التعريف بالشيخ | رجوع الشيخ إلى الصحراء و إقامته بمدينة الجدار

رجوع الشيخ إلى الصحراء و إقامته بمدينة الجدار
ثم أشار النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى قول سيّدنا من رحلته هذه فقال:

 

وبَعدَ ذَا رَجَعْ للصَّحاري ثمَّ أتى مدينة الجدارِ
و درّس التفسيرَ و العلمَ و جذ

 

في قرعِ باب الملِك المولى الصَّمدْ

فاحتازَ ما احتازَ مِن العبادةِ

 

و الحَزْمِ و التشْميرِ و الإفادةِ

فبَرقتْ بوارقُ الفَتحِ عليه

 

و ظَهَرتْ خَوارقُ العزّ لديه

فكانَ يفتتنُ مِن مَرآه

 

لحسنهِ جميعُ مَن رآهُ

فأقبلَ النَّاسُ عليه فزَجرْ

 

و شرّد الفِرارَ عنهم و نَفز


(الصحاري) جمع صحراء و هي معروفة، والمراد بلده
و (مدينة الجدار) تلمسان
(1)
و (تدريس العلم) إقراؤه للناس،
و (التفسير) هو الوقوفُ على أسبابِ نزول الآية و شأنها و قضيَّتها، و لا يجوز إلا بالسماع و التأويل
: ما يرجع في كشفه إلى معنى الكلمة و تلخيصه. و التفسير: ما يتعلق بالرواية، و التأويل: ما يتعلق بالدراية. و يطلَقُ علم التفسير على ما يعمهما و هو مراد النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى، إذ مراده تدريسه، أعني الشيخ ، أي إقراؤه للناس تفسير القرآن العظيم. و لا بد فيه من الحمْلِ على المعنيين كما لا يخفى، والله أعلم.
و عطفه
«العلم» على «التفسير» من عطف العام على الخاص، و مراده سائر ما عدا التفسير من الفنون العلمية.
و (الجد) الاجتهاد، و هو من باب ضرب و قتل، و الإسم بالكسر
.
و (قرع الباب) نقره، و المراد هنا صدق التوجُّه إلى الله حال التقرب إليه سبحانه بما شرعه على الوجه الذي يرضاه كمّاً و كيفاً و وقتاً و حالاً، جهدَ الاستطاعة
.
و (الملك)
"من الأسماء الحسنى جلَّتْ و تقدَّست. و معناه الذي له كمال القدرة و الإستقلال بالتصرف العام بلا حجر، و له الأمر المطاع و النهي المتبع و الوعد و الوعيد و الجزاء بالثواب و العقاب بلا معارض و لا معاند. و حظ العبد منه لزومُ الخدمة و الذلّة و التعظيم و المخافة و الرجاء و الحياء مع الوقوف بالباب، و رفع الكلمة عن جميع الأكوان بالإنتماء إلى علي ذلك الجناب." اهـ من بعض شروح أسماء الله الحسنى بلفظه.
و (الصمد)
"من الأسماء الحسنى أيضاً و معناه: الذي يصمد، أي يلجأ إليه في جميع الحاجات، و إليه ينتهي السؤدد و يتوجَّه إليه في جميع الأغراض، لأنه الكفيل وحدَه بقضائها، و لا يحتاج إلى سواه أصلاً. و حظ العبد منه ظاهر لا يخفى" اهـ من الشرح. و هو، أي حظ العبد، التوجه إلى جلال الربوبية بتحقق الإفتقار و صدق العبودية، والإكتفاء به عمن سواه تعديلاً و استناداً في الظاهر و الباطن.
و بما ذكر من شرح الإسمين العظيمين تعرفُ وجْهَ المناسبة في إتيان النَّاظم بهما هنا، فللّه درّه ما أغزرَ علومَه و أدقّ أنظاره وفهومه
.
و (احتاز) مطاوع
(2): حاز الشيء، ضمَّه إلى نفسه.
و (العبادة) قال الرازي
(3): التذلُّل، و منه: طريق معبَّد، أي مذلل. قال: "و من زعم أنها الطاعة فقد أخطأ، لأن جماعةً عبدوا الملائكة و المسيح و ما أطاعوهم". قال: "و لكن في الشرع صارت اسماً لكلِّ طاعة لله أدِّيت له على وجْهِ التذلُّل و النِّهاية في التعظيم" اهـ.
و (الحزم) إسرار الأمور في غاية الضبط و الإتقان ظاهراً و باطناً، و منشؤه العقل الكامل
.
و (التشمير) معروف،
و (الإفادة) مصدر أفاده إفادة، و المراد إفادة الناس من علومه الجليلة
.
و (برقت) لمعت
.
و (البوارق) جمع بارقة، و المراد بالبوارق اللوامع و اللوائح
.
و حاصل هذه الألفاظ يرجع عند أهل الطريق على معنى واحد و هو
: مبادئ الحال و مقدماته، و المراد و الله أعلم، الفيضُ الذي يرِدُ على العبد قبلَ الفتْحِ من أنوار الحضرة الإلَهية. و علامته أنه إذا سرى في الذات حمَلَها على طلب الحقِّ و مَنَعَها من الباطل عملاً و حالاً. و لا بد لهذا الفيض أن يتقدَّم الفتح في حقِّ السالك، قاله سيدنا ، و لذلك أضاف النَّاظم البوارق للفتح.
و (الفتح) هو زوالُ الحُجُب الحائلة بين العبد و بين حضرة القدس
. قال سيدنا : "و هي مئة ألف حجاب و خمسة و ستون ألف حجاب.
