وصايا و رسائل الشيخ أحمد التجاني | رسائل متضمنة أقوال نفيسة

وصايا و رسائل الشيخ

 

رسائل متضمنة أقوال نفيسة:

 

                   إجازة لعبد السلام الشرقي
 

                   إجازة للعلامة سيدي المحب الزرهوني
 

                   رسالة إلى الخليفة سيدي الحاج علي حرازم برادة
 

                   رسالة إلى السلطان المولى سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي
 

                   رسالة إلى السيد الحاج بوغرارة
 

                   رسالة إلى السيد بلقاسم بن يحيى السمغوني
 

                   رسالة إلى السيد محمد بن المشري
 

                   رسالة إلى السيد محمد بن عبد الله التلمساني
 

                   رسالة إلى السيد محمد بن عبد الله الجيلاني
 

                   رسالة إلى السيد محمد بن عبد الله الجيلاني1

 

                   رسالة إلى الشريف سيدي هاشم بن معزور
 

                   رسالة إلى الشيخ محمد بن سليمان المناعي التونسي
 

                   رسالة إلى أهل عين ماضي
 

                   رسالة إلى بعض أحبائه
 

                   رسالة إلى بعض أصحابه
 

                   رسالة إلى بعض أصحابه1
 

                   رسالة إلى بعض الفقهاء من أصحابه
 

                   رسالة إلى بعض الولاة
 

                   رسالة إلى سيدي محمد بن المشري وسيدي محمود التونس وشيخ الإسلام الرياحي
 

                   رسالة إلى سيدي محمد بن عبد القادر الزواق

 

                   رسالة إلى سيدي محمود التونسي
 

                   رسالة إلى فقراء الأغواط

 

                   رسالة إلى فقراء مدينة تلمسان
 

                   رسالة من السلطان المولى سليمان بن محمد العلوي

 

                   رسالة من السلطان المولى سليمان بن محمد العلوي2
 

 

                   رسالة (المرسل إليه غير مذكور)

 

 

 

****

إجازة لعبد السلام الشرقي

بعد البسملة والصلاة على النبي .

نحمد الله جل جلاله وعز كماله وتقدست صفاته وأسماؤه وبعد، فيقول أفقر العبيد إلى مولاه الغني الحميد، أحمد بن مَحمد التجاني الحسني عامله الله بمحض فضله وكرمه.

أني أجزت محبنا وصفينا، ومن له القدر والمكانة من قلوبنا، العالم الكبير، والولي الشهير، سيدي عبد السلام بن مولانا العارف الكامل، والمحب في رسوله، الطود الشامل، سيدنا المعطى بن الصالح، نجل السادات الكرام عليهم من الله في كل حين أفضل التحيات وأزكى السلام، في ذكر وردنا وتلقينه لكافة الخلق كبيرا وصغيرا، ذكرا أو أنثى، طائعا أو عاصيا، لكل من طلبه من كافة الخلق.

ونص الورد وهو: أستغفر الله مائة مرة، والصلاة على رسول الله مائة، ولا إله إلا الله مائة. وكون الصلاة عليه بصلاة الفاتح لما أغلق أفضل، لما فيها من الفضل والثواب الذي لا يحيط به محيط لمن يحفظها، فلا معدل له عنها، ولمن لم يحفظ قوله: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله، ولمن أراد التخفيف في الورد إن كان له شغل في بعض الأوقات، فليجعل مكان الفاتح لما أغلق، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله، والكبير والصغير والذكر والأنثى فيه أي في الورد سواء.

ووقته بعد صلاة الصبح إلى وقت الضحى الأعلى، ومن العصر إلى وقت العشاء، ومن كان له شغل في بعض الأوقات وتركه فعليه قضاؤه أبدا متى ذكره، فالنهار كله له وقت والليل كله له وقت.

وشرطه، شرط الصلاة من استقبال القبلة، والطهارة البدنية والمكانية والثوبية، إلا لمن كان مسافرا فليذكره كيفما تيسر له، وعلى فرضه من التيمم، لكن في الورد المعلوم لا في الفاتحة بنية كذا، وكذلك جوهرة الكمال فإنهما لا يقرآن إلا بطهارة كاملة مائية لا ترابية.

وفضله هو: أن كل من ذكر هذا الورد الشريف ولازمه إلى الممات مع الاعتقاد في القدوة، فإنه يدخل الجنة هو ووالداه وأزواجه وذريته المنفصلة عنه لا الحفدة بغير حساب ولا عقاب، ويكون من الآمنين من عذاب الله من قبره إلى قصره، ولا يرى شيئا من أهوال يوم القيامة، ويدخل الجنة في الزمرة الأولى، ويكون في جوار النبي في أعلى عليين، ويحبه النبي ... إلى غير ذلك مما هو مذكور في غير هذا.

وسندنا فيه عن النبي اتصالا منا إليه يقظة لا مناما، وهو من ترتيبه ، وقد أذن لنا في إعطائه لكافة الخلق، وأذن لنا أن نأذن لغيرنا، وقال: كل من أذنت فقد أذنا له وكل من أخذ عمن أذنت له فكأنما أخذه عنك مثلا بمثل. إلى غير ذلك مما هو مذكور في محله في فضله وغيره.

وقد أذنا له في قراءة الفاتحة بنية كذا في خاصة نفسه، وسندنا فيه أيضا عن النبي . وكذا دعاء السيفي، وأذنا له أن يتحصن به من جميع الأمور، وأن يذكره بكل قصد أراده، وهو دعاء نبوي. وسندنا فيه عن النبي أيضا. وكذا في ياقوتة الحقائق في التعريف بحقيقة سيد الخلائق، فقد أذنا له في قراءتها وفي تلقينا لمن له أهل بالطهارة المائية لا غير.

×

إجازة للعلامة سيدي المحب الزرهوني

بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله والثناء على الله بما هو أهله، قال :

نسأل الله جلت عظمته، وتقدست أسماؤه، أن يسلك بك حالا ومآلا مسالك أوليائه المتقين، وأن يوقفك بين يديه مواقف أحبابه العارفين في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ثم إنك طلبت مني أن آذن لك في زيادة الأذكار على الورد. فاعلم أني أجزتك في كل ما أردت من الأذكار والأسماء والآيات والأدعية، حيثما أردت وكيفما أردت، إلا ما كان من أوراد الشيوخ التي هي لازمة للدخول في طرقهم فلا آذن لك فيها.

واعلم أن كل ما تذكره من الأذكار والصلوات على النبي والأدعية، لو توجهت بجميعها مائة ألف عام، كل يوم تذكرها مائة ألف مرة، وجميع ثواب ذلك كله، ما بلغ ثواب مرة واحدة من صلاة الفاتح لما أغلق إلخ.

فإن كنت تريد نفع نفسك للآخرة فاشتغل بها على قدر جهدك، فإنها كنز الله الأعظم لمن ذكرها، وكل ما تزيده من الأذكار فوق الورد فزده منها زائدا على الورد، فقد نصحتك لله.

وأما ما ذكرت من صعوبة انقياد نفسك عليك لأمر الله، ودوامها على  التخبط فيما لا يرضى، فتلك عادة جارية أقامها الله في الوجود لكل من أهمل نفسه وتركها جارية في هواها أن لا يسهل عليه سبيلا إلى القيام بأمر الله، بل لا يرى في نفسه إلا الخبث والمعاصي والخروج عن أمر الله.

ومن أراد تقويم اعوجاج نفسه فليشتغل بقمع نفسه عن متابعة هواها، مع دوام العزلة عن الخلق، والصمت، وتقليل الأكل، والإكثار من ذكر الله بالتدريج، وحضور القلب مع الذكر، وحصر القلب عن الخوض فيما يعتاده من الخوض في أمور الدنيا وتمنيها وحبها، وحصر القلب عن جميع المرادات، والاختيارات والتدبيرات، وعن أخبار الخلق، وزم القلب عن الجزع من أمر الله.

فبدوام هذه الأمور تتزكى النفس، وتخرج من خبثها إلى مطابقة أمر الله وإلا فلا. ]سُنَّةَ اُللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اُللَّهِ تَبْدِيلاً [(الفتح: الآية 23) .

والشيخ في هذه الأمور دال ومعين، لا خالق ولا فاعل، إذ الخلق والفعل لله، والدلالة للشيوخ.

والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

وكتبه العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني عامله الله بلطفه. آمين.

 
×

رسالة إلى الخليفة سيدي الحاج علي حرازم برادة

 
بعد البسملة والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ... إلى أن قال :

وأما ما ذكرت من الأخبار لك ببعض الأمور ليطمئن قلبك وتزيد محبتك، ويدوم سرورك، فأقول لك:

الأولى من ذلك: الكرامة التي شاعت وذاعت عند المعتقد، على رغم المنتقد، وهي أعظم خير يرجى، وأفضل موعظة للعاقل تترجى، هو أن كل من أخذ وردنا وداوم عليه إلى الممات أنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، هو ووالداه وأزواجه وذريته إن سلم الجميع من الانتقاد.

وأما من كان محبا ولم يأخذ الورد فإنه لا يخرج من الدنيا حتى يكون وليا. وكذلك من حصل له النظر فينا يوم الجمعة أو الاثنين، يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، إن لم يصدر منه سب في جانبنا ولا بغض ولا إذاية. ومن حصل له النظر في غير هذين اليومين فهو من الآمنين إن مات على الإيمان، وإن سبق أنه يحصل له العذاب في الآخرة فلا يموت إلا كافرا.

فهذا ما يمكن به إعلامكم في هذا الوقت، وفي وقت آخر يفعل الله ما يشاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.×

رسالة إلى السلطان المولى سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي

 
 

بعد حمد الله مثل جميع ما أثنى به على نفسه في حضرة ذاته العلية من حيث لا اطلاع لغيره عليه جل جلاله وعز كبرياؤه، وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى الدرة اليتيمة والنسمة الكريمة، ذي الأوصاف الجلية شرفا، والأخلاق البهية ترفا، والجوانب الواسعة كنفا، الجوهرة التي انطبقت عليها أفراد الأحياء صدفا، حلو الشمائل، كريم الأخلاق والفضائل، الحائز قصب السبق إلى ملاك كل غالي، والمرتفع في أوج العز إلى معانقة المعالي، رافع راية العلا والكرم، والسامي بعلو همته عن مواقف الذل والتهم، من أحدقت به من الله جنود العز والتأييد، وأهرعت إلى حماه سوابق الجلالة والتفريد، من طلعت شمس سعده في سماء المجد والعلا، وضياء بدره في غياهب الوقت قد تجلى، أعني بذلك أمير المومنين خليفة رب العالمين، سيدنا ومولانا سليمان بن مولانا محمد، الشريف الأصيل الماجد الأثيل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمد التجاني الحسني.

هذا ونسأل الله لك جلت عظمته وتقدست أسماؤه وصفاته أن يديم على سيدنا عواصف رياح نصره وتأييده، وأن يحله من رياض الهدى محل توفيقه وتسديده، وأن يملأ قلبه بالخوف من الله في سره وعلانيته. فإن تلك المرتبة ما سعد من سعد في الدارين إلا بها. ولا فاز برضى الله من فاز في الدنيا والآخرة إلا بها. ويا لها من مرتبة ترقى بالعبد إلى أوج ملاك المعالي، وتطهره من رذائل الأخلاق التي تهبط به إلى حضيض الاتصاف بالأوصاف الردية البوالي. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وبعد،

فالذي أوصيك به كل الوصية، بل هي واجبة من خالفها هلك، وهو الكتم عما ذكرناه لك قبل، ثم الكتم مطلقا من غير استثناء. فالأسرار قبورها صدور الأحرار، والأسرار قبورها صدور الأخيار، والأسرار قبورها صدور الكبار. قال بعض الكبار:

السر عندي في بيت له غلـقق ضاعت مفاتيحه والباب مقفول
وليس يكتم السر إلا ذو كـرم
والسر عند لئام الناس مبذول

والذي تسمع في الوصية أنه ما استغنى عن الوصية من غيره لا كريم ولا كامل.

اعلم أن الله تعالى عز وجل قد ولاك أمر خلقه، وائُتمنك على بلاده وعباده، فأنت أمين من أمناء الله في بلاد الله وعباده، والله سائلك عن أمانته وعن ما فعلت فيها، فاحذر من الله أن يجدك فرطت أو اشتغلت عن أمره بلعب. لكن تكميل الأمر من كل وجه لا يستطاع بحكم الوقت والحال، وعدم المساعف وعدم القابلية في الخلق، لكن ليكن سيرك على حد قوله تعالى: ]فَاتَّقُواْ اُللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ[ (الثغابن: الآية 16) ، وعلى حد قوله : "إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا".

