فضل أذكار الطريق | فوائد في شرح خاتمة قصيدة ''منية المريد''

فوائد في شرح خاتمة قصيدة ''منية المريد''

قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

قَدِ انتهَى بِعينِ مـاضي مَسقـطِ

 

رَأسِ إمامِنا الشَّريفِ الأوسطِ

جَعلهُ إلهُنا الرَّحيـمُ

 

القادِرُ المُقتـدِرُ الكريـمُ

مِنْ حَوضِ طه المُصطفى نَشربْ بـهِ

 

لكَونِهِ تَاريخهُ نَشربْ بهِ

(انتهى) كمل، و(مسقط الرأس) محلُّ سقوطه، ويطلقونه ويريدون محلّ الولادة، والمراد هنا زاوية عين ماضي، لأنها البلدة التي وُلد بها الشيخ حسبما مرَّ في أو ل الكتاب و(الأوسط) كالوسط الأفضل ]وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[(البَقَرَة: الآية 143) والضمير في (نشرب به) راجع للنظم كهو في انتهى.

يقول: قد انتهى وكمل هذا النظم بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه الجميل، وهو إن شاء الله تعالى وفق ما وَعَد به بكشف الحقيقة وفي وردنا المحمدي كفيلٌ، وذلك بزاوية عين ماضي مسقطِ رأس إمامنا وقدوتنا الجليل، ومحل ولادة أستاذنا الشريف الأفضل الأصيل، جعلنا إلَهنا البرّ الرؤوف الرحيم، القادر المقتدرُ الجوادُ الكريم، نشربُ به، أي بهذا النظم من حوض طه المصطفى حبيب الله وخاتم أنبيائه. وفْقَ ما بشَّر به الفأل الحسنُ في حروف تاريخ إنشائه.

وقد جرتْ عادة  كثير من المؤلفين بذكر البلدة التي ألفوا بها تآليفهم عند ختمِهم، كما فعله النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى هنا ومقاصدُهم في ذلك على ما يظهر متباينة. ومما يمكن أن يقصده الناظم هنا تقويَة رجاء مطالع هذا النظم في البركة له، بسبب إنشائه في تلك البقاع المباركة والتفاضل بين البقاع بسبب من وُلِدَ بها أو سكنه أو حلَّ بها ولو مجتازاً مقرَّر معروف، والتبرك بآثار الصالحين بين أهل الدين والخير من السنن المعهود المألوف، ويمكن أن يكون من مقاصده في ذلك مع ضميمة التاريخ إليه إفادة الواقف على هذا النظم إنه عرض مسائله وحررها على من كان موجوداً لذلك العهد بذلك القطر من أصحاب سيدنا ، الذين أدركوه وتلقوا عنه طريقه، ولا شك أنهم كانوا إذ ذاك متوافرين : والفائدة في ذلك تقديم ما اشتمل عليه نظمه هذا عند وجود الخلاف في بعض مسائله، إذ لا يخفى أن ذلك من أقوى وجوه الترجيح، ويمكن أن يقصد بذلك غير ذلك، والله تعالى أعلم.

ثم إن النَّاظم رَحِمَهُ اللهُتعالى لما أتى بما يؤذِنُ بانتهاء ما قصدَه في هذا النظم أردفه بالدعاء له ولإخوانه ولأحبابه بما يناسب المقام. وبيان ذلك أنه اختارَ من المطالب الشراب من حوضِ النبيّ وقد قال أهل التحقيق: الشريعةُ عِلْمٌ وعَمَلٌ، فالحوض علومها والصراط عملُها، فعلى قدَرِ الشربِ من العلوم الشرعية يكون الشرب من الحوضِ اهـ الغرض.

وقد عرفت أن العلوم التي ضمنها  هذا النَّاظم شرعيةٌ، بل هي من أخصِّ علوم الشريعة لأنها من العلم النافع بلا شك حسبما أوضحنا وجْهَه  أولَ الشرح، فالجزاءُ الذي طلبه رَحِمَهُ اللهُ تعالى فيه غايةُ المناسبة لعلمه، فافهم ذلك فإنه من لطائف النَّاظم رَحِمَهُ اللهُتعالى التي أشرنا إلى نظائرها في هذا النظم، وأتى بنون الجمع في «جعلنا إلَهنا» لإدخال إخوانه معه في ذلك رجاء أن تسرعَ إليه الإجابةُ من الله تعالى، إذ الدعاء كلما كان أعمَّ كان إلى الإجابة أقرب وأسند الجعل الذي طلبه إلى الإلَه الحقِّ المعبود بحقِّ الذي لا يعبَدُ غيرُه ولا يرجى إلا خيرُه، والإضافة فيه لاستشعار التعليم  بكماليته الذاتية والصفاتية و الأسمائية، إذ الإلَه الحقُّ هو من له كمالُ الذات والصفات والأسماء والأفعال.

