ذكر الوظيفة | فضل الوظيفة

فضل الوظيفة
 

أي هذا مبحثُ فضل الوظيفة جملةً: أي وفضل الجوهرة التي هي معظم أركانها.

 قال رحمه الله:

 
تَكفيرُها ما بَينَ وقْتَيها اشتَهرْ
عَـن شَيخِنا غيثِ البرا، غَوْثِ البَشر

و قوله: (غيث البرا)، أراد غيثَ البرايا فرخَّمه للوزن(1)

و أشار بهذا البيت إلى ما اشتُهر وتواتر عن شيخنا ، من أن الوظيفة تكفِّر عن صاحبها جميعَ ما ارتكبه يومَه بل صرَّح بأنه تحصُلُ له شفاعةٌ خاصة من النبيّ في جميع ما ارتكبَه عامة يومه مما استحقَّ به العقوبات العظيمة في الظاهر والباطن، وأكَّد ذلك بأنه وعَدَ به من الحضرة المصطفوية عليه أزكى الصلاة والتسليم ويؤيِّده ما ذكره الشيخ جلال الدين السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب ''الزهد'' عن ثابت البناني قال: إن أهلَ ذِكْرِ الله تعالى ليجلسونَ إلى ذكر الله و إن عليهم من الآثام أمثالَ الجبال، و إنهم ليقومون من ذكر الله وما عليهم شيءٌ اهـ.

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى :

ومَن تَلا جَوْهَرةَ الْكمـالِ سَبعاً يَكونُ سيِّـرَ الأرسـالِ
والخَـلفاء الرَّاشدينَ الأربَعـة ما دَام ذَاكراً لها بَعدُ مَعـهْ
وذَاكَ بـالأرواحِ والـذواتِ
ولَيسَ لِلمُنكِر مِـنْ نَجـاة

 (تلا)، (جوهرة الكمال)، (الذوات)

وأراد رَحِمَهُ اللهُ تعالى الإخبار بما ثبت عن الشيخ   حسبما هو في  ''جواهر المعاني'' وغيره، من أن هذه الصلاة الشريفة المسماة بجوهر الكمال التي هي أحد أركان الوظيفة إذا قرأها الواحدُ من أهل هذه الطريقة المباركة منفرداً أو في جماعة كما هو الشأن في الوظيفة سبعَ مرات يحضره النبيّ ويستمرُّ حضورُه معه هو والخلفاء الأربعة ما دام يذكرُها إلى أن يفرغَ منها، وهي كما عرفته تقرأ اثنتي عشرة مرَّةً في الوظيفة، فيكون حضورُه هو وأصحابه الأربعة  من السابعة إلى ختم الوظيفة بلا شك.

وقد حدَّثني بعضُ العلماء الأفاضل رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه ذكر لشيخنا استمرار حضورِه من السابعة إلى أن يفرغَ، وكأنه، أعني هذا العالم، يتثَّبت في حقيقة هذا الأمر، قال: »فقال لي مؤكداً قوله بالقسم: »والله لو أنك دُمْتَ على ذكرها طولَ عمرِكَ من غير فترةٍ ما فارقَك في جميع مدَّةِ عمرك ««اهـ.

وقوله: (بالأرواح) إلخ، في بعض الروايات عن الشيخ  التصريح بأن الحضورَ المذكور هو بالأرواح فقط، ووقَع في بعضها بالأرواح والذوات، وهي التي اعتمدَها النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى. وعلى هذا فلو كُشِف الحجاب عن الذاكرين أو بعضهم لشاهدوه على صورته التي قبَضَه الله عليها، يعني بذاته الحقيقية، وكذا الخلفاء الأربعة . وهذا كلُّه مما لا يمتارُ فيه إلا جاهلٌ أو حَسودٌ متحاملٌ، أما في النبيْ فلما تقدَّم لنا مما حصَّله الشيخ جلال الدين السيوطي من مجموع الأحاديث والنقول التي جلبناها في هذا الكتاب، وهو أنه حيٌّ بجَسدِه وروحه، وأنه يتصرَّف ويسيرُ حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبلَ وفاته لم يتبدَّلْ منه شيءٌ إلا أنه غُيِّبَ عن الأبصار كما غُيِّبت الملائكةُ مع كونهم أحياء بأجسامهم، فإذا أراد الله تعالى رفْعَ الحجابِ عمَّن أرادَ الله كرامته برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال. اهـ ما حصله الشيخ جلال الدِّين السيوطي، وهو كافٍ شافٍ لمن أنصف. وأما في حقّ الخلفاء الأربعة   فلما صرَّح به المحققون من صحّة سؤالِ الحاجات منه ، قالوا: إنه حيٌّ يعلم سؤالَ من سَأَله، وكذلك الشهداء والأولياء. وفي جوابٍ لسيدي علي الخوّاص حسبما في ''الدرر'' التصريح بأن الأولياء لهم الإطلاقُ والسراح في  البرزخ، فليسوا كغيرهم، ولا محالة أن الصحابة الكرام  هم ساداتُ الأولياء وأئمّتهم، وخصوصاً الخلفاء المفضَّلين بالنص الصريح، رضي الله عن جميعهم ونفعنا بمحبتهم آمين. ولا يشكلُ عليك هذا الذي نقلناه في هذه المسألة بكون الحضور المذكور يكون في ساعة واحدة في الأقطار المتباعدة، فتحتاج إلى تكييف ذلك، فإن هذا من باب خرْقِ العوائد، فلا يحتملُ التكييف قال في ''المواهب اللدنية'': »َ ولقد أحسن من سُئل كيف يرد النبيُّ على من يسلِّم عليه في مشارقِ الأرضِ ومغاربها في آنٍ واحدٍ، فأنشأ يقول :

