التعريف بالشيخ | من لقيه الشيخ في رحلته الأولى إلى فاس

من لقيه الشيخ في رحلته الأولى إلى فاس
ثم قصد النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى ذكر بعض من لقيه الشيخ في رحلته هذه أو أخذ عنه من المشايخ الكاملين والعارفين الواصلين أجمعين، فقال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

فَكَانَ مِن جُملةِ من أتاهُ

 

مِن أولياءِ عَصْره الأوّاه

سيدنا الطَّيب خِلفة الفُضلِ

 

و فَارِس الحلْبَةِ أحمد الصَّقلِ

و غَيْر هذينكَ مِن أهْلِ المِنَنْ

 

كسيدي محمَّدٍ نجلِ الحسنْ

و هْو الَّذي قال لهذا الكامِلِ

 

تُدرك لا بُذَّ مقامَ الشَّاذِلي


الضمير البارز في قوله
: (أتاه) راجع للموصولِ الذي هو (من) و هو مفعول «أتى»، و المستتر فيه للشيخ و هو فاعله.
و (الأواه)، اسم كان، و (من جملة) إلخ خبرها،
و من قوله
: (من أولياء عصره) لبيان من الموصول، و الأولياء جمع ولي، و قد تقدَّم. و المراد هنا المشايخ الذين أهَّلهم الله تعالى لهداية الخلق و إرشادهم بطريق التربية والترقية.
و (العصر) الزمان،
و (الأواه) تقدَّم أنه يطلق على معانٍ، و الأنسب هنا الخاشع المنيب
.
قالوا
: و هو من التأوه، و هو التوجُّع و التحزُّن و النطق بأواه أواه (1)،
و (سيدنا الطيب) المراد به الشيخ الكامل والعارف الواصل القطب مولانا الطيب بن محمَّد اليملحي العلمي دفين وازان، و عن أسلافه الكرام
.
و (خلفة) بالكسر
: اسم من خلفته: جئت بعدَه،
و (الفضل) أصله الفضلاء فرخَّمه لضرورةِ الوزن و القافية،
و (الحلبة) على وزْن سجدة
: خيل تجمَعُ للسباقِ من كلِّ أوبٍ و لا تخرج من وجه واحد، يقال: جاءت الفرسُ في آخر الحلبة أي في آخر الخيل، و هي بمعنى حلبة، ولذا تجمع على: حلائب،
و (الصقل) أراد به الصقلي فرخَّمه أيضاً كالفضلاء، و المراد القطبُ الكبير و العلم الشهير مولانا أحمد الصقلي دفين فاس الإدريسية، و أحد أركان الطريقة الخلوتية ،
و الإشارة بقوله (هذينك) إلى هذين الشيخين الجليلين،
و (المنن) جمع منة
: و هي العطية،
و (النجل) هنا الولد،
و المراد بسيدنا (محمد نجل الحسن) الولي الصَّالح العارف المكاشف سيدي محمد بن الحسن الوانجلي، نسبة ل
بني وانجل: قبيلة معروفة بجبل الزبيب،
و الإشارة في قوله
: (لهذا الكامل) للشيخ .
و (الشاذلي) هو شيخ الطريقة وإمام أهل الحقيقة مولانا
أبو الحسن الشاذلي .
يقول
: إن الشيخ و أرضاه، لما سافرَ من بلده إلى فاس الإدريسية و ما بإزائها من الديار المغربية بقصْدِ العثور على من يأخذ بيده و يوصله إلى حضرة المعرفة بالله، كان من جملةِ مَنْ قَصده لذلك المطلب و أتاه، السيد الجليل الماجد الجليل الماجد الأصيل الخاشع المنيب الحليم الأوَّاه، قطب زمانه و مصباح أهلِ أوانه، الشيخ أبو محمد مولانا الطيب ابن القطب سيدي محمد ابن القطب مولانا عبد الله الشريف، خلفة آبائه الفضلاء الأعيان، القائم بأعباء التربية و الترقية بعدهم في زاويتهم الشهيرة بوازان.
و كذلك القطب الكبير و العلم الشهير فارس حلبة هذا الشأن المختصّ فيه بالتبريز مولانا أحمد الصقلي الشهير بفاس، و قدّس سرَّه العزيز
. و كذا غير هذين الشيخين الأعظمين الإمامين الأكرمين ممن كان من أولياء عصرِه من أهل المِنَن الربانية و المواهب الرحمانية، مثل العارف المكاشف سيدي محمد بن الحسن الذي قال له أول ملاقاته معه قبل أن يكلِّمه بشيء: "لا بد أن تدركَ مقام القطبِ الكبير مولانا أبي الحسن"، يعني الشاذلي، و عن أولياء الله أجمعين.
و عقد النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في درر هذه الأبيات اللوامع ما ذكره صاحبُ
"الجواهر" و صاحب "الجامع"، إلا أنَّهما اتفقا فيما ذكراه و تواطآ كلاهما فيما أخبرا به و سطَّراه، على أن مولانا الطيب المتقدِّم الذكر هو أولُ من لقيه الشيخ من المشايخ الكمل ذوي الثناء و الفخر. و ليس في عبارة النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى ما يفيد هذه الأولية و لا ما ينبه على هذه المزية، و الله أعلم بموجبِ إغفاله لذلك، و عدم تعريجه على ما اعتنى به غيره في التعبير عما هنالك. ففي اللامية:
فأوَّلُ من لاقاهُ و الطَّيرُ غالباًً

