التعريف بالشيخ | انتقاله بأهله إلى حضرة فاس

انتقاله بأهله إلى حضرة فاس

ثم أشار النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى زمن انتقال سيدنا بأهله إلى حضرة فاس الإدريسية واصطفائه لأهلها الأخيار جيراناً دون غيرهم من البرية وما ذاك إلا لما أهلها الله له من الخصوصية وخصَّها به من مزيد الفضيلة والمزية فقال
:

(ثمَّ على فاسٍ مَدينةِ الفَخرِ

 

ظعنَ في عامٍ ثلاثة عشرِ

وزُيِّنَت ببهجة التِّجاني

 

في العامِ سادس ربيعِ الثَّاني)


(فاس) هي قاعدة المغرب العظمى المعروفة التي لم تزل ولا تزال إلى آخر الدهر من فضل الله تعالى بكل خير وكرامة موصوفة، وبكل عزٍّ وسعادة منوطة ومحفوفة، ووَصَفها بقوله
: (مدينة الفخر) لما لها من المفاخر التي لا تكاد تحصى، والمآثر التي لا يأتي عليها الاستقصا، ولو لم يكن إلا أن الله تعالى جعل اختطاطها على يد سليل رسولهِ وصفوته من خلقه، وهو شمس المغرب وإمامه وطالع سَعْدِه الذي نصرت بعزته ألويته وأعلامه، وسراج أفقه الذي أشرقتْ بسناه لياليه وأيامُه، سبط الرسول المصطفى وقدوة أهل القرب والصفا، أبو العلا مولانا إدريس ابن التاج الأشهر مولانا إدريس الأكبر وعن آبائه الكرام وأماتنا على محبَّتهم ومحبَّة خير الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السَّلام، فهي أي هذه المدينة المباركة صادرة عن نيته ومنفعلة عن توجُّهه السني وهمّته، وكفاك ذلك من شرفها وفخرها وجلالة قدرها، وقوله: (ظعن) ارتحل، والمراد من قصر أبي سمغون، وقوله: (في عام ثلاثة عشر) يريد بعد المائتين والألف، وباقي ألفاظ البيتين ظاهر المعنى.
يقول
: ثم لما تشعشع أمرُ هذه الطريقة المحمدية، وطار صيتُها في البلاد المغربية والمشرقية وأمر سيدنا في غاية الترقي والكمال، بدا له ما بدا في الارتحال والانتقال، فانتقل من قصر أبي سمغون المبارك الميمون في السابع عشر من بيع الثاني الأنور، عام ثلاثة عشر بعد المائتين والألف من هجرة سيد البشر، متوجهاً إلى مدينة حضرة فاس ذات السناء الأفخر، صحبه تلميذه وخليفته الأفخر، فدخلها في السادس من ربيع الثاني، فعمَّت بركته من أهل المغرب القاصي والداني، والطائع والجاني، فزينت ببهجته أرجاء البلاد، وعمَّ يُمْنُ طلعته السَّعيدة الحاضرة والباد، وحين وصَلَ أتى حضرة السلطان المعظم، ذي الفخر الصميم القدر المفخَّم، هو أبو الربيع مولانا سليمان بن مولانا السلطان مولانا محمد ابن السلطان مولانا عبد الله ابن السلطان مولانا إسماعيل (1)، رحمهم الله تعالى وقدَّس أسرارهم، فرحَّب به وسهَّل، ونوَّه بقدرهِ وبجَّلَ، وأنقذَ له الدار المعروفة بالحضرة بدار المرأة، فامتنع سيدنا من قبولها لأمرٍ حاك في صدره، ففطن السلطان قدس سره لذلك فكلَّمه بما أزاح عنه وجْهَ الإشكال في أمره، ثم بعد أيامٍ من سكناه بها أخبر الخاصة من أصحابه بأنه إنما سكَنَها بإذن من النبيِّ ، وذكر لهم أنه عليه الصَّلاة والسلام أمَرَه بشيء يفعلُه فهو يفعله، وذكر لنا بعض الخاصة من أصحابه وملازميه أن الذي أمره به يفعله هو تصدُّقه بمقدارِ كِرائها (2) على المساكين، فكان يتصدَّق بذلك خبزاً عند انقضاءِ كلِّ شهر من أشهر المدة التي سكن بها إلى أن توفي .
ولا يستبعدُ مثل هذا من إذنه لأكابر العارفين فيما يأتون وما يذرون من جميع وجوه تصرُّفاتهم، إلا من لا إلمام له بشيءٍ من معرفة صفاتهم، فقد ذكر في العهود المحمدية أن طريقَ العارفين بالله تعالى أن يستأذنوا رسول الله في كلِّ أمر أرادوا فِعْلَه أو تركه، فما أذِنَ لهم فعلوه وما لا تركوه، وهم في هذا الاستئذان بحسب مقاماتهم من مشاهدته ، وأدناهم مقاماً من يستأذنه بالقلب بطريق التصوُّر والاستحضار التام، فينقدحُ له في سرِّه ما يبني عليه في ذلك الغرض وذلك المرام، وأعلاهُم من كان من أهل الاجتماع به يقظةً ومشافهةً كما هو مقام أهل الكشف، فراجع العهود الكبرى، وذكر فيها أيضاً عن نفسه رَحِمَهُ اللهُ أنه كان يشاوره فيما لم يجدْ له من الأعمال دليلاً في الشريعة إلا أنه مستحسن عند بعض العلماء، فيجيبه بما يقتضي الإقرارَ على الفعل أو الترك، وذكر من ذلك أنه شاوَرَه على قول بعضهم إنه يقال في سجود السهو
: سُبْحانَ من لا ينامُ ولا يسْهو فقال : هو حَسَنٌ.
وذكر أيضاً رَحِمَهُ اللهُ تعالى عن الشيخ نور الدِّين الشوني أنه كان يشاور النبيّ في جميع أمورِه، وأن من جملة ما شاوَرَه فيه حفر البئر التي في زاويتنا بعد أن حفَرَ بها ثلاث آبار فطلعت كلُّها فاسدةً وماؤها مُنتِنٌ، فقال له
: قُلْ لهم يحفروا ببابِ الحَوْشِ، ففعلوا، فطلعت جيدةً وماؤها حلو اهـ.
وفي كتاب
«عوارف المعارف» أن الشيخ الكاملَ مولانا عبد القادر الجيلاني(3) قال: ما تزوَّجْتُ حتى قال لي : تزوَّجْ اهـ، وسياقُ الكلام مؤذن بأن ذلك في اليقظة فهو من هذا القبيل إلى غير ذلك:
وقد بلغني من طريق الثقات الأثبات أن أخصَّ أصحابِ سيدنا العارفَ الكبيرَ الموصوف بالقطبانية في زمانه من غير دفاع ولا نكير، أبا الحسن سيدي الحاج علي ابن سيدي التماسيني تجاذَبَ أطراف المذاكرة مع بعض الإخوان يوماً في مثل ما نحن فيه فقال له
: يا فلان إن من الرجالِ الحاضرين معك في هذا الزمان من لا يفعلُ فعلاً قلَّ أو جلَّ إلا على إذْنٍ منه من طريق المكافحة والعيان، حتى إنه لا يقومُ لفراشِه الذي ينامُ فيه إلا إذا أمَرَه بذلك، وقد فهم من سمع عنه ذلك أنه يعني نفسه، وله من شواهد حاله ما يصدِّقه فيما أبداه من مقاله، وسيأتي لنا ذكر شيءٍ من أوصاف أحواله عندما يتعرَّض الناظم لذكره، إن شاء الله، وأرضاه، ونفعنا بمحبته ورضاه آمين.
وما تقدَّم في سبك البيتين من ذكر تاريخ خروج سيدنا من أبي سمغون لم يعرّج عليه في النظم، لكن ذَكَره في
«الجواهر» فاعلم ذلك.