كالشَّمْسِ في وسَطِ السّماءِ و نـُورُها يَغْشَى البِلادَ مَشَارِقاً ومَغَارِبا«

ثم قال، يعني صاحب ''المواهب'': »و لا ريب أن حاله في  البرزخ أفضلُ وأكملُ من حال الملائكة، وهذا سيدنا عزرائيل عليه السلام يقبضُ مائة ألف روحٍ في وقتٍ واحد لا يشغلُه قبضٌ، وهو مع ذلك مشغولٌ بعبادة ربِّه، مقبل على التسبيح والتقديس، فنبيّنا أولى« اهـ.

وغاية الأمر أن هذا الذي أشارتْ إليه هذه الأبيات هو من كرامات الأولياء الثابتة نقلاً، الجائزة عقلاً على ما عليه أهل  السنة حسبما تقدَّم، وأيضاً هو إخبارٌ بما هو جائز في قدرة الله تعالى من عدل رضّي، وعلى هذا فإنكاره إنكارٌ لكرامات الأولياء.

 وقد نقل الشيخ زروق عن العقباني رحمهما الله تعالى أن التكذيبَ بكرامات الأولياء كالتكذيب بمعجزات الأنبياء، لأن كلَّ كرامة لوليِّ فهي تصديق لنبيِّه الذي اتبعه. وهو أيضاً، أعني الإنكار لهذه الكرامات، جهلٌ بقدرة القادر جلَّ وعلا، وتعجيزٌ لها. وكفى بهذين الأمرين الخطيرين خسارةً وتعرضاً للشقاء، والعياذ بالله تعالى، وإليه أشار قول النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وليس للمنكر من نجاة). فليحذرْ ذلك المؤمنُ المشفِق على دينه ونفسه. وفي ''البحر المورود'': »أخذ علينا العهود أن لا نكذِّبَ الصالحين إذا أخبرونا بشيء تحيلُه عقولنا إلا إذا عارَضَ نصَّا شرعياً، وذلك أن غاية الواحد منهم أن يخبرنا عن القدرةِ الإلَهية أنها فعلتْ ممكناً لا غير، والله على كلِّ شيءٍ قدير«.

 ثم قال النَّاظم رحمه الله:

فمَن يكُن عَجـزَ عـن تَطهيـرِ ما يَلبَسُـه أو حُكمـة التَّيمُّـما
أو كانَ قد عَجزَ عَـن تطهيرِ بَدنهِ الكثير واليَسيـرِ
أوْ عَـن طَهـارة مَكانٍ وَسعَـه مَع النَّبي والخُلفَاءِ الأربعَة
فحُكمُ هذا جَعلُه مِنْـها بَـدلْ عِشْرِين مِنْ فريدةٍ كما انْتقـلْ

 

أشار بهذا الذي تضمنته الأبيات الأربعة إلى ما تواتَر عن سيدنا الشيخ ، وأن من عجز عن الطهارة الكاملة شرعاً في الثوب والمكان والبدن، أو كان فرضُه التيمم فإنه يعوِّض عن جوهرة الكمال في الوظيفة عشرينَ من صلاة الفاتح لما أغلق.  وقوله: (أو عن طهارة مكان وسعه) إلى آخر البيت، أراد به تحريرَ البقعة التي يطلب تطهيرها في حق ذاكر هذه الصلاة الشريفة، أعني جوهرة الكمال. وما صرَّح به رَحِمَهُ اللهُ من ذكر النبيّ والخلفاء الأربعة في هذا التحديد لا نحفظُه عن الشيخ ، والمحفوظ عندنا من الرواية الثابتة عن الثقات الأثبات عنه  في هذا التحديد أن يسعَ المكان الذي تطلب طهارتُه ستةً من الناس اهـ وهو كما ترى غيرُ صريحٍ فيما ذكره، ولعلَّه تبعَ فيه فهمَ غيره من لم يحقق القضية.