و (الخوارق) جمع خارقة، و هي الأمر الخارق للعادة المسمَّى كرامة، و المراد هنا أحد أنواعها و هو حسبما صرَّح به في
"جواهر المعاني": "ما ظهر عليه من الفيضان، و جرى منه على المنطق و اللسان مما أشرق به باطنه من التوحيد و العرفان". و أضاف «الخوارق» إلى «العز» لأنها نتيجة استقامة، فلا خِزْي يلحق صاحبها و لا ملامة.
و (الافتتان) هنا
: الأخذ بمجامع القلوب محبَّةً و تعظيماً.
و (مرآه) رؤيته، أي النظر إليه
.
و (الحسن) المراد به هنا السمتُ و البهاء، أي ما يلوح على الأسرة من الجمال والسناء
.
و (زجر) منع و كف بعنف و شدة
.
و (الفرار) الهرب
.
و (النفور) معروف
.
يقول
: و بعد هذا الذي ظفر به سيّدنا في سفره هذا من قضاء مهمته، أسرع بالرجوع إلى الصحراء مقرِّ آبائه و محلِّ نشأته، مؤيداً لما هو المطلوب منه شرعاً من تعجيل أوبته و عاملاً على أمر السيد الوانجلي المذكور و مقتضى إشارته. فإنه هو الذي أشار عليه بذلك و أخبره من طريق كشفه أن فَتْحه لا يكون إلا هنالك.
و قصد إلى بلد الأبيض حيث زاوية الشيخ الكبير سيدي عبد القادر بن محمد المعروف بسيدي الشيخ القطب الصديقي الشهير
. فآثرها في ذلك الوقت منزلاً و داراً، و اختارها متعبّداً و قراراً، و انقطع فيها للعبادة و الزهادة و التدريس و الإفادة، حتى أكمل بها خمسةً من السنين، زار في خلالها بلده عين ماضي دار آبائه الأكرمين عملاً على إشارة السيد الوانجلي المتقدم الذكر فيما أشار به عليه، و تصديقاً لما أومأ من طريق كشفه إليه.
ثم بعد ما اطمأنت به الصحاري الدار، و نهضت به إرادته و السالك قبل أن يصلَ إلى مرادِه لا سكونَ له و لا قرار، فأتى بعد انقضاء المدة المذكورة
مدينة الجدار. فآثر المقام بها أيضاً، و اختارها للنزول و الاستقرار. فعكف بها على ما كان عليه من الجد و التشمير في العبادة و تدريس العلوم، خصوصاً علمَي الحديث و التفسير. وبقي على تلك الحال من الجد والاجتهاد في طاعة ربِّ العباد حتى حصَلَ له ما أهَّله الله له بسابق عنايته من كمال الاستعداد لتوالي الفتوحات و تراصُد الأمداد. فلاحتْ عليه بوارقُ الفتح و مباديه، و ظهر عليه من الخوارق ما دانَ له به شانِئُه(4) و معاديه. فصار يفتتن به كل من رآه لما يشاهدُ من طلعته البهية و سناه، فلا يراهُ أحدٌ إلاَّ أخذَ بمجامع قلبه و أزِمَّةِ عَقْله و لُبِّه. فأقبل الناسُ عليه للأخذ عنه أفراداً و أزواجاً، و أتته الوفودُ بقصدِ الزيارة والتبرك به أفوجاً. فنهى و زجَرَ، و شرد عنهم ون َفرَ، و امتنع من إقرارهم على ما يدعونه له من المشيخة كل الامتناع، قائلاً لكل من واجهه بشي من ذلك: "كلنا واحد في الإحتياج إلى ما يحصل به الانتفاع، فلا معنى لدعوى المشيخة إلا سوء الابتداع". كل ذلك اهتمام منه لنفسه، و فرار من ادّعائه المشيخة بلا إذن، و استحلائه الترأُس على أبناء جنسه. و هذا أيضاً مما يدل على علوِّ همَّته و كمال صدْقهِ مع الله تعالى في وجهته و نفعنا ببركاته و أعاذنا بجاهه من الوقوع في جحيم اتباع الهوى و دركاته، إنه ولي ذلك و القادر عليه.
و عقد في هذه الأبيات ما في
"جواهر المعاني" فراجع في هذا المحل ألفاظه الرائقة المباني، الغنية عن رنات المثالث و المثاني، فيما سبكنا به كلام النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى، تعلم ما تحت عباراته من حسن الإيجاز و سني اللطائف و النكت البديعة و الرشحات، التي تشهد لكمال ذوقه و رسخ قدمه في مقامات المعارف.

 

*******


(1) تِلِمْسان: وبعضهم يقول «تِنِمْسان» بالنون عوض اللام، بالمغرب وهما مدينتان متجاورتان مسوّّرتان، بينهما رمية حجر، إحداهما قديمة والأخرى حديثة، والحديثة اختطها الملثمون ملوك المغرب، فيها يسكن الجند وأصحاب السلطان وأصناف من الناس، واسم القديمة أقادير يسكنها الرعية، ويزعم بعضهم أنه البلد الذي أقام به الخضر عليه السلام الجدار المذكور في القرآن.

انظر معجم البلدان: 2/44.

   
(2)
الفعل المطاوع كما قال النحاة: هو الفعل اللازم للمتعدي، كما نقول: كسرتُ الزجاج، فانكسر، وكسَّرته فتكسَّر، أي طاوَعَ الفعل اللازم الفعل المتعدي، فأصبح المفعول به فاعلاً.

(3)هو الفخر الرازي، وتقدمت ترجمته.

(4)شانِئه: الذي يعيب عليه ويقبِّحه.