وأردفه بالاسم (الرحيم) إشعاراً بتعيين مطلبه الذي هو مشرَبُه من حوض النبيّ ، إذ هو دالٌّ على الإنعام الأخروي، وقد عرف أن ذلك من جملة آداب الدعاء عند المحقِّقين. ثم أردَفَه بالاسم الرافع جلَّ وعلا إشعاراً بعلوّ، همّته، إذ حظُّ العبد من هذا الاسم رفْعُ ما رَفَعه الله تعالى في حكمه وشرعه، وذلك يستلزمُ الرغبة في الأمور الأخروية الرفيعة التي من جملتها الورودُ من الحوض ونحو  ذلك مما هو آثر رضا الله تعالى الذي لا أرفَع منه.

ثم أتبعَ الاسمين الجليلين بالاسم (المقتدر) عزَّ وجل، وهو والاسم (القادر) بمعنى واحد، إلا أن في لفظ المقتدر زيادة مبالغة، والمراد من له القدرةُ والإرادة أي المتمكِّن بلا معالجة ولا واسطة من إيجاد كلِّ ممكن وإعدامه، وقد يقال: المقتدرُ أخصُّ، فيكون معناه المتمكِّن من التأثير والفعل بواسطة الأسباب العادية، وإن لم يكن لتلك الأسباب أثرٌ البتة، وحظُّ العبد منه التحقُّق منه بعجز نفسِه وعجز العوالم كلِّها عن إبداء أمرها والإيواء بكلية القلب إلى المولى القادر المقتدر سبحانه وتعالى ؛ ففي إتيان الناظم به هنا استشعارُ التبرِّي من رؤية أثر شبب من الأسباب بأسْرِها، ومن جملة ذلك ما طلبه هنا من أن يجعلَ الله تعالى هذا النظم سبباً يشرب به من الحوض، فإنه لما طلبَ ذلك من الله تعالى وكان ظاهرُ اللفظ ربما استنشقَ منه رائحة الاعتماد على عمله، أتى بما يؤذن ببراءةِ عقيدته من ملاحظة ذلك فافهم، وهو غايةٌ في الأدب المطلوب في المقام أيضاً كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.

ثم أردفَ الأسماء الحسنى المذكورة بالاسم (الكريم) عزَّ وجل، وخَتَمها به تحقيقاً لما لاحظه من التعلُّق فيما جميعها، إذ الاسمُ الكريم تبارك وتعالى من أشمل الأسماء حكماً وأثراً، إذ الكرم يجمعُ الشرفَ والسودد الجامعين لإسداء المعروف وإغاثة الملهوف، ويجمعُ مع ذلك عظَم الخطر ونباهة الشأن(1) والسبق بالإحسان، والعفوَ والصفح والحلم والغفران، وجميع أنواع الخير والبر والنفع والامتنان، وفي خَتْمه هذه الأسماء الكريمة به أيضاً استشعار ما هو حظُّ العبد منه، وهو قصرُ نظرِه وآماله على مولاء الكريم في كلِّ حالٍ وبكل حالل، فإن الكريم لا تتخطَّاه الآمالُ. ثم

ثنى طلبه من الله تعالى فقال:

والحَشرَ أسألُه رَبَّ النَّـاس

 

فـي زُمرة الشِّيخِأبي العبَّاس

أنا ووالدي مَع الأحبـابِ

 

لِكيْ يُجيـرنا مِن الحِـسابِ

 (السؤال) طلب الإعطاء، قال بعضهم: السؤالُ والدعاء مترادفان، وعليه فهو أي السؤال من الأدنى للأعلى كالدعاء، والعكس يسمّى أمراً، والطلبُ من المساوي يسمَّى التماساً، وقد قدمنا أن أول من سمَّى الأمر دعاءً الإمام محمد بن علي الترمذي رضي الله عنه وأفرد (الوالد) باعتبار الجنس فيشمَلُ الأمّ، فكأنه قال : أنا ومن ولدني من أم وأب.

