التعريف بأبي المواهب و المرابح
مولانا العربي ابن السائح
(1229هـ/1813م - 1309هـ/1891م)


 

هوالولي الصالح أبو المواهب،العالم العلامة، العارف بالله الذي جرت ينابيع المعارف من صدره، البحر المتلاطمة أمواج علمه وسره، أبو المكارم الولي الشهير والقدوة الكبير، العارف بالله والدال عليه في سره ونجواه، سيدي محمد العربي بن محمد السائح الشرقاوي العمري نفعنا الله ببركاته ومنحنا من عظيم نفحاته. الحافظ الصوفي الأريب، فريد أهل عصره، و شيخ الجلال و الجمال في دهره، فقيه، محدث، مفسر، أديب، ناظم ناثر،بارع فاضل ماجد، هين لين مهاب صالح، مرشد ناصح، له إشراف على التاريخ مستحضر لتراجم المتأخرين، معتن بقراءة صحيح البخاري، إذا تكلم في حديث أتى بما يبهر العقول، مما لا يظفر به ديوان منقول، من أهل الرسوخ في السنة و التمكين، عارف بربه دال عليه، مرشد إليه، قدوة، ذو أدب غض و لطف و بشاشة و حسن استقبال للزائرين، مع بسط المائدة لكل صادر و وارد.
كان من العلماء العاملين والأولياء الكاملين والعارفين الواصلين والهادين المهتدين والراشدين المرشدين. جعله الله من الذين جمع فيهم العلوم اللدنية واللطائف السنية والكرامات الظاهرة والمناقب الفاخرة حتى شهد له بالفتح الأكبر عداه.
وهو من كمل رجال الطريقة التجانيةالأحمدية،وأحد مشاهير رجالاتها بالمغرب، الذين شهد لهم بالفتح الخاص والعام، وأحد خلفاء سيدنا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه الذين ربح على يدهم خلق كثير في هذه الطريقة وفتح بهم كنوز الأسرار والحقيقة. وكان رضي الله عنه ميتما بحب هذه الطريقة الربانية ذات المواهب العرفانية.

[ نسبه]

 

 

[ ولادته و نشأته]

 

[ تلقيه للعلم]

 

 

[ شيوخه في العلم]

 

 

[ استقراره بمدينة الرباط و بروزه في العلم و التصوف]

 

 

[ تمسّكه بالطريقة التجانية]

 

[ و أجازه في الطريقة بالإجازة المطلقة كلّ من]
 

 

[ وفاته]

 

[ بعض مناقبه و كراماته]


 

 


المراجع:

 

- ''نبذة مختصرة في التعريف بأبي المواهب و المرابح مولانا العربي ابن السائح'' - محمد الأمزالي - مطبعة الكرامة - الرباط 1727هـ/2003م
- ''الإغتباط بتراجم أعلام الرباط'' – محمد بن ج مصطفى بوجندار- مطابع الأطلس - الرباط - 1987م
- ''كشف الحجاب عمن تلاقى مع التجاني من الأصحاب'' – العلامة أحمد بن العياشي سكيرج – دار الكتب العلمية -    1999م
- ''رفع النقاب بعد كشف الحجاب'' – العلامة أحمد بن العياشي سكيرج – المطبعة المهدية -    .....م
- ''الإعلام بمن حل مراكش و أغمات من الأعلام''– العباس بن إبراهيم السملالي– المطبعة الملكية – الرباط 1413هـ/1993م
    - ''إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس''–ا - بن زيدان: عبد الرحمن بن محمد السجلماسي– مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة 1429هـ/2008م
- ''معلمة معالم سوس'' - الفقيه أبي عبد الله سيدي محمد أكنسوس -
- ''معجم المطبوعات العربية والمعربة '' - يوسف إليان سركيس - مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة
- ''معجم المؤلفين'' - عمر رضا كحالة - مؤسسة الرسالة-  1414هـ/1993م

 

 

***



نسبه


هو أبو حامد و أبو المواهب سيدي محمد العربي بن محمد بن محمد السائح بن محمد ابن داود بن محمد بن عبد القادر بن الولي الكبير والقطب الشهير سيدي محمد الشرقي العمري الفاروقي، و ينتهي نسبه إلى الخليفة الراشد الثاني سيدنا ابي حفص عمر ابن الخطاب رضي الله عنه و عنا به.
و كان أبوه سيدي محمد من العلماء العاملين، و الأولياء الصالحين، و من أعيان الدار الشرقاوية بمدينة مكناس، رفيع المكانة بين الناس.

