سند و شروط الورد | بعض فضائل الورد


بعض فضائل الورد

    ثم أخذ النَّاظم في ذكر ما قصده ذكره من فضائل هذا الوِرْد و خصائصه فقال:
 
 آخِذه سْكناهُ عِلِّيُّون في  جِوار سيِّد الوَرى المُشرَّفِ
 و يغفِرُ الله له الكبائرا  مِنْ ذَنْبِه و يغفرُ الصَّغائرا
 و التَّبِعاتِ مِن خزائِن المجيد  أداؤها لا حَسناتُ ذا المُرِيذ
 لِذاكَ كانَ آمِناً في الحَشرِ  مِنْ هوله و مِنْ عَذابِ القَبرِ
 و زَوجِه و نَجْلِه لا الحفَدَهِْ  فيما مضى كذاكَ مَن قَدْ ولَدَهْ
 إنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُم للشَّيخِ صَدَرْ  بُغضّ و إلاَّ ما لَهمُ و ما غَبَرْ

    (الأخذ) هنا يراد به ما تقدَّم أيضاً من التلقِّي و التقييد بالعهد، و المراد عن الشيخ مشافهةً أو عمن وَصَله الإذنُ الصحيح منه في ذلك و لو بالواسطة و إن تعدَّدت،
    و
(السكنى) المستقَرُّ.
    و
(عليون) الجنَّة الثامنة، و هي فوق الفردوس ينزلها الأنبياء و أكابرُ الأولياء من هذه الأمة، و من اهتدى من الأمم السابقة من غير نبوَّةٍ لا من عداهم اهـ انظر
« الجواهر »،
    و
(الكبائر) جمع كبيرة، و هي الذنب العظيم. و اختُلِف في تعيينها في كتب الفقه و مثَّلوها بالسرقة و الشرب و نحو ذلك.
    و
(الصغائر) جمع صغيرة و هي صغار الذنوب و تكفَّر باجتناب الكبائر،
    و
(التبعات) جمع تَبِعَةٍ، و المراد الحقوق الخلقية المتعلّقة بالمال و العرض،
    و
(النجل) الولد، و أفرَدَه هو و الذي قبله باعتبار الجنس
    و
(الحفدة) جمع حفيد: وهو ابن الابن وكذا ابن البنت،
    و
(البغضُ). ضد الحب،
    و
(غبر) سلَفَ و مضى،
    و قوله
: (و زوجه) مبتدأ خبره (فيما مضى)، أي: و زوجه و نجله إلخ داخلون فيما مضى من الفضل، أي فيما ذكر قبل من الفضل،
    و قوله
: (و إلا ما لهم) إلخ أي و إن صدَرَ منهم بغض فما لهم و ما غبر أي ما سلَفَ ذكره من الفضل.
    يقول
: إن من جملة ما ذكره سيدنا من فضل هذا الوِرْد العظيم، عن نبينا المصطفى الكريم، عليه أفضل الصلاة و التسليم أن كلَّ من أخَذَه عن الشيخ أو عمن عنده الإذنُ الصحيح في التلقين يكون مقامُه و مستقرُّه من فضل الله تعالى في أعلى عليين، بجوار سيد المرسلين و إمام المتقين، صلى الله عليه و على آله و صحبه أجمعين، و يغفر الله له تعالى بفضله من ذنوبه الكبائر و الصغائر، و تؤدى عنه التبعاتُ من خزائن الربِّ المجيد القادر، و لذلك كان آمناً من أن يروِّعه هولُ المحشر، أو يُؤلمه ضنكُ القبرِ، و أزاوجه وأولاده المنفصلون عنه دنيا، و كذا أبواه داخلون معه في هذا الخير الجزيل، بفضل الله بشرط أن لا يصدر بغضٌ من الجميع في هذا الشيخ الجليل و جانبه الأعز المنيع.
    و لم يذكر الناظم رَحِمَهُ اللهُ والدي الأزواج، و قد تلقينا عمَّن أدركنا من أصحاب سيدنا أنه كان يذكرهم أيضاً فيمن يعمُّه الفضلُ المذكور، و ذيَّلنا كلام النَّاظم هنا ببيت يتضمَّن ذلك لمن أراد أن يلحِقَه به بعد قوله
:
« و زوجه و نجله » إلى آخر البيت و هو أعني البيت المذيل به:
 
 و وَالِدُ الأزْواجِ أيضاً ذَكَرَهْ  عن شَيْخِنا قَوْمٌ ثِقَاتٌ بَرَرَهْ

    و اعتمدت في نظم هذا البيت سماعي من ثقات أصحابه، و هو أيضاً فيما ألحقه مؤلفُ
« جواهر المعاني » بهامش نسخته التي كتب له سيدنا عليها حسبما رأيناه بخطه فيها و عليه علامة الأصل، فأدخلناه في النسخة التي كتبناها من نسخته المذكورة، و هي الآن وقفٌ على زاوية سيدنا التي بمكناسة، و قد كتب منها و الحمد لله عدَّة نسخ و تفرَّقت في سائر الآفاق و نسخة الأصل المذكورة الآن بزاوية عين ماضي عمرُها الآن بذكره آمين.
    و ذكر المؤلف رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه بعدما كتب ما في الأصل من إملاءِ الشيخ عليه اطلع على ما رَسَمه من الإلحاق المذكور بخط يده، فليراجعْ ففيه التصريحُ بوالدَيْ الأزواج من جملة من طلب لهم الشيخ الفضل المذكور من النبي و ضمنه له
.
    قال في
« جواهر المعاني » بعد إيراده لهذا الفضل ما نصّه: « قلت: و هذه الكرامةُ العظيمة المقدار و هي دخول الجنَّة بلا حساب و لا عقاب لمن أخذ وِرْده، و دخول والديه و أزواجه و أولاده، لم تقعْ لأحدٍ من الأولياء فيما بلغنا، و إن وَقَع لهم أن من رأى من رآهم يدخل الجنَّة كالشيخ مولانا عبد القادر الجيلاني و سيدي عبد الرحمٰن الثعالبي و مولانا التهامي، لم ينقلْ عن واحدٍ منهم أنه ذكر عدم الحساب و العقاب كما وقع لشيخنا، فهي خصوصية و مَزِية له و لأصحابه»اهـ.
    و حاصل ما ذكره في هذه الأبيات من
الفضائل خمس:
  • الأولى: الإستقرارُ مع الشيخ بجوار النبي في أعلى عليين بلا حساب و لا عقاب لمن أخَذَ هذا الوردَ، و لوالديه و أزواجه و أولاده دنيا و والدَيْ أزواجه كذلك، و لو لم يكنْ لواحد من هؤلاء المذكورين تعلُّق بالشيخ أصلاً، و إنَّما ذلك بسبب الأخذ للورد.
  • الثانية: مغفرة الذنوب الكبائر و الصغائر ما تقدَّم منها و ما تأخَّر للآخذِ و لمن ذكره معه بسببه.
  • الثالثة: أداء تَبِعات الأخذ للوِرْد، أعني ما عليه من الحقوق الخلقية من خزائن فضل الله تعالى لا من حسناته، و كذلك من ذكر معه تؤدّى عنهم تبعتُهم من خزائن فضل الله لا من حسناتهم بسببه.
  • الرابعة: تأمينُه من هولِ الموقف، و كذا من ذكر معه بسببه.
  • الخامسة: تأمينه من عذاب القبر، و من ذُكِر معه كذلك أيضاً بسببه، و هذا كلّه بشرط أن لا يصدر من أحدٍ من المذكورين بغضٌ للشيخ و لا إذايةٌ لجانبه، لأنه استثنى المبغض في طلبه حين طلب ضمانَ ما ذكر من النبي. و يشارك المذكورين في هذه الفضائل من تعلق بالشيخ بوجْهٍ من التعلُّقات، كمن أحسنَ إليه بشيء، أو أطعَمَه طعامه، أو كانت له عليه مشيخةٌ في قراءةٍ أو علم، أو قَضَى له حاجةً و نحو ذلك.
    و أما من رآه فقط فغايتُه يدخلُ الجنَّة بلا حساب و لا عقاب و لم يضمَنْ له الإستقرار في عليين، و راجع « جواهر المعاني » فقد بسط فيه مؤلفُه الكلامَ في ذلك بما كفى و شفى.
    ثم أشار النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ إلى بعض ما ينال المحب للشيخ من الفضل من غير أخْذٍ للورد، بل بالمحبة فقط، و إلى ما تؤول إليه عاقبةُ مبغضِه، و العياذ بالله تعالى فقال
:
 
