التعريف بالشيخ | ذكر ثمانية رجالٍ من أصحاب سيدنا الشيخ

ذكر ثمانية رجالٍ من أصحاب سيدنا الشيخ
كلّهم من أهل الولاية الكبرى، والخصوصية العظمى


ولما كان من جملة الكرامات الحسية الدالَّة على ما للمشايخ من كمال الخصوصية ظهور صورة الفتح على أيديهم في اتباعهم أشارَ النَّاظم إلى ذلك، فذكر بعض من ظهر عليه ممن كان من أصحاب الشيخ يعرف بالولاية ويشار بذلك إليه فقال:

(وكمْ مُريدٍ نال مُنيتِهْ

 

مِنَ الوِلايةِ لأجل صُحبتِهْ

كِحُبِّ طهَ المُصطفى ابنِ العَربي

 

مَنْ نالَ مِنَ مَوْلاهُ أعلى الرُّتبِ

وكَخَديمهِ الرضيِّ عَلي

 

حرازمَ ذِي المَنصبِ العَليّ

وكالفَقيه العالِم ابْنِ المُشرِي

 

صَاحب شيْخِنا رَفيعِ الزَّكرِ

والتّونسي سيِّدِي مَحمودِ

 

صَفِيّ شَيْخِنا كَثِيرِ الجُودِ

والعَلَوي الوَارثِ الرَّباني

 

سيِّدنا الحافِظِ ذِي العِرفانِ

وكالشَّريفِ ذِي المزايا الغالي

 

والسَّيدِ المُفضَّلِ المِفْضالِ

وغَوثِ نَصْرِنا التماسِنيِّ

 

قُطبِ الوَرى سيِّدنا عَليّ

والغَيرِ مِمَّن أدركَ الوِلايَهْ

 

مِنْ صَحبه وَفازَ بالعِنايَهْ)

معاني مفردات الأبيات التسعة واضحةٌ، وسبكُها أيضاً ظاهر.

وذكر فيها رَحِمَهُ اللهُ تعالى ثمانية رجالٍ من أصحاب سيدنا الشيخ كلّهم من أهل الولاية الكبرى، والخصوصية العظمى.

فأما (ابن العربي) بفتح الراء، فالمرادُ به العارف بالله تعالى خزانةُ الأسرار ومظهر الأنوار، الواسطة المعظم أبو عبد الله سيدي محمد بن العربي الدمراوي التازي ، وقد تقدَّم لنا عند قول النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى، «كذاكَ سافرَ إلى ابن العربي» إلخ البيتين، أن الشيخ كان له مزيد اعتناء به، وأنه كان يزورُه في حياته وبعد مماته، لأن النبي أوصاه به، وتوفي بشهيرات قبلَ أن يرتحلَ سيدنا إلى فاس، وذلك سنة أربع ومائتين وألف، وقبرُه بعين ماض مشهورٌ يقْصَدُ للزيارة والتبرك، وله مناقب عديدة، ويكفي أن النبي صرَّح له بأنه يحبُّه. ولذلك وصَفَه النَّاظم بذلك في قوله: (كحب طٰه المصطفى )، وأنه كان يتوسَّط بين النبي وبين الشيخ ، وذلك بإذْنٍ منه للشيخ .

وأما سيدي (علي حرازم)، فالمرادُ به خليفة الشيخ في حياته، حسبما صرَّح بذلك عن إذْنِ الحضرة المحمدية صلوات الله وسلامه عليه. وهو العارفُ بالله تعالى

 

أبو الحسن سيدي علي حرازم بن العربي برادة القاسي (1) ، وقد تقدَّم لقيه بالشيخ بوجدة وما خاطبه أولَ ملاقاتِه معه، مما يدلُّ على كمال خصوصيته وعناية الله به، وهو مؤلف «جواهر المعاني» مع كونه لا يدَ له في العلوم الرسمية.

