شروط الورد وما يلحق بها

   

لما ذكر لوازمَ الداخل في الطريق المتعلق بهذا الورد المحمدي المنتظم في سلك هذا الفريق، وأتبعه بذِكْر وقتِ الورد وما يتعلَّق به، أتبعه بذكرِ شروط الصحَّة للورد وما يلحق بها فقال :

شُروطُ ذَا الوِرد طهـارةُ الحَـدَث
بماءٍ أو تيمُّم مَـع الخَبَـث
مَن جَسَد أو ثَـوبٍ أو مَـكـانِ
وسترُ عَـورةٍ عَـنِ الأعـيانِ
وعدمُ النُّطقٍ لِغيرِ عُدْرِ
وليكـنِ النُّـطـقُ لـهُ بالنـّدْرِ
ونِيةً لدَى شُروعِـك وتـِي
هِـيَ الَّتي تُدعــى شُـروطَ الصِّحَّـةِ

ألفاظ الأبيات كلّها ظاهرةٌ، وتقدَّم تفسيرُ بعضها، وأشار به إلى أن شروط الصحة للورد خمسة:


الأول: طهارة الحدثِ إما بالماء أو بالتيمُّم
الثاني: طهارة الخبثِ من الجسد والثوب والمكان
الثالث: سترُ العورة
الرابع: تركُ الكلامِ من ابتداء ذكْرِ الورد إلى انتهائه إلا لعُذرٍ،
الخامس: من شروط صحَّة الوردِ النية،

 

ثم لما ذكر شروط الصحَّةِ بيَّن الوجه الذي من أجله أفردَها عن اللوازم وخصَّها باسم الشرط بما يترتَّب عليها، فقال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

وتَارِكٌ لِبَعْضِ ذَا الَّذِي مَضـَى
عَلَيْـهِ فـِي الوقْـتِ وبَعـدَه القَـضـَا
أراد رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن من ترك بعض ما تقدَّم من الشروط يعني شروط الصحة الخمسة المتقدمة فعليه القضاء أبداً، وأحرى إذا تركَها كلها. وإنَّما لم تُقَسِ الأورادُ على الصلاة هنا لعظم خطر الصلاة، فإن الصلاة لتأكيد أمرِها وتحتُّمه في الشرع كانت تؤدَّى في الوقت بما أمكن، ولو مع العجز عن بعض شروطها. بخلاف الورْدِ، فإنه لسعة الأمر فيه كان يأتى به متى ما قدِرَ على استيفاء الشروط، إلا في حقِّ من كان فرضه التيمُّم، فإنه يتيمَّم له ويفعله ولا يؤخِّره عن وقْته، فافهم. ويحتملُ أن يكون أراد بالبيت الإشارة إلى ما يفعله من ترْكِ الشروط أو بعضها عمداً، فيكون من تتمة الكلام في البيت قبله، أعني في قوله: (وتي هي التي تدعى شروط الصحة ). وهذا الاحتمال أجودُ، والاحتمال السابق أفيدُ، والله تعالى أعلم. 

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى مشيراً إلى شروط الكمال:

 

وَمِنْ شُرُوطِهِ عَلى مَـنْ قَررا
عَلَيْهِ لا سِـواهُ أنْ يَسْتـحْضِرا
صُورةَ شَيخهِ ويَنوِي المرَدا
وأنّه بَينَ  يَدَيْـهِ قاعـدا

 

ألفاظ البيتين واضحة المعنى، وأشار بهما إلى ما في ''الجواهر'' من أن من شروط الورد لمن قدر عليه استحضار صورة القدوة، يعني سيدنا الشيخ ، وأنه جالسٌ بين يديه يستمدُّ منه اهـ. والمطلوبُ أن يكون ذلك دواماً من ابتداء ذكر الورد إلى انتهائه، فإن لم يقدر فليكنْ في ابتدائه عند إرادة الشروع، ثم يلاحظ ذلك مرةً مرة بقدْرِ قوة استعدادِه وضعفه. والاستحضارُ المذكور يكون لصورةِ ذاتِ الشيخ ، أعني لخلقته الظاهرة التي كان عليها إن كان ممن يعرفُها ولو بالنقل، وإلا فيستحضرُ صورةً كمالية مكسوَّةً بالهيبة والوقار، ويستعمل عند ذلك ما قدِرَ عليه من الأدب والإجلال والإكبار، وبالله التوفيق.

