التعريف بالشيخ | التعرض لذكر بعض كرامات سيدنا المعنوية والحسية على وجه الإجمال

التعرض لذكر بعض كرامات سيدنا المعنوية والحسية
على وجه الإجمال


 

لما كان جميع ما أخبر به النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في الأبيات قبل هذه الخصائص والمزايا لأولاد سيدنا وذريّته وقرابته وذويه من باب كرامات الأولياء الجائزة عقلاً الثابتة نقلاً عند كل سنيٍّ فاضل نبيهٍ، وكان للسيدنا من الكرامات ما  لا يكاد يحصر، أشارََ رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى بعض ذلك والشيء بالشيء يذكر ، فقال: 

(وَكَمْ لِهذَا الشَّيْخِ مِنْ كَرامَهْ

 

عَادَتْ عَلَى رِفعتِهِ علامة

فما عليَّ إن ذَكرتُ مِنْها

 

ما يُنبىءَُ الغافِلَ يَوْماً عَنْها

وَمَا بِهِ أبْجح المرِيدا

 

وأردَع المنكرَ والمَريدا

فَلا يُطيقَ حَصرَها إنسان

 

يَوْماً وَعَنْه يَعْجز اللّسان

وهَلْ يُعَدُّ حَصَى البَطْحاءِ

 

أَوْ هَلْ تُكتُّ أنجُمُ السَّماءِ)

(الكرامة) أمر خارق للعادة غير مستندٍ لأسباب ولا مقرون بالتحدِّي، يجزيه الله تعالى بقدرته على يد بعض أوليائه وخاصَّته ترقيةً لهمَّته، أو إظهاراً لرتبته، أو تأنيساً له من وحشته، أو إعانةً له على وقْتِه، أو زيادةً له في معرفته، أو امتحاناً له في حالته. وشرطُها أن تظهر على يدِ موسومٍ بخيرٍ وصلاح، أي صاحب الاستقامة الدينية. وقد تظهر على يد أبْلَهٍ، فلا يشترطُ فيه ذلك لسقوط التكليفِ عنه، وكونها لا تبلغُ إلى حدِّ إيجاد ابن بدون أبٍ، وأن لا تكون بمحرم مجمع على تحريمه. ومعظمُ الأئمَّة على أنه يجوزُ بلوغها مبلغَ المعجزة في جنسها وعظمها حتى إحياء الموتى. وتفارق المعجزة في أن المعجزة متحدَّى بها ولا كذلك الكرامة، وفي أن دلالة المعجزة على النبوَّة قطعيةٌ وصاحبها يعلم أنه نبي، بخلاف الكرامة، فإن دلالتها على الولاية ظنيةٌ، ولا يعلم صاحبُها أنه ولي، وقد يعلم ذلك على ما عليه جماعة من أئمة الطريق، وقوله: (علامة) المراد بالعلامة هنا الدليل، و(أبجح) أي أصيِّره متبجِّحاً، أي مفتخراً، فهو من بَجَحَ بالشيء من باب نفع وتعب: إذا فَخر وتبجَّح به كذلك، أي فخَرَ، وبجحت الشيء أبجَحُه بالفتح فيهما عظَّمته، و(أردع) أمنع وأزجر، و(الحصى) معروف، و(البطحاء) معروفة، و(تكت) تُحْصَى، قال ربيعة الأسد من قصيدة يرثي بها ابناً له اسمه ذؤاب: 

أَلاَ فجَيْشٌ لا يُكَتُّ عديدُه

 

سُودُ الجُلودِ من الحديدِ غِضَابُ

(لا يكت) لا يحصى. قال أبو علي: قال لي أبو بكر: من كلام العرب: لا تكته، أو تكت النُّجوم، أي لا تعدُّهم اهـ وانظر نوادر القالي. وقول النَّاظم: (وهل تكت أنجم السماء) ينظر إلى قول العرب هذا، فتنبَّه لذلك واعرفْ به سعة اطّلاعِ النَّاظم وتمكينه من أساليب الفصاحة.

يقول: وكم لسيدنا من كرامة ظاهرة جليلة حسية ومعنوية دالَّة على ما خصّه الله به من المقامات العلية والرتب السنية، وما عليّ أن ذكرتُ منها البعضَ مما ثبتَ لدي وانتهى علمُه إلي ليكونَ تبصرةً للجاهل وتذكرةً للغافل وتقويةً للمعتقدِ وقمعاً للمنتقد، وإلا فهي مما لا يمكنُ أن يُسْتَقْصَى ولا يأتي عليه العدُّ والإحصا، إذ هي مما لا ينحصرُ أنواعه وأصنافه، ولا تدخل تحت حيطة التعبير نعوتُه وأوصافه. 

وإنَّما آثر النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى التعرض لذكر بعض كرامات سيدنا المعنوية والحسية، وإن كان الثابتُ عن سيدنا أنه كان يخفيها جدّاً، ونهى عن تدوين ما حفظ مما اتفق له منها في أول أمره حسبما صرَّح به في «الجواهر» نظراً إلى أن النهيَ عن ذلك إنَّما كان في ذلك الوقت منه لأنه لا زال حينئذٍ في قيد الحياة، وشأن الكمل أمتاله أجمعين إخفاؤها وعدم الاغتباط بها، كما هو مشهور مقرَّر في كتب الطريق.