وله مناقب كثيرة: منها: أن الشيخ أخبرَ بأن النبي يحبه محبةً خاصَّةً تفوق محبة الأولاد. ومنها: أنه قال فيه كلّ ما قاله فأنا قلتُه. ومنها: وهي من أعظمها أن الشيخ قال: لا يصلُ إلى أحد مني بشيء إلا على سيدي الحاج حرازم. ورأيت بعض أهل البصائر بل كافة الأصحاب المعتبرين في أذواق أسرار الطريق يعتقدون أن ذلك في حياته وبعد مماته، وكان بعضُ أهل الفتح من أصحاب الشيخ ربما أشارَ إلى نفسه بهذه الخصوصية، ويذكر ما يفهمُ منه أنه أقيم مقام سيدي الحاج علي في ذلك بعد مماته، ويمكن التوفيق بأن المدد الجاري من حضرة الشيخ عموماً وخصوصاً لا يتلقى إلا بواسطة سيدي علي حرازم غيباً، وأن السيد المذكور نابَ مَنَابَهُ في عالم الشهادة والحسِّ بعد وفاته، وعليه فلا مانع من أن يخلف هذا السيد غيره أيضاً، فافهمْ والله أعلم ، وبهذا يحصل الاعتقاد الكاملُ فيهما معاً، ويتضح بملاحظة وساطة الأول غيباً والثاني أو غيره ممن عسى أن يقام ذلك المقام مشهداً، وفضل الله واسع والله أعلم. والأخبار المتعلٍّقة بهذا السيد الجليل لا يمكن استيفاؤها هنا.

وممَّا حدَّثني به بعضُ العلماء الأفاضل أن امرأةً من أرباب الصوف كانت بمكناسة الزيتون(2)، وكانت ولايتُها وتصرُّفها بين الخاصِّ والعام مما لا يرتاب فيه، فاتفق أن قدم سيدي علي حرازم مكناسة، فسأل عنها وعن المحلِّ الذي تكون فيه، فرافقه بعض الخاصة إلى محلها، فلما قربوا منها قامت من محلها وجعلتْ تستغيثُ بالشرع منه، وتسميه بولد لآل فلانة يعني سيدتي فلانة، وكان الحاضرون معه لا يعرفون اسمَ أمِّه فسألوه أهي التي تعني؟ فقال: نعم، ثم انصرفَ عنها وخلَّى سبيلَها، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا ببركاته آمين.

وأما الفقيه العالم سيدي (محمد بن المشري) فهو صاحب سيدنا وخازن أسراره، وقد تقدَّم بعض التعريف به، وشهرتُه كافية، وهو الذي ألَّف «نصرة الشرفاء في الردّ على أهل الجفاء» وغيره حسبما تقدَّمت الإشارة إليه، وكان قوي الحالِ في المحبة، ومما يؤثر عنه في ذلك أنه مرَّ وهو راكبٌ على فرس أنثى بضريحِ بعض أهل التصرُّف بالصحراء وهو من أجداده رحمه الله تعالى فساخَتْ بعض قوائم فرسه  (3)، فالتفتَ إلى ذلك الضريح وقال له : والله حتى تسرح فرسي أو أشكوكَ إلى الشيخ يتصرَّف فيك، فسرحت الفرسُ كأن لم يكن بها شيء، وهذا من غريب أوصاف المحبة. توفي بالصحراء سنة أربع وعشرين ومائتين وألف.

وأما العارف بالله تعالى سيدي (محمود التونسي) فهو من خاصة أصحاب سيدنا ، ومن المشهورين بالولاية والفتح الأكبر. وسمعتُ بعضَ الخاصة من أصحاب سيدنا يقول : إنه أحدُ من وَرِث بعض أسرار الشيخ ، وأنه نزل به عندَ وفاة الشيخ حالٌ عظيم أثَّر في ذاته حرارةً خارقة للعادة، كانوا يرون أن ذلك من أثرِ ما تحملُه من الأسرار، وبقي على تلك الحالة إلى أن ألحق بالشيخ بنحو شهر وثمانية عشر يوماً. وكان ممَّن شهد له الشيخ بالأمانة، وذلك لقضية قال فيها : كلُّ من تصرَّف لي في شيء من المال ظهرتْ عليه خيانة أو ريبة إلا سيدي محمود، وكان ذلك من الشيخ في معرض تحذير المريد من خيانة شيخه، ومعلومٌ أنه من أعظم ذنوب المريدين مع أشياخهم عند أهل الطريق.