 

ولما كانت رتبةُ صاحب هذا الاستحضار قاصرةً بالنسبة لمن ترقَّى عليها إلى استحضار صورة سيد الوجود  أشار إلى ذلك فقال:

لكِـن مِـنَ الـذِي ذَكـَرتُ أنـفَــعُ
وَمِنْـهُ أكْمـلُ وَمِنْـه أرْفَـعُ
وأعظمُ استِحضار صورة النبي
أفْضلِ أبناءِ نِساءِ العَرب
نَاوياً اقتِباسَه الأنْـوارا
وأنهُ بينَ يَدَيهِ صارا
عَلَيْكَ بالهيبـةِ والْوقـارِ
إذْ ذاكَ والتَّعـظيـم والإكـبـار

 

قوله: (أنفع) أي أعظم منفعةً في الاستمداد، إذ هو لمن أكرمه الله تعالى بالتوجُّه إليه والاستفاضة من حقيقة مادة الإمداد الذي يستمدُّ منه الكل ، وإليه يرجع الكلُّ.

وقوله: (أكمل) وما عطف عليه، يريد أن درجة صاحب هذا الاستحضار أكملُ وأرفع وأعظم من صاحب الاستحضار السابق.

وقوله في وصفه : (أفضل أبناء نساء العرب) يعني وغيرهن من باب أولى، لأن العرب أفضل بني آدم كما في حديث: «إن الله خَلَقَ الخلْقَ فاختارَ منهُمْ بني آدَمَ، واختارَ مِنْ بني آدمَ العَرَب» الحديث، وباقي ألفاظ الأبيات وتركيبها ظاهرٌ.

وأشار بما تضمَّنته الأبيات إلى ما في ''الجواهر'' من أن الأفضل والأكمل في حق ذاكرِ الورد استحضار صورة النبي وأنه بين يديه يستمدُّ من أسراره، ويقتبسُ من أنواره ويستعملُ في ذلك ما يقدرُ عليه من التعظيم التام، وما ينبغي من التأدب في الظاهر والباطن بين يدي سيد الأنام . ومن هذا الشرط استخرجَ صاحب ''الميزاب'' الطريقة الأولى من الطرق الثلاثة التي جعل عليها مدار التربية في كتابه المذكور.

 

ثم قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

ومَعَ ذا اسْتِحْضارُ مَعْنَـى الذكـْر
فـي القَلْـب مَـن كـانَ لـذاكَ يَــدْرِي
وَمَن يَكنْ لـَمْ يَـرِده فليَستمِـعْ
لفْـظَ لِسانِه لِكَيْلا يَنتفِـعْ
ومَـنْ يَكُـنْ يرتِّـلُ الأورادا
يَنـلْ بِما ذَكرْتُـه المُـرادَا
ولتحذرنَّ اللحـنَ فـي الأوْرادِ
لِكَـي تنـالَ غاية المُرادِ

 

(استحضار)، (من كان لذاك يدري) هو فاعله، (الكيلا ينتفع)، وباقي ألفاظ الأبيات وتركيبها ظاهرة.

وأشار بهذا إلى ما في ''الجواهر'' وغيره من أنه يشترط في حقِّ ذاكر الورد استحضار ما قدر عليه من معاني الذكر إن كانت له قدرةٌ على فهم معانيه وإلا فليسمِعْ نفسَه ألفاظ الذكر وينتصت بغايةِ جهدِه لما يتلفَّظ به، ليحصلَ له النفع بذلك. ومن تمام هذا الشرط ترتيلُ الذكر، وعدم الهزِّ فيه، وكذلك تجنُّب اللحن بغاية جهده، ليحصلَ من فائدة الذكر على غاية بغيه ومنتهى قصده.