 

علىٰ جِنْسِها وقاعة تَبْتَغي الشكلا
لقي الطيب بن الطيب مولاي باغيا

 

طريقته من بين مصمودة نهلا
و شهرتُه تغني بوازان قبره

 

فلقى من تلقينه الرحبَ و السَّهلا

إلى آخر كلامهِ فيها
.
و في قوله
: «والطير غالباً...» إلخ، تصريحٌ بذكر المزية التي أشرنا إليها في الأولية. ففي تعبير النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى بعض قلق، و كأنه اكتفى في الإشارة إلى ما ذكره بتقديمه في الذكر على غيره، والله تعالى أعلم. فأما مولانا الطيب فقد أخذ عنه الشيخ ورْدَه و أجازه في تلقينه لمن طَلَبه منه، فامتنع الشيخ من المساعدة في التلقين لاهتمامه في ذلك الوقت بأمر نفسه و عدم تفرُّغه فيه لملاقاة أحدٍ من أبناء جنسه، و لأنه لم يتحقق بحقيقة مقام الشيخ المذكور في ذلك الوقت.
و هذه إحدى القضايا الدالَّة على علوِّ همَّته الذي تفرَّد به و جَبَله الله عليه في أصل فطرته
. فهذا الشيخ أحدُ الشيوخ المعتبرين لسيدنا الشيخ في أول أمره، و ناهيك به من شيخٍ كامل، و قدوة واصل، و شهرتُه كافية عن التعريف به. و كانت وفاته يوم الأحد ثامن عشر شهر (18) ربيع الثاني عام واحد وثمانين ومائة وألف (1181 هـ)، ذكره بعض من ألَّف في مآثره و مآثر أسلافه من فضلاء فاس و شرفاتها، و وقع في "الجواهر" عام ثمانين فانظره.
و ممَّا أوصىٰ به بعضُ أصحابه ممن كان مقدّماً على إخوانه في الطريق
: "استوصِ خيراً بإخوانك ما استطعت، و احرصْ على التخلُّق بالحلم جهدك، فقد كاد الحليم أن يكون نبيّاً، و ازهد فيما في أيدي النَّاس يحبك النَّاسُ، و ازهدْ في الدنيا يحبك الله، و إذا هدى الله على يديك رجلاً واحداً خيرٌ لكَ من كلِّ شيء" اهـ.
و ممَّا أوصىٰ به جماعةٌ من فقرائه، و قد وردوا عليه زائرين من فاس، و كان فيهم من هو من أبناء الصالحين الكبار ما نصُّه
: "إنكم جئتم لزيارة أشياخكم ساداتنا، و قد أحسنوا إليكم و كسوكم، فلا تنسوا ثيابكم، و أعينوهم بأن ترفعوها عن الأوساخ و الأزْبالِ، ولا يكنْ لأحد منكم التفاتٌ لغير هذه الدار، و لا يقلْ أحدٌ عندي أبي و عمِّي، و ماؤكم بينكم، فإن توافقتم شرِبْتم و انتفعتم، و إن تنازعتم غارَ ماؤُكم و ظمئتم، قال تعالى:
«وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» [الأنفَال: الآية 46] الآية، و إن كنتم وحدَكم فلا جُناحَ عليكم أن تبشِّروا و تنفِّروا، فإن الشيخ على رؤوسكم كالغطاء يستركم، و إذا جلسَ معكم من ليس منكم، فاحفظوا ألسنَتكم، و اعلموا ما تقولون".
ثم حكى رَحِمَهُ اللهُ حكايةً على طريق ضرب المثل لما أوصىٰ به فقال
: "ككان بعضُ النَّاس يقوم باللَّيل يسأل الله تعالى في حاجة يسمِّيها و يعيِّنها، يعني و الحالة أنه وحدَه و ليس معه أحد"، قال: "فقام ليلةً على عادته فوجَدَ رجلاً نائماً إلى جنبه قد غَطَّى رأسه و قدميه، لم يعرفه فرفع يديه و قال: يا ربِّ، أسألك الحاجة التي سألتُكَها البارحة و لم يسمِّها" اهـ.
و إنَّما آثرتُ ذكر هاتين الوصيتين من كلام هذا الشيخ الجليل القدر، ليزداد الناظرُ فيهما معرفةً بمكانته القصوى من مقام التربية و كمالِ إرْثه للأخلاق المحمدية