×

ولادته و نشأته


ولد رضي الله عنه،حسبما أخبر بذلك عن نفسه و نقله عنه تلميذه أبو العباس بناني،في فجر يوم عيد الأضحى سنة 1229هـ/1813م بدار عائلته التي كانت مقابلة للمسجد الأعظم بمدينة مكناس.
و إلى دلك رمز الفقيه الأديب السيد محمد بن أحمد التريكي الآسفي بقوله:
                إن قيل ما عام مولد ابن سائحنا      ففه بقولك مكناس به ابتهجت
و لقد دخل على أبويه بولادته الفرح و البهجة و الحبور، لأن أباه لم يرزق ولدا ذكرا مع كبر سنه. و كان دائما يتضرع إلى الله سبحانه و تعالى أن يرزقه ولدا صالحا يقر به عينه. و استعمل لذلك كل ما كان ينصحه به الناس و ما يشيرون به عليه من أدوية حسّية و معنوية. و رحل من أجل ذلك إلى زيارة كثير من الصالحين الأحياء و الأموات، متوسلا بهم لحصول مناه و لم ييأس أبدا من الإجابة. فاستجاب الله دعاءه و أكرمه – كما أكرم نبيه زكريا عليه السلام – بهذا المولودالسعيد الذي سماه ''محمد العربي'' تيمنا بإسم وليين صالحين كانا بشـّراه قبل بولادته عنده و هما سيدي محمد العربي بن المعطي بن صالح الشرقي و سيدي محمد العربي الوزاني رضي الله عنهما.
وذكر المحب الجليل السيد محمد بن السيد علال بوهلال الفاسي أصلا الرباطي سكنى أنه سمع من سيدي العربي بن السائح أنه رضي الله عنه لما ولد كان عمر والده 76 سنة  وأن والده رضي الله عنه توفي وعمره 96 سنة . 
وناهيك برجل صدقت فيه إشارة الشيخ سيدي العربي بن المعطي وبشارة الشيخ سيدي الحاج العربي الوزاني لما اشتكى عليهما والده قلة الولد، وكان لا يلد إلا البنات، فناوله الأول وردة مشيرا إلا أنه سيكون له ولد كالوردة في العلم و الفضل، وناوله الثاني حليبا وقال له اشربه، بولد سيقر الله به عينك، على ما جاء في حكايتين حكاهما عن المترجم نفسه، نقل الأولى عنه صاحب كتاب الفتح الوهبي    والثانية صاحب كتاب بلوغ    المنى والآمال.                                                                     
ولعل والده لذلك سماه باسم الشيخين ليبقى اسم العربي تذكارا لهما بما حققه الله تعالى من إشارة الأول وبشارة الثاني.
و ما فتئ منذ أن رزقه الله هذا المولود السعيد الميمونإلى أن التحق بالرفيق الأعلى يحيطه بعنايته و عطفه، و يربيه أحسن تربية، كما حرص على أن يتلقى تعليما و تربية يتناسبان و مقام عائلته.
فنشأ الولد السعيد بمكناسة الزيتون لذلك نشأة صالحة في جو مفعم بالإيمان و العلم و الصلاح و محبّة الرسول صلى الله عليه و سلم و أهل بيته الطاهرين و محبّة الأولياء الصالحين.

×

تلقيه للعلم


ما إن بلغ سن التمييز حتى دفعه أبوه للكتّاب ليتلقن كتاب الله، فحفظه حفظا متقنا، كما حفظ بعده المتون العلمية المتداولة آنذاك. ثم بعد ذلك التحق بالحلقات العلمية بمكناس لدراسة العلوم الإسلامية من نحو و فقه و عروض و بلاغة و أصول و منطق، إلى أن اشتّد عوده و برع في كلّ ما ألقي إليه.
ثم رحل إلى مدينة فاس، فأخذ هناك عن جماعة من أكابر العلماء و أعيان نقاد جهابذتها الأكياس، "حتّى فتح له التحرير بابه، و أدخله التحصيل حجابه"..
ثم رجع إلى مسقط رأسه مكناس حيث أقبل على التدريس و الإفادة فأخذ عنه جلّ طلبة الوقت.و تعاطى خطّة الإشهاد (العدالة) مدّة من الزمن.
×