وحدَّثني الثقةُ أن سيدي محموداً وهو بفاس في جميع ماله الذي بالصحراء فكان يأتيه في كلِّ مرة بمالٍ له بال مما يجمعه من أثمان صوفِ وسمنٍ وأكباش وثمر وغير ذلك، وهذا القدرُ من المال تستغرب السلامة من الوقوع في شيء منه في هذا الزمان ومع ذلك شهد له الشيخ بما شهد من الأمانة، ومناقبه كثيرة.

وكانت وفاته حسبما رأيته بخطِّ الفقيه العالم سيدي التهامي بن محمد السقاط الفاسي نصف ليلة الثلاثاء الخامس من ذي الحجة متمِّم سنة  ثلاثين ومائتين وألف اهـ، وهو موافق لما قدمت أني كنتُ أسمعُه من الخاص المتقدِّم الذكر من أنه لم يعشْ بعد سيدنا إلا نحوَ شهر وثمانية عشر يوماً، ودفن بمقبرة باب الفتوح، أحدِ أبواب فاس، وهي معروفة، وقبرُه معروفٌ  يتبرَّكُ به، ودفن بإزائه ضجيعاً له الشريفُ الأجل البركة المبجَّل مقدم سيدنا الشيخ سيدي عبد الواحد أبو غالب بإيصاءٍ منه على ذلك، ويذكر الأصحابُ أنهما كانا تواعدا ذلك وتعاهدا عليه، ودُفن إليهما السيد الجليل الناسك ولي الله تعالى سيدي الحاج عبد الوهاب بن التاودي عرف بابن الأحمر الفاسي، رحمهم الله تعالى، ورضي عنهم أجمعين.

وأما قوله: (العلوي) فالمراد به الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام، أحد ورثة أسرار الشيخ بلا ريب سيدي محمد الحافظ العلوي الشنجيطي قدس الله ثراه، ويأتي في نسبه ما تقدَّم في نسب النَّاظم رحمه الله تعالى، فهو من قرابته، وهذا السيد هو الذي انتشرت على يديه هذه الطريقة الأحمدية بالمغرب الأقصى، وله مآثرُ لا يمكن فيها الحصرُ والاستقصاء.وقد تجادبتُ أطرافَ الحديث في أخباره مع النَّاظم رحمه الله ذات يومٍ فطلبت منه أن يضعَ له ترجمةً يجمع فيها ما يحفظُه من أخبارِه، فأعظمَ ذلك بما ظهر على وجْهِهِ أثرُه وقال لي: أمثلي يترجمُ للشيخ محمد الحافظ؟ وجعل يكرِّرها مراراً، فقلت له: إني لم أرد الإحاطة بما يتعلّق بمقامِه وأحوالِه، وإنَّما أردتُ شيئاً يسيراً من خبرِه في الجملة أتعلَّق به. فقال لي: إن كان ذلك فاكتبْ عني ما أمليه عليك، فذكر لي ما حاصله وملخصه : أن الشيخ الحافظ هذا لما حصَّلَ من العلوم الرسمية ما حصل، وصار إماماً يُرْجَع إليه فيها، عَزَم على الحج لبيت الله الحرام وزيارة قبر نبيِّه عليه الصلاة والسلام، وجعل من أهمِّ مقاصدِه التي يطلبها في رحلته لتلك ملاقاة شيخ كامل من أهل الله تعالى، فاتَّفق أن رافقَه في الركب الذي توجّه فيه رجلٌ من أهل سجلماسة لأنه توجَّه في الركب السجلماسي، فلما حصلت بينهما الألفةُ أفضى كلٌّ منهما لصاحبه بسرِّه، وكان مطلبُ الرجل السجلماسي، فلما حصلت بينهما الألفةُ أفضى كلٌّ منهما لصاحبه بسرِّه، وكان مطلبُ الرجل السجلماسي كمطلب الشيخ الحافظ، فتعاهدا على أن يخبرَ من عشر على المرادِ في ذلك صاحبَه، فلمَّا وَصَلا مكَّة جعل الشيخ الحافظ رحمه الله تعالى لا يأُلُو جهداً في طلب ذلك من الله تعالى في جميع أماكن الإجابة، فبينا هو ذاتَ يومٍ في الطواف إذ لقِيَه رجلٌ فأسرَّ إليه: شيخُك هو فلان، وذكر له اسم الشيخ t، ولم يكنْ طرَقَ سمعه قبلُ، فأتى صاحبه وأخبره ثم جعلا يسألان عن الاسم الذي ذُكر لهما حتى انتهيا إلى أهل الغرب، فقال لهم بعضُ الناس: انظروا أهل فاس، فأتيا جماعةً من سوقةِ أهل فاس فسألاهم، فقال لهم بعضهم : هناك عندنا بفاس رجلٌ فقيهٌ يعمل كذا وكذا ووصَفَه بالحكمة وعلم الكيمياء، وكأنه يريدُ بذلك تنقيصه، وتابعه على ذلك جماعةٌ إلا واحداً منهم، قال لهما: انظر تلك الجماعة، فإنهم مظنةٌ لتحقيق خبره أكثر منا. فأتَيا تلك الجماعة فألفيا عليهم سيماالخير، فسألاهم فأثنوا خيراً وعظَّموا الجانِبَ، وذكروا العلمَ والولاية ونحو ذلك وقالوا لهما: إنَّ ههنا رجلاً هو أخصُّ الخاصة من أصحابه، يعنون سيدي علي حرازم ، فنعتوا لهما محلُّه فأتياه فأخبرَهما خبرَه، فأخذ بمجامع قلب الشيخ الحافظ، فعَزَم على التوجُّه لفاس بعد قضاء حجِّه وزيارته، فدعا لذلك رفيقَه فَلم يستطعْ مفارقة الركبِ السجلماسي حيث لم يقسم له من الله تعالى شيءٌ عند الشيخ  :