وأحذرك مما سمعت من الخصوصية التي أعطيتها من فضل الله تعالى، فلا تأمن مكر الله في حال من الأحوال. قال سبحانه وتعالى: ]فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اُللَّهِ إِلاَّ اُلْقَوْمُ اُلْخَاسِرُونَ[ (الأعراف: الآية 99) ، فإن لله سبحانه وتعالى من وَرَاء خصوصيته مكرا وتدبيرا وغيرة يواخذ عبده بها من حيث لا يظن وإن كان من ذوي الخصوصية.

وأوصيك بالضعفاء من الخلق فإنهم محل نظر الله من خلقه، فعلى قدر اعتنائك بهم ترتفع رتبتك عند الله..

وأوصيك بالمظلومين، يقول : ما معناه: من ولاه الله ملكا فأتاه ذووا الحاجات فاحتجب عنهم احتجب الله عن حاجته، الحديث. ومعناه: إن احتاج إلى الله في أمر نزل به فرفع حاجته إلى الله مستغيثا مما نزل به احتجب الله عن حاجته فلا يلتفت إليه، ولا يعبأ بدعائه واستغاثته. فالله الله دبر كيف ترضي ربك في حوائج المظلومين، ولا تتغافل ولا تفرط. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والسلام وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.: ما معناه: من ولاه الله ملكا فأتاه ذووا الحاجات فاحتجب عنهم احتجب الله عن حاجته، الحديث. ومعناه: إن احتاج إلى الله في أمر نزل به فرفع حاجته إلى الله مستغيثا مما نزل به احتجب الله عن حاجته فلا يلتفت إليه، ولا يعبأ بدعائه واستغاثته. فالله الله دبر كيف ترضي ربك في حوائج المظلومين، ولا تتغافل ولا تفرط. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والسلام وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

×

رسالة إلى السيد الحاج بوغرارة

بسم الله الرحمن الرحيم،،

إلى حبيبنا سيدي فلان

بعد السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، فإنك كتبت تسألني عن شروط الرياضة وسلوك طريق المعرفة بالاسم الأعظم.

فاعلم أن شروط الرياضة التي لا بد منها، وتفسد باختلال واحد منها:

- الأول: توبة نصوح عن كل منهي عنه.

- الثاني: حصر القلب عن جميع الخواطر والأشغال.

فإنك لا تقدر على الشرط الأول لأول وهلة، ولاكن قم حارسا على قلبك، مهما أراد أن يذهب للتفكر في المحسوسات المعتادات رددته. وهكذا حتى يعتاد الخلف عن صور المحسوسات.

- الثالث: مكان تغيب فيه عن ملاقات الخلق جملة وتفصيلا إلا شيخا واحدا يتكلف لك بالمئونة.

- الرابع: صمت دائم إلا بذكر..

- الخامس: جوع دائم تدريجيا، بأن تكون تأكل في ليلتك الأولى معتادك من الأكل، ثم تنقص كل ليلة قدرا معلوما نحو درهم. وليكن أكلك في الليلة الأولى قدر رطل وثلثين، ثم في كل ليلة تنقص درهما دائما. وقدر ميزان الرطل مائة واثنان وتسعون درهما.

- السادس: ترك أكل ما يخرج من الروح الحيواني جملة وتفصيلا..

- السابع: دوام الصوم.

- الثامن: دوام الطهارة حتى لا تجلس دون طهر ساعة واحدة ولا تنام دون طهر.

- التاسع: تقليل المنام إلا لقدر الضرورة.

- العاشر: اتخاذ أوقات للذكر. وباقي ذلك للراحة بأن يتخذ بين الليل والنهار ستة أوقات للذكر، يذكر في كل وقت عددا معلوما. وهي: بعد الصبح، ووقت الضحى، وبعد الظهر، والعصر، والمغرب، وفي جوف الليل بعد النوم. وليكن في اليوم الأول تجعل وردا من الذكر في كل وقت قدر ما لا يشق على النفس. ولا تزال حتى تصل إلى استغراق الليل والنهار في الذكر.

ومن أكيد الشروط في الرياضة دوام العطش، ولا يشرب حتى يصبر كثيرا. فإنهم اتفقوا على أن العطش شهوة كاذبة، متى صبر الانسان عنها نسيت، ووقع بها صفاء عظيم في القلب. ومتى أهملت قل أثر الصفاء في القلب.

ومن شروطها: ترك كل حاجة خارجه عن الرياضة مثل احتياج أهله إلى قوت وما أشبه ذلك..

ومن أكيد الشروط فيها: معاملة الله عز وجل بالعبودية المحضة لوجهه، ومجاهدة النفس لأجله، والإعراض عن كل ما سواه، بأن يقصد بذلك إقامة حقوق الربوبية.

فلا بد للرياضة من هذه الشروط.

ومن أكيد الشروط أيضا الحرص على استماع القلب إلى الذكر وقت الذكر، مهما انصرف إلى غير ذلك رده بقدر طاقته حتى يعتاده.

فإن حافظت على هذه الشروط بتمامها حتى تبلغ أربعين يوما يقع في قلبك صفاء عظيم، تتقوى به على قهر الروحانية إن أردت التصرف بهم، وعلى جذب أسرار الأسماء إن أردت التصرف بها. ويقع في قلبك حضور عظيم عند الذكر يسرع لك بانصباب أنوار الأذكار في قلبك.

ومن هنا يصح لك ابتداء السلوك، إلى حضرة مالك الملوك. فعليك حينئذ بحفظ الشروط المتقدمة، ودوام الخلوات، والاستغراق في الذكر أي ذكر كان. فإنك حين تبلغ أربعين يوما أخرى تجد في قلبك نورا يجذبك إلى النهوض إلى الله تقطع كل عائق يعوقك عن النهوض إلى الله.

فإذا إختليت أربعين يوما اخرى على حفظ ما تقدم مع الاستغراق في الذكر تمكن الصفاء الروحاني في قلبك، وقربت من الانصاف بصفة الملائكة، وسمعت الخطاب في قلبك من الغيب.

فإن زدت أربعين يوما أخرى طلعت لك ناصية التوحيد الفعلي، وترى افعال الله السارية في الوجود، وترى الكون كله لا حركة له، وترى يد القدرة الأزلية تحركه عيانا لا اعتقادا. ومن هنا استعد للدخول لحضرة الله. وحينئذ تحتاج للشيخ المربى الذي تدخل به إلى حضرة المعرفة بالله. ولا مطمع لك إلى المعرفة بدونه لكثرة ما في هذا المقام وما بعده من المهالك، والقواطع، والسباسب الملتفة.

ومن سلك إلى الحضرة الكبرى وحده دون الشيخ المربي بعد بلوغه إلى هذا المقام الذي وصفته لك وهو مقام تجلي أفعال القدرة الأزلية عيانا، واستبد بعد ذلك بنظره دون الشيخ، وقع في الخسران العظيم، وخسر الدنيا والآخرة، لكثرة المهالك والأغاليط.

فإذا وصلت إلى هاهنا فائتني حينئذ، والق نفسك الي، وقبل هذا لا عليك.

ولكن بقي شرط من شروط الرياضة لا بد منه، وهو ترك الجماع في طول الأربعين لكن يتعلق به حق الزوجة فليؤده مرة واحدة بعد فراغه من الأربعين أو مرتين.

وبعد سلوك التوحيد الفعلي أن أدمت السلوك والخلوات مع مصاحبة الشيخ المربي تدخل حضرة مشاهدة الصفات الأزلية القائمة بالذات. وبهذا الشهود تذهل عن جميع الأكوان، لأنك تعلم من نفسك أنك غائب عن جميع الأكوان، بما بان لك من شهود الصفات الأزلية.

فإن أدمت السلوك حتى تمكن الشهود الوصفي، وصاحبت الشيخ المربي، طلع لك شهود الذات العظيمة المقدسة، وهذا الشهود يغنيك عن كل شيء حتى عن نفسك، وحتى عن الشهود، وحتى عن شهود بقيتك. ومن هاهنا أنت في يد الله عز وجل جلاله، وفي يد الشيخ المربي. وبعده تنتفل إلى الصحو والحضور مع هذا الشهود. وهذا مقام المعرفة إن أراد الله انتقالك. والله الموفق.×

رسالة إلى السيد بلقاسم بن يحيى السمغوني

 

بعد البسملة والصلاة على النبي .

بحمد الله يصل الكتاب إلى يد صديقنا وحبيبنا، وأعز الناس علينا، سيدي أبى القاسم بن يحيى السمغوني. السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وعلى أمك، وعلى أهلك وعلى أولادك، من كاتبه إليك محبك ومريد الخير كله إليك، عبد الله أحمد بن مَحمد التجاني. وبعد،

فقد بلغني كتابك وقرأته، وذكرت فيه أنك تسأل مني الدعاء، وما أنا بأهل لذلك، ولكن أسأل الله بجاه نبيه أن يغرقك في بحر عنايته ومحبته لك في الدنيا والآخرة آمين.

وإنك كتبت لي تشكو من النوم. فاعلم أيها السيد أن النوم إذا كثر سببه اثنان، الأول: دوام الغفلة عن ذكر الله بالقلب، والثاني: كثرة الأكل والشرب إلى حد الشبع. ما دام هذان السببان لا بد من كثرة النوم. ومن أراد خفته فعليه باستعمال الذكر في بعض الأوقات، وعليه بقلة الأكل والشرب يخف عليه النوم.

وأما الاحتلام، فداوم عند نومك لقراءة والسماء والطارق إلى ولا ناصر ثلاثا، ثم اكتب على فخذك الأيمن بأصبعك: آدم، وعلى الأيسر: حواء، بغير مداد تنج من الاحتلام.

وأما ما ذكرت لي من طلب نفي الفقر وما معه من مطالب، فالاسم الذي كتبته لك أولا يكفيك لكل مطلب تريده.

 وأما ما ذكرت لي في شأن ولدك فتراني أبعث لك حجابا له، واكتب له سورة يس في إناء وأعطه يشرب ماءها للحفظ والسلام. اهـ

 ×

رسالة إلى السيد محمد بن المشري

 

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

بحمد الله يصل الكتاب إلى يد حبيبنا، وصديقنا، ورفيع المكانة من قلوبنا، سيدي محمد بن المشري. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعلى حبيبنا وصديقنا سيدي عبد القادر بن علال، وعلى كافة أولاده، وعلى كافة أحبابه وأحبابكم، وعلى كافة الطلبة. من كاتبه لكم أحمد بن مَحمد التجاني.

وبعد، يا سيدي محمد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه. والذي أقول لك إن الأمور في يد الله، وله بسطها وقبضها، لا متصرف فيها غيره. ومقتضى العبودية في هذه النازلة التي لم يأذن الله في قضائها: التسليم لأمر الله، والرضى بحكمه، وحسن الظن به في كونه لم يقبضها بخلا، وإنما علم أن لك فيها مفسدة. فإن عنده علم كل شيء ]]وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ[ البقرة: الآية 216 . (  "اللهم إني أستغفرك لما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك وعدتك من نفسي أخلفتك أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك، للنعم التي أنعمت بها علي فتقويت على معاصيك، الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، لكل ذنب أذنبته، ولكل معصية ارتكبتها، أتيت أحاط علم به". "لا والله أكبر، وحده، شريك له، له الملك وله الحمد، ولا حول قوة بالله العلي العظيم". ، فإنك بذلك يصير لك الجزع أمر عادة تنتفع بحياتك. بل يكون الأمر مرة ومرة، تثبت لأمر تجزع تطلب التفريج، ومرة تسأل التفريج. : "اللهم إني أستغفرك لما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك وعدتك من نفسي أخلفتك أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك، للنعم التي أنعمت بها علي فتقويت على معاصيك، الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، لكل ذنب أذنبته، ولكل معصية ارتكبتها، أتيت أحاط علم به". "لا والله أكبر، وحده، شريك له، له الملك وله الحمد، ولا حول قوة بالله العلي العظيم".

لكن ما أظن تخلف الإجابة إلا لعدم كمال الحضور في الذكر. لكن لا تعرج عليها ثانية. وارجع إليه بصدق التوجه لا لغرض، بل لطلب وجهه بما كنا أخبرناك به، وأكْرهِ النفسَ على هذا فإنها تفر منه.