فإن قيل: من لم يقدِرْ على الجمع بين استحضار صورة القدوة مثلاً والاستحضار لمعاني الذكر هل يشتغلُ بالاستحضار الأول ويلغي الآخر، أو العكس؟ قلنا : ليستحضر عند الشروع أنه جالسٌ بين يدي القدوة يستمدُّ منه، ثم بعد الشروع يستعملُ ما يقدِرُ عليه من استحضار معاني الذكر دواماً إن كانت له قدرةٌ على فهم المعاني وإلا استعملَ ما يقدر عليه من الإنصاتِ لألفاظِ الذكرِ مع الملاحظة لاستحضار القدوة مرةً مرة إن قدرَ وإلا فيكفيه الاستحضارُ عند الشروع. وبالمداومة على هذا، وسريان أنوار ألفاظ الذكر ومعانيه في ذاته، يصير يقوى على الملاحظة لاستحضار صورة القدوة مرةً مرة، ثم على الجمع بين الاستحضارين معاً، ثم يترقَّى من استحضار صورة القدوة إلى استحضار صورة النبيّ ، ثم إلى ما هو أعلى من ذلك من دوامِ مشاهدة الصورة الشريفة يعني  قلبه، ثم إلى ما هو أقوى من ذلك.

 ورأيت للشيخ محي الدين رضي الله عنه ما يؤخذ منه أن الذاكرَ لا يكلَّف بين الجمع بين الاستحضارين، وذلك أنه قال   في الباب التاسع والستين من ''الفتوحات'' على قوله تعالى : ]اُلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ[ (المَاعون: الآية 5) ما نصّه: «اعلمْ أن الحقَّ تعالى لم يعلِّق الوعيدَ إلا بمن سَهاَ عنها لا فيها، وذلك أن العبد في صلاته بين مُناجٍ ومشاهِدٍ، فقد يسهو عن مناجاته باستغراقه في مشاهدته، وقد يسهو عن مشاهدته باستغراقه فيما يناجيه به ربّه من أحكام وقصص وحكايات  ووعد ووعيد حال الخاطر في الكلام لدلالة الكلام  عليها، وهو مأمورٌ بالتدبُّر في التلاوة» اهـ. و قد عرفت أنه يؤخذ منه ما ذكرناه، و ليس فيه مصادمةٌ لما أشرنا إليه من الترقي إلى درجة الجمع بين الاستحضارين لأنه عام، و ما أشرنا إليه خاصٌّ بدرجة الخاصة من أهل الصفاء، فاعلم ذلك.

(تنبيه) يؤخذ من جعل الشيخ   الانتصات لألفاظ الذكر شرطان: المطلوب في الذكر إسماعُ المرءِ نفسَه لا حركة اللسان فقط، وعليه النووي في الأذكار حسبما نقله عنه غيرُ واحد، وبالله التوفيق.

 

ثم لما كانت الوظيفة المعروفة في طريقنا تشتركُ مع الوردِ في الشروط المتقدمة كلها ويختص الوردُ عنها بغيرها أشار إلى المشاركة المذكورة فقال:

وَهذِهِ الشُّـروطُ للوظيفة
وهْـيَ الَّتي في وِرْدِنـا مَعـروفهْ

(الوظيفة) ما يقدَّر من عملٍ وغيره، وظَّفت عليه العمل توظيفاً: قدَّرته، (وهي في وردنا) أي طريقتنا معروفة، وسيأتي قريباً ذكرُ أركانها القائمة منها وما يتعلَّق بها.

و مرادُ الناظم هنا الإخبار بأن الشروط المتقدمة للورد هي شروطٌ أيضاً للوظيفة ثم يختصُّ كلُّ واحدٍ منهما من الشروط بما لا يشاركه فيه الآخر. فمما اختصَّ به الوردُ عنها ما أشار إليه بقوله:

واسْتَقبلِ القِبلـةَ إلاَّ لَضـرر
مِثلُ مُسافِرٍ علَى ظَهر السَّفـرْ
وتَرْكُكَ الجَهْرَ عَلَيْهِ عَمَـلُ
أصحابِ شيخِنا وذاكَ الأمْثلُ
كَذا جُلوسُـك إذَا استَطغتا
تفعَلُه وعَنْه ما شُغِلتـا
قُلتُ وعِندي حسنٌ مَـن يَاتيْ
بِهِ كمِثلِ هَيئةِ الصَّلاةِ

 

(إلا لضرر)، (مثل مسافر)، (على ظهر السفر)، وباقي الألفاظ والتراكيب في الأبيات واضح بين.