حكم نسجت بيد حكمت

 

ثم انتسجت بيد المنتسج

ثم بعد قضاء حجِّه وزيارته توجَّه إلى فاس، فأقام عند الشيخ في زاويته المعروفة يربِّيه مدةً، وحين أزمعَ السفر إلى بلده أجاز له الشيخ t في طريقه بالإجازة المطلقة، ولم يقيِّد له بشيء إلا في التقديم فقط، فلا يزيدُ فيه على عشرة. وهذا القيد خاصٌّ بهذا السند الحافظي، كما خصّ السند الغالي بالتقييد بأربعةٍ في مرتبتين فقط على ما تلقيناه عن بعض الخاصة ممن هو أحد أربعة المرتبة الثانية، وأهل مكة أدْرَى بشعابها (4)، وعند موادعته للشيخ قال له : أوصني، فكانت وصيةُ الشيخ له أن قالَ له : لا تظهرْ بنفسِك حتى يكونَ الله تعالى هو الذي يظهِرُك. فتوجَّه لبلدِه وأقام بها مدةً يدرِّس العلمَ للطلبة ولا يدعو أحداً إلى طريقٍ ولا غيرَ ذلك عملاً على وصيَّةِ الشيخ ، فاتفق أن رجلاً ممن كان يشار إليه بالصلاح وملاقاة الخضر عليه السلام أتاهُ ذاتَ يومٍ بعد أن صلَّى العصر بتلامذته، وجَلَس إليهم يذاكِرُهم، فلما دنا الرجلُ من المجلس قيل لَه: هذا فلان،  فقال: سبحان الله، ثم قَامَ إليه ورحَّب به وأجْلَسه إلى جنْبه، فامتنعَ الرجلُ أن يجلس إلا بين يَدَيْه، ثم قال له: أتدري لماذا أتيتك؟ قال: لا، قال: أتيتك بإذن لتعطيني الأمانة التي أتيتَ بها من التل، فقال له : يا سيدي وأيُّ شيء أتيتَ به من التل، إنَّما أوتيت ببعض الكتب، فإن كان لك غرضٌ في بعضها جئتك به وهو لك، فقال له الرجل : دعني يا سيدي من هذا، وإنما أتيتك لتعطيني وِرْدَ الشيخ التجاني الذي أتيتُ بالإذن فيه، فعندَ ذلك أنْعَمَ له، وأذِنَ له في الوِرْد، فقام جميعُ من حضر ذلك المجلس ورغِبَ إليه في تلقينه إياه، وسار كل واحد منهم إلى أهله وعشيرته، فقصَّ عليهم خبرَ السيد المذكور، فلم يبتْ في بيتِ تلك الليلة من البيوت القريبة من منزل الشيخ الحافظ إلا وبات فيه ذكرُ الشيخ .