وإن لم تتيسر لك الخلوة، أو كان يمكنك فيها برد فأدم التوجه خارج الخلوة وكُلِ السخون مع الإدام. واعمل للذكر أوقاتا، وللراحة أوقاتا، لكن بالجلوس وحدك. وإذا دخلت الخلوة فلا تأكل فيها إلا السخون بالإدام، فإنه أمان لك من استيلاء البرد على نفسك. وعليك بدوام الذكر، وقلة مخالطة الخلق ما استطعت، والصمت ما استطعت. وهذا غاية ما يمكن في هذا الوقت. واترك عنك التوجه إلى الخواص فإن الله جل جلاله لم يأذن لك فيها... ×

رسالة إلى السيد محمد بن عبد الله التلمساني

 

بعد البسملة والصلاة على النبي :

يصل الكتاب إلى يد سيدي محمد باعث القصيدة إلينا.

السلام عليك ورحمة الله وبركاته تنزل عليك طول الليالي والأيام، من كاتبه إليك أحمد بن مَحمد التجاني الذي بعثت إليه القصيدة.

أما بعد أيها السيد، ما أنا بأهل لذلك المدح الذي مدحتني به، فبالله الذي لا إله إلا هو ما فينا شيء منه، وإني لغريق في بحور المعاصي والجهالة، إلا أن يتداركني الله بفضله ورحمته، وإلا فما أعظم ما نحن فيه من الخسران المبين.

وأنت جزاك الله خيرا على حسن ظنك، ونسأل الله عز وجل بجوده وكرمه أن يوفقنا وإياك إلى طريق الهدى والرشاد، وأن يسلك بنا وبك طريق التحقيق والسداد، وأن يميتنا ويميتك على الدين الذي ارتضاه لخاصته من أوليائه، بجاه النبي آمين..

ثم اعلم أيها السيد أنك في طريق طلب العلم، فلتكن نيتك فيه لتقوم بواجب حكم الله عليك، وتعلم به أحكام ربك، وإياك أن تطلبه لرياسة أو لطلب دنيا، فإن ذلك فيه هلاك الدنيا والآخرة.

ثم الذي أحضك عليه ألا تخلي نفسك من ذكر الله والصلاة على نبيه ، فإنهما ينوران القلب.

وواظب على قوله تعالى: ]شَهِدَ اُللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ[ إلى ]اُلإِسْلاَمُ ۗ [(آل عمران: الآية 18-19) ، و]قُلِ اُللَّهُمَّ مَالِكَ اُلْمُلْكِ[ إلى ]حِسَابٍ[ (آل عمران: الآية 26-27) دبر كل صلاة، فإنهما تعلقتا بالعرش حيث أراد الله هبوطها إلى الأرض وقالتا: "يا ربنا تهبطنا إلى الأرض وإلى من يعصيك". فقال الله عز وجل: "بي حلفت لا يقرؤكن أحد دبر كل صلاة إلا أسكنته حضرة القدس، ولأعيذنه من كل عدو، ولأنظرن إليه بعيني المكنونة كل يوم، ولأقضين له في كل يوم وفي كل نظرة سبعين حاجة".

وإن من قرأ دبر كل صلاة قبل أن يتكلم: "اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نفس ولمحة ولحظة وطرفة يطرف بها أهل السماوات والأرض، وكل شيء هو في علمك كائن أو قد كان، أقدم إليك بين يدي ذلك كله وعند ذلك كله وملء ذلك كله:  ]]اُللَّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ اُلْحَيُّ اُلْقَيُّومُ ۚ[ إلى ]اُلْعَظِيمُ[(البقرة: الآية 255) ؛ كتب له في كل ساعة من ساعات الليل والنهار سبعون ألف ألف حسنة، من وقت قراءته إلى حين النفخ في الصور.

وإن من قال: ]فَسُبْحَانَ اُللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ[ إلى  ]تُخْرَجُونَ[ (الروم: الآية 17-19)، و ]سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ اُلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ[ (الصافات: الآية 180) دبر كل صلاة؛ كتب له بعدد كل  ما على الأرض من حجر وشجر حسنات.

وإن من قال بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس: "سبحان الله" مائة مرة و"الحمد لله" مائة مرة؛ كان له من الأجر في كل وقت من الوقتين أجر مائة بدنة متقبلة هديا عند البيت، ومائة فرس في سبيل الله، وعتق مائة رقبة، وله ملء ما بين السماء والأرض حسنات.

وإن من قال بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر: "اللهم صل على سيدنا محمد النبي عدد من صلى عليه من خلقك، وصل على سيدنا محمد النبي عدد من لم يصل عليه من خلقك، وصل على سيدنا محمد كما ينبغي لنا أن نصلي عليه، وصل على  سيدنا محمد كما أمرتنا أن نصلي عليه" مرة واحدة؛ رفع له من  الأجر في كل يوم مثل أجر جميع من عبدَ الله من خلقه، لا ترفع لمخلوق حسنة إلا رفع له مثلها..

وإن من قال بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر هذه الصلاة عشر مرات، استوجب رضاء الله الأكبر والأمان من سخطه في الدنيا والآخرة، وتوالت عليه الرحمة والحفظ الإلهي، وهي: "اللهم صل على سيدنا محمد السابق للخلق نوره ،والرحمة للعالمين ظهوره، عدد من مضى من خلقك ومن بقي، ومن سعد منهم ومن شقي، صلاة تستغرق العد، وتحيط بالحد، صلاة لا غاية لها ولا انتهاء، ولا أمد لها ولا انقضاء، صلاتك التي صليت عليه، صلاة دائمة بدوامك، باقية ببقائك، وعلى آله وأصحابه كذلك والحمد لله على ذلك".

وإن من قال بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر: "بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" عشر مرات؛ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكانت أفضل من سبعين حجة وسبعين عمرة متقلبة، ورفع عنه سبعون بلاء أيسرها الجذام.

وإن من قال: ]شَهِدَ اُللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ [إلى] اُلإِسْللاَمُ ۗۗ[ (آل عمران: الآية 18-19) عشر مرات بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر؛ كتبه الله من أهل الفردوس.

وهذه الصلاة من صلى بها مرة واحدة، فكأنما قرأ دلائل الخيرات سبعين ألف مرة وهي: "اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تعدل جميع صلوات أهل محبتك، وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد سلاما يعدل سلامهم".

وهذه الخواص من أسرار الله المكنونة التي لا يعلمها إلا من خصه الله بمعرفتها، فليستعملها الإنسان بنية صالحة صادقة سالمة من الشك وسوء الاعتقاد، فمن حسنت نيته أدرك ما ذكر فيها.

وبالله سبحانه التوفيق والسلام.اهـ

 ×

رسالة إلى السيد محمد بن عبد الله الجيلاني

بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله..

إلى أخي في الله وعدتي، ومقيل من الردى عَثرتي، الجامع الأكبر، المحقق الأشهر، السيد محمد بن عبد الله الجيلاني، متع الله روحك في الهنا، وأدام بقاءك وارتقاءك لأحسن الحسنى، وحياك بما حيى به أحباءه وأولياءه، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أما بعد،

فإنه بلغني أن القوم استضعفوني ورموني بما الله أعلم به منهم، فوقع في قلبي شيء، وقلت في نفسي: الله الله ما كنت أظن ولا أشك أن تُبْدَى مساوي بمحضرك وتسكت، لم تجب عني بما حضر وخطر وتتأنق في الجواب، وترتقي فيه رقى العلا، فليت شعري هل ضربت عما سلف صفحا، أو علمت أن ما قيل فينا حقا، أو قصرت عن الجواب، أو حدثتك نفسك بحديث المفترين، أو طمس الله بصيرتك التي كانت في العلم نائرة، وفي اليقين باهرة؟ فناشدتك الله أن تخبرني بما قيل. وإن كان لم يفت الكلام عن المسألة، فحرك الساكن واجمع ما جمع الله لك، وألقه عليهم.

واعلم أنهم لو سألوني وقالوا لي من أين لك هذا؟ لقلت: من عند الله، فإن قيل لي:

أبوحي أو برؤية أو بهاتف؟ لقلت: دُفعت في  ابتداء أمري إلى الحضرة الربانية دفعة واحدة منذ أنا يافع، فصار أولي آخري، وآخري أولي، وبعضي كلي، وكلي جزئي، فكنت أنا هو من حيث أنا لا من حيث هو. وحينئذ لو سُئلت عن ألف ألف مسألة من أهم المسائل لأجبت عنها بجواب واحد، إذ صرت كالمصباح، فلو شُعِلتْ مني جميع المصابيح ما نقصت من ضوئي شيئا ولله الحمد.

وهذا السر المكتوم أوله، الظاهر آخره، إنما وقع لي بمحروسة فاس حين كنا نقرأ على الدقاق في السبع، وعلى الشيخ الجمال في تعليم الاسم وسر الحرف، وعلى الشيخ السجلماسي في صغري السنوسي، وكنتَ ذات يوم - وهو يوم الاثنين - سألتني ونحن بالجامع تلقاء الأسطوانة التي يجلس إليها الدقاق عن حالي، فقلت لي: ما لي أراك تقلّبَت أحوالك، وصرت لا تجالسنا ولا تحسن مذاكرتنا؟ فقلت لك: يا أخي الله أعلم بحالي. فوضعت يدك على قلبي فأحسستَ له خفقانا يشبه ارتعاد الورقة عند عاص الرياح، فقلت لي: أتجد لهذا ألما؟ فقلت لك: لا، فقلت لي: هذا شيء ستخشى عواقبه، أو ترجى مواهبه.

ففي ذلك اليوم وأنا بذلك المكان، قبل مجيئك، هتف بي هاتف: أيا أحمد لقد بلغت المنى. فاستعذت بالله وقرأت ما يسر الله من القرآن، ثم سمعت صوتا وكلاما يُتوقع من جميع أعضائي ومن كل ناحية، ثم نظرت إلى السماء فوقع بصري على اسمي مكتوبا في عالم الملكوت العلوي وبإزائه: أيا أحمد قد بلغت المنى، فحدث ولا حرج. ثم نظرت إلى الأرض يمينا وشمالا، وخلفا وأماما، فكذلك. ثم فتح الله بصيرتي في الحال، فرأيت بعيني رأسي الرجل الذي لا يحتمل كلامه الكذب، فدنا مني وأخذ بعضدي الأيمن، وأوقفني ووكزني بيده اليسرى بين ثديي، وقال لي: أنت من أمثال الصحابة فحدث ولا حرج. فوقع في قلبي ذلك الخفقان. وإنه لم يزل إلى الآن.

ثم وقع لي أكثر من هذا حين كنا في زيارة مولانا عبد السلام بن مشيش. مما يطول ذكره، ثم تحقق لي الأمر لما توطنت وسكنت إلى أهلي، فإن كان في هذا ما يوجب الدرك علينا، فإني أقول: ]وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[ (هود: الآية 88) ، وما لهؤلاء القوم لا ينظرون بعين الرضا؟ أمَّا أولا: ففي أنفسهم أفلا يبصرون، وأمَّا ثانيا: ففيما ينبني عليه من الشرائع ثم الحقائق. وهؤلاء عكسوا فانعكسوا، واتعسوا فتعسوا، وطلبوا فيئسوا، ونقضوا فانتقضوا، أولا يفقهون أن من حفظ حجَّة على من لم يحفظ؟ أولا يدرون أن سر الله في صدْق الطلب؟ أولا يعلمون: ]اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ[(الأنعام: الآية 124) .

هذا وإني أجو الله أن يجعل خيره فيما ينتج. والجواب منك في أقرب مدة إن شاء الله. وكتبه خادم الطريقة المحمدية أحمد بن سالم التجاني كان الله له وليا ونصيرا.

 
×

رسالة إلى السيد محمد بن عبد الله الجيلاني

بعد البسملة والصلاة على النبي :

بحمد الله جل جلاله، وعز كبرياؤه، وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه يصل الكتاب إلى يد حبيبنا السيد النبيه، العلامة الوجيه، غواص لحجج العلوم وجوال ميادين الفهوم، الفطن اللبيب، والسميدع الأريب: سيدي محمد بن عبد الله الجيلاني نزيل محروسة وهران صانها الله من استيلاء أعداء الإيمان.

السلام عليكم رحمة الله تعالى وبركاته، من كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني. وبعد، فالسؤال منا عن أحوالكم أجراها الله على طبق رضاه آمين.

يليه أنك كتبت إليَّ تسألني عن العلوم الباطنة غير العلوم الرسمية.

فاعلم أن ذلك ما عندي منه لا قليل ولا كثير، ومالي إليه من سبيل، فإنه متوقف على شروط لم أحظ بواحد منها، وإني الآن مازلت على الحالة التي تعهدني عليها لم أنتقل عنها.