وأشار رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الأبيات إلى شروط الكمال وهي ثلاثة:

 


الشرط الأول: استقبالُ القبلة
الشرط الثاني: من شروط الكمال الإسرارُ
الشرط الثالث: من شروطِ الكمال الجلوسُ.

ثم قال الناظم رحمه الله:

واقْرا قُبَيْلَ الذكْرِ ما رَوَيْتَـه
عَن شَيْخِنا وذَاك قَدْ صحَّحتُه

أراد بهذا الذي رواه عن الشيخ   من طريق الصِّحة مقاصد الورد المعروفة عند أهل الطريق، وهي أن يقرأ على قلبه، قبل الشروع في كلِّ ذكر من الأذكار التي هي أركانُ الورد التي بني منها، آيةً من القرآن العظيم متضمِّنةً للأمر بذلك الذكر، ليستشعر هيبة الأمر بمعرفته بمَنْ صَدَر منه وذكره له، على ما سيتبيَّن لك كيفيةُ العملِ به في شرح هذا البيت إن شاء الله تعالى.

فتعبير الناظم بقوله: (واقرا) رمزٌ منه إلى المقاصد لأنها قراءةُ آياتٍ قرآنية متضمِّنة للأمر بالمقصود،

(وقبيل الذكر) صُغِّر «قبل» إشارةً إلى أن كل مقصدٍ يقرأ متَّصلاً بالذكر المقصودِ من غير فاصلٍ بينهما،

و(الذكر) «أل» فيه للعهد: أي ذكرُ الوردِ المتكلم فيه،

وبيان «ما» من قوله: (ما رويته) هو ما ذكرناه من مقاصد الورد.

 ولا خفاء أن عبارته  في هذا البيت غير موفية بقصدِه إلا من طريق الرمز والتلميح، بحيث لا يعثر على مرادِه في كلامه إلا من كان عارفاً بمنحى مرامِه، ولو قال:

وافْتَتِحِ الدِّكْرَ بما قَدْ عُهِدا
مِنَ المقاصِدِ تَكُنْ مُسَدِّدا

لوفى بالمراد، ولا يضرُّه عدمُ التصريح بالرواية عن الشيخ ، إذ مِن المعلوم أنه لا يذكرُ في هذا النظم وخصوصاً فيما يتعلَّق بالشروط ونحوها إلا ما ثبتتْ به الرواية عنه .

وقد عرفتَ مما تقدَّم ما هو عليه الأمرُ عندنا في هذه المقاصد وما أجابَ به الشيخ من سأله عن ذلك من قوله له: «قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، واشرَعْ في وردك».

 

فالعملُ عليه من الآداب الكماليات حسبما يقتضيه كلامُ الناظم أيضاً، حيث ساقه سياقَ الملحقِ بالشرط الكمالية، ومن كان له مرشدٌ من شيخ أو أخٍ من شيخه قد أسلم قيادَه إليه، فهو بحكم ما يأمرُه به مرشدُهم ورداً لهم على طريق الوصول إلى حضرة معرفة الله تعالى.

كيفيةُ العمل على المقاصد في وردنا.

 

***



شرط الصحة الأول

 
 

طهارة الحدثِ إما بالماء أو بالتيمُّم بموجبه على الحد الشرعي في ذلك.
  ×

شرط الصحة الثاني

 

طهارة الخبثِ من الجسد والثوب والمكان على الحدِّ المشروع في ذلك للصلاة.