ومن الغد أتاه الناسُ أفواجاً للأخْذِ عنه، ثم تواصَلَ ذلك وتراسل، فانتشرت الطريقُ على يدِه أي انتشار، وتخرَّج على يده ما لا يكاد يُحصى من الرجال في هاتيك الأقطار، ولو لم يكن إلا العلم الأشهر الذي تضرب بولايته في ذلك الصقع إلا مثال الولي الصالح الناسك الفاضل سيدي مولود قال لكان كافياً في هذا المجال، ولو لم يتخرَّج على يد سيدي مولود المذكور من سراة الأخيار إلا الجهبذ الكبير الحبر الشهير سيدي بانم المعروف بولد حم ختار لكان أيضاً كافياً في هذا المضمار. والشيخ بانم هذا كان في أول أمْرِه أخَذَ الوردَ الكنتي، وتقيَّد بالطريقة الكنتية، ثم بدا له الانتقالُ إلى الطريقة التجانية، فتخلَّى عن الأولى وأخذها فذكر أنه بعدما أخذها رأى النبيّ في المنام، والشيخ هو والشيخ سيدي المختار الكنتي جالسان بين يديه . قال : فجَعَل الشيخ سيدي المختار يعاتبني على ترْكِ وردِه وانتقالي إلى وردِ الشيخ وطريقته، وأنا أنظُر إلى الشيخ عساه أن يجيبه عني، فإذا هو  مطرِقٌ رأسَه غاضٌّ بصرَه بين يديه ، متأدِّب غاية الأدب لا يلتفتُ ولا يطرفُ، فلما أكثر على العتب الشيخ سيدي المختار التفت إليه النبي وقال له: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ  [الأنعام الآية 90] فانقطَعَ وسكت عني حينئذٍ اهـ.

وهذا الشيخ الرائي من مشاهيرِ أهلِ العلم والصلاح، وحدثنا بهذه الرؤيا عنه أمثاله العدول الثقات، وفيها اعتبار ما بين مقامي الشيخين بين حاليهما بين يدي سيد الكونين . وممن تخرَّج على يد الشيخ بانم المذكور الشيخ سيدي محمد بن الصغير مؤلف الجيش الكبير وناهيك به رحمه الله  تعالى ورضي عنه.

(وممن) تخرَّج على يد سيدي محمد بن الصغير أخوه العالم الكبير العارف بالله تعالى سيدي عبيدة مؤلف كتاب »ميزاب الرحمة الربانية« وغيره، وهو الذي أذن لنا وأجاز بهذا السند وكتب لنا بخط يده رحمه الله تعالى ورضي عنه.

(وممن) تخرَّج على يد الشيخ الحافظ أيضاً ابنُ عمه وحموه العلامة القدوة سيدي محمد بن سيدي عبد الله بن الفغ الفقكي سيدي أحمد وهو المدعو بالخليفة، وعنه أخذ النَّاظم حسبما تقدَّم.

(وممن) تخرَّج على يد الشيخ الحافظ أيضاً زوجُه فاطمة أخت الخليفة المذكور، وقد كانت من الصَّالحات، وتؤثُر عنها كراماتٌ كثيرة لا يسعُنا الآن تقييد شيء منها.

(وأما) الشريفُ الأجلُّ العارف بالله تعالى سيدي (محمد الغالي) ابن سيدي محمد أبي طالب الحسني  فهو أحدُ أركان طريقتنا، وممن انتشرتْ على أيديهم بالمغرب والمشرق، وعنه انتقلتْ إلى السوادين.

