التعريف بالشيخ | من كرامات سيدنا

من كرامات سيدنا
أن الصلاة بزاويته المباركة مقبولةٌ قطعاً بفضل الله


ثم قال النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى وقدَّس سرَّه:

(وَمَا بزاوِيتهِ يُصلَّى

 

قَطْعاً يَكونَ لِلقَبولِ أهْلاً)

(الزاوية) المراد بها هنا: زاويته التي بها مَدْفَنه، هي المعروفة بفاس؛ والمراد بـ(الصلاة) هنا: الفرض والنفل.

يقول: ومن هذا الذي قصدت ذكره هنا من كرامات سيدنا التي شاعتْ عند المعتقد على رغم أنفِ المنتقد ما تواتر الخبرُ به عنه وأرضاه من أن الصلاة بزاويته المباركة مقبولةٌ قطعاً بفضل الله. وهذه الكرامة أيضاً من جملة ما يذكره المشايخ الكبارُ لمن تعلَّق بهم من الصادقين الأبرار على طريق الرجاء في فضل الله تعالى الذي لا يحدُّ بقياس ولا يتعدَّد بمقدار، لئلا يفوتَ الراغبين في كرم الله هذا الفضلُ العظيم إن حققه الله، وليس في هذا ومثله مما يصدرُ من كمل أهلِ الله ما يوجب استغناء عن العلم والعمل ولا أمناً من مكر الله، فالتكليف باق بحاله والخوف والرجاء بحالهما كذلك، وإن شذَّ جاهلٌ فاغترَّ أو أمِنَ فلا التفاتَ له ولا لأشكاله، وإذا كان من المشايخ من يبلغ من كرامة الله إياه إلى أن يأخذ عهداً من الله تعالى أن لا يسوق إليه إلا المقبول في سابق علم الله كما ذكره الشيخ أبو علي اليوسي عن شيخ سلسلتهم الشيخ أبي القاسم الغازي ، فكيف يبعد أن يكرم شيخنا بأن لا يهتدي للصلاة في زاويته إلا من كانت صلاتُه مقبولةً في سابق علم الله، وهل عدمُ التسليم لذلك إلا محض مكابرة وجحود لفضل الله، وأيضاً إن من المعلوم المقرَّر بين الخواص والعوام أن بقاع الأرض تكتسب الشرف بسبب من يحلُّها من أهل الخير والصلاح، ومنها ما يختصُّ بخصائص عظيمة ومزايا جسيمة بسبب من يتعبَّد لله تعالى بها من أهل القرب والرشد والفلاح. ومن هنا كان مذهب المحققين من أهل الطريق أن لا تدخل محال تعبدات العارفين الكمل إلا على طهارة كاملة. 

وذكروا أن رجلاً دخل خلوة الشيخ أبي يزيد البسطامي وهو جنبٌ فاحترق. وقد وردَ أن بقاع الأرض يفتخرُ بعضُها على بعض بمرور الرجل الصالح عليها وصلاته بها ونحو ذلك، وفي هذا كله تحقيق ما أشرنا إليه من أن الخصائص والمزايا تسري إلى البقاع ممن يحل بها ويتعبد لله فيها. 

وإذا تقرَّر أن شرفَ الأمكنة ليس لذاتها وإنَّما هو لما يُودِعه الله فيها بسبب من يحلُّ بها من الأنبياء والأولياء، فأي شيء يستبعدُ في أن يكرم الله تعالى هذا الشيخ الجليلَ القدر عنده بأن يجعلَ زاويته التي هي مصلاَّه ومحل توجُّهه إلى الله ومَظَنةٌ لحضور روحانية سيد الوجود بها الذي هو أشرفُ خلْقِ الله لأنه كما تقدَّم كان لا يغيبُ طرفة عينٍ عن مرآه أهلاً لأن تتلقى أعمال العاملين بها من القبول من أجل ما أودَع فيها من السرِّ الأعظم بسبب ما حصلَ لها من التخصيص والتكريم من أجل هذا القطب الأكرم، ورُبَّ حسنة تفوت ألف حسنة مثلاً لما حفَّت به من الأوصاف الجميلة والخيرات الجزيلة كهذه الصلاة التي يصليها المصدِّق لما أخبر به هذا السيد الجليل من فضل الله تعالى بحضور قلب وسكون وتُؤدَةٍ مع جماعة من فضلاء أصحاب الشيخ، فتسري بركتُهم إليه وتشرقُ أنوارُهم عليه، لأن من تحقَّق بحالةٍ لم يخلُ حاضروه منها.