وأما بعد وفاته فلا بأسَ بالتعرُّض لذكر شيءٍ منها بنوعيها المعنوي والحسِّي لأن الذي عليه الجمهور من أهل السنة وجوب اعتقاد جواز وقوعها، وقد نصُّوا على أن إنكارها بدعةٌ ومنكِرُها مبتدع يخشى عليه سوءُ الخاتمة، والعياذ بالله تعالى، لمكابرته ومصادمته لنصوص الكتاب والسنة وخرْقِه لإجماع الأمة. قال ابن حجر رحمه الله: الذي عليه أهلُ السنة والجماعة من الفقهاء والأصوليين والمحدثين خلافاً للمعتزلة ومن قلَّدهم في بهتانهم وضلالهم أن ظهورَ الكرامة على يد الأولياء، وهم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، لجمعهم بين العلم والعمل، وسلامتهم من الهفوات والزلل جائز عقلاً ونقلاً، إذ لو لم تكن الكرامة جائزة الوقوع لم تقعْ، وقد ثبتَ وقوعُها بنصِّ الكتاب والسُّنة والآثار الخارجة عن حدِّ الحصر والتعداد، وآحادها وإن لم تتواترْ فالمجموع يفيد القطْعَ بلا إشكال، كيف ووقوعُ التواتر قرناً فقرناً، وجيلاً فجيلاً، وكتب العلماء شرقاً وغرباً وعجماً وعرباً ناطقة بذلك، ولا ينكرُ ذلك إلا غبيٌّ معاند اهـ.

وقول العلاَّمة ابن حجر: وقد ثبَتَ وقوعُها بنصِّ الكتاب والسُّنة، يشير به إلى نحو ما في الكتاب الكريم من قصة أهل الكهف ولبثهم فيه: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا »[الكهف: الآية 25] كما ذكر الله تبارك وتعالى رقوداً لم تبلَ ثيابُهم ولم تتغيَّر أجسادُهم، يقلِّبهم الحق تبارك وتعالى ذات اليمين وذات الشمال إلى آخر القصة بتمامها، وإلى مثل قصة الخضر مع موسى وما قصَّ الله تعالى في ذلك، وإلى نحو ما قصَّه الله تبارك وتعالى في شأن مريم عليها السَّلام من قوله سبحانه: «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَعِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ» [آل عِمرَان: الآية 37] يعني من الفواكه والرطب في غير إبَّانه حسبما ذكروه في الآية الكريمة وإلى نحو ما أمرها الله تبارك وتعالى به من هزِّ الجذع في قوله: «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا » [مريَم: الآية 25] الآية، قالوا: وكان جذعاً يابساً تتحكَّكُ به المواشي، فلما هزَّته استحالَ غضباً يانعاً، وأثمرَ لحينه وإلى نحو ما قصَّه الحق تبارك وتعالى في شان آصف بن برخيا (1) مع سليمان في إحضاره عرْشَ بلقيس قبل ارتدادِ الطرْفِ، ومن ذلك قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» [الانفَال: الآية 29] الآية. 

والفرقان ذكروا أنه نورٌ يضعُه الله في صدور المؤمنين المتَّقين يفرِّقون به بين الحقّ والباطل والحسن والقبيح، ولا يزالُ يتزايدُ بتزايُدِ التَّقوى حتَّى يبلغَ إلى الكشف والاطلاع على أسرار الغيوب. ومن ذلك ما ذكروه في تفسير قوله تعالى: «لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [يُونس: الآية 64] من أن البشرى هي الكرامات والفتوح التي يكرِّم بها الحق عزَّ وجل أهل الإخلاص والتمكين من عباده المؤمنين.

وأما السُّنةُ فمن ذلك ما في حديث جريج وكلام الطفل ببراءته في مهده، والحديث في الصحيحين وفيهما أيضاً حديث الثلاثة الذين انطبقَ عليهم الغارُ بصخرةٍ فتوسَّلَ كلٌّ منهم بأرجَى ما عمِلَ ففرَّج الله عنهم (2). ومن ذلك حديث: «كانَ فِي الأمم قبلَكُم محدثون، فإن يَكُنْ في أمَّتي أحدٌ منهم فعمر بن الخطَّاب» (3) ومن ذلك أيضاً قضية سارية إذ قال له سيدنا عمر بن الخطَّاب وهو يخطب بالمدينة على المنبر: يا سارية الجبلَ، من ترَكَ الحزْمَ ذلَّ (4) وسمِعَ ساريةُ ذلك وهو بنهاوند (5).