 و لَن يَموتَ مَن يحِبُّ شَيْخَنا  إلاّ إذا نالَ وِلاية المُنى
 مَن لم يتبْ مِن بُغضِه ماتَ عَلى  كفرِ أعاذَنا الإلهُ ذُو العُلا

   
(الولاية) معروفة،
    و
(المنى) جمع مُنْية، و أضاف إليها الولاية لأنها غايةُ ما يتمنَّاه العبدُ المؤمن، و باقي الألفاظ واضح.
    يقول
: إن من فضائل التعلّق بسيدنا أن من أكرمه الله تعالى بمحبته و وداده لا يموتُ حتى يكونَ من أولياء الله تعالى و خاصته من عباده، و من كان على الأخرى و العياذ بالله مما ابتُلي به فقد سجل عليه بالكفر و يا بؤس مُنْقَلَبه، و لا غرابة في الأول فإن:
« مَنْ أحَبَّ قَوماً حُشِرَ مَعَهُم » و« المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ »(1) كما أنه لا بعد في الثاني كذلك: « مَنْ عادىٰ لي وَلِيّاً مِنْ أوْليائي فَقَدْ بارَزْتُه بالمُحَاربَةِ »(2) و من حاربه الحقُّ تبارك و تعالى فقد هوتْ به الضلالة في مكان سحيق.
    ثم عاد الناظم رَحِمَهُ اللهُ إلى تتميم الكلام في فضائل الوردِ بعد أن ذكر ما هو كالتتمة للكلام قبله فقال:
 
 و صحْبُه لا تُدرِك الأقطابُ  رُتَبهم مِن طِيبه قدْ طَابوا
 و كلُّ مَن عمِل لله عمَلْ  فرْضاً و نفْلاً و قَبولُه حَصل
 يُعْطيهمو عَليْه مُعطِي الفَضْل  و هُم رُقود ّ وقتَ ذاكَ الفِعلِ
 أكثرُ مِن مائةِ ألفِ ضِعفِ  ما أعطيَ العامِلُ دونَ خُلْفِ
 لَدَى المماتِ و السُّؤالِ يَحضُر  نبيُّنا لهُم و ذا مُفتخَرُ
 يسوءهُ ما ساءهُم و لهمُو  لطفٌ عن الأنامِ قدْ خصَّهُمُو
 يُجيزهُم على الصِّراط دُون مَين  ربُّ الورى أسرعَ مِنَ طرْفةِ عَينْ
 مِنْ حوضِ خير الناسِ يشربونْ  و تحتَ ظلِّ العَرْش واقفونْ
 و لَو رأتْ أكابرُ الأقطابِ مَا  أعدَّ خالقُ الوَرى تَكرُّما
 لِهؤلاءِ لبكُوا عَلَيْه  و استنقصوا مَا ركنُوا إليهِ
 سَبعونَ ألفَ مَلك تَذْكرُ معْ  ذاكِرنا من غيرِ شكٌّ قد وقعْ
 و أجرُ ذاكَ كلُّه لِمَن ذَكرْ  و ذَا لأجْل قُطبِنا النَّدبُ الأبرّ
 يُجالسونَ سيّدَ الأبرارْ  نبيَّنا في اللَّيْلِ و النَّهارِ
 و نسبةُ المذكورِ للذي انْكتَمْ  كنسبةِ النُّقطةِ للبَحرِ الخِصْمْ
 جَعَلنا الإل هُ مِنْ ذي النَّاسِ  بِجاهِ شيخنا أبي العباسِ

   
(الصحب) تقدَّم أن المراد بهم من تقيَّد بعهد الشيخ من غير اشتراطِ لُقيً و لا معاصرة على حدِّ ما قيل في أصحاب الأئمة أرباب المذاهب.
    و
(الرتب) جمع رتبة و المراد الدرجة التي تنال بالعمل الصالح في الدار الآخرة،
    و
(رقود) جمع راقد، من رَقَد يرقُد رَقْداً و رُقُوداً و رُقاداً: إذا نام في ليل أو نهار، و بعضهم يخصُّه بالليل، و الأول أصحُّ بشهادة مطابقته للآية الكريمة: [وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَ هُمْ رُقُودٌۚ] (الكهف:الآية 18)
   
(الضعف) المثل و قد تقدَّم،
    و
(خلف) هنا: بمعنى إخلاف، أي دون إخلاف للوعد بذلك من النبي لأن وعْدَ الكرام لا يتخلّف،
    و أرادَ بقوله
(لدى الممات) عند الإحتضار،
    و أراد بـ
(السؤال) سؤالَ القبر،
    و
(المفتخر) ما يفتخر له،
    و
(ساء) ضد سرّ،
    و
(اللطف) تقدَّم معناه في تفسير الإسم اللطيف،
   