يقول: وأسأل اله تعالى ربِّي وربِّ العالمين ورب السَّموات والأرض والناس أجمعين أن يحشرني بفضله وكرمه يوم العرض الأكبر في زمرة شيخي وأستاذي ووسيلتي إلى الله تعالى العلم الأخضر، والقطب المكتوم الأشهر، أنا ومن ولدني من أم وأب وجميعُ الأحباب رجاء أن يحقِّق لنا جميعاً بفَضله وكرمه الوعْدَ الصادق في دخول الجنة بلا حساب ولا عقاب، هذا، والذي يعطيه سياقُ الكلام ويفيده قرينةُ الحال والمقام أن محسِّل طلبته هذه هو أن يختم له بالإيمان، والمحبة لهذا الشيخ العظيم القدْر والشأن، حتى يحشر معه في زمرةِ أتباعه وأحبابه حيث يكتنفُهم ظلُّ عرش الرحمن، ويدخلُ معهم الجنة في أول الزمرة الأولى، ويستقرُّ من جملتهم في علِّيين مجاوراً لسيد ولد عدنان وشرف وكرم، وقد تقدَّم هذا مبسوطاً في فضائل أهل هذه الطريق، وتخصيص الله تعالى بالكرامة في موقف الحشر لمن شاء من عباده المؤمنين، وكذا دخولُ الجنة بلا حساب ولا عقاب لمن تفضل اله عليه من المقرَّر عند العلماء المحققين، ووردتْ به الأخبار النبوية والأحاديث المصطفوية كحديث الطبراني وأبي نعيم عن ابن عمر  قال: قال رسول الله : «إنَّ لله عباداً استْتَخصَّهم بنفسه لقضاءِ حوائجِ الناس، وآلى على نفسِه أن لا يعذِّبهم في النار، فإذا كان يومُ القيامة جلَسُوا على منابر من نور يحادثون الله تعالى والناس في الحساب» وكحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغيرِ حسابٍ ولا عقاب(2)، وهو مذكور في غير ما كتاب، وقد قيل: «إنَّ مع كلِّ واحدٍ من السبعين ألفاً سبعين ألفاً» وقد نصَّ القرطبي وغيرُه على أن أعمالَ من لا يحاسبُ لا توزَنُ، وعليه فيتضمَّن طلب النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن لا توزن أعماله بفضل الله تعال.

ثم ثلَّثَ طلبته فقال:

وأنْ يُنيلَ من تَلا ذَا الرَّجـزَا

 

أو من سَعى فيهِ الرضا يومَ الجزا

(ينيل) من النيل: بمعنى العطاء، و(تلا)قرأ. و(الرجز) بحرٌ معروف من بحور الشعر(3)(والسعي): إعمالُ الحركةِ في طلب الشيء وتحصيله، و(يوم الجزاء) يوم القيامة.

يقول: وأسألُ من مولاي ذي الجلال والإكرام أن يعطي كلَّ من تلا هذا النظم بقصد أن يتعبَّد به لمولانا خالق الأنام أو سعى في تحصيله بكتابة أو غيرها  بقصد أن ينفع به من أخوانه الخاص والعام الرضا التام، الذي لا غاية لما اشتملَ عليه من الإفضال والإنعام، إذ كلُّ إفضالٍ وإنعام في الآخرة هو أثرٌ للرضا منه تبارك وتعالى، وأجلُّ الإنعام وأعظمه الإنعام بالنظر إلى وجْهِه الكريم، ومصاحبةُ نبيِّه وحبيبه الأعظم في دار النعيم، ولا شك أن كلاً من تعليم العلم النافع للعمل به، ومن سعي المؤمن في نفْعِ إخوانه من موجبات الرضا والكرامة من الله تعالى، ففيه تحريكٌ للهِمَم إلى طلبِ العلم النافع الذي يتعبَّد به لمولانا الملك الديان وبعث لما إلى السعي فيما ينفعُ الخاصّ والعام من الإخوان، فأما فضلُ طلبِ العلم النافع فمن الواضح البيِّن الذي لا يحتاج إلى تقدير. وأما السعي في منافع الإخوان فهو من أخلاق الأولياء والصالحين، وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني عن بعض رجال الطبقات أنه كان يقول: سعْيُ الإخوان في الدنيا يكون لإخوانِهم لا لأنفُسِهم اهـ.