وقد كان سيدنا الشيخ أجازَ له في الطريق وأمره أن يقدِّم أربعةً وكل واحد من أولئك الأربعة يأمرُه بتقديم أربعة ليس إلا، وهذا كان له قيد حياة الشيخ وبعد وفاته أيضاً قبل أن ينتقل إلى الحرمين الشريفين. وأما بعد حلوله بالحرمين الشريفين فالذي يظهر من عمله الإطلاق، ولا شك أنه حصَلَ له الإذن فيه، إما من بعض من لقيه في البلاد المشرقية من المقدمين، وإما من غيرهم بطريق الاستفاضة من روحانيات الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام وورثتهم كما هو معلوم، وليس من نسب مثل هذه المزية لهذا الفاضل بمؤنب ولا مَلُوم.

وقد كان له في الجد والاجتهاد في طاعة ربِّ العباد أحوالٌ خارقة للعادة.

من ذلك ما اتفق له ذاتَ يومٍ، وهو أنه كان جالساً قرب باب بيته من داره بمكناسة الزيتون يذكر أورادَه، مستقبلاً مستغرِقاً في حضوره انسقطتْ بنيةٌ له من أعلى حلقةِ فلم يلتفتْ لذلك ولا تغيرتْ جلستُه ولا شيء من حالته التي كان عليها، بل بقي على ما كان عليه حتى كمل أوْرادَه، وكان يرتِّل العبادة صلاةً كانت أو غيرَها ترتيلاً لم نسمَعْ بمثله عن أحد. فأخبرني الثِّقةُ أنه كان يسبِّح في السجدة الواحدة خلفه نحواً من سبع وعشرين مرة.

وأخبرني آخرُ أنه صلى العشاء أربعَ ركعاتٍ وذكر بعدَها الوِرْدَ اللازم لا غير في نحو ساعتين من كثرة ترتيله واستغراقِه في الحضور، وكان يرى النبيّ وكذلك الشيخ بعد وفاته فيسألهُما عما أشكلَ عليه كحال اليقظة.

وأخبر الثقاتُ عنه أنه أخبر عن نفسِه  بأنه رأى النبيَّ  في المنام فقال له : أنت ابن الحبيب وأخذت طريقةَ الحبيب.

وحدثني بعض الخاصة من أصحاب سيدنا  أنه حدَّثه أنه رأى سيدنا الشيخ  بعد وفاته وقال له : سيدي، سرتَ عنّا وتركتنا، أو كلاماً من هذا، فأجابه  بقوله : لم أغبْ عنكم ولم أتركْكُم وإنَّما هي نقلةٌ من دارِ ترابية إلى دارٍ نورانية.

وحدَّثني بعضُ الخاصة من ملازميه أنه كان اتَّخذ خلوةً يختلي فيها في وقتٍ مخصوص لذكر مخصوص، فكان يأمرُه إن أخَذَه الحالُ أن يقف بباب الخلوة إلى وقتِ فراغه من الذكر، قال: فكنتُ إذا فرغ من الذكر دعاني فأدخل عليه فأجده كأنّه كان في حامٍ شديدِ الحرِّ حتى إنِّي كلَّمته في ذلك مرَّة فتبسَّم وقال لي : ضَعْ أصبعك هاهنا، وأشار إلى ظاهر كفِّه، قال : فوضعت أصبعي فكأني وضعتُها على جمرةٍ فرفعتها بسرعةٍ وقد أثَّر ذلك فيها كما تؤثر الجمرة تحقيقاً. ومثل هذا لا غرابة فيه من الصادقين فيما يذكرونه بالإذن الخاص، ومنهم من كان يحترق لسانُه إذا ذكرَ اسمَ الجلالة، ومنهم من كان يجدُ غيرَ ذلك من الأثر حسبما ذكره الشيخ محي الدِّين .