(و الصراط)، و (الحوض) و (العرش) معلوم جميعها من السنة،
    و
(استنقصوا) رأوه ناقصاً بالنسبة لغيره،
    و باقي الألفاظ واضح
.
    يقول
: و من فضائل أصحاب سيدنا و مآثر أهل طريقه التي اختصَّهم بها مولاهم و مزاياهم التي تفضَّل بها عليهم بجوده و كرمه و أولاهم، ما أخبر به سيدنا تبشيراً لهم و ترجيةً و تأكيداً لنور إيمانهم و تقوية:
  • من أن مراتبهم يوم القيامة عند ربهم الملك القادر الفاعل بالإختيار أكبر من مقامات من عداهم من الأولياء المقربين الأبرار، و ذلك لما لحِقَهُم بفضلِ الله تعالى و سابق عنايته من بركة أستاذهم الذي طابوا من طيبه و شرفوا بولايته.
  • و من ذلك الذي اختصُّوا به أيضاً أن كلَّ من عمل لله عملاً و تُقُبِّل منه نفلاً كان أو فرضاً يعطيهم الله على ذلك العمل و هم رقودٌ أكثر من مائة ألف ضعف مما يعطيه لصاحبه بمحضِ الفضل و الجود و الكرم الذي لا يدخل تحت محيطاتِ الأقيسة و الحدود.
  • و من ذلك الذي أكرم به أيضاً من عميم النوال حضورُ النبي لهم عند الممات و السؤال.
  • و من ذلك الذي نالوه أيضاً من الاختصاص بين الأنام أن إذايتهم إذايةٌ لجَنابه الأكرم عليه الصلاة و السلام.
  • و من ذلك الذي أتحفهم به أيضاً مولاهم المتفضِّل المنان أن لهم لطفاً من الله يخصُّهم به في السر و الإعلان.
  • و من ذلك جوازُهم على الصراط أسرعَ من لحْظِ العين، و ورودُهم الحوض على النبي ورودَ الكرامة دون مَيْن.
  • و من ذلك أيضاً استظلالُهم في الحشْرِ بظلِّ عرش الرحمٰن، و فوزُهم بما يغبِطُهم به هناك الأكابر من أهل العرفان.
  • و من ذلك أيضاً ما خصُّوا به من أجل هذا الإمام من ذكر سبعين ألف ملك مع كل ذاكرٍ منهم مهما ذكر في كل منزل و مقام.
  • و من ذلك أيضاً، وهو غاية كلِّ مقصَدٍ و مرام مجالستُهم لحبيب الله و صفوته من الأنام عليه و على آله أفضل الصلاة و أزكى السلام،
    و مع هذا كلِّه فنسبةُ هذا الذي ذكر مما لم يذكر من الفضائل و الأسرار كنسبة نقطة للبحر الهائل الزخار. نسأل الله ربَّنا المولى الكريم الرؤوف الرحيم بجاه هذا الشيخ العظيم و نبيه المصطفى الكريم أن يجعلنا من جملةِ من شمِلَتْه هذه الدائرة الفضلية و عمته هذه النفحة الوهبية، آمين آمين آمين، والحمد لله رب العالمين.
    و هذه اثنا عشر فضيلةً اشتملتْ عليها هذه الأبياتُ الخمسة عشَر من هذه الأرجوزة الجليلة. منها ما هو مذكورٌ في كتاب
« الجواهر » و منها ما في « الجامع » و غيره من المؤلفات و المجاميع المشتملة على كلام سيدنا الثابت عنه المشهور المتواتر. و سنبيّن جميع ذلك الآن إن شاء الله تعالى أتمَّ بيان، و الله المستعان و عليه التكلان.
الفضيلة الأولى (ان أصحابه الداخلين في طريقته لهم مراتب يوم القيامة أكبر من مراتب الأولياء)
الفضيلة الثانية (أن كلَّ من عمل لله عملاً و تُقُبِّل منه نفلاً كان أو فرضاً يعطيهم الله على ذلك العمل و هم رقودٌ أكثر من مائة ألف ضعف مما يعطيه لصاحبه بمحضِ الفضل و الجود و الكرم الذي لا يدخل تحت محيطاتِ الأقيسة و الحدود)
الفضيلة الثالثة (حضورُ النبي لهم عند الممات و السؤال)
الفضيلة الرابعة (حضورُ النبي لهم عند سؤال الملكين حضور مخصوص غير الحضور العام)
الفضيلة الخامسة (أنه يسوءه (ص) ما يسوء أهل هذه الطريقة)
الفضيلة السادسة (لأهل هذه الطريقة لطفين: اللطف العام و اللطف الخاص بهم)
الفضيلة السابعة (جواز أهل هذه الطريقة على الصراط أسرع من طرفة العين على كواهل الملائكة)
الفضيلة الثامنة (ورودهم الحوض...إلخ)
الفضيلة التاسعة (وقوفهم تحت ظل العرش في المحشر)
الفضيلة العاشرة (غبطة أكابر الأقطاب لهم)
الفضيلة الحادية عشرةَ (ذكر سبعين ألف ملك مع الذاكر من أهل هذه الطريقة)
الفضيلة الثانية عشرةَ (مجالسة سيد البشر (ص))
    وبقي من فضائل أهل هذه الطريقة الشريفة، وخصائصهم السامية المنيفة، ما لم يذكره النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذا المحلِّ من هذه القصيدة، ولعلَّه استغنى عنه بما سيذكره قريباً من فضائل الياقوته الفريدة، وجل ذلك مستوفى في الكتابين
« الجواهر» و« الجامع » فليراجعهما من أراد أن يقفَ من ذلك على ما تقرُّ به الأعينُ وتقرط به المسامع، وقد كنت أردتُ أن أذكر من ذلك غير ما هو في الكتابين مذكور ومعلوم فأحجمَ القلمُ عنه خشية أن يكون عند الشيخ من الأمر المكتوم، إذ قد أفصحَ حسبما تقدَّم، بأن نسبة ما ذكر مما لم يذكر من هذه الفضائل كنسبة النقطةِ من البحر الزاخر الخضم، ثم في هذا القدر الغنية والكفاية لمن ألهمه الله التصديق والهداية.
تحذير (أي هذا تحذيرٌ و تخويف و إنذارٌ لمن سمِعَ ما ذكرناه من الفضل، ثم رَكَن بسببه إلى أمنِ المكْرِ و أخْلَدَ على التمادي على العصيان و المخالفة بطريق الإصرار و الإنهماك و الإغترار. )






(1) رواه عن أنس البخاري في (الأدب: 96)، ومسلم في (البر: 165)، والترمذي في (الزهد: 5)، وفي (الدعوات: 98)، والدرامي في (الرقاق: 71).
(2) رواه ابن ماجة في (الفتن: 16) وفيه «فقد بارز الله بالمحاربة».
 