  ×

شرط الصحة الثالث


سترُ العورة على الحدِّ المحدود فيه في الصلاة شرعاً أيضاً في حق الرجل والمرأة.
×

شرط الصحة الرابع


تركُ الكلامِ من ابتداء ذكْرِ الورد إلى انتهائه إلا لعُذرٍ، فلا يضرُّه الكلام القليل كالكلمة والكلمتين، هكذا ذكر الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وهو الذي عند صاحب ''الجيش الكبير''، وهو الذي كان عليه كافة من أدركناه من أصحاب سيدنا الشيخ ، فيترك الكلام إلا لعذر، فيشيرُ برأسه أو يدِه ونحو ذلك فقط. وينبغي أن يكون العملُ عليه إلا حيث لم تفد الإشارةُ فيعمل على الآخر، فيأتي بالقليل كالكلمة والكلمتين ويستثنى من هذا ما إذا خاطبه والدُه أو والدتُه فإنه يجيبهما من غير توقُّف، لما في السكوت عنهما من العقوق وقد علم ما فيه، و البرور(1)من لوازم الطريق. وقد كان سيدنا   يقول: من لم يبرَّ والديه لا يتيسَّر له سلوكُ هذه الطريق. و قد رأيتُ المعتبرين من المقدمين إذا أتاهم أحدٌ يطلبُ منهم تلقينَ الوردِ يسألونَه هل لك والدٌ و والدة؟ فيشترطون عليه البرور بهما إذا كانا أو أحدهما، وكانوا إذا اشترطوا ترْكَ الكلام في ذكر الورد يستثنون منه الوالدين، وكذا الزوجة إذا خاطبها زوجُها أو ناداها، فقد كانوا يستثنونه من هذا الشرط أيضاً، ولا يبطلون الوردَ بإجابة الوالدين، وكذا الزوج.




(1) البرور، هنا: اسم من البِرِّ، وهو التوسُّع في الإحسان.
×

شرط الصحة الخامس


من شروط صحَّة الوردِ النية، وهي القصدُ إلى ذكر ما التزمَه من الورد فيقصد وردَ الصباح أو ورد المساء، ولا يكفيه القصد إلى مطلق الذكر ؛ ولا بد مع قصْدِه للورد من قصده مع الفعل كونه مطلوباً للرب، وبه تحصل عبودية القلب، وقد قيل: النية عبودية القلبِ، والعملُ عبوديةُ الجوارحِ، وقد علم كما في الإرشاد وغيره أن الطاعات في أصلِ صحَّتها وتضاعفها مرتبطةٌ بالنيات، وبها ترتفع إلى خالقِ البريات، قال السبكي في طبقاته: وإنما يصيرُ الفعل عبادةً بالنية، قال: والنية فيها أمران: أحدُهما قصدُ الناوي. بلا شك، وهو مع الفعل كالروح مع البدن اهـ المراد منه.

فتحصل أن في النية أمران: أحدُهما القصدُ إلى الفعل وهو قائم بذات الناوي. وثانيهما أي الزمرين كونُ الفعل واقعاً على وجه الامتثال، وهذا الثاني ناشىءٌ من الأول ولا بد منه اتفاقاً، والخلافُ معلومٌ في جعل النية شرطاً أو ركناً، فمن اعتبر الأمرَ الأول قال هي شرط، ومن اعتبر الثاني قال هي ركنٌ، فافهم والله تعالى أعلم.

 

  
×

شرط الكمال الأول
 
 

استقبالُ القبلة بجميع بدنهِ كالصلاة من حين الشروع في الذكْرِ إلى أن يختم، ويستثنى من هذا المسافرُ إذا كان راكباً على دابته، فإنه يذكره حيثما توجَّهت به دابته كالحكم في النفل، فتشترطُ طهارةُ السرجِ والبرذع(1) مثلاً، وإن كان ذلك لا يشترطُ في الفرض لأنه جبري والنفل اختياري، وتشترطُ الدابة أيضاً حسبما مرَّ، بخلاف السفينة، فيدور معها إلى القبلة لكن إن أمكنَ ذلك، وإلا فهي كالدابة أيضاً، وانظرْ هل يشترط كون السفر سفر قصر قياساً على النفل أو لا. والظاهرُ أنه لا يشترطُ ذلك، إذ لو اشترطَ لنقل، ولم ينقلْ لنا فيه شيءٌ، والله تعالى أعلم.