ثم إن العلوم من أي فن كانت، إذا عرضت على المحل القابل لها وهو المستعد لتلقيها، نفذت فيه نفوذ الماء في الأشجار العطشانة، وأنبتت في المحل من مقتضياتها على قدر استعداد المحل وتوفيته لشروط تلقيها. وإن عرضت العلوم على محل غير مستعد لتلقيها كان عرضها مثل عرض الطعام على الممتلئ به لم يلق محلا من بطنه فارغا، فإن بطنه غير قابل للأكل، وإن أكل منه على هذا الحال تضرر به، وربما أدَّاه إلى الهلاك. وهكذا الحكم في العطشان حين عرض الماء عليه. وإن كان ثم جوع مفرط أو عطش مفرط انتفع بالأكل والشرب ولم يتضرر بهما.

ثم اعلم أن تهيأ المحل لقبول العلوم له مراتب: أعلاها رسوخ الروح في العلم، وهو المعبر عنه بمقام المعرفة بالله الذوقية العيانية المعروفة عند القوم، وهي التي يشهد العبد فيها نفسه عين كل شيء، وكل شيء عينه، مما اتصل أو انفصل إجمالا وتفصيلا. والوصول للروح إلى هذا المطلب أصعب من الصعود إلى العرش بلا سلم لغير من انخرقت له العادة الإلهية خالية من العوائق والعلائق. والوصول إلى هذا المطلب لا يتأتى إلا على يد شيخ كامل برسوخ روحه في هذا المقام عيانا ذوقيا، ووقع له من الله بصريح العبارة نصه:

"إنا أقمناك لإدخال العباد إلى حضرتنا: إما جذبا، وإما سلوكا". ولا يفيد الإذن العام مثل قوله تعالى: ]اُدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِاُلْحِكْمَةِ[(النحل: الآية 125) ، فإن ذلك في العام للعام، وهذا في الخاص للخاص فلا بد من خصوص الإذن وإلا فلا سبيل.

ثم من شروطه: كون التلميذ علم منه هذا قطعا، وصار بين يديه على حالة اعتقاد على أنه إن خالفه في مثقال ذرة هلك دنيا وأخرى، أو مات كافرا. فوضع نفسه بين يديه كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف شاء بغير اختيار، فإن كنت تطلب هذا فابحث عليه بفكرك، وسعي رجليك، على يد شيخ هذا وصفه، وهو أغرب وجودا من الكبريت الأحمر، مع كون الأرض مملوءة بهم والله ولي التوفيق.

 
×

رسالة إلى الشريف سيدي هاشم بن معزور

 

بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله ،

بحمد الله جل جلاله وعز كبرياؤه، وتقدست صفاته وأسماؤه، يصل الكتاب إلى يد حبيبنا ورفيع القدر والمكانة من قلوبنا سيدي هاشم بن معزوز، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وتحياته ورضوانه، من كاتبه إليكم، محبكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني الحسني.

وبعد، نسأل الله لكم جل جلاله وعز كماله، أن يعاملكم في الدنيا والآخرة بفضله ورضاه، وأن ينظر فيكم بعين رضاه وعنايته، ومحبته وكلاءته، وحفظه وولايته، في جميع تقلباتكم وحركاتكم وسكناتكم، وأن يكفيكم شر ما يأتي به الليل والنهار من جميع ما ينافي كمال السرور.

ويليه إعلامكم عما كتبتم به إلينا من شكواكم بإعطاء مالكم للسائلين ومضايقتهم لكم، وعدم طاقتكم لردهم.

فاعلم يا أخي أنك في هذا الحال مضر بنفسك شرعا وطبعا. أما من جهة الشرع، فإن الله تعالى ذكر فيك كتابه العزيز، حيث مدح عباده المخصوصين بالزلفى منه فقال: ]وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا[(الفرقان: الآية 67) . وقال سبحانه وتعالى: ]وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اُللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ[ (البقرة: الآية 195) وقال سبحانه وتعالى لنبيه ورسوله حبيبه وصفيه ]وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ اُلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُوراً...[ (الاسراء: الآية 29)، وقال سبحانه وتعالى: ]وَآتِ ذَا اُلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَاُلْمِسْكِينَ وَاُبْنَ اُلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ اُلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ اُلشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ اُلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا[ (الاسراء:  الآية 26).

والنهي عن إضاعة المال ولزوم حفظه هو أمر اجتمعت عليه الأمة، ولا نعلم بينهم فيه خلافا. هذا وقد سمعت ألفاظ القرآن العظيم الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس لك إلا السمع والطاعة والإتباع. فلا تنهمر في إعطاء المال حتى تنتهي إلى التبذير فتقع فيها حرمه الله تعالى، ولا تمسك يدك عن الإعطاء حتى تنتهي إلى البخل، فإنه مذموم شرعا وطبعا. وكن في وسط الأمرين بين البخل والتبذير، يعني توسط في ذلك، وأعط لله بقدر اتساع مالك وقدر مصروفك على أهلك ونوائبك، وعلى قدر ما يدخل يديك من التجارة والأسباب في كل وقت. ومن كان عنده خمسون قنطارا من المعهودة عندكم، وكان كثير الأهل والعيال، وصرف لله في كل يوم مثقالا أجزأه، ولم يطالب بحقوق المال في شيء. فإن زاد وأعطى كل يوم مثقالين فقد أكثر العطاء. وإن زاد على مثقالين كل يوم فقد خرج إلى التبذير. وهذا في غير سائل أتاك جائعا يطلب خبزة أو خبزتين يأكلهما من واحد إلى اثنين إلى ثلاثة فلا سبيل لردهم، وإن زاد على ذلك فلا حرج عليك فيما تمنعه من الإعطاء. وإن جاءك ما يزيد على هذا فقل لهم: "يفتح الله علينا وعليكم". فإن ذكر لك وجه الله تعالى ووجه رسول الله ، فأعطه من أوقية إلى أوقيتين، ولا عليك فيما وراء ذلك.

فاحفظ هذا القدر، واعتن بتحصين مالك من التلف. فإن مالك به يصان إيمانك بالله تعالى، فإن أتلفته أتلفت إيمانك بالله. فإنه وقع في الخبر أن من الناس من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو افتقر لكفر. ولعله يقص عليك حكاية أكابر الأولياء وإفراطهم في إعطاء المال حتى تفرغ أيديهم من كل شيء طلبا لتأسيك بهم. ولا يقص عليك هذا إلا جاهل بالوقت وتصاريفه. وجاهل بقواعد الشرع وأصوله. فلا تلتفت إليه ولا تبال به فإنه من جنود الشيطان، لأن الأولياء الذين يذكرهم لك غرقى في بحار اليقين والتوحيد بين يدي الحق سبحانه وتعالى، لا يخطر في قلوبهم غيره، ولا يلتفتون لغيره في كل حركة وسكون. لأن أصحاب هذه المرتبة أصحاب عناية عظيمة من الحق بهم، لا يتركهم فارغين بل يسوق إليهم الأموال من كل جهة، على رضى الخلق أو كره منهم، ومع ذلك فهم على بصيرة من الحق سبحانه وتعالى، يعلمون منه لغامض العلم اللدني الذي وهبه الله لهم أن كل ما يحب منهم فراغهم من الدنيا وتفريقها عنهم، ويهب لهم من قوة الصبر والرضى واليقين عندما تشتد بهم الحاجة إلى المال في نوائب الدهر وصروفه، حتى لا يحسوا بألم ذلك الاحتياج.

وأصحاب هذه المرتبة لا يلام أحدهم في تفريق الدنيا كلها في ساعة واحدة. وأما أنت وأمثالك فليست لكم تلك القوى. واعرف المرتبة التي أقامك الله فيها وقف عند حدها، وتصرف في أحكامها، ولا ترق بنفسك إلى مراتب أهل الخصوص، إذ ليست لك قوتهم ولا يقينهم. وقد قيل في المثل: "النملة لا تحمل حمل الجمل"، فإن أرادت التعدي إليه تخطت طورها ولا قدرة لها على ما تريده.

وإن للشيطان - لعنه الله - مكرا خفيا بصاحب المال، إذا رآه تقيا مقيما لأمر ربه فيما يقدر عليه كافا كثيرا من شره، منغمسا في كثير من أمور التقوى، ويراه في ذلك مطمئنا بماله لا ينزعج، فيأتيه اللعين بمكره الخفي، ويسوق الناس إليه لطلب العطاء لله، ويخوفه في قلبه من منعه لهم، يقول له في قلبه: "إن رددت هؤلاء سخط الله عليك، أو سلبك نعمته".

ولا يزال يستدرجه في مثل هذا، وقصده أن يفرق عنه المال ليذهب دينه وإيمانه. فلا يزال كذلك إن لم يكف عنه حتى يفرق جميع ماله، فإذا فرقه وقع التشويش في قلبه، فيريد أن ينفق نفقته التي كان ينفقها في ساعة اتساع المال فلا يجد السبيل إليها، فيقع التشويش والترويع له من أهله طلبا لما اعتادوه من اتساع النفقة. فإن لم يأت بها آل الأمر بينه وبين أهله إلى اتساع السخط، والغضب والعداوة، فيكثر عليه الضيق والغيظ، فلا يجد وقتا يذكر فيه ربه، ولا يؤدي فيه أمرا من طاعة ربه، وربما أضاع عليه فرض الصلاة. فيحمله ذلك على أخذ الديْن من الناس وإتلافه في النفقة. فعن قريب يحل به البلاء والويل من عدم وجوده ما يقضي به دين الناس، ويصبح في زمرة الهالكين. فقد تلف دينه وعقله ودنياه وآخرته. فهذا مراد الشيطان منه فيما كان يرغب فيه من الإعطاء لله وعدم المنع. فاحذر هذا المكر. وفيما ذكرناه لك كفاية.

وأما ما ذكرت لنا من أمر أورادك، فإن قدرت على أن تأتي بالفاتح لما أغلق مائتين بين الليل والنهار زائدة على ما في الورد المعلوم، واجعل في اليوم والليلة مائة من قولك: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ملء ما علم وعدد ما علم وزنه ما علم"، فمرة واحدة من هذا التسبيح أفضل من استغراقك الليل والنهار في ذكر الله تعالى. واترك عنك تلك الأذكار مع الفاتحة على ما ذكرت. وإن قدرت على أن تجعل بين اليوم والليل عشرين مرة من قولك هذا الدعاء وهو:

"يا من أظهر الجميل وستر القبيح ولم يؤاخذ بالجريرة، ولم يهتك الستر، يا عظيم العفو، ويا حسن التجاوز، ويا واسع المغفرة، ويا باسط اليدين بالرحمة، ويا سامع كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا كريم الصفح، ويا عظيم المن، ويا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها، يا رب ويا سيدي ويا مولاي، ويا غاية رغبتي، أسألك أن لا تشوه خلقتي ببلاء الدنيا ولا بعذاب النار". واجعلها مفرقة أو مجموعة، وأحضر قلبك عند التلاوة قدر ما تطيق، فإن الحضور هو روح الأعمال.

واعلم أن هذا الدعاء أتى به جبريل إلى النبي فقال له: يا رسول الله إني أتيتك بهدية، فقال له : وما تلك الهدية يا جبريل؟ فذكر له هذا الدعاء، فقال له : ما ثواب من قرأ هذا الدعاء؟ فقال له جبريل: لو اجتمعت ملائكة سبع سماوات على أن يصفوه ما وصفوه إلى يوم القيامة، وكل واحد يصف ما لم يصفه الآخر فلا يقدرون عليه، ومن جملة ذلك أن الله يقول فيه: "أعطيه من الثواب بعدد ما خلقت في سبع سماوات، وفي الجنة والنار، وفي العرش والكرسي، وعدد قطر المطر والبحار، وعدد الحصى والرمل". ومن جملتها أيضا، أن الله تعالى يعطيه ثواب جميع الخلائق. ومن جملتها أيضا أن الله تعالى يعطيه ثواب سبعين نبيا كلهم بلغوا الرسالة إلى غير ذلك. وهذا حديث صحيح ثابت في صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ، وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص من أكابر الصحابة ، صححه الحاكم وقال: رواته كلهم مدنيون.

واترك عنك جميع الأذكار، فلو ذكرت أذكارك التي تذكر مائة ألف عام، من غير الفاتح لما أغلق الخ، لم تبلغ مرة واحدة منها، ففيها كفاية عن جميع الأذكار.

وأما ما ذكرت من تفرغ قلبك إلى الاشتغال بالله، وعدم المبالاة بسواه، فاعلم أن لذلك وقتا وأجلا ليس هذا وقته. واعلم أن ذكرك الفاتحة بنية الاسم الأعظم يغنيك عن جميع الأمور. وكل العبادات إذا اجتمعت بالنسبة إليه كنقطة في بحر.