 

الفضيلة الأولى


فأما الفضيلة الأولى فهي في « الجامع » و عدَّها مؤلفه رَحِمَهُ اللهُ من مناقب سيدنا فقال: « و من مناقبه أن أصحابه الداخلين في طريقته لهم مراتبُ يومَ القيامة أكبر من مراتب الأولياء » اهـ.
و تعبير النَّاظم بالأقطاب تبعَ فيه ما في بعض الوجادات لمن لازم سيدنا من خاصَّة الأصحاب على أن ما في « الجامع » يتناوله بعمومه، لأن لفظ الأولياء عند الإطلاق يصدق عليه بمفهومه. و قول النَّاظم هنا (من طيبه قد طابوا) كالتعليل لهذه الفضيلة السنية و معناه أنهم، أعني أصحابه الداخلين في طريقته، إنَّما نالوا هذه الخصوصية على أكابر الأولياء من أجل مقامه الأرفع الذي لا مطْمَع فيه لغيره من كمل العارفين الأتقياء. و كأن النَّاظم رمَزَ به إلى ما ثبتَ عن بعض الخاصة من الأصحاب المشار إليهم بالفتح بين الإخوان و الأحباب من أنه تلقَّى عن بعض أهل الإختصاص ممن كان يرى النبيّ و كان إذ ذاك بالمدينة المنوّرة، على مشرِّفها أفضل الصلاة و السلام، أن مما أكرم الله به سيدنا و تفضَّل به عليه من الخصوصية التي يعزُّ مثلها و وجودُها لغيرِه إلحاقُ أصحابه بدرجته و رتبته في جميع مقاماته التي لا يزال مترقياً فيها إلى الأبد الآباد، فلا يرتقي من مقام من المقامات حتى يحصل المقام الذي قبله بمزية الإلحاق لأتباعه. و لا يزال كذلك من فضل الله تعالى كلما ترقَّى من مقام إلى ما فوقه خلفه فيه أصحابُه و أتباعه دائماً أبداً. و مزيةُ الإلحاق التي أشرْنا إليها هي المستأنس لها عندهم بقوله تعالى: [وَ اُلَّذِينَ آمَنُواْ وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَٰـنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ] (الطُّور: الآية 21) الآية، قالوا: فكما أن الله تعالى يلحِقُ المؤمنين ذريَّتهم المؤمنين في الفضل، و إن لم يساورهم في الأعمال الصالحة، فكذلك يلحقُ من شاءَ من الأتباع لمتبوعِهم في الفضل، و إن لم يدرِكُوا درجته في العمل. و يشيرُ إلى هذا الإلحاق ما أخرجه الإمام مسلم في «صحيحـ»ـه من رواية ثابت البناني عن أنس قال: « جاءَ رجلٌ إلى النبيّ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: و ما أعدَدْتَ لها؟ قال: حُبَّ الله و رسولِه، قال: فإنَّكَ مَعَ مَنْ أحْبَبْتَ »(1) قال: قال أنس: فما فرِحْنا بعد الإسلام فرحاً أشدَّ من قول النبي: « فإنَّك مع مَنْ أحببت ». [قال] (2) أنس: « فأنا أحبُّ الله و رسوله و أبا بكر و عمر فأرجو أن أكونَ معهُم و إن لم أعمل بأعمالهم »، فتأمَّلْ قوله: « و إن لم أعمل بأعمالهم » تتضح لك هذه الإشارة. ثم إنه لا يلزم من هذا أن تكون منزلة الملحقِ و جزاؤه مثل منزلة الملحَق به من كلِّ وجْهٍ، فافهم و الله تعالى أعلم.
قلت: و هذه من أعظمِ الكرامات لسيدنا و إن كان يعزبُ(3) فهمُها عن كثير من الناس كغيرِها من جل كراماته و كرامات طريقه المباركة السنية. و السر في ذلك أن هذه الطريقة لما كانت أذواق من يسلك عليها غريبة، لأنها تفاضُ عليهم بحسب مقام شيخهم و أستاذهم لا بحسب مراتبهم و ما هم عليه في استعدادهم كانت كراماتها في غاية ما يكون من الدقة حتى يكون إدراكُها كرامةً أخرى في حق من أدركها، لأنها لا تدرك إلا بالصفاء التام، و الفتح و الإلهام. و بهذا تكون كرامةً دائمة لسيدنا بدوام من يفتح له في إدراكها من أصحابه و أتباعه وراثة محمدية و خصوصية أحمدية، و الله تعالى أعلم و أحكم.



(1) رواه البخاري في (فضائل الصحابة: 6)، وفي (الأدب: 95)، والدارمي في (الرقاق: 71)، وأحمد: 5/156، 166.
(2) ما بين معقوفين زيادة من عندنا ليتم المعنى.
(3) يعزب: يبعد.
×

