً قيَّضَ الله تعالى له بفضله من يعلِّمه الاسمَ الأعظمَ يقظةً أو مناماً اهـ.

 (تتميم) ما تقدَّم من أنه ورد في هذا الاسم الأعظم أنه إذا دُعِي الله به أجابَ، وإذا سُئل به أعطى، وقيل: معناه إن الداعي به يعطى نفس المسؤول بخلافِ الدعاء بغيرِه، فإنه وإن كان لا يرد فإنه بين إحدى ثلاث كما ورد: إما أن تعجل له الإجابة فيعطى نفس المسؤول، وإما أن يدفع عنه من الشرِّ مثلها أي مثل مسألته، وإما أن يدَّخر له من الأجرِ خير مما سأل.


 

****


(1) الطبري: محمد بن جرير ين يزيد الطبري، أبو جعفر، المؤرخ المفسر الإمام، ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع. له «أخبار الرسل والملوك» يعرف بتاريخ الطبري، و«جامع البيان في تفسير القرآن» ويعرف بتفسير الطبري وغيرهما. مات سنة (310 هـ).

انظر إرشاد الأريب: 6/423، وتذكرة الحفاظ: 2/351، والوفيات: 1/456، وطبقات السبكي؛ 2/135، والنهاية: 11/145.


(2) 
رواه أبو داود في (الوتر: 23، 25) والترمذي في (الدعوات: 63)، والنسائي في (السهو: 58)، والدارمي في (فضائل القرآن: 15).
(3)  ليست هذه النسبة «البكري»  قاصرة على سلالة أبي بكر الصديق كما قد يتوهم بعض الناس، وإنما هي كما في أنساب السمعاني ولباب ابن الأثير وغيرهما نسبة إلى «أبي بكر الصديق» أو«بكر بن وائل» أو «بكر بن عبد مناة» أو «بكر بن عوف» النخعي، أو  «بكر بن كلاب»، ولكل من هؤلاء نسل اشتهر بعض رجاله بالبكري. انظر اللباب: 1/138.
(4)  الكنانيش: جمع الكُنَّاشة، وهو لفظ مولد يعني الأوراق التي تجعل كالدفتر تقيَّد فيها الفوائد والشوارد.