ولازم ما ذكرناه لك فلو اجتمعت عبادة جميع العارفين ما بلغوا مرة واحدة منها.

ونسأل لكم ولأولادكم وجميع متعلقاتكم، أن يجعلكم في كفالة الله، وكفالة رسوله في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

وكتب سيدنا بعد هذا بخطه الشريف: قال العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني: كل ما كتب في هذا الكتاب، من أوله إلى آخره، كله بإملائنا على الكاتب حرفا حرفا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. اهـ

 ×

رسالة إلى الشيخ محمد بن سليمان المناعي التونسي

بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله .

وبعد: نسأل الله عز وجل أن ينزل عليك اللطف والراحة مما تشتكي منه، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينظر فيك بعين اللطف والرحمة والمعافاة من كل بلية، وأن يبلغك جميع الآمال، وأن يتكفل بقضاء جميع حوائجك في الدنيا والآخرة. ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يفيض عليك بحور الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة، وأن يفيض عليك بحور رضاه وفضله في الدنيا والآخرة، آمين.

وأما ما كتبته لي وأخبرتني به من تصرفات الأولياء السابقين، طالبا مني أن أفعل في ضررك مثل ذلك كي تستريح فالجواب:

إن أحوال الأولياء لا تجري على قانون واحد، ولا في سبيل واحد، ولا حيث كل ما أرادوا. بل الأمر في ذلك موكول إلى الله، جار على قانون مشيئته. فما قام ولي في أمر باختياره، ولا تصرف ولي في شيء بأمره وإرادته. بل ذلك كله جار على حكم مشيئة الله تعالى، فإنه هو الفاعل لما يريد. فكم من ولي يجري في إظهار الكرامات على القانون الذي تعلمه العامة حيث شاء وكيف شاء. وكم من ولي عظيم القدر،  عالي المقام، قد أدبر عن الكون بالله بحيث أن لا علم له بكل ما سوى الله، فإذا أراد التصرف وإظهار الكرامة على حد ما هو معروف للأولياء، منع من ذلك بحكم مشيئة الله، لأمر يعلمه الله لا يعلمه غيره.

قال الجنيد : "لقد مشى باليقين رجال على الماء، ومات بالعطش رجال أفضل منهم".

ثم إن الأمر الذي طلبته مني في التصرف في زوال ضررك لم أجد إليه سبيلا، ولا حيلة ولا تعويل، وكل بقضاء الله وقدره، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والخواص على الجملة والتفصيل لا تدخل تحت القياس، والحكم لله بمشيئته في جميع أحوال الناس.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ×

رسالة إلى أهل عين ماضي

بعد حمد الله جل جلاله، وعز كبريائه وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى أيدي أحبابنا وأعز الناس عندنا، جماعة أهل عين ماضي من غير تخصيص. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.  من كاتبه إليكم أحمد بن مَحمد التجاني، وبعد،

نسأل الله عز وجل أن يفيض عليكم بحور الأرزاق والخيرات والبركات، وأن يكفيكم شر جميع الخلق، وأن يلبسكم رداء العافية والستر.

يليه إعلامكم عما كتبتم به إليَّ:

فأما انتقالي إليكم فإنه قد حان انتقالي من هذه البلدة، لكن الأسباب الإلهية أعجزتني عن الانتقال إليكم لكوني ثقيل الحمل، لا يحملني إلا سبعون بعيرا أو ثمانون بعيرا، ولا أجدها في هذا الوقت، لا عندي ولا عندكم، والآن صارت الطريق بيني وبينكم مخوفة لا تسلك إلا بشدة من كثرة الأعداء، والله غالب على أمره.

وأما ما طلبتم مني بعثه إليكم من البارود والرصاص، فلا وجود له في هذه البلاد أصلا. وكان قبل هذا يوجد في بلاد فجيج، والآن بلاد فجيج الطريق بيننا وبينهم مخوفة لا أمان فيها. وقد عاجلني في هذه الساعة السفر إلى بلاد أنقاد لأجل شراء الزرع الذي أنا محتاج إليه، ولا أقدر على التخلف عنه حتى ساعة لكثرة ما يلزمني من أكل الطعام.

وأما أمر الباي معكم فاسمعوا مني نصيحة كاملة يبذلها الوالد المحب لولده، إذا كنتم تراعون نصيحتي فسيروا إليه في بلاده، وأعطوه ما تقدرون عليه من المال، ولا تقاتلوه، فإنه لا خير لكم في قتاله.

وأخبركم أنه انكشف لي من سر الغيب ما لم يكن لنا ولا لكم به علم، وهو أنه سبحانه وتعالى قد قضى في حكمه على جميع خلقه من أهل الصحراء بثقل المغرم عقوبة لهم على معاصيهم، وعدم توبتهم من ذلك، ولكثرة اشتهار الظلم والفواحش في كل محل، وعدم النهي عن ذلك، ونفذ حكم الله بذلك، ولا سبيل لدفعه، فقد غلبنا وغلبكم أمر الله، وعجزنا عن دفع بلائه في خلقه، فإن الله له الحكم والتقدير، والله غالب على أمره، وتنجيزاً لوعده، بقوله: ]مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ[(النساء: الآية 123) ، ]وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[(الزلزلة: الآية 8) ، ]فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ اُلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[(القَصَص: الآية 8 ) .

ولما في صحيح البخاري عن أم سلمة وزينب بنت جحش رضي الله عنها أنه قال: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب. فقالت زوجته : وما ذاك يا رسول الله؟ قال: فتح من ردم يأجوج ومأجوج قدر هكذا. وعقد نقرة بين إبهامه وسبابته، فقالت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث". فأخبر أن وجود الصالحين في الخلق لا يرفع البلاء عنهم لكثرة الخبث.

ثم إياكم أن تخالفوه أو تقاتلوه، فقد حدث الأمر من عند الله بما قلته لكم، ودليل ذلك أن ذلك الأمر قد عم بلاد الصحراء حاضرها وباديها، ولم يسلم منها أحد، ولا بد أن يعمكم، ولا تقدرون على دفعه. فلا يغرنكم ما جرت به عادتكم من غلبتكم على كل من قاتلكم في قريتكم، فإن تلك العادة قبل أن يحدث عموم هذا البلاء، فلما حدث هذا البلاء وثبت بإرادة الله، فليس لكم إلا التسليم لأمر الله. واصبروا حتى يفرج الله. وارضوا بحكم الله. وإن أبيتم فإنه يصب عليكم بلاء عظيم لا تقدرون عليه. ولا تلتفتوا لقول من يأبى عن هذا، فإن أمر الله لا مرد له. قال سبحانه وتعالى: ]وَإِذَا أَرَادَ اُللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ۚ[(الرعد: الآية 11) . وقد وقع هذا الأمر من الله حقيقة، ولا قدرة لكم على دفعه. فكل تدبير عندكم في القتال والخلاف فاتركوه، ولا تدبروا إلا في الصلح بينكم وبين هذا الباي، ولا تعارضوا أمر الله. فإني قلت لكم ذلك القول سابقا، ثم ظهر لي من أمر الله ما لا دافع له، رأيته عيانا. وإن خالفتم قولي، فقد ألقيتم بأنفسكم إلى الهلاك، وهو واقع لا محالة إلا أن تصبروا وتعطوا ما يصلح الحال بينكم وبينه. وإلا فالذي قلته لكم واقع لا محالة. فدبروا في نجاة أنفسكم قبل حلول الهلاك. فهذه نصيحتي لكم إن قبلتموها. وكان الأمر سابقا على ما أخبرتكم، والآن ظهر من الغيب ما لم يكن لنا به علم.

وقد سمعت من ألسنة أحوال المقادير الإلهية، أنك تتعرض لدفع بلاء الله عن خلقه، فهل تقدر على عصمتهم من اقتحام الذنوب، وحيث لم تقدر على عصمتهم من اقتحام الذنوب، فلا بد لكل ذنب من عقوبة. فتأخرتُ وسلمت الأمر له في خلقه، معترفا بالعجز والتقصير.

عباد الله، عباد الله، عباد الله، لا تخالفوني في هذا الذي قلته لكم، وأخبركم أنه جرت لي عادة مع الله كلما حدثت أحدا على فعل أمر أو تركه في صلاح نفسه، ثم لم يقبل مني، إلا عوقب ببلاء على قدر ذلك الأمر. ولم تتخلف هذه العادة. وإن قضى الله وتصالحتم مع الباي بذهاب الشر بينكم وبينه، وبعثتم لي من الإبل قدر ما يحملني، انتقلت إليكم. ولا أقدر على دفع البلاء الذي أراده الله في خلقه لأجل ذنوبهم والسلام.

×

رسالة إلى بعض أحبائه

بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله :

قال كاتبه أحمد بن محمد التجاني بعد السلام التام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما ما ذكرتم من رؤية النبي في النوم، نسأل الله أن يمكنكم منها عاجلا. ولكن عليكم إن أردتموها بالمداومة على جوهرة الكمال سبعا عند النوم على وضوء دائم، فإنها كفيلة بها وهي: "اللهم صل وسلم على عين الرحمة الربانية... إلخ".

وأما سند طريقتنا، فطريقتنا عنه اتصالا منه إلينا. وسندنا أيضا في الورد المعلوم مع السيفي عنه متصلا إلينا. وأما المسبعات العشر، فأخذناها مشافهة عن شيخنا الشيخ محمود الكردي المصري ، وهو أخذها عن الخضر مشافهة.

وأما أحزاب الشاذلي، ووظيفة الزروق، ودلائل الخيرات، والدور الأعلى، فكلها أخذنا الإجازة فيها عن شيخنا القطب الكامل سيدي محمد بن عبد الكريم السمان قاطن المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

وأما ما ذكرتم من شرط اتحاد الوقت في ذكر الخلوة، فهو أمر مطلوب في جميعها، ولا يضر إن تخلف إلى غير وقته، اللهم إلا في الأسماء الإدريسية، فإنه إن تخلف الوقت تضرر العامل ضررا كبيرا.

وأجزنا لكم في الورد وفي كل ما ذكرنا لكم سنده فيما طلبتم فيه السند نفعكم الله بذلك والسلام.

×

رسالة إلى بعض أصحابه

بعد البسملة والصلاة على رسول الله :

وبعد، فتعلقك بالخواص في طلب الدنيا وأغراضها وشهواتها، وأنت مشغول بإطلاق لسانك في الغيبة والنميمة وفي ما لا يرضي الله، ومنهمك في البعد عن الله؛ لا ربح في هذه التجارة إلا التعب، فلا تظفر منها بشيء.

وإن الخواص بحر الطمع المتعلق بها كالذي يريد الظفر بسراب ]بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اُلظَّمْآنُ مَاءً  [(النور: الآية 39). إنما الخواص وأسرارها لا يتمكن منها أحد من خلق الله إلا أحد رجلين:

إما رجل ظفر بالولاية، وإما رجل جعل أكثر أوقاته في ذكر الله وفي صحة التوجه إليه سبحانه وتعالى، وفي الصلاة على النبي طلبا لوجهه الكريم لا لغرض غير ذلك، وداوم على هذا المنوال، وصان لسانه عن الأقاويل التي لا ترتضى شرعا كالغيبة والنميمة والكذب والسخرية وسائر ما لا يرتضى، وصان قلبه عما لا يرضي الله، كالكبر والحسد وظلم الناس، والبغض بغير أمر شرعي إلى غير ذلك، وهو في هذا كله قائم لله تعالى.

فهذا هو الذي لعله يدرك بعض أسرار الخواص. ومن سوى هذين لا يفيده التعلق بالخواص إلا التعب. والذي يليق به في وقته، أن يجعل وردين لله تعالى من الصلاة على النبي ، ورد في الليل وورد في النهار. في كل ورد من الصلاة على النبي خمسمائة مرة في كل ورد، ثم تدرج كل ورد بالزيادة خمسين مرة في كل أسبوع، لا تزال كذلك حتى يصير الوردان ألف مرة في كل ورد.

وداوم على الورد هكذا أبدا سرمدا لا تزيد ولا تنقص، واقصد بذلك صحة التوجه إلى الله تعالى لوجهه الكريم فقط لا لغير ذلك. فإنك بالدوام على ذلك تنفرج عنك الأمور. وزد على ذلك وردا من قولك: "يا لطيف" ألفا بالليل أو النهار فقط، واقصد بذلك الاستغاثة بالله من ضرر الفقر وداوم عليه يفرج الله عنك ما أنت فيه، والسلام.

 
×

رسالة إلى بعض أصحابه

بعد البسملة والصلاة على رسول الله ، وبعد كلام قال

وأنا أظن أنه تقلق قلبك مما سمعت وقوعه لفلان، ظنا منك أني آثرته، فاعلم أني لم يقع مني شيء.