ثم إن في تعبير الناظم بقوله: (إلا لضرر) تجوّزٌ، إلا أنه يتبادرُ منه أن المراد هنا من أقسام القبلة المعروفة عند الفقهاء قبلة الضرورة، وهي قبلةُ من مُنِع من الاستقبال لشدَّة الخوف وليس هذا هو المراد هنا، بل المرادُ هو أن استقبال القبلة في الورد شرطُ كمال ويترخَّص في تركه إذا كان لا يحصلُ إلا بتكلُّف ما ومشقة ما، ولو في النفس  ؛ فالصوابُ أن المراد هنا القسم المسمَّى عند الفقهاء قبلة الترخيص،  وحينئذٍ يكون دخولُ من منع من الاستقبال لشدة خوفٍ أخروياً، فافهم. هذا، والذي أدركنا عليه عمل الصادقين، وأهل الجد والاجتهاد من المريدين المحقين، هو تأكيدُ أمر الاستقبال حتى كأنه شرطُ صحَّةٍ عندهم، ولا يخفى أن نعملهم في ذلك هو الألْيَقُ والأنسب، بل هو المطلوبُ في بساط التربية والسلوك. وقد قال بعضُهم: ما فتح الله على وليِّ إلا وهو مستقبلُ القبلة. وذكر أن رجلاً علّم ولدين القرآنَ على السواء فكان أحدُهما يقرأ وهو مستقبلُ القبلةِ فحفِظَ القرآنَ قبل صاحبه بسنةٍ. وفي الخبر: «لكلِّ شيءٍ زينةُ، و إن زينة المجالِسِ استِقْبالُ القِبْلَةِ» وفيه: «إنَّ لكلِّ شيءٍ شَرَفاً وإن شرفَ المجالسِ ما استُقْبِلَ به القبلة» وفيه: «إن لكلِّ شيءٍ سيِّداً، وإن سيدَ المجالسِ قبالةُ القبلة». واعلم أن ما تقدَّم من الترغيب في استقبال القبلة هو في حقِّ من كان في غير مسجد النبيّ ، فقد نصَّ العلماءُ على أن استقبالَ القبر الشريف في الذكر والدعاء لمن كان في مسجده أفضل له من استقبال القبلة، ونذكرُ ما تقدَّم لنا في قول إما الأئمة مالك للخليفة العباسي: وأين تصرِفُ  وجهَكَ عنه؟ وهو قبلتُكَ وقبلةُ أبيكَ آدم ، وعلى جميع  الأنبياء والمرسلين، وعلى آل كلّ.

 



(1)البرذعة : ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه، كالسرج للفرس.
×

شرط الكمال الثاني


 
من شروط الكمال الإسرارُ في ذلك الورد من أوّله إلى آخره، لما كان ، وإنما قال الناظم: (وذاك الأمثلُ) لأنّ من آكَدِ آدابِ المريد عند عليه عملُ أصحاب الشيخ أهل الطريق أن يكتمَ المريدُ وِرْدَه، فلا يخبرُ بحقيقتِه  من لم يكنْ أخاً له في طريقه، ويرونَ ذلك من كتمان السرِّ الذي هو مركزٌ لحصول النتيجة. وقد رأيتُ السلَفَ من الأصحاب يتواصَوْن بذلك فيما بينهم ؛ وبالجملة فهو من أهمِّ الأمور في الطريق، فافهم ذلك، والله يتولّى هُدانا جميعاً بمنِّه آمين.

  
×

شرط الكمال الثالث


 
من شروطِ الكمال الجلوسُ، فلا يذكرْه مضطجعاً مثلاً، إلا إذا لم يستطِع الجلوس، ولا قائماً إلا إذا شُغِل عن الجلوس، كأن يكونَ مسافراً جاداً في السير راجلاً، فيذكره حيثما توجَّه بشرط أن لا يطأ نجاسةً، وأن لا يلابسَ نجِساً مع الإمكان،  هكذا ذكر الناظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وهو من آداب المريدين السالكين، لكن المحفوظ عندنا من عمل أصحاب الشيخ يدلُّ على أن الأمرَ في ذكره مضطجعاً أو قائماً أخفُّ مطلقاً، وخصوصاً للاستراحة في الاضطجاع من النوم ونحوه في القيام، ولا شك أن ما استحسَنه الناظمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى من الإتيان به في مثل جلسة الصلاة أمرٌ حسنٌ، ولا سيما في بساط التربية والسلوك الخاصّ، ولا مفهوم لجلسة الصلاة، بل كذلك التربُّع والإقعاء بمعنى الجلوس على العقبَيْن حسبما نصُّوا عليه في كلامهم في بيان كيفية الجلوس في الخلوة، أعني الأربعينية ونحوها، وقوله: (عندي) يعني بما استفادَه من العلم لا بمجرَّدِ التخمين والحدْس من غير استناد إلى أقوال علماء الطريق وسيرهم، فاعرفْ ذلك، والله المستعان.