الفضيلة الثانية


    وأما الفضيلة الثانية فهي مما ثبَتَ عن سيدنا على ألسنة الثقات من أصحابه ومن المتواتر المشهور أيضاً بين أتباعه وأحبابه، وسببُها ما حدَّثني به بعض الفضلاء من أصحابه وملازميه أن رجلاً أجنبياً عن فقرائه باتَ معه ليلةً من الليالي التي كان يبيت فيها بالزاوية المباركة مع الفقراء الكرام، فلما أصبحوا ذهبَ ذلك الأجنبيّ وجعل يتحدَّث مع العوام على عادة المتهوِّرين القاصري الأفهام ويقول: كنت أظنُّ أن هذا الشيخ وأصحابه يبيتون في حال اجتهاد من أنواع العبادة، فإذا هم يبيتون كما يبيت غيرهم من الناس لا يزيدون على المحادثة بينهم فيما يتحدَّث فيه كلُّ الناس، فتناقل خبرَ ذلك الإنسان، فبلغ الشيخ فقال مبشراً ومثبتاً لأصحابه الذين طرق أسماعهم ذلك: كلُّ من عمل عملاً لله تعالى فرضاً أو نقلاَ وتقبّل منه يعطينا الله على ذلك العمل أزيدَ مما يعطيه لعاملهِ بأكثرَ من مائةِ ألف ضعفٍ ونحن رقود اهـ.
    وأدخلَ نفسَه في عموم الكلام مع أصحابه إشارةً إلى ما تقدَّم من مزية الإلحاقِ فافهم. وفي ذلك إيماءٌ إلى أنهم إنما نالوا تلك المزية من أجله، ويؤيده ما في « الجامع » من التصريح بذلك مثل هذا، وذلك أن مؤلفه أخبرَ أن سيدنا قال: يعطي الله لأصحابنا ثوابَ كذا، قال: فقلت له: ثواب الأعمال أو ثواب المرتبة؟ فقال لي: ثواب الأعمال والمرتبة، قلت له: وهذا الفضل العظيم حصلَ لهم بسبب الفاتح لما أغلق أو بغير ذلك؟ فقال: فسكت هنيهة، ثم قال: من أجلنا لله الحمد والمنة. قال: ثم سألتُه عن الفرق بين ثواب العمل والمرتبة. فأجابَ بقول إمام الطريقة الجنيد: من أقبَلَ على الله ألفَ سنة، ثم أعرضَ عنه لحظةً كان ما فاته في تلك اللحظة أكثر مما فاته في ألف سنة، قال: قلت له: ما معنى كلامه؟ قال: أهل التجلي يعطي الله للواحد في كلِّ نفس كذا وكذا من التجليات في كل تجلِّ قدر ما يعطيه لجميع الخلقِ وفي النفس الثاني كذلك، وفي النفس الثالث كذلك، وهكذا ما دام عمر الدنيا والآخرة، ونسبةُ كل تجلِّ لما بعدَه كنقطةٍ في بحر ويقومُ بوظائفها وآدابها، فهذا هو ثواب المرتبة. قال: ثم قال: ويعطي ثواب المرتبة لأصحابنا وإن كانوا أصحاب حجاب، قال المؤلف، أعني مؤلف « الجامع » رحمه الله: وهذه خصوصيةٌ عظيمة، جعلنا الله من أهلها دنيا وأخرى آمين.
    وإذا عرفت هذا فقد اتَّضح لك أوجه في هذه الفضيلة بحمد الله تعالى، وقد كان يتبادر لي في حال المذاكرة مع الأصحاب في هذه الفضيلة قبل أن أرى ما ذكره في «الجامع» هنا أن الوجه الذي من أجله اختصَّ بها أهل هذه الطريقة هو ذكرُهم لصلاةِ الفاتح لما أغلق وهو إن كان يظهرُ فيه ذلك لما فيه من تضعيف صلوات المصلين على النبيّ وذكرهم وتسبيحهم فهذا الذي ذكره في « الجامع » عن سيدنا أوضح وأبلغ وأصرح، كيف وقد أعطى فيه القوسَ باريها(1) وأسكن الدار بانيها، نفعنا الله بعلوم سيدنا وأسراره وعمر ظواهرنا وبواطننا بمشرقات أنواره آمين.



(1) أعطِ القوسَ باريها مثل في مجمع الأمثال: 2/345، أي استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق فيه، ويُنشد:
        يا باريَ القوس بَرْياً لست تحسنها             لا تفسِدَنْها وأعطِ القوس باريها.
×

الفضيلة الثالثة


    وأما الفضيلة الثالثة فهي من المشهور المتواتر بين أصحابه ومن بعدهم من الأتباع وحدَّثني بها بعض العلماء الأجلاء من خاصَّة أصحابه ومشاهير أعيانهم نفعنا الله ببركاتهم، قال لي قدَّس الله سره: حضرتُ مع والدي، وكان ممن أخذ الطريقة في أول ظهورِها عن سيدنا الشيخ جعلنا الله في حماه، وكان قد طال عهدُه برؤيته، يعني والده المذكور، فسألَه الشيخُ، من أنت؟ فقال له: إن المشايخ يعرفون تلامذتهم بظهْرِ الغيب، ويحضرون معهم عند الموتِ، في كلامٍ ينحو مَنْحَى هذا، فقال سيدنا مجيباً له عند ذلك: هو كفاني الحضورَ مع أصحابي عند الموتِ وعند الموتِ وعند سؤالِ الملكين في القبر، ففرِحَ الحاضرون بهذه البشارة العظيمة وعدُّوها من بركات السيد المحدِّث بها ومن مآثرِه الجسيمة، لأنه هو الذي أتى بوالدِه المذكور ليجدِّد العهدَ بالأخْذِ عن الشيخ لما كان حصَلَ له من الفتور حسبما يظهرُ ذلك من خطابه للشيخ بما تقدَّم، فجدَّد العهد وزال ما كان اعتراه من الفتور، وظهرت هذه الكرامةُ العظيمة والبشارة العميمة بسبب صدق نيته وأثرِ همَّةِ ولده السيد المحدث بالقصة رحمه الله تعالى.
    وقد ظهر، والحمد لله، مصداقُ هذه البشارة العظمى بين الأصحاب في سائر البلاد حتى شهِدَ بها غيرُ ما مرة من حضرها من أهل الانتقاد، فكثيراً ما أخبر بذلك المحتضرون من الرجال والنساء والعبيد والإماء من أهل هذه الطريقة المباركة في ذلك الموطن العظيم، وكثيراً ما ظهرت آثار ذلك في الشواهد الحالية على من لم يفصحْ بالإخبار به، جعلنا الله من المتعلِّقين بأذياله والثابتين على حُبِّه وحب من يحبه بجاه سيدنا ومولانا محمد خاتم أنبيائه ورسله وعلى آله آمين آمين آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
×

الفضيلة الرابعة


    وأما الفضيلة الرابعة وهي حضورُ النبيّ لأهل هذه الطريقة عند سؤال الملكَيْن، فنصُّ كلام الشيخ فيها ما تقدَّم، ولا محالة أن هذا الحضور حضورٌ مخصوصُ فهو غير الحضور العام المشار إليه في حديث سؤال القبر بقوله فيه: «ما عِلْمُكَ بهذا الرجل؟ »
    على ما ذكره العلماء فيه، لأن في هذا الحضور، كما يدلُّ له سياق الكلام، مزيد تأنيسٍ وكرامة لهم مع كفايتهم ذلك بحصول شفاعته لهم، ومآل ذلك إلى ما هو مذكور في «الجواهر»، وكذا في « الجامع » من ضمان النبيّ للشيخ تأمينهم من كلِّ مخوفٍ ومكروه من الموت إلى الاستقرار في عليين.
[تنبيه] قال ابن أبي جمرة(1) رحمه الله: لما تكلَّم على فتنة القبرِ ما حاصلُه قوله عليه الصلاة والسلام: « يقالُ ما عِلْمُكَ بِهٰذا الرَّجُلِ؟ » المرادُ به ذاتُ النبي ورؤيته بالعين. في هذا دليلٌ على عِظَم قدْرَةِ الله تعالى، فإن الناس يموتون في الزمن الفرد في أقطار الأرض على اختلافها وبعدها، وكلّهم يراه قريباً منه، ثم قال: وفيه ردٌّ على من يقول: إن رؤيته في الزمن الفرد في أقطار مختلفة على صور مختلفة لا تمكن، لأن القدرة صالحة لما نحن بسبيله.