 

 

***


(1)  سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل، أبو الربيع، الشريف العلوي، من سلاطين دولة الأشراف العلويين في مراكش. بويع بفاس سنة (1206هـ)، وامتنعت عليه مراكش فزحف إليها سنة (1211هـ) فبايعه أهلها. كانت أيامه كلها أيام ثورات وفتن وحروب انتهت باستقرار الملك له في المغرب الأقصى. كان عاقلاً محباً للعلم والعلماء، له آثار عمران في فاس وغيرها مات سنة (1238هـ).
انظر الدرر الفاخرة: 67، وشجرة النور: 380.
(2) الكِراء : الاستئجار.

(3) عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن جنكي دوست الحسني، أبو محمد، محيي الدين الجيلاني، أو الكيلاني، أو الجيلي، مؤسس الطريقة القادرية، من كبار الزهاد والمتصوفين. ولد في جيلان وانتقل إلى بغداد شاباً سنة (488هـ) فاتصل بشيوخ العلم والتصوف وبرع في أساليب الوعظ، ونفقه وسمع الحديث وقرأ الأدب واشتهر، وكان يأكل من عمل يده، وتصدّر للتدريس والإفتاء في بغداد سنة (528هـ). مات سنة (561 هـ).
انظر النجوم الزاهرة: 5/371، وفوات الوفيات: 2/2، وشذرات الذهب: 4/198، وطبقات الشعراني: 1/108.