لكني أخبرك بأمر لا علم به لأحد هو أن لله نفحات وتوقعات من الغيب يهبها لمن يشاء، لكنه سبحانه وتعالى يبعث تلك النفحات على أيدي صور من الغيب، يظهرها الله متصورة في صور بعض الأولياء الأحياء أو الأموات، تلقى تلك الصور بعض الأسرار التي يقع عنها الفعل والانفعال، أو بعض النفحات لمن أراد الله في النوم أو اليقظة، فينتفع بها من ألقيت إليه ويراها، أي الصورة في صورة ولي يعرفه، فيقول من نال ذلك أعطاني سيدي فلان السر، ولا علم لذلك الولي بشيء مما ذكر. ثم إن من وقع له ذلك شرط انتفاعه أن يدوم اعتقاده وتعظيمه لذلك الولي الذي وقعت الصورة على صورته، فإن ساء اعتقاده في ذلك الولي الذي جاءته الصورة على صورته، أو نقص تعظيمه من قلبه سلبه الله سره، وتحولت عنه تلك الصورة فلا تأتيه أبدا ولا ينال سرا أبدا وبقي في ذل وإهانة. انتهى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.×

رسالة إلى بعض الفقهاء من أصحابه

ونصها بعد البسملة والصلاة على رسول الله :

من أفقر العبيد إلى مولاه الغني الحميد أحمد بن محمد التجاني عامله الله بفضله، إلى محبنا في الله، السلام عليك ورحمة الله وبركاته. أما بعد،

فالذي سألت عنه من التصرف بالدائرة الشاذلية وأسمائها وخواصها فالجواب عن ذلك:

اعلم أن التمسك بما في كتب أهل الخواص من دائرة الشاذلي ، وأسماء الله، والحروف والجداويل، كله ]كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اُلظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا[(النور: الآية 39) ، ما في جميعها إلا التعب والطمع الذي لا يوجد فيه قليل من الفائدة، ولا جدوى من العائدة. إلا أن لتلك الأسرار تصاريف عالية، وأفعالا عظيمة، لكنها مشروطة بالوقوف على أمرين، لا ينال أحد بدونهما شيئا:

الأمر الأول: هو الفتح للعبد في كمال المعرفة العيانية الباطنية، فصاحبها لا يتوقف على وجود شرط أو زوال مانع، متى أراد شيئا أو جده بتلك الأسباب.

الأمر الثاني: أن لتلك الأسرار أرواحا علوية طاهرة مطهرة، قائمة بتصريف تلك الأسرار، دائمة التمادي في التصرف بأسرارها. وتلك الروحانية لها طرق مخصوصة يتوصل بتلك الطرق إلى تسخير روحانيتها، حتى لا يتوقف على داعيها في شيء إلا أجابت في أسرع من طرفة العين، وهذه الطرق لا يعلمها إلا الأولياء.

وقد أخذ العهدُ على الأولياء في ظهر الغيب، أنهم لا يُطلعون على هذه الأسرار أو شيء منها أحدا من الواقفين مع حظوظهم. ومن تعدى منهم في شيء وأطلع عليه أحداً من أهل الحظوظ؛ ابتلي ببلية عظيمة، إما بقتلة شنيعة، وإما أن يسلط عليه وارد من قبل الحق يستأصل ماله وولده، وإما أن يبتليه الله بالفقر وعدم الصبر عليه، أو بالسلب أو بالكفر، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك كله، بجاه النبي وآله.

وما مثال ذلك إلا كحصن عظيم مملوء بخزائن الكنوز والأموال والتحف، مما يقضي بتوفية جميع الأغراض. وعلى ذلك الحصن أسوار عظيمة من حديد، في غاية ما يكون من الغلظ والتوثيق، ولا أبواب لتلك الأسوار ولا مفاتيح. ثم إن لتلك الأسوار وذلك الحصن أبوابا وطرقا مخبوءة تحت الأرض، تأتي من الحصن على مسيرة ستة أيام أو سبعة تحت الأرض، كل من سلك طريقا من تلك الطرق، أفضت به إلى باب الحصن الذي تحت الأرض، ودخل الحصن وأخذ كلما أراد ورجع من طريقه. فهو أبدا يدخل من تلك الطرق ويخرج منها. ووضعت أبواب تلك الطرق من خارج مغلقة مُدلَّسة عليها، بحيث لا يوقف عليها إلا بالنقل والإخبار، ومن لم يخبر بتلك الأبواب لا يهتدي لتلك الطرق ولا يدخل إلى الحصن.

فالرجل الأول المفتوح عليه بالمعرفة متى جاء إلى الحصن، زالت عنه تلك الأسوار من غير تعمُّل منه، ووصل إلى كنوزها من غير مشقة. وأصحاب الأمر الثاني هم العلماء بالطريق التي يُهتدى بها إلى تسخير الروحانية والتعرف فيها، والبلوغ بها إلى كل غرض، هم الذين في المثال الثاني المطلعون على الطرق المخبوءة تحت الأرض المدلسة أبوابها.

والعامة الخارجون عن هذين الأمرين، بمنزلة من يطوف حول الحصن، يريد أن ينال مما في داخله من الكنوز من غير باب ولا مفتاح، فليس له من طوافه إلا التعب.

نعم قد يقع في بعض الأحيان للعامي الذي لا حظ له في الأمرين الأولين إجابة في أمر من الأمور، وقعت بنفحة إلهية، اقتضت تلك النفحة منه سبحانه وتعالى أن كل من طلب منه في وقت تلك النفحة شيئا، سواء علم تلك النفحة أو جهلها، أو علم وقتها أو جهله أن يعطيه في ذلك الوقت سؤاله، سواء كان على جادة مستقيمة أو على غير صواب، سواء كان أهلا لذلك السؤال أم لا. لكن لا يطرد له في كل ساعة أو في كل مطلب، لأن تلك الإجابة اقتضتها تلك النفحة الإلهية البارزة من الحق سبحانه وتعالى، لا أنه اقتضاها علمه بذلك السر وتلك الخاصية.

فإن أصحاب الأمرين تطرد لهم الإجابة في كل مطلب وفي كل ساعة. وهذا الثالث لا تقع له الإجابة إلا إذا وافقت نفحة إلهية بحكم الاتفاق.

وفيما ذكرناه كفاية لمن فهم، فلا تتعبوا أنفسكم من الأسرار والخواص في شيء، والزموا الأمر الذي قلناه لكم في الوصية هو أنفع.

 
×

رسالة إلى بعض الولاة

بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعد حمد الله جل جلاله، وعز كبرياؤه، وتعالى عزه، وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى العلامة النبيه، الدراكة الفقيه، السميدع الوجيه، حلو الشمائل، كريم الأخلاق والفضائل، فلان بن فلان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتحياته ورحماته. من كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني الحسني

وبعد: نسأل الله جلت عظمته، وتقدست أسماؤه وصفاته، أن يجعلك في الدنيا والآخرة من أخيار الأمة، وأن يجعلك ممن ينظر فيهم بعين العناية والاستخلاص، والمحبة الكاملة منه وخلوص الاختصاص، حتى تكون ذنوبك  كلها كلا شيء، وحتى تكون حسناتك مقبولة على أي حالة كنت.

وإياك أن تستبعد هذا، فإن الله سبحانه وتعالى دائرة من فضله جعلها  مكنوزة من وراء خطوط الدوائر التي هي دوائر الأمر والنهي، والجزاء خيرا وشرا، والاعتبارات واللوازم والمقتضيات. فإن هذه المراتب هي مراتب عموم الخلق. وتلك الدائرة الفضيلة هي دائرة اختصاصه واصطفائه سبحانه وتعالى لمن شاء من خلقه. وهذه الدائرة جعلها سبحانه وتعالى عنده فيضها فائض من بحر الجود والكرم، لا يتوقف فيضها على وجود سبب ولا شرط ولا زوال مانع، بل الأمر فيها واقع على اختصاص مشيئته فقط. ولا يبالي بمن كان فيها أوَفَّى بالعهود أم لا، أم انتهج الصراط المستقيم، أم سقط من المعاصي في الطريق الوخيم، لا يبالي فيها لمن أعطى ولا على ماذا أعطى. ومن وقع في هذه الدائرة من خلق الله كملت له السعادة في الآخرة بلا شوب ألم ولا ترويع.

وأما ما أعظك به فاسمع ما يقوله ربنا في كتابه، وكفى به واعظا: قال سبحانه وتعالى: ]يَا أَيُّهَا اُلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ [  إلى قوله ]أَصْحَابُ اُلْجَنَّةِ هُمُ اُلْفَائِزُونَ[ (الحشر: الآية 18-19-20) . وقال سبحانه وتعالى: ]يَا أَيُّهَا اُلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اُللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا[ إلى قوله ]فَوْزًا عَظِيمًا[ (الأحزاب: الآية 70-71). وقال سبحانه وتعالى: ]وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ ۚ[(النساء: الآية 131) . وقال سبحانه وتعالى: ]وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اُللَّهِ ۖ[. إلى قوله: ]وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [(البقرة: الآية 281) . وقال سبحانه وتعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا[. إلى قوله: ] يُؤْمَرُونَ[(التحريم: الآية 6) .

واعلم أنك في مرتبة قد حوت مالا يحاط من الخيرات والبرور، وجمعت ما لا ينتهي إلى غايته من البلايا والشرور، وأنت واقف بينهما في هذه المرتبة. فراقب الله في قلبك، وانظر إلى خلق الله بعين الشفقة، ولضعيفهم ومسكينهم بعين الرأفة وقضاء حوائجهم. وإياك والاستهزاء والتواني بهم في تبليغ أمورهم إلى مولانا السلطان. فإن الله سبحانه وتعالى نظرا في العبد عند كل نظرة ينظرها. فمن رآه من ذوي العلو والارتفاع، نظر في خلقه ونظر إليهم بعين إضافتهم لله تعالى، وعظمهم لذلك النظر، وسارع في قضاء حوائجهم بما يقدر عليه، وكان منه ذلك لله تعالى، نظر فيه ربنا سبحانه وتعالى بعين الرحمة وعين التكريم والتعظيم، وسارع له في قضاء حوائجه، وكلأه كلاءة الوليد من أبيه. فيا سعادة من ظفر بهذه النظرة من ربه.

ومن كان على الأخرى، والعياذ بالله، من عدم المبالاة بخلق الله، والتباعد عن قضاء حوائجهم، والتنائي عن رحمتهم والشفقة عليهم، فجزاؤه ما هو معلوم في النار. يقول سبحانه وتعالى فيمن اتصف بهذه الصفة: ]خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ اُلْجَحِيمَ صَلُّوهُ[ إلى قوله: ]إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاُللَّهِ اُلْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ اُلْمِسْكِينِ[(الحاقة: الآية 30-40) . وهذا يكفيك إن اتعظت.

ونسأل الله لك التوفيق والرشاد، والغرق في بحر الهدى والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

×

رسالة إلى سيدي محمد بن المشري وسيدي محمود التونس وشيخ الإسلام الرياحي

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بعد حمد الله جل جلاله، وتقدست أسماؤه وصفاته، وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى أحبابنا وأعز الناس لدينا: سيدي محمد بن المشري، وسيدي محمود التونسي، وسيدي ابراهيم الرياحي التونسي.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإنعامه وإبراره، من المسلم عليكم أحمد بن محمد التجاني وبعد،

نسأل الله تعالى أن يقبل عليكم بفضله ورضاه، وأن يجعلكم في ديوان الصديقين، وأن يحرسكم بعين رعايته، وأن يحفظكم من جميع المخاوف والمكاره، وأن يغمركم في رضاه إلى الاستقرار في عليين آمين.

يليه أن الكتاب الذي جمعه سيدي ابراهيم الرياحي في الرد على من طعن فينا ونسبنا إلى الاعتزال والنكير علينا فلا تلتفتوا لكلامه، ولا تبالوا به ولا تهتموا من شأنه؛ وإنما هو رجل أعماه الحسد واستولى الرَّان على قلبه، وليس هو من فرسان هذا الميدان حتى تلتفتوا إليه، إنما هو كما قيل "ليس بعشك فادرجي".

ولنا في الرسل عليهم الصلاة والسلام إسوة: نُسبوا إلى الشعر وإلى الجنون وإلى الكهانة وإلى السحر، وما التفتوا إليه، وما أهمهم أمر من نسبهم إلى ذلك.