(1) ابن أبي جمرة: محمد بن أحمد بن عبد الملك، ابن أبي جمرة الأموي بالولاء، أبو بكر، فقيه مالكي، من أعيان الأندلس، ولد بمرسية، وتفقَّه، وولي خطة الشورى، إرْثاً عن آبائه وهو في نحو الحادية والعشرين، وتقلَّد القضاء في مرسية ويلنسية وشاطبة في مدد مختلفة، وامتُحن في امتناعه عن قضاء مرسية فأقام بها إلى أن توفي سنة (559هـ). ومن كتبه «نتائج الأبكار ومناهج النظار في معاني الآثار».
انظر شذرات الذهب: 4/342، والتكملة: 276.
×

الفضيلة الخامسة


    وأما الفضيلة الخامسة وهي أنه يسوءه ما يسوءُ أهلَ هذه الطريقة فهي من التواتر عن سيدنا أيضاً، وذلك أنه وَقَع بين رجلين من أصحابه مناقضةٌ توجبُ مجافاةً، فأمرَ أن يصلح بينهما، وقال: إن النبيّ أمَرَه بذلك، وقال: قال لي: قل لأصحابكَ لا يؤذي بعضُهم بعضاً، فإنه ما يؤذيني يؤذيهم، ووجْهُ هذا ظاهرٌ بيِّن، لأن طريقة الشيخ طريقة المحبوبية، والمحبوبية درجةٌ يلتحِقُ صاحبها بالأولاد والذرية عند من وقعت عليه منهم من نبي أو ولي كامل، كما يشير إليه حديث: « سَلْمَانُ مِنَّا أهْلَ البَيْتِ »(1) وكما وَقَعَ لسطانِ العاشقين الشيخ أبي حفص عمر بن الفارض(2) حيث ألْحَقَه ببنيه وذريّته، وهو من بني سعد، قبيلة سيدتنا حليمة السعدية(3) شرَّف الله قدرَها، وقد قال في مولاتنا فاطمة الزهراء: «فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي»(4) الحديث، ولا مانعَ أن يلتحقَ بها في ذلك من وَقَع عليه سهم المحبوبية الخاصة منه مزية له وخصوصية وكرامة من الله تعالى..
    ويؤيِّد ما ذكرناه من ثبوت المحبوبية منه لأهل هذه الطريقة من أجل شيخهم وأستاذهم، بسابق الفضل الإلَهي والاختصاص الرباني، ما ثبت عن سيدنا أن النبيّ قال له: « الجواهر » وكذا في « الجامع » أيضاً، وفيما وقفتُ عليه من كلام صاحب الرماح أن من خصائص أصحاب سيدنا الداخلين في طريقه محبة النبي لهم محبةً خاصة غير التي تشملهم وتشمل من ذكر معهم من المتعلِّقين به.. وفيه أيضاً أن بعض الخاصة من أصحاب سيدنا الوارثين لأسراره وأنواره حدّثه وهو معه بالمدينة المنورة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام أنه رأى النبيّ فقالَ له: أنت ابنُ الحبيب، وأخذتَ طريقة الحبيب، إلى غير ذلك مما يتأيَّد به ما ذكرناه.



(1) سلمان: هو سلمان الفارسي، الصحابي الجليل، وقد تقدمت ترجمتنا له، أما الحديث ففي أسد الغابة: 2/269، وفيه: «وهو الذي أشار على رسول الله r بحفر الخندق لما جاءت الأحزاب، فلما أمر رسول الله بحفره احتج المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلاً قوياً، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله: سلمان من أهل البيت».
(2) ابن الفارض: عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، شرف الدين، أشعر المتصوفين، يلقب بسلطان العاشقين. في شعره فلسفة تتصل بما يسمى «وحدة الوجود». وكان جميلاً نيلاً، حسن الهيئة والملبس، حسن الصحبة والعشرة، رقيق الطبع، سخياً جواداً، وكان يعشق مطلق الجمال، توفي سنة (632 هـ).
انظر وفيات الأعيان: 1/383، وميزان الاعتدال: 2/266، وشذرات الذهب: 5/149، ولسان الميزان: 4/317.
(3) هي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر السعدي البكري الهوازني، من أمهات النبي في الرضاع، قدمت مع زوجها بعد النبوة فأسلما، وجاءت إلى النبي يوم حنين وهو على الجعرانة، فقام إليها وبسط لها رداءه، فجلست عليه. ماتت بعد سنة (8 هـ).
انظر تاريخ أبي الفداء: 1/112، والاستيعاب، وأسد الغابة.
(4) رواه البخاري في (فضائل الصحابة: 12، 16)، ومسلم في (فضائل الصحابة: 93، 94)، وأبو داود (في النكاح: 12)، والترمذي في (المناقب: 60).
×

الفضيلة السادسة


وأما الفضيلة السادسة، وهي أنَّ لأهل هذه الطريقة لطفَيْن: اللطف العام واللطف الخاص بهم، فهي مما هو متواتر بين الأصحاب والأتباع، وقد حدَّثني بها بعض العلماء من أصحابه، قال لي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: سمعته يقول: اللطف لطفان: اللطف الممتزِجُ بالمشيئة الإلَهية، وهو الذي أشارتْ إليه الآية الكريمة: [إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ] (يُوسُف: الآية 100) وهو المشار إليه في قول صاحب الحكم: مَنْ ظنَّ انفِكَاك لطْفِه عن قدرِه فذلك لقصور نظره. ولطْفٌ خاصٌّ يختصُّ الله تعالى به أهلَ الخصوصية من عباده، وهو لازم بفضل الله تعالى لأصحابي، لا ينفك عنهم في سائر تقلباتهم، ولا ينفك اللطف العامّ عن المشيئة الربانية. وكان بعض الفضلاء من أصحاب سيدنا الملازمين له يقول لنا عند المذاكرة في هذه الفضيلة: قد شُوهِد جَرَيانُ الألطافِ الخاصة في أمورٍ، والذي من سبق في علم الله أنه سيكون من أهل هذه الطريقة بحيث تحسُّ بذلك أمُّه وهو في بطنها، وكذلك في إبان رضاعه وغيره من أطوار طفوليته، ولا بعد في هذا الذي ذكره هذا السيد رحمه الله، فإن المشايخ الكمل لا يزالون يربّون تلامذتهم في سائر أطوارهم قبل الأخذ عنهم بلا شك، كما هو مصرَّح به عن غير واحد منهم، أجمعين.
×