شيوخه في العلم


 

أما شيوخه في العلم فهم كثيرون موزّعون بين مدينتي مكناس و فاس. نخص بالذكر منهم،

بمسقط رأسه مكناس:
-العلامة سيدي محمد الهادي بن الشافعي المكناسي
المعروف ببادو (ت 1278هـ)
- العلامة سيدي محمد بن محمد بن فقيرة المكناسي (ت 1275هـ)
- القاضي العلامة سيدي العباس ابن كيران الفاسي (ت 1271هـ)

و بمدينة فاس: 
- العلامة سيدي عمر بن المكي المعطي بن صالح الشرقي (ت 1260هـ) 
- العلامة الشريف سيدي الوليد العراقي
الحسيني الفاسي (ت 1256هـ)
- العلامة الشريف سيدي محمد بدر الدين الحمومي الفاسي (ت 1266هـ).

كما تخرّج في علم الحديث على محدث عصره سيدي عبد القادر بن أبي جيدة المعروف بالكوهن الفاسي المدفون بالمدينة المنوّرة (ت 1254هـ).
و في سنة 1281هـ أجازه العلامة الرّحالة الشيخ عبد الرحمان النابلسي لما زار المغربإجازة علمية مطلقة في سائر العلوم.


×

استقراره بمدينة الرباط و بروزه في العلم و التصوف


 لما بلغ رضي الله عنه الأربعين من عمره بدا له الإنتقال لرباط الفتح فانتقل و جعله محل استيطان حيث تزوّج بالسيّدة المصونة و الدرّة المكنونة لالّة عائشة بنت شيخه العلاّمة العارف سيدي محمد الحفيان الشرقاوي، و ذلك بعد وفاة والدها المذكور. و كان أخوها وصيّا عليها، و كان من جملة شروط العقد أن يسكن سيدي العربي بن السائح بالرباط.  و تمّ البناء بها سنة 1270 هـ
فكان هذا الزواج الميمون سببا لاستقراره النهائي بمدينة الرباط. فاشتغل رضي الله عنه بالتعليم و نفع الطلبة و نشر تعاليم الطريقة التجانية. كما أنّه رضي الله عنه أشرف على إكمال بناء الزاوية التجانية العتيقة بالحرّارين و التي كان قد بدأ بناءها صهره سيدي العربي بن الحفيان رضي الله عنهما السابق الذكر. و كان الإنتهاء من بناء الزاوية الكريمة سنة 1278هـ.

 

و كان سيدي العربي يجلس في روض قرب داره، بالمحلّ الذي دفن فيه بحي لعلو، لاستقبال الواردين، و لإلقاء الدروس العمومية و الخصوصية سواء في صحيح الإمام البخاري و غيره من كتب الحديث، أو في التربية في الطريقة. فكانت مجالسه لا تخلو من العلماء و الوجهاء و الطلبة و المريدين من العدوتين و غيرهما.

و لقد حصل له رضي الله عنه ظهور واشتهار
و إقبال.فنفد الناس لزيارته و التبرك به و استجلاب صالح دعواته، من جميع أنحاء المغرب و من أقطار المغرب العربي، بل حتّى من الشرق الأوسط و الحرمين الشريفين تجذبهم جاذبيته القويّة و شخصيته العرفانية الفذّة، فيبلغون بفضل مولاهم، غاية مناهم.كما كانت تتوارد عليه الرسائل و المكاتب و الإستفسارات من مختلف النواحي في شتّى المواضيع فيجيب عنها بأسلوبه الرائق العذب الرفيع، معطيا للموضوع حقّه من البحث و التحقيق، متناولا له من جميع الجوانب بحيث أن بعض أجوبته و كتاباته رضي الله عنه تعدّ مؤلّفا مستقلا.
و ظهرت له مكاشفات، و خواق عادات، حدث غير واحد ممن وقع له معه من ذلك مما هو كشمس الظهيرة أو أظهر.

