التعريف بالشيخ | الإشارة إلى بعض ما يتعلَّق بعقب الشيخ وذريّته

الإشارة إلى بعض ما يتعلَّق بعقب الشيخ وذريّته

ثم أشار النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ إلى بعض ما يتعلَّق بعقب الشيخ وذريّته الطَّاهرة وذكر شيءٍ من محاسنهم الزَّاهرة وكراماتهم الباهرة، فقال:    

(وتَركَ الشَّيخُ مِنَ الأولادِ

 

مِنْ بَعدِه لرَحمةِ العِبادِ

نَجْلَينِ مَنْهلين للوُرَّادِ

 

كِلاهُما كالكَوكبِ الوَقَّادِ

كِلاَهُما بَسَقَ كلِّ باسِقِ

 

وفاقَ بالتَّحقيقِ كلَّ فائِق

تَراهُما كفَرَسي رِهانِ

 

للسَّبقِ في المِضْمارِ يَجريانِ

كلاهُما ضمِنَ طه المعرفة

 

بربِّه لهُ فيا لهَا صفَه

وَلَهما ضمِنَ خَيْراً جَمّاً

 

ما خابَ مَنْ أتاهُما وأمَّا

وكلُّ مَن أدْركَ من ذرِّيَّتهْ

 

يَعطى مَقاماً سامِياً كبُغيتِهْ

عَلى يدِ الرَّسولِ سَيِّدِ العَربْ

 

جَذْباً بِلا شَرطٍ يُرى ولا سببْ

ما لمِفْتاحِ الكُنُوزِ خَرْدَلَهْ

 

في كُورة العالَم بالنِّسبةِ لَه

وَمِن ضَمانِ أحْمدَ المُختارِ

 

لهُمْ غِناهُمُ بِهدْي الدَّارِ

خادِمُهم تُسبِّحُ البِحارُ

 

لَهُ وَمَا فِيهَا كذا الأشجارُ

ويَدخلُ الجَنَّةَ مِن حَيْث انتقى

 

لأجلِ خدمة بني ذا المنتقى)

(ترك) عقب وخلَّف، و(نجلين) تثنية نجل. والمراد به هنا: الولد، و(المنهلين) تثنية مَنْهل: وهو موضعُ النَّهَلِ والرِّيِّ، و(الوراد) جمع واردٍ، و(الكوكب) النجم، و(بسق) طال و(فاق) وسما وجاوز، و(فرسا الرهان) معروفان: وهما الفرسان اللَّذان يتسابقان لاحتياز الرهان، وهو ما يتراضى عليه المتسابقان. و(المضمار) محلُّ إجراءِ الخيل، و(طه) من أسمائه ، و(المعرفة) المعرفة بالله تعالى التي ينظر صاحبها إلى الحق ببصرِ الإيمان فيغنيه عن إقامة الدليل والبرهان، و(الجذب) المراد به هنا: الاجتباء والاصطفاء.

قال سيدنا : الاجتباء هو جذْبُ الله تعالى للعبد إلى حضرة قُدْسه بحكم الفضل والجود والعناية بلا تقدُّم سببٍ من العبد. و(مفاتيح الكنوز) هم رؤوس الأفراد الخارجون عن حكم القطب، و(الغنى) بالقصر: ضد الفقر، ومعنى (انتقى) اختار، والمراد: من حيث شاء، و(المنتقى) المختار.

يقول: وخلَّف سيدنا بعد انتقاله إلى الدار الآخرة والمنازل القدسية الفاخرة ولدَيْن جليلين سيدين كريمين (أحدهما) العارف بالله تعالى سيدي محمد الملقَّب بالكبير، و(الثاني) صنوه سيدي محمد الملقب بالحبيب، ذو الفضل الشهير والجاه الخطير، خَلَفاه من بعده في الهداية والإرشاد والنفع العميم للبلاد، كلاهما بما جازاه وسنى المفاخر يضيء في سماء مجده وسودده كالكوكب الزاهر، قد سما في ارتقائه لمدارج المعالي كلّ متسامٍ للرتب العوالي فكانا في تسابقهما لمقامات العرفان كمثل فرسَيْ رهانٍ، كيف وقد ضمن لهما جدهما سيد الوجود كمالَ المعرفة بالملك المعبود، كما ضمِنَ لهما الخيرَ العظيم والمدد الجسيم، وكل من أدرك الاحتلام من ذرية هذا الإمام يمنحُ من رب الأنام أسمى مرتبةٍ وأسنى مقام، بالاستفاضة من الحضرة المصطفوية من طريق الاجتبائية والاصطفائية من غير علَّة ولا سبب في ذلك، بل بمحْضِ الوهْبِ من الرب المالك، ويفاض على كلِّ واحد منهم من حضرة رب العباد ما تكون فيوضات رؤوس الأفراد بالنسبة إليه كنسبة الخردلة (1) مما يفاض على سائر العوالم من الإمداد، ومما ضمنه لهم جدُّهم سيد الأرسال الغنى التامّ الذي لا يخشى معه الفقر بحال.

ومن كراماتهم ومزاياهم الغزار: أن من كان في خدمتهم يكتبُ له ثوابُ تسبيح البحار، وما فيها من الحيتان والدواب، وكذلك ثوابُ تسبيح الأشجار، ويوم القيامة يدخل الجنة من أي باب شاء « ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » [الجُمُعَة: الآية 4] وما ذكره النَّاظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الأبيات من أن سيدنا خلَّف نجلَيْه الكريمين رضي الله عنهما، وأنَّهما برزا في ميادين الكمالات تبريزاً ظاهراً، وحازا مما لوالدهما من البركات والأسرار حظّاً وافراً، وأن والدهما وعنهما أخبر أن النبي ضمن لهما المعرفة بالله، وضمن لهما خيراً كثيراً بعد أو أوصاه عليهما فكلُّه  مما بلغنا من رواية الثقات من فضلاء أصحاب سيدنا وحققناه سماعاً منهم كما حقَّقوه كذلك عنه .    

وأمَّا ما ذكره – أعني النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى – من فضائل ذريّته، فلم يبلغنا في ذلك شيء فيما نستحضره الآن، ولا شك أن النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى ما أتى به حتى كان خبره عنده من المروي عن الشيخ الثابت الصحيح، ففيه الكفاية التي لا تحتاج معها إلى تصحيح، وأعهد لمن وقفَ من الإخوان على شيء ثابت عن الشيخ في هذا أن يلحقَه في هذا التقييد بهذا المقام. هذا، وغايةُ ما ذكره النَّاظم لذرية الشيخ بأن الله تعالى ألحقَهُم به في بعض مراتب الفضل الثابت له، وإن لم يعملوا بعملهِ كرامةً له من الله تعالى، وهذا مما لا نزاع في جوازه. وقد ذكر المفسرون في قوله تعالى: ى: « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ » [الطُّور: الآية 21] الآية. أن ذرية المؤمنين، كباراً كانوا أو صغاراً، يلحقون بآبائهم في المراتب من غير أن ينقص من مراتب الآباء شيء، وفي هذا الحديث: «إنَّ الله يَرْفَعُ ذُرِّيَّة المُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ لتقرَّ بِهِمْ عَيْنُه» والله المستعان.
 


 

 

***


(1)  الخَرْدَلَة: واحدة الخرْدَل، وهو نبات عشبي حرِّيف من الفصيلة الصليبية ينبت في الحقول، وعلى حواشي الطرق، تستعمل بزوره في الطب. ويقال: ما عندي من كذا خردلة: شيء، ويضرب به المثل في الصغر.