قال الشعراني : ولما حججْتُ سنة كذا جعلتُ دعائي حولَ البيت وفي البيت وفي مواضع الإجابة كله لإخواني، قال: لأن الفتوَّة أن يقدم الإنسان حظَّ إخوانه ويؤخِّر حظ نفسه ليكونَ الحقُّ تعالى في حاجته بالقضاء والتيسير، والحمد لله رب العالمين اهـ كلام الشيخ الشعراني .

ثم جعل النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى خاتمة طلباته الصلاة على النبي رجاءَ حصولِ الإجابة في ذلك كلِّه، فقال رَحِمَهُ اللهُتعالى:

وأنْ يُصلِّي عَلى مَـن خَتما

 

بهِ الرِّسالة ومَن لهُ انْتَمى

 (يصلي) مضارع صلَّى صلاةً لا «تصْلية» حسبما سبق، والصلاةُ من الله تعالى على نبيِّه تقدَّم أن معناها زيادةُ التكرمة والإنعام، إذ أصلُ الإنعامِ عليه دائمٌ مستمرٌّ من ربِّه عزَّ وجل بلا انقطاع ولا انصرام، والذي ختم الله تعالى به الرسالة هو نبينا سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين. و(انتمى) انتسَب، فالمراد ممن انتسب له آله الأكرمون الطاهرون المطهرون: وهم أقاربه من بني هاشم نفعنا الله بمحبتهم. ويدخل معهم بحسب التبعية في هذا المقام، بالنسبة الدينية جميعُ المؤمنين.

يقول النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وأسألُ أيضاً من ربِّنا المنفردِ بصفات الكمال ونعوت الجلالة أن يصلِّي على حبيبه الأعظم ونبيِّه الأكرم الذي خَتَم به النبوة والرسالة، وعلى جميع من انتمى إلى جنابه الأعزِّ الطاهر، ومن ساداتنا وموالينا آله الأكرمين المخصوصين بالسودد الأشمِّ والشرف الأتمِّ والفخر الباهر. وأفرَد الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى الصلاة عن السلام هنا إشارةً إلى جواز الإفراد، وتنبيهاً على أن الكراهة عند القائل بها في الإفراد، مقيدةٌ بما لم يجمعها مجلسٌ أو كتاب عند أهل السداد. واختار الإتيان في هذه الصلاة التي ختمَ بها طلباته من الأسماء المحمدية والصفات المصطفوية بالخاتم للإشعار بختم نظامه، ففيه عليه براعة الخثم لتَقوية الرجاء من أن الله تعالى استجابَ بفضله دعاءه في جميع ما طلبه، وقضى له عزَّ وجلَّ بجميع ذلك، وأتمَّه له أحسنَ إتمامٍ، بحيث صارَ القضاءُ ل بذلك كالكتاب المختوم عليه، إشارةً إلى تنفيذ الحكم وإبرامه بجميع ما فيه، ولقوَّة الرجاءِ أيضاً في أن الله تعالى بفضله وكرمه ينفعُ بنظمه هذا المختوم عليه بذكر حبيبه النبيّ الخاتم،  ما فيه كفاية.

وأما عطفُه في الصلاة على النبيِّ للآل، فلما هو مقرَّرٌ من حصول الإتمام بذلك للصلاة والإكمال، مع ما في ذلك من الإيذان بفضيلة معرفةِ قدْرِهم ومكانتهم، والتنويه بفخرهم وجلالتهم أداءً لبعض ما يجبُ من إمحاضِ الحب(4) لهم ورجاء الفضل الوارد في ذلك ففي الحديث: «مَعْرِفةُ آلِ محمَّد بَراءَةٌ مِنَ النَّارِ، وحبُّ آل محمَّد جوازٌ على الصِّراطِ، والولايةُ لآلِ محمد أمانٌ مِنَ العَذابِ» اهـ. قال القاضي عياض عن بعض العلماء: معرفتهم معرفةُ مكانتهم من النبيِّ ، وإذا عرَفَهم بذلك عرفَ وجوبَ حقِّهم اهـ.





(1) نباهة الشأن : علو أمره وانتشار قدره.

(2) انظر ما رواه البخاري في (اللباس:18)، ومسلم في (الإيمان:369).

(3) وهو بحر يقوم على تفعيلة «مستفعلن» ستّض مرات، وله في النظم انتشار واسع وللشعراء فيه تصريفٌ.

(4) إمحاض الحب: إخلاصه.