 

ترجمه تلميذه الشيخ العلامة المحدث سيدي أحمد بن موسى السلاوي في بعض ختماته وحلاه بـ''الشيخ الإمام قدوة الأنام، مربي السالكين وعمدة أهل الرسوخ والتمكين، شيخ السنة والدين وقطب الأولياء الواصلين صاحب النور اللائح سيدي ومولاي العربي بن السائح''.
ثم ذكر في حقه أنه كانت له مشاركة تامة في جميع الفنون خصوصا علم الحديث و الفقه والعربية والعروض، فإنه كان رضي الله عنه من أئمة هذا الشأن وفحوله الجهابذة الأعيان، ومن حملة لواء الحديث الشريف في زمانه، وممن إليه المرجع فيه في عصره وأوانه، وكان له فيه مجلس تشد إليه الرحال وتضرب إليه أكباد الإبل من فحول الرجال، فتراه إذا تكلم في حديث من أحاديث الصحيح تسمع منه ما لا تراه في كتاب، وتعلم علم يقين أنه كلام من يغترف من بحار مولانا الملك الوهاب.
قد رزق رضي الله عنه من كمال الأدب عند قراءة الحديث الشريف ما يستدل به على رفعة شأنه وعلو قدره المنيف.
وكان كثيرا ما يحض عند الافتتاح على استحضار نية التوسل إلى الله تعالى بقراءة حديثه صلى الله عليه وسلم و التشفع به إلى المولى جل وعلا في كشف المصائب والبلايا ودفع الخطوب والرزايا، وينشد في ذلك قول القائل:
                       صحيح البخاري واظب عليه         فما مثله لاشتــداد الكروب

فهـو المجـــرب تريــــاقــــــه        لدفع سموم أفاعي الخطوب

وربما يأمر عند ختم المجلس بإنشاد بعض القصائد في المعنى المذكور مما فيه توسل وتشفع به صلى الله عليه وسلم. وفي آخر عمره رضي الله عنه التزم بمحضره سرد القصيدة اللقانية الشهيرة المسماة بكشف الكروب بمناجاة الحبيب و التوسل التي أولها:

يا أكرم الخلق قد ضاقت بي السبل

وكان في ذلك إشارة منه رضي الله عنه إلى الإخبار بموته كما لا يخفى، وما شعر أحد بأن فيها نعيه قدس الله سره إلا بعد وفاته.
و أما علم التصوف فكان فرد زمانه فيه رضي الله عنه، وكتابه "بغية المستفيد" من أجل ما ألف في ذلك كما يشهد بذلك من طالع كتب القوم، وأما الكلام في الحقائق الربانية و الأسرار العرفانية فكانت تأتيه الأسئلة رضي الله عنه من أقاصي البلدان فيجيب عنها بأفصح بيان وأوضح برهان.


×

تمسّكه بالطريقة التجانية


 تمسك سيدي أبو المواهب السائحي بالطريقة التجانية في عنفوان شبابه و ذلك غالبا قبل سنة 1254هـ. ولتمسكه بها قصة طريفة، و حكاية لطيفة، تدلّ على علوّ همّة هذا الإمام الكبير، و ما سيصير إليه أمره بعد، إذ "البدايات عنوان على النهايات".
 و ذلك أنّه في تلك السن تشوّق تشوّقا قويّا إلى رؤية سيّد الوجود صلى الله عليه و سلم، فصار يستعمل لهذا الغرض الشريف صيغا من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم. و كانت أمّه تهيّء له مكانا خاصّا تنظفه و تطيّبه ليختلي فيه بنفسه  للذكر و التوجّه. و ذات ليلة رأى أباه سيدي محمد في المنام وهو يقول له:"أتطلب رؤية رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟"، فأجابه:"نعم يا سيّدي!"، فقال له وهو يشير إلى جماعة من الفقراء يذكرون في المسجد:"إذا أردته فاطلبه عند هؤلاء السّادة فإنه يحضر معهم".
فلمّا استيقظ علم أن السّادة الذين أشار إليهم أبوه هم أصحاب الشيخ سيّدنا أحمد التجاني رضي الله عنه، الذين كانوا يجتمعون لذكر الوظيفة و الهيللة بالمسجد الأعظم قبل بناء الزاوية بمكناس.

ففهم الإشارة وعلم أن ذلك إذن له في أخذ الطريقة، فطلبها ممّن كان مصدرا لإعطائها آنذاك، و هو المقدّم العلامة الخطيب سيدي محمد بلقاسم بصرى رضي الله عنه (ت 1293هـ).