. و لأنهما مشتملتان على أمَّهات الآداب التي لا يستغني عنها أحدٌ من الفقراء في الوقت، فلا شك أنها رشحةٌ من رشحاتِ الكمل العارفين بأنواع الأدوية و العلل، فما أجدرَ كل واحد من الفقراء الصادقين بحفظها و المحافظة على العمل بما فيها.
و مما تضمنته هاتان الوصيتان تعرفُ ما أشارَ إليه النَّاظمُ بقوله
: «خلفة الفضلاء»، أي تعرف أنه ورِثَ مقام أسلافه في الدلالة على الله و كمال المعرفة بالله، لأنه خلف أخاه القطب مولانا التهامي، و هو خلف والدهما القطب سيدي محمد، و هو خلف جده القطب مولانا عبد الله الشريف.
و لا علينا أن نتعرَّضَ هنا لنبذةٍ من التعريف بهؤلاء السادات الكرام حيث جرى في النظم ذكرهم، لما في ذلك من مزيد الفوائد السنية المعينة للمريد الصادق فيما هو بصدده من سلوك طريق التزكية، فنقول
:
أوَّلُ من نزلَ بوازان من هؤلاء السادات الأعيان جدُّهم القطبُ الأشهر مولانا
عبد الله الشريف. و كان في أولِ أمره يبحثُ عن أهل الخير و الصلاح، و يطلب من يدلُّه على طريق الرشد و الفلاح. فدلَّ على الشيخ الكبير العارف الشهير سيدي أحمد بن علي الصرصري أحد أركان الطريقة التباعية الجزولية الشهيرة بغربنا. فوَفَد عليه زائراً، ثم انقطع إليه و عوّل في سلوك طريق الإرادة عليه. فجعله في بستان له يخدم فيه، و يصلح ما يحتاج إليه، فبقي على ذلك مدةً. ثم وجهه إلى تطوان بقصد قراءة العلم. ثم منها على فاس، فلازم قراءة العلم بها مدة. و ظهر له خلال مدة إقامته بها كراماتٌ كانت على ما صارَ حاله إليه أمارات و علامات. و لما توفي شيخه الصرصري ، و ذلك سنة سبع و عشرين و ألف (1027 هـ)، نزلَ مدشر شقزة من قبيلة مصمودة. و انعزلَ عن الناس للخلوةِ للعبادة، و مكث نحو أربعة عشر شهراً لا يخرج و لا يلقاه أحدٌ إلاَّ رجلٌ واحد من الشرفاء اسمه سيدي عبد الكبير إعلوات. كان يأتيه بما يحتاج إليه، و حدَّث عنه أنه ما دَخَلَ عليه في وقت من ليل أو نهار إلاّ وجدَه قائماً على قديمه يقول: "اللهمَّ صلِّ على سيّدنا محمد النبيّ الأمِّيّ و على آله وصحبه وسلم"، لا يفترُ عن الصلاة على النبي إلاّ إذا كان متلبساً بالصلاة.
و حدَّث أيضاً أنه دخَلَ عليه صبيحة اللَّيلة التي فتح عليه فيها، في وقتِ الغلس، فوجَدَه مستلقياً على الأرض
. فأنكرَ ذلك من حاله، فكلّمه في ذلك. فأخبره بأنه قد فتح عليه و قال: "دخَلَ عليَّ رسولُ الله فقال لي: "يا عبد الله امددْ يَدَكَ و رجلك و اقبلْ من جاءك، فمن قبلهما فهو آمِنٌ من النَّار". فاعتذرَ للنبيّ بأنه لا يقدرُ على ملاقاةِ النَّاس، فأعاد َ عليه كلامه الأول، فاشتكى أمراً آخر من ملاقاة الناس، فأعاد كلامه عليه ثالثاُ. فعند ذلك خرج و انتصب لدعوة الخلْقِ إلى الله تعالى، و كان من أمره ما هو مشهور. ثم انتقل من مدشر شقزة و نزل المغال، فضاقت به فارتحلَ و نزل وازان بدار سيدي أبي سلهام في القديم.
و ذكروا أنَّ وِرْده كان من الصلاة المذكورة عشرين مائة ألف و أربعمائة ألف، و هو من باب خرْقِ العادات و لا غرابة في ذلك من أمثاله
.