حاصل الكلام مطلقا الحادث والقديم إنما هو أسماء ومسميات، الأسماء هي صورة كلام المتكلم، والمسميات هي مدلولات الكلام الذي يدل عليها كلام المتكلم، فكلام الحق سبحانه وتعالى وصف قائم بذاته لا ينفك عنها، وهي عين تلك الأسماء المعبر عنها عين المسميات. فالأسماء كلها قديمة أزلية، لأنها عين الكلام الأزلي، فلا يصح الحدوث فيها بوجه ولا بحال، وهي في هذه المرتبة يستوي فيها القديم والحادث. والمسميات التي دخلت تلك الأسماء، بعضها قديم وبعضها حادث. فالمسميات: هي المدلولات، لا يصح فيها أن تنتقل لفهم المتكلم الحادث مثلا، والكلام الأزلي لا يصح أن يقال إنه قرآن في حق الذات المقدسة وإنما يقال فيه كلام.

ولكن أعرضوا عن كلام هذا الجاهل ولا تلتفتوا إليه، واستأنسوا بقوله تعالى: ]وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى اُلشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اُللَّهُ مَا يُلْقِي اُلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اُللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[ إلى قوله تعالى: ]وَإِنَّ اُلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ اُلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ أَنَّهُ اُلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اُللَّهَ لَهَادِ اُلَّذِينَ آمَنُواْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ اُلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ، اُلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ اُلنَّعِيمِ، وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اُللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اُللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اُللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ اُلرَّازِقِينَ، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اُللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ[(الحج: الآية 52-59) . وقوله: ]وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ اُلإِنْسِ وَاُلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ اُلْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ[(الأنعام: الآية 112) .

ولكن الأمر هين، أتركوه في عماه، يقول كيف شاء، والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

×

رسالة إلى سيدي محمد بن عبد القادر الزواق

الحمد لله وحده. والصلاة والسلام على مولانا رسول الله .

]اُلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اُلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ وَأَحَلَّنَا دَارَ اُلْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ ولاَ وَصَبٌ وَلاَ شُرُورٌ[ (فاطر: الآية 34).

وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد بذاته، الأحد بصفاته وأسمائه. وأشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله، المتحلي بصفاته الظاهرة والباطنة وسائر أسمائه بكمال ذاته المطلقة، على أحمده ومحمده بسائر عوالمه المقيدة، صلاة كاملة لكمال ذاته، وسلاما تاما يشمل سائر صفاته وأسمائه.

وبعد، فقد وصلنا كتابكم الأكبر، وفهمنا ما تضمنه خطابكم الأنور. فحمدنا الله على عافيتكم وسلامتكم أدامها الله عليكم.

وأما ما ذكرت لنا من الخوف الذي حل بكم، فلا باس عليكم، فأنت مامون العاقبة بحول الله وقوته. ولا خوف عليكم من صاحب الورد الذي انسلختم عنه. فأنت مضمون في الدنيا والآخرة من كل ما تخوفت منه. ولا ضرر عليك.

وقد قبلناك قبولا تاما عاما شاملا. ولك من قلبي رضى تام لا ينقطع عنك أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة. ونسأله لك أن يقابلك في الدنيا والآخرة برضاه.

واعلم سيدي أن كل من أذنته بوردنا قبل اليوم فكَلاَ شيئ، فلقنه الآن لأنه لا ينفعه، إن أمكنك. والآن أرسل له وأخبره واعلمه بالأمر وقل له: الإذن الصحيح هو الآن.

ونعلمك أيضا أن كل من أراد أن يأخذ وردنا والدخول في طريقتنا وله ورد سادتنا الأشياخ فلينسلخ عن جميع ما بيده ولقنه وردنا. وإن أبى أن ينسلخ عما بيده فقل له: أنت وما في يدك ولا عليك في غيره. وإياك ثم إياك أن تلقن وردنا لمن بيده ورد غيره، إلا إن تركه وانسلخ عنه أيا كان على أي حالة.

وقد أذناك في إعطاء وردنا، والسلوك في طريقتنا، والحديث بما لدينا، والرواية عنا. إذنا عاما خالدا تالدا إلى يوم الدين.

وهذا ما وجب به الإعلام لديكم.

وسلم مني على كافة أهلك وأولادك، كل واحد باسمه وعينه. ونسأل الله لهم أجمعين أن يجعلهم من المحبوبين المقبولين في جوار النبي .

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

عن إذن القطب الرباني والفرد الصمداني أبي العباس مولانا أحمد بن مَحمد التجاني، أدام الله علاه آمين.

×

رسالة إلى سيدي محمود التونسي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

بعد حمد الله جل جلاله وعز كبرياؤه، وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى يد حبيبنا وصفينا سيدي محمود التونسي.

السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد، فاسمع جواب ما سألت عنه من السؤالات:

أما الوظيفة فأحذرك تحذيرا شديدا من تركها، وتاركُها من أصحابنا يفوته خير عظيم، لا ينجبر له فوات ذلك الخير أصلا، إلا أنك إن وجدت ذكرها مع الفقراء فهو أفضل وأعلاه، وإن لم تجد الفقراء فاذكرها وحدك ولا تتركها حتى يوما، واذكرها مرة بين الليل والنهار، ومن وجد ذكرها مع الفقراء وذكرها وحده أخطأ الصواب.

وأما ما سألت عنه من أمر الشفع والوتر إن لم يفق النائم - مثلا - حتى طلعت الشمس ترك الشفع والوتر والفجر، وصلى الفرض فقط، ثم يصلي الفجر قبل الزوال، وأما الشفع والوتر إذا طلعت الشمس فقد فاتا ولم تمكن إعادتهما وتداركهما. وتدارك الصلاة المعلقة بين السماء والأرض لأجل تركهما يكون بصلاة النافلة أربع ركعات يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة، وهي الركعات المعدة لكل فائت من الفرض والنفل، من أول العمر إلى اليوم الذي صلى فيه الركعات الأربع يوم الجمعة. فذلك كفارة الجميع، والركعات مشهورة فلا نطيل بكتابتها.

وأما المريض إذا حصل له غيبة العقل بغير نوم، كإغماء أو غيره، فكلما مضى من الصلاة حتى خرج وقتها في حال غيبة العقل بغير نوم فلا قضاء عليه - أي المريض بعد الإفاقة - لا فرضا ولا نفلا، ولا يقضي إلا ما تركه ومعه طرف من عقله فرضا لا نفلا، إلا ما أدركه وقته من النافلة بعد غيبة عقله فيصليه والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
×

رسالة إلى فقراء الأغواط

بعد البسملة والصلاة والسلام على النبي :

بحمد الله يصل الكتاب إلى يد أحبابنا وأصفيائنا فلان وفلان، وكافة الفقراء الذين معه بالأغواط كل واحد باسمه وعينه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمد التجاني وبعد،

نسأله عز وجل، أن يتولاكم بعنايته، وأن يفيض عليكم بحور فضله وولايته، وأن يكفيكم هم الدنيا والآخرة، وأن ينجيكم من فقر الدنيا وعذاب الآخرة..

يليه إعلامكم أن فضل الله لا حد له، ]وَأَنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اُللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ[(الحديد: الآية 29) ، وأقول لكم إن مقامنا عند الله في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يقاربه، لا من صغر ولا من كبر، وإن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور، ليس فيهم من يصل مقامنا ولا يقاربه، لبعد مرامه عن جميع العقول، وصعوبة مسلكه عن أكابر الفحول. ولم أقل لكم ذلك، حتى سمعته منه تحقيقا.

وليس لأحد من الرجال أن يُدخل كافة أصحابه الجنة، بغير حساب ولا عقاب، ولو عملوا من الذنوب ما عملوا، وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي، ووراء ذلك مما ذكر لي فيهم، وضمنه لهم أمر لا يحل لي ذكره، ولا يرى ولا يعرف إلا في الآخرة.

ومع هذا كله فلسنا نستهزئ بحرمة ساداتنا الأولياء، ولا نتهاون بتعظيمهم. فعظموا حرمة الأولياء الأحياء والأموات، فإن من عظم حرمتهم عظم الله حرمته، ومن أهانهم أذله الله وغضب عليه، فلا تستهينوا بحرمة الأولياء والسلام. اهـ.

 
×

رسالة إلى فقراء مدينة تلمسان

بعد الحمد لله مثل جميع ما حمد به نفسه. جل جلاله. وعز كبريائه، وتعالى عزه، وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى أيدي كافة أحبابنا بتلمسان. عموما وخصوصا.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. من كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله تعالى. أحمد بن مَحمد التجاني.

وبعد، نسأل الله عز وجل أن يعاملكم في الدنيا والآخرة بفضله ورضاه آمين.

يليه: تروني بعثت سيدي الحاج علي حرازم نائبا عنا في أمور توجهت علي بالحرمين الشريفين، وشغلني العذر عنها. بعثته ليقضيها عني بمكة والمدينة المنورة، على ساكنها أزكى الصلاة والتحية، ولا غرض لنا إلا هذا.

والذي أطلبه منكم ومن فضل الله: أولا أنه إن ورد عليكم أن تقوموا بشأنه من البرور والبشاشة من غير مشقة في ذلك. وأن تكونوا له عونا ما دام عندكم فيما يحتاج إليه من أمره.

وما يذكره لكم من طريقتنا فخذوه عنه، ولا تكذبوه. ومن لم يأخذ عنا قبل وأراد الأخذ الآن فليأخذ عنه وردنا. وهو عوض نفسي وخليفتي. وقد أقمته مقام نفسي في تلقين أورادي وإعطاء طريقتي، وما انطوت عليه حقيقتي. فهو مني وأنا منه. ومن عظمه فقد عظمني، ومن أطاعه فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله ورسوله. فخذوا عنه جميع أورادكم ووظائفكم.

ومن أراد منكم العلم بسند طريقتي فإن سند طريقتي أخذته عن رسول الله في اليقظة لا في المنام. فلله الحمد كما يجب لجلاله. وصلى الله على سيد رسله وأنبيائه والسلام.

×

رسالة من السلطان المولى سليمان بن محمد العلوي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

عوض والدنا، سيدنا وشيخنا وقدوتنا المحمدي أبو العباس سيدي أحمد، الله لي وله، وأصلي وأسلم على نبيه الكريم.

بلغنا مسطوركم الأبرك، وحمدنا الله تعالى على ما خصنا به من رضى مولانا رسول الله ، منَّ الله علينا بشفاعته، وإذا أحب الله عبدا استعمله... ]فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ[ (الليل: الآية 5) والله يوفقنا بجاهكم عند رسول الله .

وهذا الأمر لا أريد أن أخلي نفسي من مباشرته ولا آمن أن أضيع أو أفرط، فعليه أردت أن أعمل أنا، ويعمله أيضا نيابة عني صاحبكم أخونا في الله حرازم لما عسى أن يقع منا.

وتوجه إلى الله سيدي في صلاح قلبي، وأن يعصمني من كل ما يمنعني من النظر إلى وجهه الكريم ويحطني عن رتبة المقربين بجاه رسول الله ، وأيضا يجب عليك هذا لأنك تعلم أن بصلاحي صلاح من ولاني الله عليهم وبفسادي فسادهم، فالدعاء لي دعاء عام. اهـ

 
×

رسالة إلى السلطان المولى سليمان بن محمد العلوي

بعد البسملة والصلاة والسلام على النبي :

المقام الذي يجب تعظيمه واحترامه، والسميدع الذي هو غاية المجد والكرم وتمامه، والسيد الذي هو ذروة العز وسنامه، سيدنا الشريف الأصيل، ذي الشرف الباذخ الثابت الأصل، حلو الشمائل، كريم الأخلاق والفضائل، بدر التمام، حامي حمى الإسلام، رافع راية الخلافة الإسلامية الإلهية، المتحلي بحلية الملة المحمدية، ملاذ الحاضر والبادي، أعني بذلك سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، سيدنا سليمان بن محمد نصره الله نصرا عزيزا، وأعلى في أوج السعادة الأبدية شمسه، وأدام في روض نزهات المواهب الإلهية أنسه. سيدنا: نسأل الله عز وجل أن يكتبك في ديوان أهل السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، وأن يجعل سبحانه وتعالى نظره فيك بعين عنايته بك، ومحبته لك، واختصاصه لك بمواهبه، ونصرته لك، وتأييده لك بعزه، وحمايته لك في الدنيا والآخرة. ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يجعل يوم قدومك عليه ولقائك له يوم عيد وفرح وسرور، وتكريم وحبور. ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يعاملك بفضله ورضاه عنك في الدنيا والآخرة. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل جنوده نصره لك، حافة بك من كل جهاتك أينما توجهت، وأن يصلح بك العباد والبلاد، وأن يشد بك أركان الإيمان والدين، وأن يفيض بك الخير والأمان على جماعة المسلمين، وأن يكون لك وليا ونصيرا ومعينا وحافظا. ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يقلب قلبك في مراقبته حتى تصير جوارحك متصرفة في أغلب أوقاتها في خدمته.