الفضيلة السابعة


    وأما الفضيلة السابعة وهي جوازُ أهل هذه الطريقة على الصراط أسرعَ من طرفة العين على كواهلِ الملائكة، فهي مما هو داخل في ضمانِ النبيّ للشيخ حسبما في « الجواهر » و«الجامع».
×

الفضيلة الثامنة


    وأما الفضيلة الثامنة وهي وُرودُهم الحوضَ إلخ، فهي كالتي قبلها أيضاً مضمونة لهم مذكورة في الكتابين معاً.
×

الفضيلة التاسعة


    وأما الفضيلة التاسعة وهي وقوفُهم تحت ظلِّ العرشِ في المحشر، فهي كذلك في الكتابين أيضاً ورأيتُ فيما وقفتُ عليه من كلام صاحب الرماح نفعنا الله ببركاته ما نصّه: وقال سيدنا إن أصحابي لا يحضرون الموقفَ ولا يرون صواعقَه ولا زلازله، بل يكونون مع الآمنين عند باب الجنة حتى يدخلوا مع المصطفى في الزمرة الأولى مع أصحابه، ويكون مستقرّهم في جوارِه اهـ بلفظه، فلهم مع وقوفهم تحت ظلِّ العرش زيادة هذه الكرامة أيضاً.
×

الفضيلة العاشرة


وأما الفضيلة العاشرة وهي غبطةُ أكابرِ الأقطاب لهم لما يرون من مكانتهم وما لهم من الفضل عند الله تعالى، فهي من المتواتر المشهور على ألسنة الأتباع روايةً عن ثقات أصحابه.
×

الفضيلة الحادية عشرةَ


    وأما الفضيلة الحادية عشرةَ وهي ذكر سبعين ألف ملك مع الذاكر من أهل هذه الطريقة مهما ذكر ذكراً كيفما كان على الإطلاق، فهي في « الجواهر»، وهي مما خصَّ به سيدنا عن سيد الأولياء ثم التحقَ به فيه أتباعُه من فضل الله تعالى حسبما هو مذكورٌ في « الجواهر» أثناء الكلام في فضل اسم الله العظيم الأعظم، فليراجِعْه هنالك من أراد ذلك.
×

الفضيلة الثانية عشرةَ


    وأما الفضيلة الثانية عشرةَ وهي مجالسة سيد البشر فهي في « الجواهر» أيضاً من جملة فضائل جوهرة الكمال، وذلك من الشائع الذائع بين الأصحاب وغيرهم، وهنا من الأسرار ما لا تستقلّ بحمله الأسفار(1)، ولا تتسع له العقول والأفكار، فلسان حال الشيخ ينشد في مثلها تعزيةً منه فيها لمن ليس من أهلها وإغراءً لأهلها بإدراكها ونيلها:
    وفي السِّرِّ أسْرارٌ دِقاقٌ لطيفةٌ     تُباحُ دِمانا جَهْرةً لوْ بها بُحْنا



(1) الأسفار: جمع السِّفْر، وهو الكتاب العظيم الضخم.
×

تحذير


و لما كانت هذه الفضائلُ كلُّها مشروطاً في نَيْلها عدم الأمن من مَكْر الله تعالى و الإصدار على المخالفة اتكالاً على ما سمع من فضلها أشار النَّاظم إلى ما ذكره الشيخ في التحذير من ذلك فقال:
(تحذير) أي هذا تحذيرٌ و تخويف و إنذارٌ لمن سمِعَ ما ذكرناه من الفضل، ثم رَكَن بسببه إلى أمنِ المكْرِ و أخْلَدَ على التمادي على العصيان و المخالفة بطريق الإصرار و الإنهماك و الإغترار.
ثم قال رحمه الله:
 
 و مَن رَأى ذَا الفَضلَ ثُم اتَّكلاْ  علَيْه فاعلاً لِما قَد حَظلاَ
 يَسبُّ غَوْثَ العالِمِ التِّجاني  شيخِ الشيوخِ العارفِ الرَّبانِي
 فعِنْد ذَاكَ لايَموتُ إلاَّ  إذا بحِليةِ الشَّقا تحلَّى
 انظُرْه في جَواهر المعاني  في فَيضِ قُطبِ العالِم التّجاني
 و مَن لِمكرِ الله ربّنا أمِنْ  فذاكَ بالخُسرانِ و الطَّردِ قَمِنْ
 و جاءَ ذَا الوعيدُ في القُرآنِ  أعاذَنا الله مِن الخُسرانِ
 فالأنبياءُ على عليّ رُتَبِهم  لَم يأمنوا بِذاكَ مَكرَ ربِّهمْ)

(رأى) بمعنى علم(1)، و (حظل) هنا: بمعنى منع في حكم الشرع، و (يسب) من سبَّه يسبُّه إذا شَتَمه و وقع فيه بلسانه، و (الشقا) ضد السعادة، و (قمن) حقيق، و باقي الألفاظ واضح.
يقول: إن من سمعَ بهذه الفضائل السنية الفخار، ثم اتَّكل على ذلك و انهمك في ارتكاب المخالفة و التمادي على الإصرار، فإن الله تعالى يلبس قلبَه، و العياذ بالله، بغضَ هذا الإمام الأعظم حتى يقع في جانبه بالسبِّ و الشتم، فعند ذلك يسجل عليه بالشقاء و الخذلان فيبوءُ بالهلاك و الخسران، و الإرتطام في مهواة الكفران، و العياذ بالله تعالى، و ذلك لأمْنهِ مكْرَ المولى الجبار ذي البطش الشديد، و قد جاء في القرآن العظيم ما جاء في ذلك من الوعيد(2) و الأنبياء عليهم السلام مع ما لهم عند الله تعالى من الجاه الخطير، لم يأمنوا مكْرَ ربِّهم القدير.
و عقد النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الأبيات ما في « جواهر المعاني» و غيره من قول سيدنا على وجه التحذير لأصحابه و الإرشاد لهم:
« أقول لكم: إن سيد الوجود ضمِنَ لنا أن من سبَّنا و دامَ على ذلك و لم يثبْ لا يموتُ إلا كافراً. و أقولُ للإخوان: إن من أخذَ وِرْدنا و سمِعَ ما فيه من دخول الجنة بلا ساب و لا عقاب، و أنه لا تضرُّه معصية فطرحَ نفسَه في معاصي الله و اتخذ ذلك حبالةً إلى الأمان من عقوبة الله في معاصيه ألبس الله قلبه بغضنا حتى يسبّنا، فإذا سبَّنا أماته الله كافراً، فاحذروا من معاصي الله و من عقوبته، و من قَضى الله عليه منكم بذنب – و العبد غير معصوم – فلا يقربنَّه إلا و هو باكي القلبِ خائفٌ من عقوبته، و السلام » اهـ.
و في معنى قوله « باكي القلب » إلخ قول القائل:
 