وقد وَرَد: «من صلَّى مع مغفورٍ غفر له» وإذا حفَّت الصلاة بهذه الأوصاف الجميلة والنعوت الجليلة مع ما سرى إليها من فضيلة البقعة وبركة منشئها وسرّ الإذن في الصلاة بها وغير ذلك مما فاقت به غيرها بأضعاف مضاعفة، فلا يبعدُ أن ترتقي في الفضل إلى درجة القبول بفضل الله تعالى.

وقد أجيبَ بمثل هذا عن بعض العارفين كان يصلِّي بمسجد شيخه من المدينة المنورة ولا يأتي الحرم الشريف مع ما في الصلاة فيه من الفضل العظيم والسرِّ المنيف، وذلك لأن شيخه، وكان قطب زمانه إذ ذاك، أمَرَه بالصلاة في مسجدِه، وقال له: إنا لنرجو من الله أن يحصلَ لك من الثواب مثل ما يحصلُ لمن صلى في الحرم الشريف، ومعلومٌ أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره، فإخبار هذا الشيخ بأن الصلاة في مسجده يرجى فيه ما يرجى في الصلاة في مسجده من قبيل ما أخبرَ به سيدنا من الفضيلة في الصلاة بزاويته. 

وقد أجيبَ عن الشيخ المذكور بمثل ما أوجبنا به، بل منه اقتطفنا جُلَّ ما قَيَّدْناه في الجواب هنا وفيه أن مثلَ هذا لا يقتضي مشاركةً ولا مساواة للمسجد النبوي الشريف، يريد: لأنه مزية فقط، كذلك نقول نحن أيضاً في هذه الكرامة: إنها لا تقتضي تفضيلَ الزاوية المباركة على غيرها من المساجد التي ورد النص بتفضيلها، وثبت الدليلُ به لأنها مزية فقط، ومعلوم أن المزية لا تقتضي التفضيل، والله أعلم.

وما ذكرناه من الخصوصيات للصلاة في الزاوية المباركةة وقلنا: إنه يمكن أن يكون هو السبب في اختصاصها بهذه الفضيلة هو بحسب التقريب للأفهام، والذريعة إلى التوصُّل لإفحام الخصْمِ المجادل في هذا المقام، وإلا فنحن نعتقد أن هنالك خصوصيةً مخزونة وفضيلة سَنية مكنونة لم يفشَ كُنْهُ حقيقتها لنا، وهي التي قال من أجلها سيدنا : لو علم الأقطابُ ما في الزاوية من الفضل لضَرَبُوا عليها خيامهم اهـ. ولم يُبْدِ كنْهَ ذلك الفضل لأحدٍ فيما بلغنا، فلم يبقَ إلا الرجوع إلى قول الشعراني المتقدِّم: «من كان يخبر عما يشاهد» إلخ. وفي هذا القدر كفاية، والله تعالى المسؤول بجاه أحبِّ الخلق إليه وأكرمهم وأحظاهم لديه سيدنا ومولانا محمد حبيبه من بريته ومصطفاه من خليقته، أن يقسم لنا من التمتُّع بالمثول بهذه الزاوية المباركة والصلاة بها أوفرَ حظٍّ ونصيب في عافية شاملة ونِعَمٍ كاملة، إنه ولي ذلك والقادرُ عليه آمين آمين آمين، والحمد لله ربّ العالمين. 


 


 

*****