و يحكى أنه ذكر له عن رجل أنه يختم القرآن في نصف ساعة فقال
: "الرجل عندهم هكذا بختمةٍ و هكذا بختمةٍ"، و أشار برأسه يميناً و شمالاً. و كانت وفاة مولانا عبد الله الشريف هذا سنة تسع و ثمانين و ألف (1089 هـ).
ثم خَلَفه من بعده ولدُه القطب سيدي
محمد. و قد ذكر له من عرف به من الأخلاق الزكية و الأحوال السنية ما يبهرُ العقول، و لا يفي بشرحه المقول. و كان على طريقة والده من الإكثار من الصلاة على النبيّ آناء اللَّيل و أطرافَ النَّهار. و كان كثيراً ما يقول: "ما نالت الرجالُ أعلى المقامات إلا بكثرة الصلاة على النبيّ ". و كانت وفاته ليلة الجمعة التاسع والعشرين (29) من محرم سنة عشرين و مائة و ألف (1020 هـ).
ثم خَلَفه ولده القطب مولانا التهامي، و كان على طريقة والده و جدِّه من كثرة الصلاة على
رسول الله . و كان أيامَ طفوليته يخدمُ جدّه مولانا عبد الله، فكان يحمله المشاق حملاً له على مكارم الأخلاق. و كان يلازمه في الحضرِ و السفر، كثير التعظيم له. و كان إذا أراد الصلاة أتاه بالوضوء و وقف على رأسه حتى يفرغ، فيقدم له نَعليْه ليلبسهما. فبينما هو واقفٌ ذات يوم على رأسه و النعل بيدهِ، إذ حضرَ له أن نعل القطب لا تحملُ كذلك، فجعلها تحت إبطه، ثم بعد أيام حضر له أنه ينبغي لها أن توضَع على القلبِ، ففعل ذلك أياماً، ثم حضر له أنه لا ينبغي لها إلا أن توضَع على الرأس ففعل بها ذلك مدَّةً. و كان إذا فرغ جده من الوضوء و أراد أن يرفعَ رأسَه أزالها بسرعةٍ حتى لا يراه، فذُهِلَ مرَّةً فرآه و النَّعلُ على رأسه، فقال له: "ما هذا؟" فقال: "يا سيدي لو كان عندي موضعٌ أعلى من الرأس لجعلْتها عليه"، فدعا له و قال: "اللهمَّ نفِّعه منِّي كما انتفعت الأرضُ من السماء"، و أعاد له الدعاء بذلك مراراً، فكان من أمرِه ما كان. وكان يتبرَّأ من الدعوى أتمَّ براءة.
ويحكى أن رجلاً من فقراء أبيه عَرضَ له و هو بفاس، فَحَلَف له بالطلاق
«لا رفعت قدماً حتى تخبرني بمقامك بين الأولياء»، فقال له: "إنَّما أنا كالأرض و الأولياءُ كالأشجار"، فأشار إلى أنه قطب، لأن الأشجار لا تنبتُ إلا بالأرض و لا تستقلُّ بدونها، لكن أتى بذلك على وجْه تبرّأ فيه من الدعوى و تفصى من العُهدة لكمال أدبه مع الله تعالى.
و كانت وفاتُه يوم الإثنين مَهَلَّ المحرم الحرام فاتح سبع و عشرين و مائة و ألف (
1027 هـ).
و في هذا القدر مما قصدنا التعرُّض إليه هنا مما يتعلَّق بقول النَّاظم
«خلفه الفضلاء» كفاية، و الله ولي التوفيق و الهداية.
و أما القطب مولانا أحمد الصقلي المذكور فهو معروفٌ بفاس، واضحٌ مشهور
. و سياق النظم يعطي أن سيدنا أخذ عنه أو تبرَّك به، لعَطْفه على القطب قبله. و ليس الأمر كذلك، إذ الثابتُ مما بلغنا عن الشيخ أنه شاهدَه في هذه الوجهة بفاس و أبصره و لم يأخذْ عنه شيئاً، بل لم يكلِّمه في شيء أصلاً، فيما أخبر به عن نفسه و ذكره. و قد صرَّح صاحب "الجامع" بذلك و بيَّن وجه العلَّة فيما هنالك، فراجع كلامه فيه متمهلاً منشداً في تلك الحال السنية متمثلاً:
و إذَا كانَتِ النُّفوسُ كِباراً ً