  
×

استحضار
 

هنا مصدر مضاف لمفعوله وهو معنى الذكر

  
×

من كان لذاك يدري
 

و«من» في قوله: (من كان لذاك يدري) هو فاعله

 

  
×

الكيلا ينتفع
 

و«لا» من قوله: (الكيلا ينتفع) زائدة: أي لكي ينتفع

 

 

  
×

إلا لضرر
 

قوله: (إلا لضرر) أي ضرورة، يعني: مشقة

 

×

مثل مسافر
 

وقوله: (مثل مسافر) هو على حذف مضاف أي مثل مشقَّة مسافر

 

 

×

على ظهر السفر
 

وقوله: (على ظهر السفر) أي راكب على دابة في السفر

 

 

 

×

كيفيةُ العمل على المقاصد 

في وردنا أن:

  • يتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يتلو قوله تعالى: [وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اُللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاُسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ ۖ إِنَّ اُللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم ] (المُزمَل: الآية 20). وليستعملْ حالَ قراءتها ما يقدرُ عليه من الحضور والتدبر، ليستشعر قلَبه عظمة المولى الآمر وحقارة العبد المأمور، حيث تفضَّل سيده عليه فجَعَله محلَّ لحظاته وأمره بما فيه طهارةُ قلبه من أدران مخالفته لسيده ومولاه. ولا يخفى ما ينتجه هذا الاستشعار من الحياء  من المولى الملك المقتدرِ الحليم الغفار.
  • ثم بعد الفراغ من تلاوةِ الآية على ما يمكنُ من الصفة المذكورة يقول: «لبيك اللهمَّ ربِّي وسعدَيْك، والخَيرُ كلُّه في يديك وها أنا ذا عبدُك الضعيفُ الذَّليلُ الحقيرُ قائمٌ لك بين يديك، أقول مستعيناً بحَوْلك وقوّتك امتثالاً لأمرك وتعظيماً وإجلالاً لك، أستغفرُ الله...إلخ»،
  • ثم بعد الختم للاستغفارعلى ما سنبيّنه قريباً يتعوذ كما مرّ ويتلو قوله تعالى: [ إِنَّ اُللَّهَ وَمَلَٰئِكَتَه[ (الأحزَاب: الآية 56) الآية على نحو ما سبق، ثم يقول: «لبيك اللهم ربي وسعديك» إلى قوله: «وها أنا ذا عبدك الضعيف الذليل الحقير قائم لك بين يديك، أقول مستعيناً بحولك وقوتك امتثالاً لأمرك وتعظيماً وإجلالاً لك ولرسولك : اللهمَّ صلِّ على سيدنا محمد إلخ»،
  • وبعد الختم تتعوَّذ ثالث مرة، وتتلو قوله تعالى: [فَاُذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [(البَقَرَة: الآية 152) الآية، ثم يقول مثل ما سبق إلى قوله: «...وها أنا ذا عبدك الضعيف الذليل الحقير قائمٌ لك بين يديك، أقول مستعيناً بحولك وقوتك مخلصاً لك من قلبي بما ألهمتني إليه بسابق فضلك ومنتك ذاكراً لك، امتثالاً لأمرك، تعظيماً وإجلالاً لك: لا إلَه إلاّ الله... إلى أن يختم.
فهذه مقاصد الورد، وربما وَقَع بين الأصحاب مخالفة في الآي المتلوَّة وبعض الألفاظ المقررة، والكلُّ صحيحٌ والخطب فيه سهلٌ، والمدارُ على ما تقدم من استشعارِ الهيبة والحضور في الذكر، والله الموفق.

 

 

 

×