وبعد أن تمسّك بالطريقة تخلّى عن خطّة الإشهاد بعد أن اطّلع على كلام سيّدنا الشيخ التجاني رضي الله عنه في الموضوع.


ثم انكبّ على مجالسة علماء الطريقة و خواصّها و على مطالعة الكتب المؤلّفة فيها و تقاييدها الخاصة. و صار يبحث كلّ البحث عن كلّ ما يتعلّق بمؤسّسها، و برجالها، و بفقهها، و أذواقها، و أسرارها، و معارفها، و أنوارها، و كلّ شؤونها. فقام برحلات عديدة لأجل ذلك إلى كلّ من فاس و مراكش و الرباط للإتصال بأكابر تلاميذ الشيخ رضي الله عنه، الذين أخذوا عنه مشافهة. و لم يكن يكتفي بذلك، بل كان يكاتب من كان منهم خارج المغرب. يسأل كلّ واحد عمّا عنده ممّا يتعلّق بشؤون الطريقة و علومها. و كان من سعد طالعه و يمن حظّه أن أدرك عددا وافرا منهم على قيد الحياة، فانتفع بهم انتفاعا بالغا.

 

و لنذكر بعض هؤلاء السّادة الذين أخذ عنهم أو استفاد منهم و تخرّج على أيديهم تبرّكا بهم رضي الله عنهم:
- العلامة الخطيب المقدّم سيدي محمد بن بلقاسم بصرى المكناسي (ت 1293هـ) 
- الشريف العارف المقدّم مولاي الطيّب السفياني الفاسي (ت 1259هـ) 
- العارف المقدّم سيدي عبد الوهاب بن الأحمر الفاسي (ت 1269هـ) 
- العارف الكبير الشريف مولاي محمد بن أبي النصر العلوي (ت 1273هـ)
- العلامة العارف سيدي محمد بن محمد بن فقيرة المكناسي (ت 1275هـ)
- العلامة العارف سيدي العباس بن كيران الفاسي (ت 1271هـ) 
- العلامة العارف الكبير سيدي محمد الحفيان الشرقاوي الرباطي (ت 1256هـ).
و انتفع انتفاعا كبيرا برفيقه و صديقه العلامة لسان الطريقة أبي عبد الله سيدي محمد بن أحمد أكنسوس رضي الله عنه (ت 1294هـ).

كما أخذ عن سيدي عبد القادر العلمي الذي جالسه سنين و نال منه و سمع منه الكثير.
 


×

و أجازه في الطريقة بالإجازة المطلقة كلّ من:


- المقدم العارف سيدي محمد الهاشمي الصرغيني المدفون بعين ماضي، أجازه عام 1256هـ،
- الخليفة سيدي الحاج علي التماسيني (ت 1260هـ)، أجازه مكاتبة،
- العارف المربّي سيدي عبيدة بن محمد الصغير بن أنبوجةالتشيتي الشنقيطي صاحب كتاب "
ميزاب الرحمة الربانية في التربية في الطريقة التجانية" (ت 1284هـ).

 


فاجتمع لديه من المعلومات ما جعله دائرة للمعارف في كلّ ما يتعلّق بالطريقة و بصاحبها و برجالها حتى صار كلّ من أتى بعده عالة عليه و على كتابه "
بغية المستفيد"  و على إجازاته و رسائله و كتاباته.

و لنستمع إليه رضي الله عنه وهو يحدّثنا بأسلوبه البديع الراقي عن هذا الموضوع كما في طالعة كتابه "البغية" المذكور، حيث يقول:


"و قد كنت حين قادني رائد العناية الأزلية، الذي ليس إلا عليه المدار، و جذبني جاذب الدائرة الفضيلة، التي هي من وراء دوائر العقول و الأفكار، فألهمت من فضل الله تعالى الإنتماء لجانب هذا الشيخ العظيم، و الإلتجاء إلى حمى طريقته الشريفة و حزبه الكريم، بإلقاء القياد له و سلب الإرادة إليه على طريق الإستسلام و التحكيم، لقيت من أصحابه الذين أخذوا عنه علومه و أسراره، واقتبسوا منه بحسن الصحبة و كمال المتابعة معارفه و أنواره، ولازموه إلى أن فارقوه وهوعنهم راض، جماعة وافرة، فانتفعت بحمد الله على أيديهم بما أرجو عود بركته عليّ و على أولادي و سائر الأحبّة و الإخوان في الدنيا و الآخرة.
فتلقّيت ممّن تأهّل منهم للتّلقين ورده المحمدي الشريف، و أخذت عنهم عهده المصطفوي المنيف، و رويت عنهم من طريق الإجازة العامّة جميع ما اشتمل عليه كتاب "
جواهر المعاني" من الأوراد و الأذكار، و تلقّيت منهم سماعا شرح الكثير من مسائله الجليلة القدر و فوائده العظيمة المقدار.
و ذاكرتهم بطريق الإستفادة منهم، و الأخذ عنهم، في كثير ممّا لم يشتمل عليه هذا الكتاب، ممّا يوجد زائدا على ما فيه بغيره من المؤلّفات و التقاييد التي بأيدي الأصحاب.
فاجتمع عندي بحمد الله من ذلك نبذة كافية، و جملة شافية، ممّا يحتاج إليه المسترشد المستفيد، و لا يستغني عن مراجعته المرشد المفيد".

 

وكان يكنى عن هذه الطريقة بالشراب والراح ويغري أصحابه لا كتساب الراحة بإدارة كؤوسها على الراح ومن ذلك قوله:

واصل شراب خليفة الأمجـاد

صفراء تسطع في الكؤوس كأنها

وكـأنهـا من حسـنها وصـفـائـهـا

مـا إن بـدت فـي مـحـفـل إلا بـدا

لايـعـتـري نـدمــاءهــ انــدم ولا

فــكـأنـهـا أم بـهـم قــد أنـجـبــت

غـذتـهـم در الـصـفا وسـقـتـهـم

فـتـنـاسقـن أخلاقـهم وتوافـقـت

تـدعـى الأتاي وذاك رمز ظاهـر

أيـقـاظ فـكـر ثـم تـهذيب الـحـجـا

فادأب عـلـيها مـا حـيـيـت فـإنها

واتـرك رواية معضل فـي شأنها

 

واتـرك مـقـال أخـي هـوى وعـنـاد

شـمـس تـبـدت فـي ذرى الأطــواد

من عـسجد عـصرت بأعـصر عـاد

فـيـه السـرور يـنـاط بـالإسعـاد

يشـكون من مـلـل بطول تمادى

لـكـريـم فـحـل فـي نـقـي مـهـاد

مـنـهــا لــبـاب مـحـبـة ووداد

آراؤهـم فــي عـــفــة ورشــاد

يـدريـه مـن يـدري من الأمجاد

مـع يـسـر إنـفـاق بـدون نـفـاذ

جـلو متى جـليت صدى الأنـكاد

وارو المسلسل موصل الإسناد


 


×

وفاته


 بقي رضي الله عنه على حالته من نفع العباد، و من التشمير في طاعة الله و عبادته، وفي تربية المريدين و دلالتهم إلى الطريق المستقيم، و النهج القويم، إلى أن لبّى داعي مولاه حيث أتاه اليقين.
و كانت وفاته رضي الله عنه ليلة الأحد 29 رجب عام 1309هـ/1891م على الساعة الحادية عشرة ليلا و قد ناهز عمره الثمانين، بعد أن مرض ستة عشر يوما لم يأكل فيها و لم يشرب، بل تمادى فيها على الذكر لا تفارقه سبحته.و لم ير عليه أثر المرض، بل كان يستقبل الواردين و الزائرين إلى آخر يوم بحياته ببشاشة و حسن حفاوة كعادته.

 


وما إن أشرقت شمس الغدحتّى انتشر خبر وفاته رضي الله عنه و حضر الناس من العدوتين الرباط و سلا، من كلّ الطبقات، و من كلّ الفئات. فكانت جنازته جنازة مشهودة، حضرها جمهور غفير.

و غسله خطيب المسجد الأعظم من الحضرة الرباطية الفقيه سيدي الحاج محمد ابن الغازي الكبير و مؤذن المسجد المذكور المقدم البركة السيد الحاج العربي أفقير ،وتقدم للصلاة عليه بتقديم بعض خاصة أحبابه و أصحابه تلميذه العلاّمة القاضي السيد أحمدبن محمد بناني الرباطي،ونزل في قبره لحشره من خاصة خاصته الشريف سيدي محمد الودغيري الفاسي الزلايجي، والفقيه السيد عبدالله التادلي الرباطي ، والفقيه السيد أحمد بن موسى السلاوي، والفقيه السيد الطيب عواد السلاوي. و دفن بالروض الذي كان يدرّس فيه.