ويذكر عن بعض صلحاء سجلماسة القرباء العهد أنه كان يكثرُ من الصلاة على النبي فكان يجدُ لفَمِه وشفتيه حلاوةً محسوسة، وهذا لا ينكره إلا ضعيف الاعتقاد في أسرار الولاية وآثار الأذكار والله أعلم.

وأما (السيد المفضل) فالظاهرُ أنه أراد به السيد المفضل السقاط الفاسي، وكان من أفراد أصحاب الشيخ ، فامتحن في قضيةٍ معروفة فظهرت منه مخالفة للشيخ  فأخبر  أنه رَفَع عنه الإذن، ولما سافر إلى المشرق وآل أمرُه في سفره بعد حَجِّه إلى أن استوطن بأقتنى فلم يشعرُ الإخوانُ ذات يوم إلا وقد أخبر سيدنا الشيخ أنه جدَّد له الإذنَ وأجازَ له في الطريق بالإجازة العامة والإذن المطلب.

وقوله: (وغوث عصرنا) إلخ أرادَ به العارفَ الكبير قطب أوانِه وحامل راية التربية والترقية بهذه الطريقة الأحمدية في زمانه أبو الحسن سيدنا الحاج علي بن الحاج عيسى التماسني، نسبة إلى تماسين من أرض الجريد، وشهرتُه كافية. كان  من خاصة الخاصة من أصحاب سيدنا ، وممن شهد له الشيخ  بالفتْحِ الأكبر في حياته، حتى أنه كان إذا قدم عليه زائراً بفاس يقدِّمه للإمامة بالزاوية مع كثرة من بها إذ ذاك من أكابر العلماء والفضلاء.

وقد اتفق له يوماً في الصلاة شيء مما يخلُّ بها، فذكر ذلك للشيخ وكأن ذاكر ذلك يستفهمُه: هل يؤثر ذلك خللاً في صحتها؟ فأعرضَ الشيخ عن جوابه على  وفق ما أراد، وقال: ذلك رجلٌ مفتوح عليه، والصلاةُ خلفَ المفتوح عليه مقبولةٌ، وناهيك بهذا شهادةً من الشيخ  لهذا السيد وتنويهاً بقدره.

وحدَّثني الشريف الأجلُّ المقدم البركة المبجَّل، خديم سيدنا سيدي الطيب بن محمد السفياني، أنه في المدة التي ولآه سيدنا النيابة في الإنفاق على داره وقضاء حوائجه سأله الشيخ  ذات يوم عن بعض إمائه، وكانتْ مريضةً، فقال له : هل اشتريتَ لها الدواء؟ قال : فقلت له : يا سيدي قد اشترينا لها عدةً من الأدوية فلم يظهرْ لها أثرٌ، ولعلَّ الأوفق لها هو الكتابة، يعني الرقية، قال: فقال لي: ومن يكتب لها؟ ثم قال:  ما رأيتُ من هو أهلٌ لذلك إلا سيدي الحاج علي التماسني لو كان حاضراً، قال فقلت له : وأنا أريد أن تأذَنَ لي في ذلك يا سيدي، كل من أذنت له فهو سيدي الحاج علي، قال : فلم يقبل مني ذلك، وجعل  يقول:  وأين مثل سيدي الحاج علي يا فلان وكرَّرها منكراً عليّ ما قلته حتى ودِدْت أني ما ذكرتُ له ذلك، وكفاه هذا من شهادة الشيخ  بالخير والبركة.

ومن المتواترِ عن هذا السيد صاحب الترجمة ، أنه كان بعد استيطان الشيخ  مدينة فاس يأتي إلى زيارته بطريق الخطوة حتى زَجَره عن ذلك ونهاه عنه وقال له: إن كنتَ تريدُ مواصلتي لله فلا تأتِ إلا كهيئة عامَّةِ الناس بنعلَيْن وعكَّازه مع رفقةٍ تذوقُ جميعَ ما يذوقونه في الطريق من العطش والإعياء والخوف وغير ذلك.