 

تَعِبَتْ فِي مُرادِهَا الأجْسَامُ

فالعلَّة فيها كالعلة في الإمتناع في مساعدة القطب قبله في تلقين وِرْدِه للناس، من اشتغاله بما أهمَّه من أمر نفسه مع ما أوقعه فيه ظاهرُ الحال في ذلك الوقت من الالتباس
. على أن العلَّة في ذلك، على الحقيقة، هي أن سوابقَ العناية الربانية أبَتْ أن تكون عليه منةً إلا لسيد الوجود و أشرف الخليقة و شرف و كرم و مجد و عظم. فسرِّحْ فيما ذكرته لك النظرَ و اعرفْ منه لماذا اتخذت السلاليم في السفر؟ و كيف تقف دون الغاية همَّة من تسنَّم كاهِلَ العناية؟ و قد ناداه هاتفُ الحقائق، و خاطبه لسان سرِّه الناطق« فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ» [الحِجر: الآية 65].
و لنقصرْ العنانَ عما جمعَ بنا فيه القلمُ و اللسان، و أستغفر الله العظيم إن الله غفور رحيم
.
هذا، و قد كان سيدنا جعلنا الله في حماه، و متَّعنا وسائرَ الأحبة برضاه، بعدما فتح عليه بما فتح، و منح من سرِّ التخصيص ما منح، كثيراً ما يلهج بالتعريف بهذا القطب الجليل و ينبىء عن حقيقة أمرِه و ينوِّه على رؤوس الأشهاد بعُلى قدره و سنى فخره، و يصرِّح بأن دفنه داخلَ حضرة فاس من المزايا التي تتأرَّج
(2) بها من بقاعها الأنفاس. و لا محالة أن ذلك مشاهَدٌ، لمن ألهَمَه الله الفهم عنه، رأيَ العين واضحٌ أتمَّ وضوح، بلا ريب و لامين (3).
و لتتفطَّنْ في هذا الذي ذكرناه هنا لما تحت العبادة من مكنون الإشارة
:
«اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »[النُّور: الآية 35] من العبيد، و يختصُّ من شاء بالكرامة والمزيد: «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبيَاء: الآية 23] سبحانه.
ثم إذا تفطنت لذلك وعقلت ما هنالك
فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النّجْم: الآية 29]، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ »[العَنكبوت: الآية 43] فهنيئاً ثم هنيئاً لفاس بجيادها و ينبوع إمدادها: «مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ »[الأحزَاب: الآية 4].
و أما سيدي
محمد بن الحسن الوانجلي : فهو كما في "الجواهر" من بني وانجل من جبل الزبيب. وَرَد عليه سيدنا فقال له قبل أن يكلِّمه بشيء: "إنَّك تدرك مقام الشاذلي " حسبما تقدَّمت الإشارة إليه في سبك النظم. و كاشَفَه بأمور كانت بباطنه، و أخبره بما ينتهي إليه أمره، و لم يأخذ منه سيدنا . وكانت وفاته حدود خمسة و ثمانين و مائة و ألف (1085 هـ).