 

كما قام جماعة من الأدباء و الشعراء من العدوتين و غيرهما من تلامذته و أصدقائه برثائه بقصائد بليغة.

 

و استمرّ توافد الزائرين و المعزّين أياما عديدة فأتى الناس من كلّ نواحي المغرب. كما تواردت على أهله و تلامذته رسائل التعزية من كلّ الأقطار معبّرة عن حزن و أسف أصحابها.

و قام الشريف مولاي أحمد الودغيري الزلايجي، المكلّف بالبناء في البلاط الملكي الحسني،ببناء قبة فخمة على قبره الشريف.


كما قام فقراء العدوتين في حدود سنة 1340هـ ببناء الزاوية التي بجوار الضريح لإقامة الصلوات و أذكار الطريقة التجانية و نشر العلم.


 


×

بعض مناقبه و كراماته


 إن الله سبحانه و تعالى يمنح أولياءه و أصفياءه من خوارق العادات، و جليّ الكرامات، ما يقرّ به أعينهم، و يضفي عليهم من ودّه و محبّته ما يجعل جميع الناس يحبونهم، ويجلّونهم و يعتقدون خصوصيتهم عند الله و مكانتهم لديه. و هذه الكرامات يرثها الأولياء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم نتيجة حسن اتباعهم له صلّى الله عليه و سلّم. قال تعالى:

 

"ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون الذين آمنوا و كانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم" (يونس، 62).

 

و لقد حبى الله أبا المواهب السائحي رضي الله عنه مناقب و كرامات تدلّ على علوّ مقامه و شريف منزلته عند الله. وهي كثيرة جدّا، تعدّت طور حياته إلى ما بعد وفاته.  

و أُشِير في عجالة إلى أهمّها على سبيل الإختصار:

 

- فمن ذلك أنّه كان شديد الإتباع للسنّة النّبوية، متشبّعا بتعاليمها، متشبّثا بأهدابها. و لقد أجمع أهل الله قاطبة على أنّ هذه هي الكرامة الحقيقية، بل هي أمّ الكرامات، لأنّها تدلّ على محبّة النّبي صلّى الله عليه و سلم المحبّة الخاصّة النابعة عن كمال الإيمان :" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده و الناس أجمعين".  
- و من ذلك - وهي نتيجة لهذه - أنّه كان كثير الرؤية و المشاهدة لمولانا رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقظة و مناما. 
- و من ذلك أيضا أنّه أدرك أعلى مقام في الولاية الخاصة وهو المسمّى عند أهل الله بالقطبانية العظمى. و من لازِمِ هذا المقام أنّ من أدركه لا تغيب عنه الذات المحمدية أينما جالت في الملكوت. 
- و من ذلك أيضا أنّه أدرك الخلافة عن الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه كما أدرك مقام التربية الخاصة في الطريقة التجانية. 
- و ممّا كان مشهورا به أنّه كان له كشف خارق كفلق الصبح، فما حدّث بشيء إلا وقع كما أخبر، ولا قابله أحد إلا أخبره بما في قلبه قبل أن يكلّمه.

 
- كما أنّه كان له تصرّف قويّ و سريع النفوذ، ولازال ذلك بعد وفاته أكثر من حياته.

 
- علاوة على خوارق أخرى كان معروفا بها كالبركة في الرزق،  و إجابة الدعاء، و طيّ الوقت و الذكر و الطريق، و إبراء العلل الظاهرة و الباطنة، و إغاثة اللهفان، و غير ذلك.

 

ولقد أفصح عن مقامه في قوله: 

 

سـكـرت ولم يشعر صحابي كلهم

ومـا بـشـمول كـان سـكـري وإنـمـا

فمن يعـتـبـق صرف المـدام مـعــتـقـا

لـذاك تراهــم يــطــربــون هــنيــئــة

ولا عتب أن يمسي الشجي معـربـدا

فعند هبوب الساريـات مـن الـحـمـى

وأنــى يــلــذ الـحــب دون تــهــتـك

ألا فاسقني خمرا وكن لـي مـسـعـدا

ومـا أنـا بالـراضي لـنـفسي أن يرى

ومـالـي وقـد خصصت منه بما به

فلا أوحش الرحمان ربعي من سنـا

ومـا حـن ذو وجـد إلـى أرج الـلـقـا

 