وحدَّثني بعضُ الخاصة من أصحاب سيدنا الشيخ  أن سيدنا الشيخ صلى العصر ذات يوم بباب داره وصلى معه جماعةٌ نحو الثمانية من أصحابه، وحين الْتفتَ من صلاتِهِ وأقبلَ بوجْهه على من صلَّى معه لم يشعروا أنْ سقَطَ بينهم عرجون (5) تمر فنظرَ إليه الحاضرونَ ولم يعرفوا من أين سقطَ عليهم وتحيَّرتْ عقولُهم، فلما رأى الشيخ ذلك من حالهم قال لهم : هذا فعل ذلك الرجل ووَصَفه بالبهلولِ أو نحو ذلك ثم سماه لهم، وذكر أنه اجتمعَ بالشيخ بعد ذلك فذكر له ذلك وقال له : ما حَمَلَك عليه؟ فقال: يا سيدي اعذْرني فإني كنت في ذلك الوقت في حائط لي والخدام يجنون التمر فرأيتُ ذلك العرجونَ فأعجبني فتمنَّيْت أن يصِلَ إلى دارك على حالته، فحملني ذلك على أن رمَيْتُ به وقلت له سِرْ حتى تنزلَ بين يدي سيدي، فزَجَره الشيخ ونهاه عن مثل ذلك، وبعد وفاة الشيخ  ظهرت عليه آثارُ الفتح الكبير وتصدَّى للتربية في الطريق، وظهرَ عليه فَيَضانٌ وجداني لا يوجد مثلُه إلا في كمل المشايخ، فصار الناسُ يأتونه من سائر الآفاق للأخذ عنه والتبرُّك به، فأخبرني ثقةٌ أنه كان أتاه في زاويته زائراً، فاتفق أن اجتمعَ عنده في مدةِ إقامته لديه نحو مائتي رجل كلُّهم يطلبون التقديم أي الإذنَ منه  في إعطاء الورد وكلُّهم من الآفاق البعيدة. وما وصفته به من التربية وَصَفه به غير واحد من أهل البصائر.

وذكر لي بعض الأفاضل من أصحابنا أنه كان حين حجَّ اجتمعَ ببعض المقدمين من قبل الشيخ  فأذِنَ له في إعطاء الورْدِ قال لي : فلما رجعت اجتزت بسيدي الحاج علي يعني صاحب الترجمة، فطلبتُ منه الإذنَ في بعض الأذكار فقال لي : وهل عندكَ إذنٌ في تلقين الأورادِ لمن طلَبها منك؟ قال: فلم أهتدِ لما هو الصوابُ فقلت له: عندي، قد أذن لي في ذلك المقدم سيدي فلان، قال : فقال لي : هو مربِّ يستفهمني وكرَّرها، فلم أدْرِ ما أجيبه به ولم يتفطَّن هذا الإنسان إلى أنه يشير له إلى أنه هو من أهل التربية حتى فارقه. وأخبارُه كثيرة وكراماته أوضحُ من شمس الظهيرة. وفي هذا القدر كفايةٌ مما تبرَّكنا به في هذا التقييد من أخبار هؤلاء السادات، الذين تعرَّض النَّاظم لذكرِهم هنا على طريق التمثيل، وإن كانوا بالنسبة لمن لم يذكره أقل القليل.


 


 

****


(1)  علي حرازم بن العربي برادة : فاضل مغربي من أهل فاس، له كتاب «جواهر المعاني» في أخبار أبي العباس أحمد التجاني، مات سنة (1218هـ).
(2) 
مكناسة : مدينة بالمغرب في بلاد البربر على البر الأعظم، بينها وبين مراكش أربع عشرة مرحلة نحو الشرق،  أكثر شجرها الزيتون. قال أبو الإصبع سعد الخير الأندلسي : مكناسة حصن بالأندلس من أعمال ماردة. قال : وبالمغرب بلدة أخرى مشهورة يقال لها : مكناسة الزيتون، حصينة مكينة في طريق المار من فاس إلى سلا على شاطى البحر. انظر معجم البلدان : 5/181
(3)  ساخت قوائم الفرس: خاضت في رخو من الأرض وغرزت فيها.
(4)  الشِّعاب : جمع شِعب، وهو الطريق الوعر في الجبل.
(5) العُرجون : العِذْق، وهو من النخل كالعنقود من العنب.