 الله يعْلَمُ ما إثمٌ هَمَمتُ بهِ  إلا و نقَّصَه خَوْفي مِنَ النَّارِ
 و أنَّ نَفْسي ما هَمَّتْ بمعْصِيةٍ  إلا و قَلْبي عليها عاتِبٌ زَاري(3)

و قول النَّاظم: (فالأنبياء على عليّ رتبهم البيت) أتى به تأكيداً لما قبله، فكأنه يقول: و إذا كان الأنبياءُ عليهم الصَّلاة و السَّلام على ما اختصُّوا به من كمال العصمة و علوِّ الرتب بين الأنام، لحِقَهم الخوفُ من الرب الكبير المتعال، و لم يأمنوا مكرَه، لكمال معرفتهم في حالٍ من الأحوال، فما بالك بمن عداهم؟.
و أشار بهذا إلى نحو ما حكاه الله تعالى في القرآن عن الكليم عليه السلام في قوله جل و علا: [فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ (67) ] (طٰه: الآية 67) و ذلك بعد أن قال له تبارك و تعالى في وقت الرسالة: [وَ نَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَٰـنًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِئَايَٰـتِنَا أَنْتُمَا وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا اُلْغَٰـلِبُونَ](القصَص: الآية 35) حيث لحِقَه الخوفُ مع كمال عصمته بعدما سمع في وقت الرسالة ما سمع، و ما ذلك إلا لعدم أمْنِه مكر الله تعالى في حال من الأحوال.
و مثل هذا ما وقَع لنبينا يومَ بدرٍ(4)، فإنه كان وعده ربُّه عز و جل النصر على قريش و الظفر بهم و أراه مَصارِعهم، و مع ذلك رآها تصوب من كثيب الرمل آتيةً لبدرٍ قال: « اللهمَّ هذه قريشٌ جاءَتْ بفَخْرِها و خُيَلائِها تُحادُّكَ(5) و تكذِّبُ رسولَكَ، اللهمَّ نَصْرَك الذي وعَدْتَني »(6) ثم لما سوى الصوفَ للقتالِ انعزلَ ناحيةً وحدَه في العريش(7) يستغيث بالله و أبو بكر قائمٌ على رأسِه يحرسُه و يقول: « دَعْ مناشدتكَ ربَّك، فإن الله منجزٌ لك ما وعَدَكَ به » و هو لا يقلع عن المناشدة و الإستغاثة، إلى غيرهذا مما أشارت إليه الآية القرآنية الكريمة في حق الأنبياء عليهم الصلاة و السلام مما يدلُّ على عظيم خوفهم من الله تعالى الذي لم يكن يزايلُهم في حال من الأحوال، و ذلك لأن خوفهم على قدْرِ معرفتهم.
و قد ورد في حق الصحابة مما يدلُّ على عدم أمنهم من مكر الله تعالى مع كمال فضيلتهم و ثبوتِ خصوصيتهم التي لم يسبقْهم فيها أحدٌ من العالمين ما عدا الأنبياء و المرسلين، و كذلك في حق كبار التابعين مع قوة إيمانهم و شدَّة متابعتهم و كثرة مجاهدتهم التي اختصُّوا بها عمَّن عداهم ممن بعدهم.
و بالجملة فقد قال العلماء: التحقيقُ هو أن الوعد لا يمنع الدهشة و خوف الصدمة، كما سيقع للأنبياء عليهم الصلاة و السلام يوم القيامة، و العشرة المبشَّرون(8) بالجنة كانوا يخافونَ سوءَ العاقبة لاحتمالات. و انظر « نسيم الرياض »، و لو تتبعنا ما وَرَد في ذلك لأفضى بنا إلى التطويل، و خرَجَ بنا عن المقصود. و انظر« صحيح » الإمام البخاري في باب « خوف المؤمن من أن يحبط علمه » إلخ من كتاب الإيمان مع ما ذكره شراحه في هذا المحل أيضاً ففيه كفاية، و الله ولي التوفيق.
و قد كان سيدنا كثيراً ما يحذّر أصحابه منه و يتلوّ في مرةٍ قوله تعالى: [فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ اُلْخَاسِرُونَ] (الأعرَاف: الآية 99) و خصوصاً إذا ذكر ما له و لأصحابه من الخصوصيات على وجْهِ التبشير لهم و التحدُّث بالنعم، فإنه ما ذكر شيئاً من ذلك إلا و قيده بقوله: « هذا إن سلمنا من مكْرِ الله تعالى »، هذا دأبه مدة حياته. و كان كثيراً ما يقول متبرِّئاً من كلِّ ما يوجب أماناً من مكر الله تعالى له و لأصحابه: « ما عندنا إلا فضل الله تعالى و شفاعة رسوله ».



(1) «رأى» بمعنيين: بصرية، هي تفيد المشاهدة بالعين، وقلبية تفيد معنى العلم بالشيء علماً ينتسب إلى البصيرة لا البصر.
(2) لعل المراد الآية ] أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اُللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ اُلْخَاسِرُونَ[ [الأعراف: 99]، والآية ]إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ[ [البروج: 12]:
(3) زاري؛ اسم فاعل من الفعل «زرى» بمعنى احتقر.
(4) بدر: ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء بينه وبين الجار ليلة، وبها كانت الوقعة المباركة المشهورة لتي أظهرالله بها الإسلام وفرق بين لحق والباطل في شهر رمضان سنة (2 هـ).
وانظر معجم البلدان:1/357.
(5) تحادّك: تعاديك.
(6) الحديث في السيرة النبوية لابن هشام: 2/224.
(7) العريش: مدينة كانت أول عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الروم في وسط الرمل. انظر معجم البلدان: 4/113.
(8) العشرة المبشرون بالجنة هم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح.
×