وأوصى سيدنا بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وأعظه بما وعظه الله به، قال سبحانه وتعالى: ]يَآ أَيُّهَا اُلَّذِينَ آمَنُواْ اُتَّقُواْ اُللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ [ إلى قوله: ]اُلْفَائِزُونَ[(الحشر: الآية 18-20) . وقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا اُلَّذِينَ آمَنُواْ اُتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا[ إلى: ]عَظِيمًا[ (الأحزاب: الآية 70-71) وقوله تعالى: ]واُتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى  اُللَّهِ ۖ [ إلى قوله: ]يُظْلَمُونَ[(البقرة: الآية 281) ، وقوله تعالى: ]وَلَقَدْ وَصَّيْنَا اُلَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اُتَّقُواْ اُللَّهَ ۚ [ (النساء: الآية 131) وقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا اُلنَّاسُ اُتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْمًا[  إلى قوله: ]اُلْغَرُور[(لقمان: الآية 33) .

ولك في تدبير آيات الله واعظ واعتبار، وهداية واستبصار، فأطعم نفسك من أدويته بالثبات والاصطبار، فإنه من الأدوية على من أدمن متابعة هواه بالتوالي والإدبار. وأقول:

السلام على سيدنا ورحمة الله وعلى من انتظم في سلك عقده من أهل وخادم، ورفيق وصاحب وحميم صديق، من كاتبه إليك العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمد التجاني عامله الله بفضله دنيا أخرى.

إنه ورد علي أمر عازم من سيد الوجود، بحر الكرم والجود، سيدنا محمد ، قال لي ما هذا قوله: "اكتب كتابا لولدن سليمان بن محمد أمير المؤمنين وقل له: ليس على وجه الأرض أكبر قدرا، ولا أعظم خطرا، من وردي الذي أمليته عليك. فقل له يتلوه، فبذكره إياه يصلح الله له عاقبة أمره في دنياه وأخراه. وقل له: ليس على وجه الأرض أعظم قدرا، ولا أعظم خطرا، من دعائي الذي أمليته على عليّ بن أبي طالب المسمى بالسيفي، فبقراءته يدفع الله عنه البلايا الظاهرة والباطنة ويجلب له به خير دنياه وأخراه. وعلمه الاستخارة التي علمتها لك. وكذلك قراءة الفاتحة سبعا بنية الاسم دبر الصلوات. ولا يخل نفسه من الصلاة علي بصلاة الفاتح لما أغلق قدر طاقته. فإن المداوم على هذا يصلح الله له أموره الظاهرة والباطنة. وعلمه بعض فضل الفاتح لما أغلق على قدر الطاقة". إلى هنا انتهى نص قوله الذي أمرت بتبليغه إليك. 

وليكن في كريم علمك أن حالتي معه بمنزلة خادم الملك الجالس في حضرته بالصمت والأدب، ولا يطلب أمرا ولا يَلِمُّ من عند الملك بشيء، وإنما هو إذا أمره الملك بأمر بادر وامتثل، وإلا فهو جالس في حضرة الملك بالأدب والصمت، ولا أقدر أن أطلب منه شيئا ولا أن أسأله عن شيء، ولا أتوجه إليه في شيء إلا إذا أمرني بفعل شيء امتثلت. وقد زجرني وأدبني عن الطلب والسؤال منذ سنين.

وأما الورد الذي أملاه علي وأمرني أن ألقنه للناس فهو: أستغفر الله مائة، وصلاة الفاتح لما أغلق مائة، ولا إله إلا الله مائة. تذكرها مرة صباحا ومرة مساء. فالصباح من صلاة الصبح إلى الضحى، والمساء من صلاة العصر إلى العشاء. وأخبرني سابقا أن من داوم على ورده هذا أدخله الله الجنة وأبويه وأزواجه وأولاده بلا حساب ولا عقاب، ولا يحل به عذاب من ساعة موته إلى المستقر في الجنة.

وأما الكلام على الفاتح لما أغلق، وعلى الفاتحة بنية الاسم، والسيفي، والاستخارة؛ فسأجرده لك وحده في كتاب آخر، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. انتهى

 
×

رسالة

 (المرسل إليه: غير مذكور)

الحمد لله حق حمده كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اعلم أرشدنا الله وإياك إلى سبيل هدايته أن قساوة القلب أعظم البلايا، ولم يبتل الله عبدا بأشد منها بعد الكفر.

وأسباب القسوة محصورة فيما أذكره الآن، فمن اجتنبها كلها لان قلبه ونهض إلى الفلاح وهي هذه:

الإصرار على أي ذنب كان، وطول الأمل، والغضب لغير الله عز وجل، والحقد على المسلمين، وحب الدنيا، وحب الرئاسة، وفعل ما لا يعني من قول وعمل ولو قل، وكثرة الضحك، وكثرة المزاح، والفرح بالحظوظ العاجلة، والغم من أجل فقدها، والغفلة عن ذكر الله عز وجل وعن التفكر في أمور الآخرة كأمر القبر وأمر القيامة، وضروب أهوالها ومواطنها، وأمر النار وسائر أنكالها وأغلالها، وأمر الجنة وضروب نعيمها وسرورها من حورها وقصورها إلى غير ذلك.

فالغفلة عن هذا كله سبب في القسوة. والخوض مع أهل اللهو واللعب فيما هم فيه من قول وعمل، وسماع حديثهم ومجالستهم لغير ضرورة شرعية، وصحبة السفهاء كالأحداث سنا وعقلا ودينا، وأكل الحرام والمتشابه، والشبع وكثرة الشرب للماء، وكثرة تناول الشهوات، وكثرة النوم، وكثرة تفكر القلب في غير ذكر الله عز وجل، وفي غير أحوال الآخرة من القبر وما وراءه، وقلة ذكر الله عز وجل، والرضى عن النفس باستحسان حالتها؛ فهذه أربعة وعشرون خصلة كل منها سبب في قساوة القلب.

ومن أراد أن يلين قلبه فعليه بأضدادها مع ترك هذه الخصال، وهي: كثرة ذكر الموت مع التوبة الكاملة، وتقصير الأمل باستحضار الموت عند كل نفس، ومراقبة الله عز وجل عند كل  حركة وسكون بالقلب واللسان والأركان، ونفي الغضب مطلقا إلا أن يتحقق لله عز وجل، ونفي الحقد على المسلمين مطلقا من عدو وصديق، والنصيحة لهم، والزهد في الدنيا، والفرار من جميع وجوه الرياسة وجميع أسبابها، وترك ما لا يعني من قول وعمل، ودوام الصمت إلا من ذكر الله عز وجل، وكثرة الحزن من أمر الآخرة، والبعد عن المزاح وأهله، والبعد عن الغيبة وأهلها، والتحفظ من مجالسة من لا تسلم مجالسهم من دقائق الغيبة، وترك الفرح بالحظوظ العاجلة، وترك الحزن من فقدها، والانتباه واليقظة من سنة الغفلة بذكر الله عز وجل، وطول التفكر في الموت والقبر وسائر أهواله إلى يوم القيامة، وطول التفكر في يوم القيامة وضروب أهوالها ومواطنها، والتفكر في دركات جهنم وسائر أنواع عذابها، والتفكر في الجنة وسائر أنواع نعيمها، والعزلة عن مخالطة الناس جملة وتفصيلا إلا ممن يستعان به على أمر الدين، كتلقي الأحكام والتذكير والوعظ والسلوك، وعدم الإصغاء لحديث الناس، وترك مجالستهم، وصحبة الصالحين الذين يعينون على طريق الآخرة ويحضون عليها، وإلا فالعزلة أولى إن لم يُوجَدُوا، وأكل الحلال بقدر الإمكان، الأعلى فالأعلى، وملازمة الجوع والعطش، وترك مناولة الشهوات جملة وتفصيلا، إلا أن يجب لضرورة لا بد منها، ودوام السهر، والمراد منه ومن الجوع والعطش التوسط من غير إفراط ولا تفريط، وترك حديث القلب في كل شيء إلا في ذكر الله وأمر الآخرة، وكثرة ذكر الله عز وجل، وعداوة النفس بعدم التعويل عليها وترك السعي في حظوظها، وعدم الانتصار لها والانتصاف منها؛ فهذه الأمور هي السبب في لين القلب. 

واعلم رحمك الله أن من يريد الهداية إلى الله وإلى طريقه فهي خمسة أشياء أولها: الإيمان بالله تعالى الكامل، قال تعالى: ]وَإِنَّ اُللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[(الحج: الآية 54) وقال: ]وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاُللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ[(الثغابن: الآية 11) ثانيها: الإنابة إلى الله تعالى بالإقبال عليه دواما والإعراض عن كل ما سواه. قال الله تعالى: ]وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ[(الشورة: الآية 13) ثالثها: مجاهدة النفس على طاعة الله عز وجل باجتناب نواهيه، وتريُّض النفس عن أوصافها حتى تجيب إلى الأوصاف الحميدة، وإقامتها لله عز وجل على ما يريد. قال الله عز وجل: ]وَاُلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ[(العنكبوت: الآية 69) رابعها: اتباعه في كل قول وعمل وحركة وسكون، قال الله تعالى: ]وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[(الأعراف: الآية 158) . خامسها: الاعتصام بالله عز وجل، قال تعالى: ]وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاُللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[(آل عمران: الآية 101) .

واعلم أن تقوى الله عز وجل فيها خمسة أمور: يسر في كل صعب، والمخرج من كل ضيق، ومعونة الله عز وجل بالإعانة في كل مطلب، والفرقان وهو نور في القلب يفرق به بين الحق والباطل، والعلم بما لا يعلم، قال الله تعالى: ]وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا[(الطلاق: الآية 2) وقال تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[(النحل: الآية 128) وقال تعالى: ]إِنْ تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا[(الأنفال: الآية 29) وقال تعالى: ]وَاتَّقُواْ اُللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اُللَّهُ ۗ[(البقرة: الآية 282).

ومن أراد أن لا يكون للشيطان عليه سبيل فعليه بتصحيح العبودية لله عز وجل والإخلاص، والاستعاذة بالله عز وجل عند الإحساس بشدة، وتصحيح الإيمان، والتوكل على الله عز وجل، قال تعالى: ]إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[(النحل: الآية 99) وقال تعالى: ]إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ[(الحجر: الآية 42) وقال تعالى: ]وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ اُلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاُسْتَعِذْ بِاُللَّهِ ۚ[(الأعراف: الآية 200) وقال: ]إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ[(ص: الآية 83).

ومن أراد المحبة من الله عز وجل فهي في ثلاثة: أولها محبته سبحانه وتعالى، قال تعالى: ]يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ[(المائدة : الآية 54). ثانيها: اتباعه في كل حركة وسكون وقول وعمل وحال. قال تعالى: ]قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اُللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اُللَّهُ[(آل عمران: الآية 31). ثالثها: الطهارة الكاملة، وهي من كل ما سوى الله عز وجل ظاهرا وباطنا، قال تعالى: ]وَاُللَّهُ يُحِبُّ اُلْمُطَّهِّرِينَ[(التوبة: الآية 108). قلت: وكذا في طرد الشيطان مع ما تقدم بالجوع، فقد قال : "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق فضيقوا مجاريه بالجوع".

ومن أراد إصلاح أعماله واستقامته مع الله عز وجل وصلاح أفعاله، فلا يتكلم إلا في ضرورة ولا يتكلم إلا فيما يعنيه، قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اُللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ[(الأحزاب: الآية 71).

واعلم أن الزهد في الدنيا يورث العلم من غير تعليم والهدي بغير هداية، والعز من غير عشيرة والغنى من غير مال، قال : "من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا"، وقال : "إذا زهد العبد في الدنيا أورثه الله ثلاثة خصال: عزا من غير عشيرة، وغنى من غير مال، وعلما من غير تعلم". قلت: والخامس من فوائد الزهد: محبة الله للزاهد قال للذي سأله عن عمل يحبه الله عليه ويحبه الناس: "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".

ومن أراد أن يكون الله معه في كل شيء فهو في أمور: قال الله تعالى: ]وَاُعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ اُلْمُتَّقِينَ[ (التوبة: الآية 36)، وقال: ]إِنَّ اُللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[(النحل: الآية 128) وقال تعالى: ]وَاُللَّهُ مَعَ اُلصَّابِرِينَ[(الأنفال: الآية 66). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

×