والصوابُ عندي أن لو تجنَّب رَحِمَهُ اللهُ تعالى هذه العبارة إذ الحضورُ الموصوف هو من باب خرْقِ العوائد، فلا يتقيَّد بالقيود الحسيّة، والحقُّ ما قدمناه من التعبير في تحديد البقعة التي يطلب تطهيرها هنا بأنها مكانٌ يسعُ ستةً من الناس، والمراد أن الذاكرَ إذا كان في مكانٍ متَّسع مثلاً وأراد قراءة الجوهرة فيه فإنه ينظُر؛ فإن كان محلُّ جلوسه طاهراً وما اتَّصل به كذلك طاهراً بقدر ما يسعُ ستة نفرٍ على فرض جلوسهم معه، فإنه يذكرها ولا عليه فيما زاد على ذلك إن لم يكن طاهراً، وإن نقص محلُّ الطهارة عن ذلك كأن يكون الطاهرُ من البقعة بقدر ما يسعُ المصلِّي لسجوده مثلاً، فإنه يصلي به، ويذكر الوظيفة ويبدل مكان جوهرةِ الكمال عشرينَ من صلاة الفاتح لما أغلق، لأن جوهرة الكمال مشروطٌ في قراءتها طهارةُ المكان المقدَّر بما ذكر، وغير خافٍ أنه شرط أدبي في بساط خاصٍّ فافهم، فالتقديرُ بما يسع ستةً من الناس لذات البقعة التي تطلب طهارتها، لا لأجل من يحضر بها، والقصدُ من هذا القدر في البقعة التباعُد عن محلِّ النجاسة، أعني تباعد أنفاس الذاكرِ عن النجاسة. ألا ترى أن من كان في بيت صغير كالبيت المطلوب في الخلوة بحيث لا يسع إلا واحداً لسجوده فقط، والغرضُ أنه طاهرٌ له أن يذكر الجوهرة، بل هو مطالب بقراءتها في الوظيفة بلا شك، والحضور من النبيّ والخلفاء الأربعة حاصلٌ له قطعاً، ولا يبحثُ عن الكيفية في ذلك لأنه من باب خرْقِ العادة، ولو كان التطهير المشروط لأجل جلوس من يخطر لما صحَّ ذلك الحضور في بيت الخلوة مثلاً الذي لا يسع إلا رجلاً واحداً، فتأمل ذلك منصِفاً، والله يتولَّى هدانا جميعاً بمنِّه.

 ثم قال :

ولْتَذكرنْ هذِي الصَّلاةَ راجـلا لا راكِباً إذَا تكون راحِـلاَ
واشْتَرطوا طهـارة الأرضِ كـما تَفهمُه مِن الَّذي تَقدَّما
هذا الَّذي لسيِّدي علـيِّ
قُطبِ زمانِنا التّماسِنيِّ
الإشارة بـ (هذه الصلاة) إلى جوهرة الكمال، و (الراحل) المسافر، وقوله: (كما تفهمه من الذي تقدما) يعني في قوله:  «فمن يكن عجز عن تطهير ما...» إلى آخر الأبيات قبل هذه، و سيدنا علي (التماسيني) تقدَّم بعض ما يتعلّق بأخباره في ترجمته.

و أشار بهذا إلى أن المسافر له أن يقرأ الوظيفة كالورد على ظهر دابته، فإذا وصل إلى جوهرة الكمال ترجَّل وذكَرها راجلاً، بشرْطِ أن تكون الأرضُ  التي يطؤها طاهرةً حسبما يعرف ذلك من تأكيد الشيخ أمر الطهارة فيها، حتى إنه تسقطُ في قراءتها عمَّن لم يمكنْه تكميلُ التطهير أو الطهارة المائية، بأن كانَ فرضُه التيمم على ما مرَّ.

 وقوله: (هذا الذي لسيدي علي) إلخ يعني الأمر بالترجُّل عند قراءة جوهرة الكمال. قلتُ: وهذا الذي تلقيناه عن جماعة من أصحاب سيدنا ، فإن الذي نحفظه من مذاكرتهم أن هذه الصلاة، أي جوهرة الكمال، لا تذكَرُ على ظهر دابة ولا على سفينة أيضاً.

و سمعت بعضَ الأصحاب يقول: يكتفى من المسافر بالترجُّل المذكور، بل يترجل ويذكرها، فإذا وصلَ السابعة جلس حتى يختم الوظيفة، وهذا عندي حسنٌ إلا لضرورة خوفٍ ونحوه، كفوات رفعة، والله تعالى أعلم.

 


(1) الترخيم: حذف الحرف الأخير من الاسم المنادى، وقد يحذف حرفان ولذلك شروط لا مجال لذكرها هنا.

 

****

تلا

 

(تلا) قرأ ×

جوهرة الكمال

 
 

و''(جوهرة الكمال) في مدح سيد الأرسال'' هي الصلاة المعروفة من أركان الوظيفة على ما سيتَّضح قريباً إن شاء الله تعالى×

الذوات

 

والمراد بـ (الذوات) الصور التي تظهرُ فيها الأرواح في الدنيا، كما هو معلومٌ من تطور الأولياء، أو في البرزخ(1) كما هو الأمرُ هنا، والله تعالى أعلم.  

 

 


(1) البرزخ : ما بين الموت والبعث.
×