ومن ذلك إخبار سيدنا أبي بكر الصدِّيق بما في بطْنِ زوجه وقوله: أراها جاريةً فكان الأمر كما قال، ومن ذلك استحياء الملائكة من عثمان ، وكذلك ما روي عن سيدنا عبد الله بن سلام (6)   أنه دخَلَ على سيدنا عثمان في اليوم الذي قُتِل فيه فقال له سيدنا عثمانن: أترى هذه الطاقة، فإن رسول الله تراءى لي منها، فقالقال: أحَصَرُوك يا عثمان؟ قلت: نعم، بأبي أنت وأمّي، فقال : إن شئتَ نُصِرْتَ عليهم وإن شئتَ أفطرتَ عندنا. فقلت: بلْ أفطِرُ عندَكم، فقُتِل قبل غروبِ الشَّمسِ من ذلك اليوم. ومن ذلك الفتح لمولانا علي في العلوم وغير ذلك.

وإذا كان الأمرُ على ما وقفت عليه من أن الجمهورَ من أهل السنَّة على وجوب اعتقاد جواز وقوع الكرامة خلافاً للمعتزلة لما رأيته فيتأكَّد التعرُّض لذكرها في نحو هذا المقام حتى لا تبقى للناظر في ذلك شبهة تخدش في وجه اعتقاده، فالتنفير عن ذكرها مطلقاً قصور ممن يراه بلا شك، نعم جَعَلها غاية الأمر بحيث لا يتوجَّه بالتعظيم والاعتقاد الجميل إلا لمن ظهرتْ عليه ليس بشيءٍ لأنه من وصف الجَهَلة الأغمار من الناس، وذلك لأن العارف لا يطلبها أدباً مع الله تعالى، وهي عند الأكابر من نعوت النفوس إلا لنصرة الدين أو جلب مصلحةٍ لا غير، ولأنه يجب على العارفين سترُها كما يجب على النبي إظهار المعجزة، وقد ترَكَها غيرُ واحد من العارفين فلم يظهرْ عليه شيء منها، إما لأن الله تعالى لم يمكنه منها جملةً واحدة مع كونه من الخواصِّ عنده لأمر تقتضيه حكمته سبحانه ومشيئته، وإما لتركه ذلك لله تعالى بعد أن أمكَنَه منه، كما وقَعَ للشيخ أبي السعود بن الشبل الملقَّب عند المحققين بعاقل زمانه، وهو تلميذ الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنهما، فإنه أعطي التصريف منذ كذا وكذا سنةً، فترَكَه وقال: تركنا الحقَّ يتصرَّف لنا، يريد بذلك أنه امتثل أمر الله تعالى في قوله: «رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» [المُزمّل: الآية 9] فقال له قائلٌ: ما ثم؟ فقال له: الصلوات الخمس وانتظار الموت مثل ساعي الطير، فمٌ مشغولٌ وقدَمٌ يسعى اهـ.

والحقّ والصوابُ هو أمرٌ بين أمرين فيعظم من ظهرت عليه، لأنها تدلُّ على استقامته ولا يستدلّ بمثل ما اتفق للشيخ أبي السعود من التخلي عنها على نقص درجة من ظهرت عليه، لأن العارفين في ذلك بحكم ما يتجلَّى به عليهم من حضرات العرفان، ولا تجعل غاية الأمر أيضاً بحيث لا يتوجَّه بالتعظيم لمن لم تظهر عليه، فإن عدم اعتبارها فيمن ظهرت عليه ابتداع أو يجر إلى الابتداع، وجعْلُها غاية الأمر جهلٌ وغرور بلا نزاع.

 

 

 

***


(1)  آصف بن برخيا: وزير سليمان عليه السلام.
(2) 
انظر الحديث عند البخاري في (الإجازة: 12).
(3)  الحديث في تحفة الأحوذي: 10/182، الحديث (3776). وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح. وأخبرني بعض أصحاب ابن عيينة، عن سفيان بن عيينة قال (محدثون) يعني: مفهمون». وفي النهاية لابن الأثير: «جاء في الحديث تفسيره: أنهم الملهمون والملهم هو الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدساً وفراسة، وهو نوع يختص به الله عز وجل من يشاء من عباده الذين اصطفى، مثل عمر، كأنهم حدثوا بشيء فقالوه». وقد أخرجه الحاكم في كتابه معرفة الصحابة: 3/86، وقال «صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه».
(4)  انظر قول عمر في أسد الغابة: 3/659، وفيه: «يا سارية بن حصن الجبل الجبل، من استرعى الذئب ظلم».
(5)  نهاوند: مدينة عظيمة في قبلة همذان بينهما ثلاثة أيام وكانت وقعة نهاوند سنة (21هـ) أيام عمر بن الخطاب. انظر معجم البلدان: 5/313.
(6)  هو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، أبو يوسف، صحابي قيل: إنه من نسل يوسف بن يعقوب أسلم عند قدوم النبي المدينة، وكان اسمه (الحصين) فسماه رسول الله عبد الله. شهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية، ولما كانت الفتنة بين علي ومعاوية اتخذ سيفاً من خشب، وأقام بالمدينة إلى أن مات سنة (43 هـ). انظر الإصابة: ت (4725)، والاستيعاب: 2/382، وخلاصة تذهيب الكمال: 200، وأسد الغابة.