بـأي شـراب كـان مــن دونــهــم ســكــري

شـمـائـل محـبـوبـي شـمـائـلـي لـو تــدري

فــمــقــتــفــى ذكــــري خــلائــقــه الــغـــر

وأطرب من ذكري حـلاه مـدى الـدهـر

ومـاذا عـلـيـه فــي الـخلـى أو الغـمر

تميل غصون البان لا الصلد من صخر

وإلـقـاء جـلبـاب الـوقـار ورا الـظهـر

بقولك هي الخمر تستـوجـبـن شـكـري

لها في هوى المحبوب ميل إلى الستر

أفـاخـر طـول الـدهـر كـل ذوي الـفخـر

محـياه مـاحـيـا الـربـى وابـل الـقـطـر

إذا هـب عـرف الـياسمـيـن أو الـزهـر

 

 


وضريحه رضي الله عنه برباط الفتح ترياق مجرّبمقصود للزيارة من كل بلاد وكل من حل بساحته نال غاية المراد. فما زاره مكروب و دعا الله عنده إلا فرّج الله كربه، و لا مظلوم إلا زالت مظلمته، و لا مديون إلا و أدّى الله ديونه، و لا من سجن له أحد إلا و يسرّح ذلك المسجون، و لا مريض إلا و عافاه الله و أزال علّته. فما زاره أحد على أيّ حاجة بصدق النّية، و صفاء الطوية، إلا نال فوق ما أمّل.

 

و لقد أخبر رضي الله عنه قيد حياته أنّ من أتى بطوبة (أي قطعة صغيرة) من السكر إلى قبره قضيت حاجته كيفما كانت، عطاء من الله.و كلّ هذا يشهد به القريب و البعيد، و لا ينكره إلا جحود عنيد.أعاد الله علينا و على أهلنا و أشياخنا و أولادنا و أصدقائنا و على جميع المسلمين من بركاته آمين.

 

وفي ضريحه يقول بعض العلماء الجلة:

 

هذا ضريح السيد العربي بن السائح

هذا مقام العارف المولى أبي الفيض

هــذا ضــريــح ضــم بــحــرا لــم يـــزل

مــنطــبــق الآفــاق بــالــســر الــــذي

بـدر الـهـدايـة صــاحــب الــحـق الــذي

هـذا الـذي أقــذى عــيـون الـحـاسـديـن

هـذا الـذي نـصـر الـطريــق الأحــمــدي

هـذا الـذي أعلى منار العـلم و الـتـقـوى

هـذا الـذي مـــازال يــرتــاض الـــعـــلا

لايـخــتــشـي جــور الـحــواد ثجــاره

مـــن راح فــي حــاجــاتــه لــجــنــابــه

يـا سـيـدي يـا مــن يــهــش جــبــيــنــه

إنــي حــلـلـت حــمــاك ضـيـفـا طــالـبـا

فـاعـطـف عـلـي وجــد بــمــا أمــلــتــه

فـالله يـجزيـك الــرضـى مــن فــضــلــه

وعــلــيــك يــا بــدر الــكــمـال تـحـيـة

وصـلاة رب الــعــرش ثـــم ســـلامـــه

وعـلـى صحـابـتـه الـكـرام وآلـه الغـر

 

ذي الفضل والنور المبيـن اللائـح

المــقــدس ذي الثــنــاء الــفــائــح

يـرى بـمـوجبـ المـعـارف طــافــح

عم الورى من حاضر أو نازح

يـسـطـو لـكـل مجـالد و مكافـح

العمى عن نور الإلـه الـواضح

بـالـبنـان و بــاللـسـان الرامـح

بــقــول للــخــفــيـة شـــــارح

حـتـى تـسـنـم كل صعب جامح

كلا و لا كـيـد الـعـدو الـكـاشـح

حمد السرى وغدا بقصد ناجح

بـنـزيـلـه هـش الـكريـم المانح

أن لا أبوء سوى بسعـي رابـح

واكف الهموم ودافعن مكافحي

يـا خـيـر هـاد للـبريـة نــاصـح

مـوصولـة مـع كـل غـاد رائـح

أبدا على قبـر الـنـبـي الـفـاتـح

الــهــداة وكــل عــبــد صـالــح


 


×