و أما من لقيه في هذه الوجهة، ممَّن أشار إليه النَّاظم بقوله
: «وغير هذينك...» إلخ، فمنهم:
  • الولي الصالح المرشد الناصح سيدي عبد الله ابن سيدي العربي ابن سيدي أحمد ابن سيدي محمد بن عبد الله من أولاد معن الأندلسي و عن سلفه الصالح. لقيه سيدنا و ذاكَره في أمور، ثم لما أراد توديعه دعا له بخير. و كان آخر ما افترقا عليه أن قال له: "الله يأخذُ بيدك" ثلاثاً. و لم يأخذْ عنه سيدنا لأن طريقهم طريق الإشراق. و كانت وفاته سنة ثمان و ثمانين و مائة و ألف (1088 هـ).
  • ومنهم الولي الصالح الملامتي أبو العباس سيدي أحمد الطواش نزيل تازة. لقيه سيدنا بتازة، فلقّنه ذِكْراً و قال له: "الزم الخلوة و الوحْدة و الذكرَ و اصبرْ حتى يفتح الله". فلم يساعِدْه على ذلك، فقال له: "الزم هذا الذكرَ من غير خلوةٍ و لا وحدة". قال في "الجامع": "و عين لي سيدنا هذا الذكر و قال لي: "ذكرته مرَّةً و تركته"". و كانت وفاة هذا السيد بتازة ليلة الثامن عشر (18) من جمادى الأولى سنة أربع و مائتين و ألف (1204 هـ). و ذكر صاحب "الجواهر" أنه اتفق له مع هذا السيد كرامات عديدة، و أنه سمع منه ما ينبىءُ عن تصريفه بتلك البلدة، و أنه أخبره بما يصله سيدنا من المقامات، و كان ذلك وفق ما أخبر .

و هؤلاء السادات هم الذين لقيهم سيدنا في وجهته الأولى لفاس، و أخذ عمن أخذ عنه منهم، و دعوا له و بشَّروه بما بشَّره به الأولياء الأحياء
. و أما الأمواتُ فقد أخذ عدة من طريقهم عمن كان يلقنها. فأخذ القادريةً عمن كان مشتهراً بتلقينها إذ ذاك بفاس. و أخذ الناصرية عن سيدي محمد بن عبد الله التزاني الشهير بالريف. و أخذ طريق العارف الأكبر سيدي أحمد الحبيب السلجماسي الصديقي عمن كان يأذن فيها بفاس، ثم رآه في عالم النوم فلقنه اسماً. كل ذلك يتركُه بعد مدَّةٍ طلباً للأعلى مهما ظهر له، كما هو شأن أهل الهمم العوالي الذين لا يرضون إلا بالرتب الغوالي.
و سيأتي ذكر من عدا هؤلاء الأعلام، ممن لقيه في وجهته لبيت الله الحرام
.

 

*****


(1) أوّاهْ: اسم فعل مضارع مبني على السكون بمعنى أتوجع واتضجّر، ومثلها: أوَّهْ، أوْهِ، أوْهٍ، أوْهْ، وربما قلبوا الواو ألفاً فقالوا: آو، أو: آهٍ من كذا.  
(2)
تتأرَّج الأنفاسُ: تتأثر برائحة جثمانه الطاهر الزكي، وقد انتشرت رائحته الطيبة وتنشقتها الأنفاس. والأرَجُ: الرائحة الزكية الطيبة.

(3)المَيْن: الكذب والخداع.